6845
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 316 : العلاقة بين الأمر والنتيجة .... مرض جنون البقر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-04-19
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 هل تتحد أوامر الخالق مع قوانين الخلق, وماذا نسمي هذا الترابط, وما النتيجة التي نحصل عليها إذا خالفنا هذه الأوامر ؟
 أيها الأخوة الكرام, إنَّ لله تعالى منهجاً تفصيلياً، أمر به الإنسان، أمره أن يطبقه، أمره أن يسير عليه، أمره أن يعتمده في كل نشاطات حياته، لأن الله تعالى هو الخالق، هو المربي، هو المسير، هو الصانع، هو الخبير .
 هذا المنهج الإلهي التفصيلي، الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، إن في كتاب الله, وإن في سنة النبي عليه الصلاة السلام، هذا المنهج التفصيلي، من عند الخالق، من عند الخبير، من عند العليم، من عند الرحيم, لذلك من خصائصه أنه مرتبطٌ أشدَّ الارتباط مع قوانين الخلق، مع سنن الخلق، ترابط منهج الله عزَّ وجلَّ مع سنن الخلق، ترابطٌ حتمي، بمعنى أنَّ هناك علاقةً علميةً، أي علاقة سببٍ بنتيجة، بين الأمر ونتائجه، وبين النهي ونتائجه، فكلُّ أمرٍ تكليفيٍ ورد في كتاب الله وفي سنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، إذا طبقناه قطفنا ثماره، وثمار هذا الأمر، نابعةٌ من الأمر نفسه، أي أن هناك علاقةٌ علميةٌ بين الأمر ونتائجه، وبين المعصية ونتائجها .
 مثلاً: الله سبحانه وتعالى، خلق الذكر والأنثى، خلق الذكر بصفاتٍ خلقيةٍ, ونفسيةٍ، واجتماعيةٍ، وعقلانيةٍ، وهذه الصفات كمالٌ في الذكر، وتعينه على أداء مهمته، وخلق الأنثى، بصفاتٍ جسميةٍ، ونفسيةٍ، وعقلانيةٍ، واجتماعيةٍ، وهذه الصفات كمالٌ في الأنثى، لتعينها على أداء مهمتها, وبين صفات الذكر والأنثى تكاملٌ ، لذلك خلق الله الذكر والأنثى، فإذا اتجه الذكر إلى الذكر، هناك ردعٌ، وهناك أمراضٌ وبيلةٌ حارت بها البشرية، إنه مرض الإيدز، هذا المرض في أصل ظهوره من الشذوذ، إذاً: العلاقة بين الأمر والنتيجة، والنهي والنتيجة، علاقةٌ علمية .

كيف نشأ مرض جنون البقر, وما هي مسبباته ؟

 أيها الأخوة, إنًَّ الله سبحانه وتعالى، حرم الدم، والميتة، ولحم الخنزير، وصمم البقرة، هذا الحيوان المعطاء، هذا الحيوان الذي سخره الله لنا، صممها على أن يكون طعامها نباتاً، فلما طغى الإنسان وبغى، فلما نسي الإنسان منهج الله عزَّ وجلَّ، اعتمد على عقله فقط .
 العقل أيها الأخوة، وأقول لكم هذا الشاهد، أو هذا المثل بدقةٍ بالغة: العقل كالعين، مهما تكن العين دقيقة الرؤية، تحتاج إلى نورٍ يتوسط بينها وبين الأُشياء، فالعين الحادة في خصائصها، لا قيمة لها من دون نورٍ يتوسط بينها وبين الأشياء, ومهما كان العقل راجحاً، العقل وحده لا يكفي لمعرفة الحقيقة، لا بدَّ من وحي السماء، لا بدَّ من الهدى الإلهي .
 فلذلك حينما كفر الإنسان بوحي السماء، وحينما اعتمد على عقله فقط، هداه عقله القاصر، إلى أن يطعم هذه البقرة الجيف، تؤخذ المشيمات من المستشفيات وتجفف وتطحن، وعظام الخنزير والجيف التي تفسخت، توضع في مراجل، وتغلى، ثمَّ تجفف، وتطحن، وتطعم للبقر، فإذا بمرضٍ خطيرٍ خطير أصاب البقر، سماه العلماء (جنون البقر) .
 أيها الأخوة الكرام, هذا المرض الخطير، سيضطر منتجو البقر، إلى إحراق أحد عشر مليون بقرة، ثمنها ثلاثاً وثلاثين مليار من الجنيهات الإسترلينية، لأنهم خالفوا منهج الله سبحانه وتعالى في تغذية هذا الحيوان .
 أيها الأخوة الكرام, هذا المرض اسمه الاعتلال الدماغي الإسفنجي, مسببات هذا المرض، كائناتٌ بالغة الصغر، لم تعرف حتى الآن، ذات دور حضانةٍ طويلٍ جداً، يمتد إلى ثماني سنوات، وفي الإنسان يمتد إلى عشرين سنة تقريباً، وليس لهذا المرض الخطير مظهر التهابي، ولا مظهرٌ مناعي .
 اكتشف أخيراً؛ أنَّ هذا المرض يصيب البقر، ويصيب البشر، بل إنَّ البشر إذا أكلوا من لحم هذا البقر أصيبوا بمرضٍ مشابهٍ لمرض البقر .

ما هو أعراض هذا المرض في البقرة ؟

 أيها الأخوة, أعراض هذا المرض في البقرة: تكلفٌ في المشي، رفع القوائم عالياً، فرط الإدراك الحسي، الحك، فقد الشهية، فرط اللعق ثم الموت، عدم التحكم العصبي، اقتران هذا كله بسلوكٍ عدواني .
 أيها الأخوة الكرام, ما يفعله الإنسان الشارد، ما يفعله الإنسان الذي كفر بمنهج الخالق ، ما يفعله الإنسان الذي اعتمد على عقله فقط، وعقله قاصر، ما يفعله الإنسان مغطى بآيةٍ كريمة، وردت في كتاب الله عزَّ وجلَّ، قال الله تعالى:

﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ولأمنينهم ولأمرنهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ ولأمرنهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً﴾

[سورة النساء الآية: 119]

 يغيرون خلق الله, يغيرون سننه، ويغيرون قوانينه .
 أيها الأخوة الكرام, هذا البقر، الذي أصيب بالجنون، بسبب جنون البشر، وما المجنون في تعريف رسول الله؟ .
 كان النبي عليه الصلاة والسلام مع بعض أصحابه فرأوا مجنوناً في الطريق، فسألهم سؤال العارف:

((من هذا؟ قالوا: هو مجنون يا رسول الله! قال: لا إنه مبتلى، ولكن المجنون من عصى الله))

 فجنون البشر أدّى إلى جنون البقر .
 أيها الأخوة الكرام, هذا البقر، يطعمونه اللحوم المتفسخة، يطعمونه الجيف, تغلى، وتجفف، وتطحن، يطعمونه العظام، عظام الخنازير، يطعمونه الدماء، يطعمونه الحيونات المصابة، وهذا المرض الخطير، ربما سبب كارثةً كبيرةً جداً .
 ما هي الأمراض التي تصيب الإنسان إذا تناول شيئاً من لحم البقر أو من منتجاتها حينما تصاب بذاك المرض الخطير؟
 أيها الأخوة الكرام, أما الشكل البشري لهذا المرض، قال العلماء: فقدان الذاكرة، فقد التناسق العضلي، فقد التوازن، العمى، فقد النطق، الوفاة تحدث بين ثلاثة أشهر, وعام، من بداية ظهور الأعراض، يرافق هذا قلقٌ واكتئابٌ، وتغيرات سلوكية، واضطراب في نشاط الدماغ الكهربائي، هذا المرض يصيب البقر، ويصيب البشر، بل يصيب البشر الذين يأكلون لحم هذا البقر .
 لذلك, حرصت معظم الدول، على منع استِيراد هذه اللحوم, من المواقع التي أصيبت بها البقر بالجنون .
 قال العلماء: يحظَّر استخدام لحوم البقر، ويحظر استخدام دهونها، ومنتجاتها، وأحشائها، ومخلفاتها، وأعلافها، وكلَّ مادةٍ تصنع منها, فحتى مستحضرات التجميل، التي دخلت فيها شحوم البقر، ربما تنقل العدوى إلى البشر، لذلك لحوم العلب، وأنواع الحليب، ومشتقات الحليب، وأنواع الحلوى التي تستخدم هذه الدهون، هذا كله ربما أصاب الإنسان بهذا المرض .
 العامل المسبب لهذا المرض، مرض جنون البقر، يتحمل حتى الدرجة مئة وعشرين، لمدة ساعة, طبعاً الطبخ ينضج بدرجة مئة، هذا العامل المسبب لهذا المرض، يتحمل حتى الدرجة مئة وعشرين لمدة ساعة، ولا يموت, فلو طبخ هذا اللحم، لا تحل المشكلة, والحمد لله رب العالمين، على أن هدانا إلى منهجه القويم، وهدانا إلى الصراط المستقيم .
 أيها الأخوة الكرام, هذه الحقائق التي وضعتها بين أيديكم، ملخصة من نشرةٍ إعلامية أصدرتها منظمة الصحة العالمية، بعيدةً عن أقوال الصحف، وعن المبالغات، هذه حقائق مستقاةٌ من تقريرٍ علميٍ نشرته منظمة الصحة العالمية، في الرابع والعشرين من الشهر الثالث من هذا العام .

المؤمن كيس, فطن, حذر :

 أيها الأخوة الكرام, المؤمن يعرف ماذا يأكل، وماذا يتكلم؟ فما يدخل إلى هذا الفم ينبغي أن تدقق فيه .
 أيها الأخوة الكرام, دققوا في مضمون هذه الخطبة، واحرصوا على أن يكون غذائكم سليماً، لأن صحة الإنسان رأس ماله، رأس مالك في الدنيا صحتك، وهي أثمن شيء بعد الهدى والإيمان، لأنها قوام عملك الصالح، جسمك أداة عملك الصالح، فإذا حرصت على صحتك فهذا الحرص نابعٌ من حرصك على آخرتك .
 أيها الأخوة الكرام, نحن بعيدون عن هذه المواد من سنواتٍ عدة، بفضل اليقظة والحرص، اللذان يتمتع بهما من اختص بهذا الموضوع، هذا من فضل الله علينا، هذا شيءٌ ليس خافٍ على الناس، إنَّ أجهزة الإعلام تنطق به صباح مساء، لكن لا بدَّ من التوعية، والمؤمن يأخذ حذره, قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾

[سورة النساء الآية: 71]

 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((المؤمن كيِّس، فطنٌ، حذر))

 فقبل أن تشتري حاجةً، قبل أن تشتري لحماً معلباً، قبل أن تشتري لحماً وصل إلى البلد بطريقٍ غير نظامي، ينبغي أن تتأملَّ فيه، أنت مسلم، وأهلك, وأولادك, أمانة في عنقك، لا تسيب أمرك هكذا، كن دقيقاً، وكن يقظاً، وكن حريصاً على سلامتك، وسلامة أفراد أسرتك، فهم أمانةٌ في عنقك .

والحمد لله رب العالمين