5488
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 344 : عدم الفصل بين العلاج والدين.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-09-19
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تجربة حصلت :

الأطباء يتخلَّون عن الفصل بين الدين والعلم
أيها الأخوة الكرام, قدَّم لي أخٌ كريم قصاصةً من جريدةٍ صدرت في الواحد والعشرين من الشهر الثاني في عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وتسعين، عنوان هذه القُصاصة: الأطباء يتخلَّون عن الفصل بين الدين والعلم، والصلاة جزءٌ من العلاج في أمريكا .
في غرفة معاينةٍ في المركز الطبي التابع لإحدى الجامعات الكبرى، استمعت الطبيبة إلى مريضتها، وهي في الرابعة والخمسين من العمر، تعرَّضت مؤخراً لأزمةٍ قلبيةٍ، وتشكو من ضيقٍ دائمٍ في التنفُّس، ولكن بعد المعاينة، بدا واضحاً للطبيبة أن مريضتها لا تحتاج إلى دواءٍ إطلاقاً، وبدلاً من ذلك اقترحت الطبيبة علاجاً أثبت أن له قوّة شفاءٍ كبيرةٍ في كثيرٍ من الدراسات، ما هو هذا الدواء؟ اقترحت الطبيبة على مريضتها أن تصلّي لله عزَّ وجل، وعلى هذا تصافحت المرأتان، وأحنتا رأسيهما، وتمتمتا بالصلاة .
الصلاة لها قوّة شفاءٍ كبيرةٍ
قال: كان هذا اللقاء، وهذا العلاج، دليلاً على تغيرٍ بطيء وهادئ، تشهده مهنة الطب، أن تصف لمريضٍ أن يصلّي, أن يتصل بالله، أن يتوب إلى الله، أن يصطلح مع الله، وهذا جزءٌ من العلاج، هذا اكتشف لا من باب التعبُّد، ولا من باب تطبيق منهج الله، اكتشف من التجارب .
ما هي الاستطلاعات الأخيرة التي اكتشفها الأطباء الغربيون حول موضوع الصلاة, وما هي بعض الآراء التي طرحت حول موضوع علاقة الدين بالعلم؟
أظهر استطلاعٌ أجري في تشرين الأول في اجتماع سنوي ضمَّ أكثر من مئتين وخمسين طبيباً، هذا الاستطلاع انتهى إلى أن تسعةً وتسعين بالمئة من الأطباء, وجدوا أن هناك فائدة ملموسة واضحة عند مرضاهم، حينما يدعوهم إلى الصلاة .
الأطباء وجدوا فائدة واضحة حينما يدعو مرضاهم إلى الصلاة
أيها الأخوة الكرام, وفي جامعةٍ أخرى، حضر أكثر من ألف شخص، يعملون في مجال الصحة، أكَّدوا أيضاً العلاقة بين الشفاء وبين الصلاة، وقال بعض الأطباء: إن الرأي الغالب كان أن العلم لا يتناسب مع الدين، أضاف قائلاً: إن الشجاعة ما زالت غير كافيةٍ للاعتراف بقوة تأثير الصلاة، وأن ما زال هناك فراغا فيما يتعلَّق بالعناية الكاملة لمرضانا .
الإيمان صحة لأنه يمنح الطمأنينة والثقة والحب  والشعور بالأمن
حينما يصطلح هذا المريض مع الله، حينما يتصل بالله، يقوى جهاز مناعته، وهذه حقيقة علمية، هذا الجهاز الرائع المدهش، الذي خلقه الله في الإنسان ليكافح المرض، ليكافح السرطان، ليكافح كلَّ خللٍ في جسم الإنسان، هذا الجهاز الخطير المبدع، هذا الجهاز يقوى بالاتصال بالله، يقوى بالحب، يقوى بحالة الأمن، يقوى بالطمأنينة، يقوى بالثقة، ويضعف هذا الجهاز بالحقد، يضعف بالخوف، يضعف بالقلق، فالإيمان صحة بالمعنى الدقيق للكلمة، بالمعنى الاصطلاحي، الإيمان صحة .
أيها الأخوة الكرام, وقال طبيبٌ آخر، وهو مدير معهدٍ وطنيٍ للأبحاث العلمية، قال: نشعر إن إثارة الموضوع الديني مع مرضانا، هو ضدُّ آداب المهنة سابقاً, ضدُّ آداب المهنة أن توجِّه المريض إلى طاعة الله، أن توجِّه المريض إلى الاصطلاح مع الله, قال: أما الآن أصبح ضرورةً تمليها طبيعة الحرفة، ومعالجة النفوس .
الدافع لاهتمام الأطباء بالدين في المعالجة هو رغبة المرضى
أيها الأخوة الكرام, الدافع لاهتمام الأطباء بالدين، هو أن المرضى يريدون من أطبائهم أخذ توجيهاتٍ روحية في المعالجة، ذلك أن بعض الإحصاءات الأخيرة تبيّن أن ألف إنسان سُئلوا عن علاقة الشفاء بالصلاة، أربعةٌ وستون في المئة من المشمولين في هذا الاستطلاع، أكَّدوا أن هناك علاقةً قويةً بين الشفاء، وبين التديُّن الصحيح، أو الاتصال بالله عزَّ وجل .
تقول بعض المريضات: أنا أشعر بثقةٍ لا حدود لها، حينما أشعر أن الطبيب موصولٌ بقوةٍ عُليا، وأنه يعطيني توجيهات من عند الخالق، تطمئنُّ له، وترتاح له، وقد تعين هذه الفكرة جسمها على الشفاء .
تظهر بعض الدلائل العلمية بشكلٍ متزايد، أن الصلاة يمكن أن تساعد في تخفيف كثيرٍ من الأمراض، حتى الأمراض التي تبدو أنها عضال لا شفاء لها .
أظهرت الدراسات الأخيرة، وهي في الإجمال على أكثر من مئتين: أن ضغط الدم عند المتدينين أخف، وقلوبهم أكثر صحة, لأن ضغط الدم أساسه ضغط الهم, وهمُّ المؤمن هو الله, اجعل الهموم هماً واحداً، يكفك الهموم كلَّها .
وأظهرت الدراسات أيضاً: أن الصحة العقلية تتحسَّن بشكلٍ أكبر لدى المرضى الذين يصلّون، فهم أقلُّ عرضةً للإحباط أو أن يصبحوا مدمنين، أو يبادروا إلى الانتحار .
ضغط الإنسان الدَيِّن جيد وطبيعي، وقلبه قوي, السبب مطمئنّ لله عزَّ وجل، مستسلم لأمره, قال تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾

[سورة التوبة الآية: 51]

ما حق العباد على الله إن هم أطاعوه ؟

أيها الأخوة, دققوا في هذا الحديث الصحيح, عَنْ مُعَاذٍ, قَالَ:

((أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: يَا مُعَاذُ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ, ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ ثَلاثًا, هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ, قُلْتُ: لا, قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, فَقَالَ: يَا مُعَاذُ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ, قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]

أنشأ الله عزَّ وجل لنا حقاً عليه، ألا يعذِّبنا، فالمؤمن حينما يتصّل بالله ويطيعه في كل شؤون حياته, يشعر بالأمن, قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 81-82]

خلاصة القول:

وصل هؤلاء من باب الدراسات، والتجارب، والبحوث، إلى أن المريض الموصول بالله عزَّ وجل، المريض الذي يأوي إلى ركنٍ شديد، هذا المريض أسرع شفاءً، وأكثر صحةً، من الذي قطع عن الله عزَّ وجل بقواطع الذنوب؟ هؤلاء الأجانب يبحثون عن الحقيقة، وقد وصلوا إلى طرفها مؤخّراً، ولكن بعد فوات الأوان .

والحمد لله رب العالمين