6620
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 148 : العدوى
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-02-16
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

كيف نفهم هذين الحديثين ؟

أيها الأخوة الأكارم, حديثٌ له علاقةَ بالموضوع السابق، موضوع العدوى، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام قال قبل أربعة عشر قرناً وزيادة في حديثٍ صحيحٍ رواه البخاري :

((لا عَدْوَى))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا
يقول النبي عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى، وكلامه وحيٌ يوحى:

((لا عَدْوَى))

والعدوى ثابتة، ألم يقل في حديث أخر:

((إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

لماذا؟ من أجل العدوى، لكنَّ أحدث بحثٍ في علم الجراثيم هو أنه لا عدوى .
العدوى وحدها لا تمرض بل تهيئ أسباب المرض
فالجرثوم، قد ينتقل من مريضٍ إلى صحيح، ولا يمرض الصحيح، وقد ينتقل من صحيحٍ إلى صحيح، فيمرض الصحيح الثاني، وقد ينتقل من مريضٍ إلى صحيح، فتسبب هذه الجرثومة للصحيح مناعة، يزداد قوةً، وقد ينتقل من صحيحٍ إلى صحيحٍ أول، وصحيحٍ ثاني، وثالث، ورابع، وخامس، وعاشر، فيصاب الصحيح العاشر .
فحينما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((لا عَدْوَى))

أي أن العدوى لا تُمْرِضْ، ولكن العدوى تهيئ أسباب المرض، هذا معنى قول النبي وفي منتهى الدقة، لذلك قال في الحديث الصحيح، الذي رواه الإمام البخاري:

((لا عَدْوَى, وَلا طِيَرَةَ, وَلا هَامَةَ, وَلا صَفَرَ, وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

فر منه، ليس في هذا الحديث تناقض أبداً، العدوى وحدها لا تمرض، ولكن العدوى تهيئ أسباب المرض .

سؤال ورد :

الوضوء أكبر وقايةٍ من العدوى
وقد سُئل بعض العلماء، علماء الجراثيم، ما المنطقة في الإنسان التي يكثر فيها العدوى. فقال: الأطراف الأربعة والوجه .
ما الوضوء؟ يجب أن تغسل يديك، علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نغسل أيدينا لا في الإناء، ولكن في ماءٍ منتزعٍ من الإناء، فإذا كان في الأيدي جراثيم، لا ينتقل هذا الجرثوم إلى ماء الإناء، وعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه المنافذ التي ينفد منها الجرثوم إلى الجسم، كالأنف، والفم، والأذنان، هذه يجب أن تغسل في اليوم والليلة خمس مرات .
الوضوء أكبر وقايةٍ من العدوى، الوضوء وحده، المضمضة، والاستنثار، وغسل الوجه، واليدين، والرجلين .


إليكم هذه الأحاديث التي وردت عن النبي بشأن العدوى :

أيها الأخوة, تنتقل العدوى عن طريق جهاز التنفس، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام لأحد أصحابه، وهو يشرب:

((فَأَبِنِ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ, ثُمَّ تَنَفَّسْ, قَالَ: إِنِّي أَرَى الْقَذَى فِيه, قَالَ: فَأَهْرِقْهُ))

[أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري في مسنده]

أمرنا أن نأخذ الوقاية
يقول عليه الصلاة والسلام:

((لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ))

[أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح]

أي لا ينبغي أن يزور المريض صحيحاً، إذا زار الصحيح مريضاً لا ينبغي أن يأكل عنده شيء، لعل في طعامه هذا الجرثوم .
سأل أعرابيٌ النبي عليه الصلاة والسلام:

((فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ كَانَ أَعْدَى الأَوَّلَ))

[أخرجه أحمد في مسنده عن أبي هريرة]

النبي لا ينفي العدوى، ولكنه ينفي أن تكون العدوى سبباً للمرض، أمرنا أن نأخذ الوقاية، ولكن العدوى وحدها لا تكفي لنقل المرض، لأن هناك حالات كثيرة لا تكفي العدوى فيها للمرض، هذه التوجيهات النبوية من أدق التوجيهات العلمية، لأنه لا ينطق عن الهوى، لأن في تعليماته تعليمات الصانع .

والحمد لله رب العالمين