22644
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 003 : الكليتان وشكر نعمتهما
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-11-01
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

مناسبة هذه الأحاديث لهذا المقال ؟

 في الأحاديث الشريف, أيها الأخوة, حديثٌ: ذكرته لكم كثيراً، كان عليه الصلاة والسلام ، إذا دخل بيت الخلاء، وخرج منه, يقول:

((الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأبقى لي ما ينفعني))

 وفي دعاءٍ آخر، كان يقول إذا أكلَّ الطعام:

((الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيَّ قوته، وأذهب عني أذاه))

 قرأت اليوم مقالةً في مجلةٍ شهريةٍ، تعنى بالشؤون العلمية عن الكلية، هالني أن الكليتين تصفيان في اليوم الواحد من الدم، ألف وثمانمئة ليتراً
العظام وتركيبها

صورة توضح الكليتين في البطن


كدت لا أصدق هذا الرقم، تأملت فيه ملياً، عدت إلى مصدرٍ آخر، الرقم صحيح، ألف وثمانمئة ليتر, وأن في الكليتين طريقاً من الأنابيب، من النفرونات، دقيقٌ وطويلٌ، طوله ستون كيلو متر في الكليتين, وأن هاتين الكليتين فيهما طاقةٌ لتصفية عشرة أمثال حاجة الإنسان .
العظام وتركيبها

صورة توضح النفرونات في الكلية


 لذلك إذا التهبت الأولى تستأصل، ويعيش الإنسان حياةً مديدة بكليةٍ واحدة، أليس هذا من رحمة الله عزَّ وجل؟ لأن الكلية جهاز خطير، جعل لك قطعةً زائدة، أو كليةً زائدة عن حاجتك .

أسرار الكليتين في جسم الإنسان :

 أيها الأخوة, من منا يصدق، أن الدم بكامله يمرُّ في الكليتين في اليوم ستاً وثلاثين مرة؟ وأن هاتين الكليتين، تقومان بعمليةٍ في منتهى التعقيد، تأخذان هي من الدم المواد السكرية، والمعادن، والبروتينات، وتطرحها في الوريد الخارج منها, والباقي ما زاد من السكريات عن حاجة الدم، يطرح في البول .
 إذا أصيب الإنسان بمرض السكر، كيف يعرف ذلك؟ من وجود السكر في البول، معنى ذلك, أن الكلية تأخذ نسبةً نظامية للسكر، وتطرح الباقي مع البول، وإذا أكل الإنسان ملحاً كثيراً، وفحصنا بوله، نجد أنَّ جزءاً من هذا الملح، طرح مع البول .

ما قيل عن الكلية :

 الكلية، كما قال بعض العلماء: تتيح لكَّ أن تأكل كلَّ شيء، ولولا الكلية، لو ارتفعت نسبة الأملاح في الدم عن ثمانية بالألف، لمات الإنسان، من الذي يضمن ثبات هذه النسبة في الدم؟ الكليتان .
 هي مصفاةٌ عاقلة، كما وصفها بعض العلماء، تأخذ نسباً نظامية، وما بقي من هذه النسب النظامية، من نسب زائدة، من سكريات، من أملاح، من بقايا أدويةٌ، هناك أدويةٌ تطرح في البول، يتغير لون البول، بسبب أن هذا الدواء مادة غريبة، تطرحها الكلية مباشرةً .
 فهذه الكلية التي لا يزيد حجمها عن الكمثرى، تعمل بصمت بلا مقابل، بلا أجر، بلا تعطيل عن العمل، اكتشف العلماء أن الكليتين: غدتان ذواتا إفراز داخلي، أي أنهما تفرزان هرمونات، تضبط ضغط الدم .

ما هي المشاكل التي تحدث للإنسان إذا أصاب الكلية اضطراب ؟

 أيها الأخوة, إذا التهبت كلية الإنسان يختل ضغطه، هذه الكلية تفرز هرمونات، لتنظيم ضغط الدم، وتفرز هرمونات لتلاشي فقر الدم، وتفرز هرمونات لضبط السوائل .
 حدثني أخ كريم، قال لي: قبل سنوات، على أثر تناول طعام سكري كثير، صرت أشرب في اليوم عشرين، أو ثلاثين مرة، أو مئة مرة، وكان شغلي الشاغل أن أذهب لدورة المياه ، لأفرغ الماء الزائد، أصاب الكلية التهابٌ فاضطرب ميزان السوائل، ولو اضطرب ميزان السوائل، لوجب أن يبقى الإنسان إلى جانب الصنبور وبيت الخلاء طوال حياته، ألا يقتضي أن يشكر الإنسان ربه على نعمة الكلية؟ .

ماذا يقصد النبي بكلمة الأذى في هذا الحديث, وما واجبنا إزاء هذه النعم ؟

 أيها الأخوة, إذا دخل النبي إلى بيت الخلاء وخرج، كان يقول:

((الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني))

 أي البولة، إذا ارتفعت البولة في الدم، لو أن الكلية توقفت عن العمل، وارتفعت نسبة البولة في الدم, اسألوا الأطباء ماذا يحدث؟ يتشنج الإنسان، تضعف ذاكرته، يختل عمله، يغضب لأتفه الأسباب، يحطم أساس البيت، هؤلاء الذين تتوقف كليتهم عن العمل, لهم أطوارٌ غريبة، لا يحتملهم أهلهم، لشدة غلظتهم، ولشدة عنفهم، ولشدة غضبهم لأتفه الأسباب، وإذا استمر ارتفاع نسبة البولة، يموت الإنسان فوراً .
 أما نعمة المثانة، أنها تستقبل كل ثانيةٍ نقطتين من البول، كل عشرين ثانية، تجمعها لك، حتى تصبح بحجم لترٍ، عندئذٍ تفرغها، لولا هذه المثانة، لكانت حياة الإنسان صعبةً جداً .
العظام وتركيبها

(على اليمين ) صورة لمقطع في المثانة توضح طبقات جدارها

(على اليسار) صورة توضح الكليتين – الحالبين - المثانة


 إن كرامة الإنسان مرهونةٌ بهذا الجهاز، وأحياناً يصاب الإنسان في سنٍ متقدمة ببعض الضعف في العضلات، ماذا يسمعه الأهل؟ كلماتٍ قاسية، هذا الذي لا يستطيع أن يضبط نفسه، يصبح موقفه حرجاً جداً, فنعمة المثانة، نعمةٌ ثانية .
 يا أيها الأخوة المؤمنون, لا يكن الإنسان كالبهيمة، كالدابة، ليس همه إلا الأكل, قال تعالى:

﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾

[سورة محمد الآية: 12]

 هكذا ربنا وصف الكفرة يتمتعون ويأكلون، كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لكم .
 الحمد لله الذي جعل هذين العضوين الكليتين، يعملان بانتظام، فهذا الحمد على نعمة على سلامة الكليتين، أمانٌ من التهابهما، وأمانٌ من عطبهما، وأمانٌ من توقفهما توقفاً مفاجئاً .


ملاحظة : الصور مأخوذة من المراجع التالية : 1- Fox Human Physiology 2- - Anatomy and Physiology in Health and Illness 3- f-netter
والحمد لله رب العالمين