16906
ندوات مصورة - البرازيل - ساو باولو: ومضات من إعجاز القرآن الكريم في الكتاب والسنة والآفاق والنفس
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-04-30
بسم الله الرحمن الرحيم

المعجزة و الإعجاز العلمي :

 أيها الأخوة الكرام، أشكر لكم هذه الدعوة للقائمين على هذا المسجد ،وإن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي، وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم.
 أيها الأخوة الكرام، ننطلق في هذه المحاضرة من أن أصل الدين معرفة الله، إن عرفت الآمر وهو الله ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، منطلق هذه المحاضرة أن الله عز وجل حينما يرسل نبياً أو رسولاً ويقول: أنا رسول الله، هناك من يكذبه، فكيف يشهد الله له أنه رسول؟ لابدّ من إجراء خرق للقوانين والنواميس على يدي هذا النبي أو الرسول كشهادة من الله على أنه رسول، لكن لابدّ من التفريق بين المعجزة وبين الإعجاز العلمي، المعجزة خرق لقوانين الطبيعة، وضع سيدنا إبراهيم في النار فلم يحترق، الناقة خرجت من جبل لسيدنا صالح، المعجزة خرق للنواميس لكن الإعجاز العلمي شيء آخر، الإعجاز العلمي يعني سبق علمي، مثلاً بعد اكتشاف المركبات الفضائية، وبعد صعود رواد الفضاء إلى القمر ما الذي حصل؟ نحن في الأرض أي أن أشعة الشمس حينما تسلط على ذرات الهواء تعكس بعض الأشعة على ذرات أخرى، في الأرض شيء اسمه ضياء، وشيء اسمه أشعة، في مكان تجد أشعة الشمس، فإذا تجاوزنا الغلاف الجوي تنعدم هذه الظاهرة، تنعدم كلياً، فنحن أمام جو مظلم، رائد الفضاء حينما صعد إلى القمر في أول رحلة، هذا الرائد بعد أن تجاوز طبقة الهواء التي يبلغ سمكها خمسة وستين ألف كيلو متر صاح بأعلى صوته: لقد أصبحنا عمياناً، لماذا ؟ تجاوز طبقة الهواء، لم يعد هناك انتثار ضوء، صار ظلام دامس، نفتح القرآن الكريم فنقرأ قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر:14-15 ]

 معنى ذلك أن هذه الحقيقة التي اكتشفت في هذا العصر قبل عشرين عاماً تقريباً أشار القرآن الكريم إليها قبل ألف وأربعمئة عام، هذا هو الإعجاز، الإعجاز سبق علمي، أي حالة علمية اكتشفت مؤخراً، والقرآن أشار إليها في وقت من سابع المستحيلات أن تكتشف.

ملخص الإعجاز أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن :

 وكالة فضاء كبرى في العالم ناسا عرضت في موقع هذه المحطة صورة لا يشك لثانية واحدة أنها وردة جورية، لها أوراق حمراء داكنة، ووريقات خضراء زاهية، وكأس أزرق في الوسط، وقد كتب تحت هذه الصورة: صورة انفجار نجم اسمه عين القط، يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، لو فتحنا القرآن الكريم:

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 37-38 ]

 لو فتحت كل كتب التفسير لا تجد تفسيراً يروي الغليل كهذه الصورة، هذا هو الإعجاز العلمي سبق علمي، ملخص الإعجاز أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.
 الآن أكبر عالم اسمه اينشتاين الذي جاء بالنظرية النسبية، وهذه النظرية تنطلق من أن سرعة الضوء هي السرعة المطلقة في الكون، و أي شيء سار مع الضوء أصبح ضوءاًً، بل إننا لو سبقنا الضوء تراجع الزمن، أي من الممكن أن نرى الأحداث التاريخية رأي العين، لو تمكنّا افتراضاً أن نركب مركبة تسبق الضوء، هذه الأحداث التاريخية صدر عنها موجات تمشي بسرعة الضوء، فإذا سبقنا الضوء تراجع الزمن، إذا سرنا مع الضوء توقف الزمن، هذا اللقاء الطيب لو أن هناك من يمشي مع الضوء سيرى إلى أبد الآبدين، لو قصرنا عن الضوء تراخى الزمن.

نظرية اينشتاين التي قلبت مفاهيم الفيزياء وردت في كلمات في القرآن الكريم:

 عقد مؤتمر للإعجاز العلمي الخامس في موسكو، وقد أُلقيت في هذا المؤتمر محاضرة دقيقة جداً أن في القرآن الكريم آية واحدة تؤكد هذه النظرية، هذه الآية:

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

[ سورة الحج: 47 ]

 العرب تعد السنة القمرية، والقمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، لو وصلنا خطاً بين مركز الأرض ومركز القمر، هذا الخط هو نصف قطر الأرض، مع نصف قطر القمر، مع المسافة بين الأرض والقمر، هذا الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، لو ضربنا هذا الرقم باثنين لكان القطر، لو ضربنا بالبي 3.14 لكان المحيط، إذاً نعرف محيط الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، لو ضربناه باثني عشر لكان في العام، لو ضربناه بألف عام فالجواب بحساب بسيط بآلة حاسبة مع معطيات دقيقة يمكن أن نحسب كم هي المسافة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، المفاجأة لو قسمنا هذه المسافة ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام على ثواني اليوم، ثواني اليوم ستون، بستين، بأربع وعشرين، الجواب هو سرعة الضوء الدقيقة، 652 299، هذه السرعة، هذا الرقم الدقيق مودع بالأكاديمية العليا في باريس، سرعة الضوء التي تعد السرعة المطلقة في الكون من أين جئنا بها؟ أي ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، لو قسمنا على ثواني اليوم لكانت السرعة التي تنتج عن هذا التقسيم سرعة الضوء،

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

 بمعنى أن الساعة في الفضاء الخارجي تعادل ألف عام في الأرض، فبين أن يتوقف الزمن وبين أن يتراجع الزمن وبين أن يتراخى الزمن، هذه متعلقة بسرعة الضوء، وهذه الموضوعات مغرقة في الدقة وفي المصطلحات .
 هذه الندوة يصدر منها موجات ضوئية لو استطعنا أن نمشي معها في الفضاء الخارجي لرأيناها إلى أبد الآبدين، والتي قلبت مفاهيم الفيزياء في الأرض أن نظريته وردت في كلمات في القرآن الكريم :

﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)﴾

[ سورة السجدة ]

 أصل الموضوع عندي حوالي ثمانين صفحة لكن هذا ملخصه، إذاً الإعجاز العلمي يؤكد أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن .

الله تعالى قهر الأرض على أن تبقى في مسارها لا تحيد يمنة ولا يسرة :

 أيها الأخوة الكرام، الأرض تدور حول الشمس في مسار إهليلجي (أي بيضوي)، وهذا الشكل له قطر أصغر و قطر أطول، فإذا اتجهت الأرض في مسارها حول الشمس إلى القطر الأصغر ضاقت المسافة بينها وبين الشمس، وقانون الجاذبية متعلق بالكتلة والمسافة، فكلما كبرت الكتلة ازدادت الجاذبية وكلما صغرت قلّت، وكلما قلّت المسافة بين الكتلتين ازداد الجذب، فإذا طالت المسافة قلّ الجذب، الأرض حينما تقترب من القطر الأصغر المسافة بينها وبين الشمس تقل، فإذا قلّت هناك احتمال أن تجذبها الشمس إليها، فإذا جُذبت إليها تبخرت في ثانية واحدة، ما الذي يحصل؟ الأرض مادة والمادة غير عاقلة، حينما تقترب من القطر الأصغر ترفع سرعتها ينشأ عن رفع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى في مسارها، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر: 41]

 هنا الزوال الانحراف، ما الذي يجعل الأرض على مسارها؟ حينما تقترب من الشمس ترفع سرعتها، فإذا تجاوزت النقطة الحرجة إلى المسافة الأطول، لو بقيت على سرعتها العالية لتفلتت من جاذبية الشمس، فإذا سارت في الفضاء الخارجي مات كل كائن حي، لو انجذبت إلى الشمس تتبخر في ثانية واحدة، تنتهي الحياة، لو تجاوزت مسارها حو الشمس.
 أية يد تمسك الأرض وتجعلها على مسارها؟

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر: 41]

 عالم من بلاد الاتحاد السوفيتي قال: لو أنها تفلتت وأردنا أن نرجعها نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي، الحبل الفولاذي المضفور أمتن عنصر في الكون، وكل كبل قطره خمسة أمتار أي يحمل مليوني طن، أي الأرض مرتبطة بجاذبية نحو الشمس بقوة تساوي مليون مليون ضرب مليوني طن من أجل أن تحرف الأرض ثلاثة ميلي كل ثانية ليكون هذا الانحراف مؤدياً لمسار مغلق حول الشمس، يد من؟ هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟ الله عز وجل قال :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر: 41]

 هذه الحبال لو زرعناها على سطح الأرض المليون مليون كبل لفوجئنا أن بين الحبلين مسافة خمسة أمتار فقط، نحن أمام غابة من الفولاذ لا يوجد ملاحة، ولا بناء، ولا طيران، ولا زراعة، لا بناء ، لذلك قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

[ سورة الرعد : 2]

 بعمد لا ترونها، هي قوى التجاذب.

من عرف الله عرف كل شيء :

 أيها الأخوة الكرام، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، و الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، الآن بأحد أبراج السماء برج العقرب هناك برج فيه نجم صغير متألق أحمر اللون اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، لو أن قلب العقرب حلّ محل الشمس لالتهم كل المجموعة الشمسية:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

[ سورة لقمان: 11]

 أيها الأخوة، أنا أتمنى أن أوضح هذه الفكرة، أنت إذا عرفت الله عرفت كل شيء، وإن غفلت عن الله فاتك كل شيء، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.

((إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها))

[ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]

من أراد الدنيا و الآخرة فعليه بالعلم :

 أيها الأخوة الكرام، بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب إليها أربع سنوات ضوئية، والضوء كما تعلمون يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كم، كم يقطع في الدقيقة ؟ نضرب ثلاثمئة ألف بستين، كم يقطع في الساعة؟ نضرب بستين، كم يقطع في اليوم؟ نضرب بأربع و عشرين، كم يقطع في السنة؟ نضرب بثلاثمئة و خمسة و ستين، كم يقطع في أربع سنوات؟ نضرب بأربع، ابنك الصغير يحسب هذه المسافة خلال دقائق، من أجل أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض نحتاج إلى خمسين مليون عام، أي أن تقود السيارة خمسين مليون عام، كل عمر الإنسان ستين سنة، الآن السؤال: متى نصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية؟ متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليوني سنة ضوئية؟ متى نصل إلى بعض المجرات التي تبعد عنا أربع وعشرين مليار سنة، اقرأ قوله تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة الواقعة: 75-76 ]

 لذلك:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر: 28]

 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل.

البعوضة من آيات الله الدالة على عظمته :

 أيها الأخوة، الآن ننتقل نقلة مفاجئة من المجرات إلى أحقر مخلوق على وجه الأرض، بعوضة وردت في القرآن الكريم :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 26 ]

 طبعاً بعد اكتشاف المجهر الإلكتروني الذي يكبر أربعمئة ألف مرة، وضعت البعوصة تحت المجهر، دققوا في المعلومات التالية، فإذا في رأسها مئة عين، وفي فمها ثمانية و أربعون سناً، وفي صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان، وتملك البعوضة جهازاً لا تملكه الطائرات، تملك جهاز استقبال حراري، هي ترى الأشياء لا بألوانها، ولا بأشكالها، ولا بأحجامها، ولكنها ترى الأشياء بحرارتها فقط، حساسية هذا الجهاز عندها واحد على ألف من الدرجة المئوية، ما كل دم يناسبها، معها جهاز تحليل دم، قبل أن تمتص الدم تحلل الدم، فقد ينام أخوان على سرير واحد، يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض والثاني لم يصب بشيء.
 معها جهاز تخدير لئلا تقتل أثناء مص الدم، أما الإنسان حينما تطير االبعوضة إلى سماء الغرفة، وتبتعد عنه، وينتهي مفعول التخدير، يضربها ويظن أنها على يده وهي في جو الغرفة تضحك عليه، معها جهاز تحليل، جهاز استقبال حراري، جهاز تمييع، لأن دم الإنسان سمج لا يسري بخرطومها، أما خرطوم البعوضة ففيه ست سكاكين، أربع سكاكين لإحداث جرح مربع، وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم، وفي أرجل البعوضة مخالب و محاجم. الآن نقرأ الآية الكريمة:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 26 ]

التفكر في خلق السماوات و الأرض :

 أيها الأخوة الكرام، هناك قضايا كبيرة جداً، كلكم يعلم أنك إذا قرأت آية في القرآن الكريم فيها أمر ينبغي أن تأتمر، فإذا قرأت آية فيها نهي ينبغي أن تنتهي، فإذا قرأت آية فيها وصف لمشهد أهل الجنة ينبغي أن تسعى للجنة، فإذا قرأت آية عن أحوال أهل النار ينبغي أن تسعى للبعد عنها، إن قرأت آية عن هلاك أمة سابقة أن تتعظ، فإذا وجدت في القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون، ما موقفك منها؟ الموقف أن أتفكر في خلق السماوات والأرض، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

معرفة الله أصل من أصول الدين :

 أيها الأخوة الكرام، أنا أتصور أن مشكلة العالم الأولى أنهم عرفوا أوامر الله من خلال تشريعاته السماوية، لكنهم ما عرفوا الله، والله لو عرفنا الله لكنا في حال غير هذا الحال، لو عرفنا الله ما تقاتلنا، لما خاصم بعضنا بعضاً، إلهنا واحد وربنا واحد، لذلك معرفة الله أصل من أصول الدين، قال تعالى:

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة الأنعام: 103 ]

 لكن العقول تصل إليه، هذا الكون كله مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، طبعاً البعوضة الصور أنا عرضتها في الفضائية السورية، الصور المجهرية، هذا كله عرض في الفضائية تدليلاً على عظمة الله عز وجل، فإذا قرأت هذه الآية:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 26 ]

الغشاء العاقل من آيات الله الدالة على عظمته :

 الآن، المرأة حينما تلد ينزل مع الجنين الخلاص، قرص لحمي يسمى عند الأطباء بالمشيمة، في المشيمة آيات لا تستطيع إلا أن تخر لله ساجداً، السبب أن تجتمع فيه دورة دم الأم و دم الجنين ولا يختلطان، كيف؟ بينهما غشاء سماه الأطباء الغشاء العاقل، يأخذ من دم الأم السكر يضعه في دم الجنين، يأخذ من دم الأم الأوكسجين يضعه في دم الجنين، قام بدور جهاز الهضم والتنفس، ثم يأخذ من دم الأم الأنسولين يضعه في دم الجنين قام بدور البنكرياس، صار بدم الجنين أوكسجين، وهيدروجين، وأنسولين، يحترق السكر بالأوكسجين عن طريق الأنسولين فتولد طاقة بدرجة سبع وثلاثين، بعد الاحتراق هناك فضلات ثاني أكسيد الكربون، غاز الفحم، الغشاء العاقل يأخذ ثاني أكسيد الكربون من دم الجنين يضعه في دم الأم، جزء من زفير الأم زفير جنينها.
 يأخذ الغشاء العاقل من دم الأم مناعتها، جميع اللقاحات التي تلقحت بها في صغرها حتى الولادة، وجميع الأمراض التي أورثتها مناعة معينة، يأخذ عوامل مناعة الأم من دم الأم ويأخذها ليطرحها في دم الجنين، لو أن الأم لا سمح الله تسممت بمادة غذائية هذا السم لا ينتقل إلى دم الجنين، يد من؟ حكمة من؟ قدرة من؟ علم من؟

فلو شاهدت عيناك من حسننا الــذي  رأوه لما وليت عنا لــــــغيرنا
ولو سمعت أذناك حســــن خطابنا  خــلعت عنك ثياب الـعجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المــــحبة ذرة  عذرت الـــذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولــــو نسمت من قربنا لك نسمة  لـــمت غريباً واشتياقــاً لقربنا
ولو لاح من أنوارنــــا لـك لائحٌ  تركــت جميع الكـائنات لأجلنـا
فما حبنا سهل وكل من ادعــــى  سهولته قلنا له قـــــد جهلتنا
***

 أيها الأخوة الكرام، الدين ليس معلومات فقط الدين حب، الدين صلة بالله، الدين أن ترحم المخلوقات جميعاً، أما الانتماء للدين انتماء شكلي هذا لا يقدم ولا يؤخر، لابدّ من الحب مع العلم.
 أيها الأخوة، الغشاء العاقل الآن يقوم بأخطر مهمة، لو كلفنا أطباء الأرض لا يستطيعون أن يعلموا كم يحتاج الجنين من مواد غذائية، مواد بروتينية، مواد سكرية، مواد دسمة، فيتامينات، معادن، أشباه معادن، الغشاء العاقل يعلم تماماً ما يحتاجه الجنين، و لو ترك الجنين لأطباء الأرض جميعهم لمات في ساعة واحدة، يعلم المواد، ويعلم النسب، وهذه النسب تتبدل في كل ساعة، بحسب نمو الجنين وينفذها.
 الآن هذا الجنين نقصه بوتاس يا ترى هل هناك طريقة يبلغ أمه أنه يحتاج البوتاس؟ الغشاء العاقل مهمته أن تشتهي الأم أكلة فيها بوتاسيوم، فشهوة الأم أثناء الحمل مرتبطة بحاجة الجنين:

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة النمل: 88 ]

الآيات الدالة على عظمة الله لا تعد و لا تحصى :

 أيها الأخوة الكرام، شهد الله الآيات الدالة على عظمة الله، الآيات التي خلقها الله في الآفاق، قال تعالى:

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت : 53 ]

 والله لا تعد ولا تحصى، لو تفكرنا فيها لخررنا لله ساجدين، الآن الغشاء العاقل كما قلت يقوم بمهمات يعجز عنها الأطباء، هذا الغشاء العاقل خلقه الله عز وجل ليكون وسيلة لتغذية هذا الجنين، ومن آيات الله الدالة على عظمته.
 أيها الأخوة الكرام، نحن لو سافرنا إلى فنلندا، الحرارة تسع وستون درجة تحت الصفر، كل شيء يتجمد، طبعاً نرتدي معطفاً، قبعة، قفازات ، جوارب صوفية، ألبسة صوف، هل تستطيع أن تغطي العين؟ تمشي في الطريق، والعين فيها ماء، والماء يتجمد بدرجة صفر، والحرارة تسع وستون، أودع الله في ماء العين مادة مضادة للتجمد، صنع من؟ حكمة من؟ قدرة من؟
 أيها الأخوة الكرام، كأس الماء فيه خاصة والله الذي لا إله إلا هو لو لم تكن هذه الخاصة لما كان هذا اللقاء، ولما كانت سان باولو كلها، ولما كانت الأرض ولا الحياة، هذا الماء له خاصة ينفرد بها، أن شأنه شأن أي عنصر آخر بالتبريد ينكمش، وبالتسخين يتمدد، أي عنصر بالأرض لو كان صخراً بالتبريد ينكمش، وبالتسخين يتمدد، وكل بناء فيه فواصل تمدد من أجل هذا، إلا الماء شأنه أيضاً كهذا الشأن لكن الآن نحن نبرده عندنا ماء حرارته أربعون، بردناه عند ناقص أربعة تنشأ حالة جديدة تنعكس الآية يتمدد الماء، لولا هذا التمدد لما كانت حياة على وجه الأرض، لو لم يكن هناك تمدد بل هنلك تقلص إذا تقلص حجم الماء ازدادت كثافته، فغاص في أعماق البحار بعد حقب من الزمن تتجمد البحار كلها وينعدم التبخر، تتوقف الأمطار، يموت النبات، يموت الحيوان، يموت الإنسان، لذلك حياتنا قائمة على خاصة في هذا الماء.

توجيهات النبي الكريم إنما هي وحي يوحى :

 أيها الأخوة الكرام، موضوعات كثيرة لا تعد ولا تحصى تثبت عظمة الله عز وجل، نحن هذا الإعجاز في الكتاب، لكن الإعلان عن محاضرة في الكتاب والسنة، آتيكم بزمرة واحدة من السنة، البرازيل دولة تصدر الدجاج للعالم كله.
 أيها الأخوة الكرام، أنا أمشي في بستان، وجدت أفعى، ما الذي حصل؟ انطبعت صورة الأفعى على شبكية عيني إحساساً، الشبكية لا تقرأ الصورة، نقلتها إلى الدماغ، هناك ملفات الأفعى والثعبان، طالب درس بالعلوم عن الأفعى، سمع قصة من جدته عن الأفعى، رأى مرة أفعى، رأى أفعى محنطة مثلاً، فهذه المشاهدات، والمعلومات، والدراسات، تشكل ملفاً اسمه ملف الأفعى، فهذا الملف موجود بالدماغ، وعندما انتقلت صورة الأفعى من الشبكية إلى الدماغ، الدماغ قرأ الصورة في ملفات الأفعى والثعبان، الدماغ ملك الجهاز العصبي يلتمس من ملكة الجهاز الهرموني و التي تزن نصف غرام وتفرز تسعة هرمونات، لو تعطل إفراز أحد الهرمونات لأصبحت حياة الإنسان جحيماً، هرمون الجنس، هرمون النمو، توازن السوائل، بحث دقيق جداً، يكفينا هرمون واحد هرمون الكظر، الدماغ عندما يدرك في مركز الإبصار أن هناك خطراً، لأن الملكة زميلة له وليست تحت يده، يعطي التماساً إلى الملكة أن واجهي الخطر، هذه الملكة تعطي أمراً إلى وزير الداخلية الخاص بها، وهو غدة فوق الكلية اسمها الكظر، ماذا تفعل غدة الكظر؟ تعطي خمسة أوامر، أول أمر ترسل أمراً استثنائياً إلى القلب برفع النبض من ثمانين نبضة إلى مئة وثمانين نبضة، الخائف لو أخذنا نبضه لوجدناه مئة وثمانين نبضة، النبض الطبيعي ثمانون نبضة بالدقيقة، الأمر الثاني يرسل إلى الأوعية المحيطية، تضيق لمعتها، فيصفر لونه، حتى يتوفر الدم للعضلات، يذهب الأمر الثالث إلى الرئتين لتزيد في وجيبهما، يلهث الخائف، نبضه عال، يلهث، ووجهه أصفر، الأمر الرابع يرسل أمراً للكبد بطرح كمية سكر إضافية، لو فحصنا دم الخائف لوجدنا أن السكر فيه ثلاثمئة وخمسين، الوضع الطبيعي يقدر بمئة وخمسة وعشرين، الهرمون الخامس لئلا يسيل دمه كله يرسل الكظر أمراً للكبد بإرسال هرمون التجلط، هذا يتم بثوان معدودة، إنسان شاهد ثعبان ارتفع نبضه للمئة والثمانين، اصفر لونه، ازداد وجيب رئتيه، طرح سكر بالدم.
 الآن هذه تمهيد، النبي عليه الصلاة والسلام أمر إن أردنا ذبح الذبحية ألا نقطع رأسها، لا في عصره، ولا بعد مئة عام، ولا بعد مئتي عام، ولا بعد ألف عام، ولا بعد ألف وأربعمئة عام، في الأرض جهة تستطيع تفسير هذا التوجيه والتوجيه النبوي:

﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4]

 الآن اكتشفنا أن الدابة عندما يقطع رأسها، بالمناسبة قلب الإنسان شيء لا يصدق، دقيق إلى درجة متناهية، قلب الإنسان مثل مستشفى جراحي لا يمكن أن تكون تحت رحمة الشبكة العامة، فإذا كان المريض مفتوح قلبه وقطع الكهرباء يموت، فلابدّ في كل مستشفى من مولدة خاصة به، كل الجسم يتلقى أوامر كهربائية من الشبكة العامة إلا القلب يتلقى أمراً كهربائياً من ذاته، عنده مركز كهربائي لو تعطل هناك مركز ثاني، لو تعطل يوجد مركز ثالث، ثلاثة مراكز أول ثان ثالث، القلب ينبض ثمانين نبضة بأمر ذاتي منه أما من ثمانين إلى مئة وثمانين فيجب أن يأتي عن طريق الدماغ، عندما يكون هناك خطر الدماغ يدرك ذلك فيعطي أمراً للغدة النخامية، النخامية للكظر، الكظر للقلب، رفع النبض، لو أن هذه الدابة قطعنا رأسها لبقي النبض ثمانين نبضة، هذا النبض يخرج ربع الدم فقط، ويبقى الدم أزرق في الدابة ، أما إذا بقي رأسها فيعمل الجهاز الاستثنائي، يرفع النبض لمئة وثمانين، يصبح لون اللحم أحمر، شاهد حيوان صعق كبعض المسالخ في العالم الغربي لونه أزرق أما الذبح بهذه الطريقة فلونه زهر.
 لي صديق ذهب إلى الصين ليشتري اللحوم، طلب هذه الطريقة فرفعوا السعر، كان جوابهم ثمانية كيلو دم يذهب بهذه الطريقة، نريد ثمنهم، هذا التوجيه :

﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4]

آيات الله عز وجل في النفس :

 أيها الأخوة الكرام، قضية الإعجاز قضية واسعة جداً:

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت : 53 ]

وفي كل شيءٍ له آيةٌ  تدل علـى أنـه واحـد
***

 هذا الصوص من البيضة كيف يخرج؟ شيء عجيب، ينمو له نتوء مؤنف على منقاره كالإبرة يكسر بها القشرة ثم يضمر هذا النتوء ويتلاشى:

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾

[ سورة الطور : 35]

 بطحال الجنين كمية حديد تكفيه سنتين حتى يأكل لأن الحليب ليس فيه حديد.
 أيها الأخوة الكرام، أنبوب الهضم في الجنين ممتلئ بالشحم الأسود حتى لا يصير التصاق، فتصبح أمعاؤه شريطاً، يجب أن تكون أنبوباً، فهناك شحم أسود الآن الأم أول أربعة أيام لا تفرز حليباً تفرز مادة تذيب هذا الشحم، تجد الطفل خروجه أسود اللون.
 هناك شيء أدق من هذا، قلب الإنسان ينبض لكن بالجنين لا يوجد رئتان تعملان لأنه لا يوجد هواء أساساً، فالدورة الصغرى معطلة، ما الذي يحصل؟ يفتح ثقب بين الأذينين، كشفه عالم فرنسي اسمه بوتال، هذا الثقب ينقل الدم من أذين إلى أذين، الآن ولد الطفل اسمعوا ماذا قال لنا الأستاذ في الجامعة، قال: تأتي جلطة فتغلق هذا الثقب، وأحياناً الله عز وجل لحكمة بالغة كل خمسمئة ألف طفل يبقى هذا الثقب مفتوحاً فيصاب الطفل بداء الزرق، يعيش كم سنة فقط ولا يستطيع المشي.
 أيها الأخوة الكرام، الطفل الآن ولد، لا يوجد قوة تعلم الطفل كيف يمص ثدي أمه، فإذا كان لا يعلم كيف يمص يموت، لي أخ من أخواني جاءه طفل لا يحسن مص الثدي فمات، لا يوجد طريقة، فالله عز وجل زود الطفل بآلية معقدة جداً، يولد مع الطفل منعكس اسمه منعكس المص، لولاه لما كان هذا اللقاء، ولما كانت سان باولو، ولا البرازيل، ولا الشام.

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

[ سورة لقمان: 11]

 أيها الأخوة الكرام، لعلي أطلت عليكم سامحوني، هذه بعض الومضات من إعجاز القرآن الكريم في الكتاب والسنة، في الآفاق، وفي النفس.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

والحمد لله رب العالمين