26786
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 326 : العصاب.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-11-29
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما تعريف مرض العصاب, وما هو أشهر أنواعه, وما تعريف هذا النوع ؟

ترقب الخطر والخوف من خطر مجهول المصدر هو مرض عُصاب القلق
جاء في كتب علم النفس, وفي كتب الأمراض النفسية: أن العُصابَ هو انفعال لا يعرف له أساس تشريحي .
هو مرض نفسي أو هو مرض يحدث وظيفي ليس له أساس عضوي، في العُصابِ توتر نفسي مع احتفاظ الشخص بسلامة قواه العقلي, أما الذِّهن تتأثر فيه القوى العقلية .
يقول علماء النفس: إن من أهم أنواع العُصاب, عُصاب القلق، وهو أكثر العُصابات انتشاراً يكون موقتاً, ويكون مستمراً، عرفه بعضهم: بأنه شعورٌ معمم بالانزعاج البغيض, وترقب الخطر, والخوف الناجم عن خطر متوقع مجهول المصدر . إليكم هذه القصة التي تعبر عن مرض عصاب القلق : قرأت لكم في أول الخطبة أسطراً قليلة، اطلع أحد الأدباء الكبار على مذكرات صديق له من أهل الغنى واليسار والجاه والشأن، يقول هذا الغني الكبير: إنني أعيش في خوف دائم, في رعب من الناس والأشياء، رعب من نفسي، لا الثروة أعطتني الطمأنينة, ولا المركز الممتاز أعطانيها, ولا الصحة, ولا الرجولة، ولا المرأة, ولا الحب, ولا السهرات الحمراء, ضقت بكل شيء بعد أن جرَّبت كل شيء، إنني أكره نفسي, أخاف من نفسي، ألا ترى الأشباح من حولي؟ ألا تحس بالخوف يفتح فمه ليلتهمني؟ لِمَ هذا الخوف؟ الطمأنينة نتاج  الإيمان
الهموم ليست لي هموم، إن كل شيء بين يدي, لماذا أنا خائف إذاً؟ ربما كنت خائفاً لأنه لا يوجد شيء أخاف منه، إنني خائف من المجهول الذي لا أعرفه، إنني تائه في الحياة, لأنني بلغت قمة الحياة، إن الحياة الآن هي عدوي الأول، إنني أخاف من الحياة نفسها .
عصاب القلق شعور معمم بالانزعاج البغيض, وترقب الخطر, والخوف الناجم عن خطر متوقع مجهول المصدر .

ما هو الخطأ الذي وقع فيه علماء النفس ؟يقول علماء النفس وهم يتكلمون عن حاجات الإنسان: الإنسان بحاجة إلى الأمن، ولكن أين هو الأمن؟ سيوف الأمراض المُسَلَّطة على الناس لا تعد ولا تحصى، خوف من الورم الخبيث، خوف من أزمة قلبية، خوف من عجز، خوف من شلل, خوف على الرزق، الناس بحاجة إلى الأمن, وبحاجة إلى النجاح, وبحاجة إلى الحب، وأغفل علماء النفس إن الإنسان قبل كل هذه الحاجات بحاجة إلى الإيمان, لأنك إذا آمنت اطمأننت، وإذا آمنت أحببت الخلق كلهم, لأنهم عيال الله، وإذا آمنت نجحت في سر وجودك .

ما هو الخوف الايجابي, وما هو الخوف السلبي ؟

الخوف من الله والاستقامه على أمره سبب الطمأنينة
فرَّق العلماء بين الخوف الإيجابي والخوف السلبي، إذا خفت من الله واستقمت على أمره فمن أجل أن تطمئن، إذاً: الخوف من الله طريق الطمأنينة, طريق الأمن, طريق السعادة طريق الحب, طريق النجاح، أما إذا خفت مما سوى الله فهو طريق الاضطراب, طريق العصاب, طريق الذهان، قال الله تعالى:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[سورة الرعد الآية: 28]

لو أن الله عز وجل قال: تطمئن القلوب بذكر الله، فبحسب اللغة تطمئن بذكره, وتطمئن بغير ذكره, أما حينما قدم ذكره على الطمأنينة, فالقلوب لا تطمئن إلا بذكر الله حصراً, قال الله تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾

[سورة المعارج الآية: 19-30]

ما هو محور الدرس ؟

لا شيء يعطي الأمن كالتوحيد ولا شيء يملأ القلب فزعاً كالشرك
أيها الأخوة الكرام, محور هذه الخطبة أن أثمن شعور تملكه في الحياة الدنيا أن تكون مطمئناً, أن تكون آمناً, إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه, معافىً في بدنه, عنده قوت يومه, فقد حِيزت له الدنيا بحذافيرها .
سأل ملك جبَّار وزيراً له: من الملك؟ قال: أنت، قال: لا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا, له بيت يؤويه, وزوجة ترضيه, ورزق يكفيه، هذا هو الملك .
هذه الحاجات الأساسية التي افتقدت هي وراء معظم الأمراض، كلما تقدم الطب تبين له أن الشدة النفسية وراء أكثر الأمراض, وأن الطمأنينة وراء الصحة، لذلك لا شيء يعطيك الأمن كالتوحيد, ولا شيء يملأ القلب فزعاً كالشرك، قال الله تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

[سورة الشعراء الآية : 213]

والحمد لله رب العالمين