6509
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 328 : العقرب والإنفجار النووي.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-12-27
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما ينبغي على الإنسان أن يفعله :

 أيها الأخوة الكرام, الإنسان له خصائص، خصائص يتميَّز بها، وخصائص يشترك فيها مع بقية الخلق، الإنسان لا يحقُّ له أن يفتخر بما يفوق به كل مخلوق، إن افتخر بوزنه، فهناك بعض المخلوقات تزن بالأطنان، وإن افتخر بشمِه، فالكلاب قوة شمها مليون ضعف للإنسان، وإن افتخر ببصره، فالصقور ترى ثمانية أضعاف الإنسان، وإن افتخر بعدوه، هناك من تزيد سرعته عن مئةٍ وخمسة وعشرين كيلو متراً في الساعة من الطيور .
 لكن الإنسان ميزه الله بالعلم، ميزه بالحكمة، ميزه بالقوة الإدراكية، ميزه بأنه خليفته في الأرض، كلَّفه إعمار الأرض، كلَّفه تزكية نفسه، فالإنسان إذا اشتغل بما انفرد به خيرٌ له من أن يشتغل بما يتفوَّق عنه بقية المخلوقات في كلِّ شيء .

ما هي الغاية من هذه المقالة ؟

 وقعت تحت يدي مقالةٌ اليوم: أن فرنسا قبل خمسٍ وثلاثين سنةً أقامت في صحراء الجزائر الغربية تفجيراً نووياً، وهذا التفجير النووي كما تعلمون، لهيبٌ حارق أو ضغطٌ ماحق لا يبقي شيئاً، لا نباتاً، ولا حيواناً، ولا إنساناً، وشكَّل هذا الانفجار حفرةً كبيرةً جداً، وشكَّل كرةً من النار تعلو مساحاتٍ شاسعة، ثم فوجئ بعد نهاية الانفجار عقرباً يمشي في أرض الانفجار .
 عكف علماء الحيوان ربع قرنٍ على دراسة هذا العقرب، فوجدوا أن العقرب يستطيع أن يبقى بلا طعامٍ ولا شراب ثلاث سنواتٍ متتالية، ووجدوا أن العقرب يستطيع أن يكتم أنفاسه تحت الماء لمدة يومين كاملين، ووجدوا أنه إذا وضع في الثلاجة في درجة عشرة تحت الصفر، ثم نقل إلى رمل الصحراء المحرقة في درجة ستين، يتكيَّف مع هذا التبدُّل الطارئ، ثم وضع في حمامٍ من الجراثيم، ذات الذيافين الفظيعة، فلم يتأثَّر بها إطلاقاً, وكأنه في حمامٍ بارد ، ثم عرضَّوه لأشعةٍ نوويةٍ تزيد ثلاثمئة ضعف عما يتحمله الإنسان فتحمَّلها، شرَّحوه، ليس فيه دم، بل مصلٌ أصفر، ماذا يعلِّمنا هذا؟ يعلمنا أن الإنسان سريع العطب .
 أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون الإنسان حساساً، كان من الممكن أن يكون الإنسان كهذا المخلوق، فلا يتأثر بشيء، ولا يمرض، ولكن المرض نافذةٌ إلى السماء تفتح على الإنسان، مخلوقٌ صغيرٌ لا أحد يهتم له, بل نقتله إن رأيناه، يتمتع بهذه الحصانة، في بؤرة الانفجار النووي لم يتأثر، وبقي يمشي, معنى ذلك أن في المرض حكمةً تغيب عنا أحياناً، كان من الممكن أن نتمتع بهذه الحصانة، لا مرض، ولا مستشفيات، ولا ضغط مرتفع، ولا قلب، ولا رئتين، ولا أورام، ولا شيءٍ من هذا القبيل، قالوا: بحسب الكشوفات مضى على هذا العقرب خمسمئة مليون سنة، حيوان صغير لا نعبأ به .
 أيها الأخوة الكرام, يجب أن نعلم أن قدرة الله تتعلق بكل ممكن، ولكن شاءت حكمة الله أن يكون الإنسان هكذا، أن يكون سريع العطب ليلتفت إلى الله عزَّ وجلًّ .
 كم من إنسانٍ التفت إلى الله بمرض؟ كم من إنسانٍ أقبل على الله أثر مرض؟ فهذا الذي يقع هو حكمةٌ مطلقة، كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل ما أراده الله وقع، وحكمة الله متعلقةٌ بالخير المطلق .

والحمد لله رب العالمين