33004
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 059 : المخيخ.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1987-04-10
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إليكم هذه الأعمال التي يقوم بها المخيخ :

 أيها الأخوة المؤمنون, موضوعٌ قلما يخطر في بال إنسان، موضوع المخيخ، نسمع من خلال دراستنا، أن هناك مخاً، ومخيخاً، وجذعاً، وعموداً فقارياً .

المخيخ

صورة توضح ( المخ – المخيخ – الجسر – البصلة السيسائية ) – منظر جانبي ملاحظة : جذع الدماغ يتألف من : الدماغ المتوسط و الجسر و البصلة السيسائية


العمود الفقري

صورة توضح العمود الفقري الذي يسكن بداخله النخاع الشوكي


 لو نظرتم إلى المخيخ، لرأيتم كومةً من الخيطان، لا يزيد وزنها عن مئة وخمسين غراماً، ولكن لها دوراً خطيراً في حياتنا، إلى درجةٍ تفوق حد التخيل، عرف العلماء وظيفته من خلال بعض التجارب، فسموه: مركز توافق وانسجام حركات البدن، ولا يتداخل المخيخ في الأعمال الذهنية، لأن هذا من اختصاص قشرة المخ .

المخيخ

صورة توضح المخيخ - منظر علوي


 لو أن الدماغ أعطى أمراً بإدارة قرص الهاتف، أو أعطى أمراً بفتح باب السيارة، أقل من فتح باب السيارة بأربعمئة مرة أعطى الدماغ أمراً بفتح باب السيارة، أو أعطى أمراً بإدارة قرص الهاتف، من الذي يحدد مقدار الجهد الذي يحتاجه هذا العمل؟ إنه المخيخ، كيف أن المهندس المعماري يرسم البناء، وكيف أن المهندس المدني يجرى الحسابات الدقيقة؛ حسابات الإسمنت، وحسابات الحديد، وقطر الدعائم، كذلك المخيخ جهازٌ معقدٌ جداً، يحسب للدماغ أو للمخ الحسابات الدقيقة، لتنفيذ الأعمال التي يأمر بها؟ كما قلت قبل قليل: إن المخيخ هو مركز توافق وانسجام حركات البدن، فأن تقف على قدميك، هذه نعمةٌ .
 قال بعض العلماء: إن الوقوف على القدمين حركةٌ بهلوانيةٌ عجيبة، كيف؟ هناك جهازٌ في باطن الأذن، اسمه جهاز التوازن، قنواتٌ ثلاث نصف دائرية، تمثِّل اتجاهات الفراغات، فيها سائل، وفيها جسيمات، تتحسس بحركة السائل، إن الأذن الباطنية فيها جهاز التوازن، وجهاز التوازن يعطي المخيخ وضع الجسم، أهو قائم، أهو مائل، أهو جالس، أهو نائم، من الذي يخبر المخ وضع حالة الجسم؟ إن هذا الجهاز الدقيق، جهاز التوازن في الأذن، يعطي هذا الجهاز المعلومات، وكذلك الأعصاب، والعضلات، والمفاصل، والعظام، تخبر المخيخ بأحوالها وأوضاعها، يأتي المخيخ فيجعل من هذه المعلومات، ومن هذه الحركات كلاً منسجماً، لذلك قال العلماء: إن الوقوف البسيط يعُّد حركةً بهلوانيةً عجيبة، بدليل أن الميت لا يمكن أن يقف على قدميه، سرعان ما يقع، وقوف الإنسان تسهم فيه مجموعةٌ عجيبةٌ من الأجهزة، أن تقف على قدميك، وأن تسير، وأن تنحني، وأن تقعد، وأن تقف، وأن تجلس، وأن تميل يمنةً أو يسرةً، هذه أعمالٌ بالغة التعقيد .


الأذن

صورة توضح أقسام الأذن الثلاثة ( الأذن الخارجية و الأذن الوسطى و الأذن الداخلية ) - والقنوات نصف الدائرية في الأذن الداخلية


التيه العظمي

صورة للتيه العظمي الأيمن – منظر أمامي جانبي - توضح القنوات نصف الدائرية


قناة نصف دائرية

صورة ترسيمية للقناة نصف الدائرية


كيف يكتشف الطبيب أن هذا المريض مصاب بخلل في المخيخ ؟

 أيها الأخوة المؤمنون, لو أننا خربنا جزءاً من المخيخ، لا يزيد عن حبة عدس، في طائر، لسقط الطائر، ولما استطاع أن يطير، لو خربنا جزءاً من المخيخ، لا يزيد عن حبة عدس، لما استطاع الإنسان أن يقف على قدمين، لذلك يعرف الأطباء أن هناك خللا في المخيخ، من طريقة مشي المريض، إنه يباعد بين رجليه، ليوسِّع سطح استناده، إن مشية المريض تنبئ بخلل في المخيخ، يقال للمريض في مخيخه: ضع رأس أصبعك على أنفك، لا يستطيع، قال العلماء: هذا اسمه رجفانٌ قصدي، مرضٌ يصيب الإنسان، بسبب خللٍ في مخيخه ، تعطيه فنجان القهوة، فترجف يده باستلامه، إن هناك خللاً في مركز تنسيق التوازن، في حركات الجسم .
 يا أيها الأخوة المؤمنون, لو أننا خربنا جزءاً من المخيخ، لاضطربت الرؤية، ولما استطاع الإنسان أن يركز بؤبؤ عينه على سطرٍ يقرؤه، هذا مرضٌ سماه العلماء: الرأرأة، ولو أننا خربنا جزءً من المخيخ، لا يزيد عن حبة عدس، لاضطرب مشي الإنسان، ولأصيب بحالةٍ اسمها الترنُّح، يمشي كما يمشي السكران، لو خربنا جزءاً يسيراً من المخيخ، لاضطرب جهاز النطق، ولأصيب المتكلم بالفأفأة، والتأتأة، والحبسة، وما إلى ذلك .

أهمية المخيخ عند الإنسان :

 أيها الأخوة المؤمنون, آياتٌ كبيرة في داخل الإنسان، قال تعالى:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

[سورة الذاريات الآية: 21]

 أن تمشي في الطريق، هل تعرف أن هذه نعمة؟ لو فقدتها لعرفت قيمتها, أن تمشي على قدميك، أن تقف، أن تجلس، أن تنحني، أن تصلي، أن تركع، أن تسجد، أن تقعد القعود الأخير، إن هذه الحركات، حركاتٌ بالغة التعقيد، ولولا المخيخ لما أمكنك أن تقف، ولا أن تجلس، ولا أن تميل، ولا أن تقعد، ولا تضطجع، ولا أن تتكلم، ولا أن تنظر، كل هذه النشاطات الحركية تفقدها, لأن المخيخ مركز تنسيق، وانسجام حركات البدن بشتَّى أنواعها, قال تعالى :

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

[سورة الذاريات الآية: 21]

 يا أيها الأخوة المؤمنون, وقد قال بعض العلماء: إن الدماغ أعظم كائن على وجه الأرض، الدماغ مسؤولٌ عن الحركات الذهنية، وعن التفكير، وعن المحاكمة، وأما المخيخ فمسؤولٌ عن الحركات العضلية .


ملاحظة : الصور مأخوذة من مرجع f-netter و مرجع Gray's Anatomy و مرجع Fox Human Physiology
والحمد لله رب العالمين