17788
شرح الحديث الشريف - أحاديث متفرقة - الدرس (023 - 127 ) : إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-10-14
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، ونفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون: موضوع الحديث الشريف اليوم هو الباب الثالث والسبعون من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله وعنوانه: باب حسن الخلق.
 أحيانا النبي عليه الصلاة والسلام يعرف الدين تعريفاً جامعاً مانعاً، الدين حسن الخلق، فمن غفل عن حسن الخلق، وصلى، وصام، وحج، وزكى، لم يحقق الهدف من هذا الدين.
 كنت في لقاء سابق ذكرت تسعة أحاديث صحيحة مؤداها جميعاً حسن الخلق، فعَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَأَبِي سَمُرَةُ جَالِسٌ أَمَامِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلَامًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا))

[ أحمد ]

  النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

((بنيّ الإسلام على خمس))

 فيما يبدو من هذا الحديث أن الصلاة والصيام والحج والزكاة والشهادة، هذه دعائم الإسلام، وليست هي الإسلام، فمن فعلها، ولم يكن ذا خلق حسن فليس مسلماً،

((بنيّ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا))

 الإسلام بنيّ على هذه الخمس، فالإسلام بنى، إنه بناء الأخلاق، إنه بناءٌ أساسه الخلق القويم، لذلك عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَأَبِي سَمُرَةُ جَالِسٌ أَمَامِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلَامًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا))

[ أحمد ]

  هذا الحديث متفق عليه، وكلكم يعلم أن تخريج الحديث بقول العلماء: متفقٌ عليه، أي اتفق عليه الإمام البخاري والإمام مسلم، وهذا من أرفع أنواع الحديث.
 الحديث الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا))

[ الترمذي، أحمد، الدارمي ]

  أعلى مراتب الإسلام أن تكون ذا خلق حسن، وأعلى مراتب الإيمان أن تكون ذا خلق حسن، إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً، طبعاً الإسلام هو الانصياع لله عز وجل، حينما قال الله عز وجل:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[ سورة الذاريات: الآية 56]

  العبادة لها مرحلة معرفية، ولها مرحلة سلوكية، ولها مرحلة جمالية، العبادة هي الطاعة مع المحبة، لكن الطاعة مع المحبة لن تكون إلا بناء على معرفة يقينية، وهذه العبادة، الطاعة مع المحبة لا بد أن تفضي إلى سعادة أبدية، إذا الإيمان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام الإسلام أعلى درجاته حسن الخلق، يعني السلوك، يعني طريقة التعامل، لذلك العوام ماذا يقولون: الدين المعاملة، من شاء صام، ومن شاء صلى، ولكنها الاستقامة، فالإنسان حين يبتعد عن جوهر الدين، ويظن أن شكليات الدين هي الدين قد ضل سواء السبيل، فمثلاً نحن أحياناً نعرف الطائرة بأنها تطير، هذا تعريف جامع مانع، لو ألغي الطيران لألغيت هويتها، أما إذا عرفتها أنها شيء واسع، البيت واسع، إذا عرفتها أنها شيء غالٍ الثمن، البارجة غالية الثمن، إذا عرفتها أنها فخمةٌ في داخلها القصر، فخمٌ في داخله، أما إذا عرفتها تعريفاً جامعاً مانعا فقلت: الطيارة تطير، هذه صفة جامعة مانعة، لو ألغي طرف التعريف لألغي طرفه الأول، إذًا: عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَأَبِي سَمُرَةُ جَالِسٌ أَمَامِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلَامًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا))

[ أحمد ]

  الإسلام طاعة، الانصياع لله عز وجل، الخضوع لأمر الله، الإنسان إذا أبت نفسه أن تخضع لله في أوامره، أو أن تخضع للرسول عليه السلام في سنته فهو متكبر، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))

[ مسلم، الترمذي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]

 رد الحق، لا يكون المسلم مسلماً إلا إذا خضع لله عز وجل، استسلم لأمره.

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 36]

  يعني الله عز وجل قال هذا حرام، أمر بهذا، نهى عن هذا، هذه القضية ليست خاضعة للبحث، أحياناً في الاجتماعات، في المداولات، في المفاوضات يقولون: هذا الموضوع غير خاضعٌ للبحث، والمؤمن الصادق إذا عرف عظمة الله عز وجل، وعرف أن هذا القرآن كلامه، وأن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه قطع الثبوت، وأنه حقٌ مئة بالمئة، إذا عرف ذلك مستحيل أن يعطي القرآن حكماً في موضوع، ثم يجعل المؤمن هذا الموضوع خاضعاً للبحث.

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 36]

 قال الله عز وجل: هذا حرام.
 يعني حرام، أمرك الله أن تغض بصرك، إذا ً غض البصر حق، أما المشكلة أن الإنسان كلما ضعفت معرفته بالله عز وجل ضعف اهتمامه بالله عز وجل، كلما ضعفت المعرفة بالله ضعف الاهتمام بأمر الله، وكلما نمت معرفتك بالله عز وجل نمت اهتمامك بأمره، فأنت إذا رأيت أنك لست مهتماً بأمر الله لا تعبأ به، لست معنياً في تطبيقه ليس عندك هذا الاهتمام الكبير إلى تطبيق أمره فاتهم إيمانك، إيمانك له حجم، إذا كان إيمانك بحجم يقلّ عن أن يحملك على التطبيق فهذا الإيمان غير كاف، الحد الكاف الحد المجدي أن يحملك إيمانك على طاعة الله عز وجل، فأنت معك مقياس، أحياناً الإنسان يكون بحاجة إلى ميزان ضغط، كلما شعر بأعراض غير طبيعية يحتاج إلى الذهاب إلى الطبيب ليقيس له ضغطه، أحياناً الإنسان يشتري ميزان ضغط، ويرتاح، عنده ميزان ضغط في البيت، كلما شعر بوضع غير طبيعي بقيس ضغطه، النبي الكريم أحياناً أعطاك موازين، مادام ليس في السلوك خلقٌ قويم معناه أن في الإسلام ضعفًا، وفي الإيمان ضعفًا، مادام إيمانك لا يحملك على طاعة الله عز وجل فإيمانك إذا غير كاف، هذا المقياس، مادام غض البصر غير واقع، إذا إيمانك بهذا الكتاب غير كاف، ماذا قال سيدنا سعد ؟: ثلاثةٌ أنا فيهن رجل، وفيما ذلك أنا واحدٌ من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله عليه السلام إلا علمت أنه حق من الله، فإذا شعرت أن هذا الكلام كلام النبي، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى، هذه إذًا تعليمات الصانع، فكلما عرفت عظمة الصانع تلقيت تعليماته بالتعظيم، والاهتمام والاندفاع إلى التطبيق، إذا الحديثان اليوم:

((أحسن المسلمين الناس أسلاما أحسنهم خلقاً، وأكملهم إيمانا، أحسنهم خلقاً))

 الحديث الثالث:

((إن من أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً))

  الإسلام درجات، لا يحسن إسلام الإنسان إلا إذا كان ذا خلق حسن، ولا يكمل إيمان المؤمن إلا إذا كان ذا خلق حسن، ولا تكون مقرباً إلى الله عز وجل إلا إذا كنت ذا خلق حسن، أكاد أقول: الدين كله حسن الخلق، خلق المؤمن صارخ ظاهر بيّن، إنك لا تعرف المؤمن من صلاته أو من صيامه، وإنما تعرفه من تعامله معك، من تواضعه، من أمانته، من عفته، من صدقه، من رأفته، من رحمته، من إنصافه، من وفائه، من شجاعته.
 هناك توجيهات جديدة، إنما الحلم بالتحلم، إنما الكرم بالتكرم، الكرم تكليف، تتكرم إلى أن يصبح الكرم عندك طبعاً، وتتحلم أي تصنع الحلم، وتتحلم، إلى أن يصبح الحلم عندك طبعاً، فأنت مكلف، وهناك أشياء تستفزك، وأشياء تثيرك، غير المؤمن يستجيب لهوى نفسه، فيفور، ويقوم، ولا يقعد، ويفعل، ولا يفعل، لكن المؤمن ينضبط، لذلك الله عز وجل قال:

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 134]

  في مستوى كظم الغيظ، مستوى العفو عن الناس، مستوى الإحسان، الآن إذا أردنا أن نكون أقرب إلى الله أحب عباد إلى الله يجب أن نكون من ذوي الأخلاق الحسنة، والنبي عليه الصلاة والسلام وصفه الله عز وجل:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

[ سورة القلم: الآية 4]

  لمَ لمْ يقل: وإنك ذو خلق عظيم، قال: إنك لعلى، على تفيد الاستعلاء والتمكن، يعني أحياناً الإنسان يستفزه شيءٌ، ينشأ صراعٌ في نفسه، أيفعل هذا أم لا يفعل ؟ هذه المشادة، هذا الصراع قد ينتهي إلى أن ينفجر، وقد ينتهي إلى أن يكظم غيظه، هذا حال المؤمنين، أما حال النبي فمتمكن من خلقه الكريم.

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

[ سورة القلم: الآية 4]

 مهما كان في الشيء استفزاز كبير، مهما كان هناك وضع حرج جداً، إنه ينتصر على نفسه، ولا ينساق مع هوى نفسه.
 قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا ))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، أحمد ]

((وإن من أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله يوم القيامة، أحسنهم خلقاً))

  أحدنا إذا جلس مع مؤمن أعلى منه مرتبة يشعر أن هذه الجلسة فيها مكسب كبير، فكيف إذا سمح له أن يكون قريباً من رسول الله، يعني هذا الإنسان كلما اقترب من الله عز وجل، كلما أصبح مصدر سعادة، فيوم القيامة أقرب المؤمنين من رسول الله مجلساً أحسنهم خلقاً، تركيزٌ من النبي عليه الصلاة والسلام على حسن الخلق منقطع النظير.
 أحسن الناس إسلاما أحسنهم خلقاً، أكملهم إيماناً أحسنهم خلقاً.
 من أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً، من أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله عليه السلام يوم القيامة أحسنهم خلقاً.
 أنت أقرب الناس إلى النبي، وأحب العباد إلى الله، وأكمل الناس إسلاماً، وأكملهم إيماناً، إذا ً أنت ذا خلق حسن، وأنت مكلف فقبل أن توقع عقابك بزيد أو عبيد فكر، هل هذا العمل يرضي الله عز وجل، عود نفسك هذه المعادلة، كلما أردت أن تقدم على شيء ماذا يرضي الله ؟ أيرضيه أن أفعل هذا ؟ أيرضيه أن أقسو ؟ أيرضيه أن أقطع ؟ أيرضيه أن أضرب ؟ أيرضيه أن آخذ ؟ ماذا يرضي الله عز وجل ؟ علامة المؤمن أن نفسه تحت قدمه يدوسها ولكن رضا الله عز وجل فوق كل شيء، لهذا النبي الكريم في الطائف قال: إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي، الحقيقة أن الذي ذاق مباهج الدنيا كلها، وذاق طعم القرب من الله عز وجل، يقول لك وهو صادق: ما من شيء أحب ألي من أن أكون قريباً من الله عز وجل، وثمن القرب من الله عز وجل العمل الصالح، والدليل:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

[ سورة الكهف: الآية 110]

  أتحب أن تكون قريباً من الله عز وجل، في بيتك توجد أعمال صالحة كثيرة، مع زوجتك، مع أولادك، مع من هم دونك، مع من هم فوقك، مع جيرانك، مع الفقراء مع المساكين، مع إخوانك مع أصدقائك، مع زملائك، مع الحيوانات، مع كل المخلوقات، مع النبات، هناك من يدوس نبات يسبح الله عز وجل، هناك من يعتني بذلك النبات، إذا سقيته فهذا عمل طيب، إذا قلمته، إذا ثبته، المؤمن مصدر عطاء.
 هناك قاعدة: إن الإنسان له سمه عميقة، هناك من سمته عميقة الأخذ، وإيقاع الضر، وهناك من سمته العميقة العطاء، وإدخال السرور، فالمؤمن أساس حياته العطاء، يعطي ليرضي الله عز وجل، غير المؤمن أساس حياته الأخذ، كلما أخذ شيئاً، استحوذ على شيء يشعر بالغبطة والسرور، وكلما أنفق ماله يرى في هذا الإنفاق مغرماً، لذلك قالوا: إذا أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة تسأل نفسك هذا السؤال: ما الذي يدخل على قلبك السرور ؟ أن تعطي أم أن تأخذ ؟ المؤمن قطعاً يدخل على قلبه السرور أن يعطي، وغير المؤمن قطعاً يدخل على قلبه السرور أن يأخذ، إذن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً، أكمل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً، إن من أحب عباد الله إلى الناس أحسنهم خلقاً، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا ))

[ الترمذي ]

  وأن خير ما أعطي الإنسان خلق حسن، هناك رجل عنده فندق من ثمانين طابقاً في دولة أجنبية، محجوز العام كله، كم دخله في اليوم ؟ واحد لديه معمل، قرأت خبرًا في الجريدة عن معمل سيارات، لديه فائض نقدي، ليس له استثمار، مليار مارك ألماني، وهذا مبلغ كبير جداً، فائض مالي، فإذا ملك رجل هذا المعمل يشعر بالفقر، وبالحاجة، ماذا قال النبي الكريم ؟

((وأن خير ما أعطي الإنسان خلق حسن))

  خير ما أعطي الإنسان، قد يعطى المال، قد يعطى مال قارون، قد يعطى ملك فرعون، قد يعطى قوة جسدية كبيرة، بطل العالم، قد يعطى شكلاً جميلاً جذاباً، قد يعطى ذكاء كأنشتاين، ذكي جداً، ماذا قال هذا العالم الرياضي ؟ قال: كل إنسان لا يرى من هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون، رحيمة هي أرحم ما تكون، عليمة هي أعلم ما تكون، هو إنسان حي، ولكنه ميت، يعني إذا ما رأيت عظمة الله فأنت ميت، فقد تؤتى عقلاً راجحاً، وقد تؤتى مالاً وفيراً، وقد تؤتى صحة وجمالاً وقوة وغنى، ماذا يقول لك النبي الذي لا ينطق عن الهوى ؟ ماذا يقول لك خبير مبعوث العناية الإلهية يقول لك:

((وأن خير ما أعطي الإنسان خلق حسن))

  عطاؤك من أي نوع ؟ من أنواع عطاء قارون، أم من أنواع عطاء فرعون، أم من أنواع عطاء الأنبياء والمرسلين، هذا الحديث الخامس.
 السادس:

((وأن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم))

 أي العبادة صوم في النهار، وقيام في الليل، صائم قائم، هذا تعبير إسلامي، جاءت امرأة إلى سيدنا عمر قالت له: يا أمير المؤمنين: إن زوجي صوام قوام، أي مشغول، قال لها: بارك الله لك بزوجك، فقال سيدنا علي وهو بقربه: إنها تشكو زوجها، فسيدنا عمر انتبه، قال: يا أبا الحسن إن كنت فهمت هذا فاحكم بينها وبين زوجها: زوجها غارق في حب الله فنسيها، فحكم لو أن هذا الزوج له أربع نسوة، فللواحدة يوم من أربعة أيام، فألزمه أن يتفرغ لها يوما من كل أربعة أيام، حتى إن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة عثمان بن مظعون، فرأتها السيدة عائشة بوضع غير مقبول إطلاقاً، مهملة نفسها إهمالاً شديداً، فلما عاتبتها على إهمال نفسها قالت: إن عثمان صوام قوام، يبدو أن النبي الكريم وجهه، ونصحه، قال له:

((يا عثمان أليس لك بي أسوة حسنة أقوم وأنام....إن لجسدك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه))

 كلام لطيف ودقيق، فيبدو أن سيدنا عثمان بتوجيه النبي الكريم التفت إلى زوجته، قالت السيدة عائشة في اليوم التالي: جاءتنا امرأة عثمان بن مظعون عطرة نضرة، فلما سألتها قالت لها: أصابنا ما أصاب الناس، صارت في اهتمام زوجها، فمن العبادة أيضاً أن يهتم الإنسان بأهله، ومن العبادة تهتم الزوجة بزوجها، وإذا كان بيت المسلم فيه سعادة يفرح الله عز وجل بهذا البيت، فالبيت المشحون بالخلافات والمنغصات والتباغض هذا ليس بيتاً يرضي الله عز وجل،

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

[ سورة الروم: الآية 21]

  النبي الكريم على عظم شأنه تسابق مع السيدة عائشة، قال: فسبقته، لأنها كانت صغيرة جداً بل، إن بعض العلماء قال: لقد مكنها من أن تسبقه جبراً لخاطرها، قال: فلما ركبني اللحم، أي زاد وزنها قالت: سبقني، فقال: يا عائشة هذه بتلك، صرنا في تعادل، في بيته كان هكذا، تقول له دائماً كيف حبك لي ؟ يقول لها: كعقدة الحبل، أي متينة، تقول له من حين لآخر: كيف العقدة ؟ يقول: على حالها، متينة، وتزداد متانة، ألم تشغله الدعوة، ومقامه عند الله عز وجل وهموم الأمة بأكملها عن أن يكون زوجاً كاملاً، وأباً كاملاً، وجاراً كاملاً، وصديقاً وفياً، إذاً فلأنّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم، الأخلاق الفاضلة تزيد على العبادات، الصلوات الخمس، والضحى، والأوابين، وقيام الليل وكلامه فظ، ولئيم ويؤذي الناس بلسانه، لا ! عباداته تامة، وأخلاقه شرسة، إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها، وصدقتها، وصيامها، غير أنها تؤذي الجيران بلسانها، قال: ((هي في النار))، والله لأن أمشي مع أخٍ مؤمن في حاجته، خير لي من صيام شهرٍ واعتكافه في مسجدي هذا، وإن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، ربنا عز وجل لما وصف سيدنا رسول الله، سيد الخلق حبيب الخلق، ماذا قال عنه الله ؟ إنك ذو مال عظيم ؟ إنك ذو شأن خطير ؟ إنك ذو ذكاء كبير ؟ إنك ذو مكانة رفيعة ؟ لا وإنك لعلى خلقٍ عظيم ؟ وإن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، والخلق الحسن يذيب الخطاية كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، هذه كلها أحاديث صحيحة، أنا جمعتها في قول مستمر، أعيد على أسماعكم هذه الأحاديث:
 عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَأَبِي سَمُرَةُ جَالِسٌ أَمَامِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلَامًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا))

[ أحمد ]

  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا))

[ الترمذي، أحمد، الدارمي ]

((إن من أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً))

((إن من أقرب المؤمنين مجلسا من رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم القيامة أحسنهم خلقاً))

 عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ:

((شَهِدْتُ الْأَعْرَابَ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ......قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ قَالَ خُلُقٌ حَسَنٌ))

[ الترمذي، ابن ماجه، أبو داود، أحمد ]

  عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ))

[ أبو داود، الترمذي، أحمد ]

  عَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ))

[ أبو داود، أحمد ]

  إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، والخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل، ألا ترون معي أن الدين كله خلقٌ حسن، لا يحسن إسلامك، ولا يكمل إيمانك، ولا تكون عند الله محبوباً، ولا عند النبي مقرباً، ولا في الحياة مفلحاً، ولا في الآخرة ناجياً، إلا إذا كنت ذا خلق حسن.
 لذلك في نقطة دقيقة جداً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))

[ الترمذي، ابن ماجه ]

  قد الإنسان يصلي، ويصوم، وله أعمال طيبة، وله إنفاقه، لكن له طبع سيء، طبع قاس، إذًا النبي عليه الصلاة والسلام اشترط على من يكون أهلاً للزواج من ابنته أن ترضى خلقه ودينه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))

[ الترمذي، ابن ماجه ]

  الحديث الذي أنهي به فقرة الأحاديث في هذه الجلسة ورد في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))

[ مسلم، الترمذي، أحمد ]

 هل يعنيكم بعض هذه الأحاديث إلى الخلق الحسن ؟ هل تظنون أنكم متدينون إذا صليتم فقط؟ وصمتم فقط ؟ واتبعتم العبادات فقط ؟ ولم تكونوا في هذه الأخلاق الرضية، هل أخلاقك صارخةٌ تماماً ؟ هل يعرفك الناس مؤمن من أخلاقك ؟ باستقامتك من ورعك من زهدك ؟ من شجاعتك من وفائك من إنفاقك من لطفك ؟
 والآن إلى متابعة الحديث عن سيدنا أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه، فالنعمان من التابعين.
 قال: دخل أبو حنيفة النعمان على الإمام مالك وعنده بعضٌ من أصحابه، فلما خرج من عنده التفت مالك إلى جلسائه، وقال: أتدرون من هذا ؟ فقالوا: لا، فقال: هذا النعمان بن ثابت، هذا الذي لو قال عن هذه السارية: إنها ذهبٌ لاحتج لما قال، ولو خرجت كذلك، لو قال: هذه السارية من ذهب لأعطاك الدليل، وكانت كذلك، فأراد الإمام مالك أن يعبر عن قوة حجة أبي حنيفة، والله عز وجل يقول:

﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾

[ سورة النعام: الآية 83]

  ولكل مؤمن من هذه الآية نصيب، فمن علامة إيمانه أنك تملك حجةً قوية، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلمه، لذلك لما رأى النبي الكريم شخصاً يصلي في المسجد في النهار قال بعد أن أنهى صلاته: من يطعمك ؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، لأنه يطعمك، لأنه يعمل، ولما أمسك النبي عليه الصلاة والسلام بيد سيدنا عبد الله بن مسعود رآها خشنة من العمل، فقال: إن هذه اليد يحبها الله ورسوله، أما لما شكا شريكٌ شريكه قال له: إن شريكي لا يعمل، قال عليه الصلاة والسلام: لعلك ترزق به، لماذا قال للعابد: أخوك أعبد منك، وقال للشريك المقصر: لعلك ترزق به، لأن الذي يطلب العلم يطلبه لغيره، أما الذي يتعبد يتعبد لذاته، فإذا عملت عملاً عاد نفعه على الآخرين عندئذ يحبك الله عز وجل، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، ومن علامة المؤمن أنه يأتي بحجة قوية، كلمة ما بعرف، والله شيء محير، عندي شكوك.

﴾إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴿

[سورة الحجرات: الآية 15]

  ما تفعل، هل من عمل أخطر في حياتك من أن تعرف الله عز وجل معرفةً يقينية، هل من عمل أخطر في حياتك من أن تعرف أمر الله عز وجل ونهيه، وسنة نبيه فكلمة لا أعرف.
 طلب العلم فريضة على كل مسلم، فريضة مع فريضة في الشرع: الشيء الذي يتوقف عليه نجاتك، و إلا تهلك إذا، والله أخي نحن على حسب فراغ الوقت نأتي إلى الدرس، والله الآن يوجد عندنا موسم، يعني القضية أخطر من ذلك، أخطر بكثير يجب أن تطلب العلم، و إلا من يقود سيارة في مجموعة معلومات إذا جهلها أودت السيارة في حياته، لا يعرف بنية المحرك، ولا من أي شيء تصنع المكابح، هذا شيء فوق طاعته، هذا شيء يعرفه أصحاب المعامل، أما أي إنسان يجلس خلف مقود السيارة في مجموعة معلومات ضرورية جداً لا بد من أن يعرفها، هذا ما عبر عنه علماء العقيدة: ما يجب أن يعرف بالضرورة، فأنت لا خيار لك، لذلك أجمع العلماء على أن طلب العلم فرضٌ عين، و ليس فرض كفاية، فرض عين على كل مسلم، هذا التعليق على أن أبي حنيفة قال عنه الإمام مالك: لو قال عن هذه السارية إنها ذهب لاحتج لما قال، ولخرجت كذلك.
 إن رجلاً من أهل الكوفة أضله الله عز وجل كان ذا قدر في عيون الناس، وصاحب كلمة مسموعة بين الناس، كان هذا الرجل يزعم للناس فيما يزعم لهم أن عثمان بن عفان كان يهودياً في أصله، شبهة خطيرة جداً، كلام لا يرضي الله، قال النبي الكريم:

((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا))

  أصحابي كالنجوم، وأنه ظل على يهوديته بعد الإسلام أيضاً، هكذا يزعم هذا الإنسان، فلما سمع أبو الحنيفة مقالته هذه مضى إليه، أحيانا من أنجح الطرق في المناقشة أن تضع خصمك في وضع مشابه لك، فلما سمع أبو حنيفة مقالته هذه مضى إليه، وقال: قد جئتك خاطباً ابنتك فلانة لأحد أصحابي، فقال: أهلاً بك ومرحباً، قال: إن مثلك لا ترد له حاجة يا أبا حنيفة، ولكن من الخاطب ؟ قال رجلٌ موسوم بين قومه بالشرف والغنى، سخي اليد، مبسوط الكف، حافظٌ لكتاب الله عز وجل، يقوم الليل كله، كثير البكاء من خوف الله تعالى، فقال: بجٍ بخٍ، حسبك يا أبا حنيفة، إن بعض ما ذكرته من صفات هذا الخاطب يجعله كفئاً لبنت أمير المؤمنين، صفة واحدة تكفي، قال أبو حنيفة: غير أن فيه خصلةً لا بد من أن تقف عليها، وقال ما هي ؟ قال: إنه يهودي، فانتفض الرجل، وقال: يهودي، أتريد أن أزوج ابنتي ليهودي يا أبا حنيفة ؟ والله لا أزوجه منه، ولو جمع خصال الأولين والآخرين، فقال أبو حنيفة: تأبى أن تزوج ابنتك ليهودي، وتنكر ذلك أشد الإنكار، ثم تزعم للناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنتيه كلتيهما من يهودي، فعلت الرجل رعدتٌ، وقال: أستغفر الله من قول السوء، وأتوب إلى الله تعالى.
 أحياناً ناقش الإنسان بالطريقة نفسها، تضعه في الموقف نفسه، ماذا يقول ؟ أحد الخوارج وهو الضحاك الشاري، جاء إلى أبي حنيفة ذات يوم، وقال: تب يا أبي حنيفة، قال ممّ أتوب ؟ قال: من قولك بجواز التحكيم الذي جرى بين معاوية وعلي، فقال له أبو حنيفة: ألا تقبل أن تناظرني في هذا الأمر، فقال الخارجي: بلى، قال أبو حنيفة: فإن اختلفنا في شيء مما تناظر فمن يحكم بيننا، قال الخارجي حكم من تشاء، فالتفت أبو حنيفة إلى رجل من أصحاب الخارجي كان معه، وقال: أنت أحكم بيننا فيما نختلف فيه، ثم قال للخارجي: أنا رضيت بصاحبك، فهل رضيت أنت به ؟ فقال: نعم، فقال أبو حنيفة: ويحك أتجوّز التحكيم فيما يحدث بيني وبينك، وتنكره على اثنين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبهت الخارجي، ولم يملك جواباً.
 جهم بن صفوان رأس الفرقة الجهمية الضالة المتبعة، وزارع الشر في أرض الإسلام جاء مرة أبا حنيفة النعمان، وقال: يا أبا حنيفة لقد جئتك لأكلمك بأشياء هيئتها لك، قال أبو حنيفة الكلام معك عار، والخوض في ما تذهب إليه نار تلظ، فقال جهمٌ: كيف حكمت علي بما حكمت، وأنت لم تلق بي من قبل، ولم تسمع كلامي ؟ قال أبو حنيفة: لقد بلغني عنك أقاويل لا تصدر عن رجل من أهل القبلة، فقال جهمٌ: أتحكم عليّ بالغيب ؟ قال أبو حنيفة: لقد شهر ذلك عنك واستفاض، وعرفته العامة والخاصة، فجاز لي أن أثبته عليك بما توافر عنك، فقال جهمٌ: أنا لا أريد أن أسألك إلا عن الإيمان، فقال أبو حنيفة: أو لا تعرف الإيمان إلى هذه الساعة حتى تسألني عنه، فقال جهمٌ: بلى، ولكنني شككت في نوعٍ منه، قال أبو حنيفة: الشك في الإيمان كفرٌ، فقال جهمٌ: لا يحل لك أن تصفني بالكفر إلا إذا سمعت مني ما يكفر، فقال أبو حنيفة: سل عما بدا لك، فقال جهمٌ: أخبرني عن رجلٍ عرف الله بقلبه، وعلم أنه واحدٌ لا شريك له، لا ند، وعرفه بصفاته، وأنه ليس كمثله شيء، ثم مات، ولم يعلن الإسلام بلسانه أفيموت مؤمناً أم كافراً ؟ فقال أبو حنيفة: يموت كافراً، ويكون من أهل النار إذا لم يصرح بلسانه عما عرفه بجنانه، ما لم يمنعه من التصريح بلسان مانع، فقال جهمٌ: كيف لا يكون مؤمناً، وقد عرف الله حق معرفةٍ، قال أبو حنيفة:إن كنت تؤمن بالقرآن، وتجعله حجةً لك كلمتك به، وإن كنت لا تؤمن بالقرآن، ولا تراه حجةً كلمتك بما يخالف الإسلام،قال جهمٌ: بل أؤمن بالقرآن، وأجعله حجة، فقال أبو حنيفة: إن الله تبارك وتعالى جعل الإيمان بجارحتين اثنتين: بالقلب واللسان لا بواحدةٍ منهما، وكتاب الله وحديث رسول الله طافحان بتقرير ذلك، قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾

[ سورة المائدة: الآية 83]

  مما عرفوا من الحق المعرفة الداخلية،

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)﴾

[المائدة]

  لقد عرفوا الحق بجنانهم، ونطقوا بلسانهم فأدخلهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار، وقال تعالى:

﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾

[ سورة البقرة: الآية 136]

 فأمرهم بالقول، ولم يكتف منهم بالمعرفة والعلم، وقال عليه الصلاة والسلام:

((قولوا لا إله إلا الله تفلحوا))

   فلم يجعل الفلاح بالمعرفة وحدها، وإنما ضم إليها القول، وقال عليه الصلاة والسلام:

((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله))

  فمن لم يقل لم يخرج من النار، من عرف، من قال لا إله إلا الله، ولو كان القول لا حاجة إليه، ويكتفى بالمعرفة من دونه لكان إبليس مؤمنًا، لأنه عارفٌ بربه، قال: ربي بعزتك، فهو يعلم أنه هو الذي خلقه، وهو الذي يميته، وهو الذي يبعثه، وهو الذي أغواه، قال تعالى:

﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾

[ سورة الأعراف: الآية 12]

  ولو كان ما تزعمه صحيحاً لكان كثيرٌ من الكفار مؤمنين، بمعرفتهم لربهم مع إنكارهم له بلسانه، قال تعالى:

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾

[ سورة النمل: 14]

 فلم يجعلهم مؤمنين باستيقانهم، وإنما عدهم كافرين بجحود ألسنتهم، ومضى أبو حنيفة يتدفق على هذا النسق تارةً بالقرآن، وتارةً بالحديث، حتى بدا الانهيار والخذلان على وجه جهم،

﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾

[الأنعام: من الآية 83]

 ما اتخذ الله ولياً جاهلا، لو اتخذه لعلمه.
 مرة التقى أبو حنيفة النعمان مع ملحدين، أنكروا وجود الخالق، فقال أبو حنيفة: ما تقولون في سفينة مشحونة بالأثقال، مملوءة بالأمتعة والأحمال، قد أحاطت بها في لجة البحر أمواج متلاطمة، وعصفت بها ريحٌ عاتية، غير أنها ظلت تجري هادئة في طريقها المرسومة، وتمضي مطمئنة إلى غايتها المعلومة، من غير اضطراب ولا خلل ولا انحراف ولا زلل، وليس على ظهرها ملاح يحكم سيرها، أو موجة تنظم خطوها، أفيصح هذا في الفكر، قالوا: لا، إن هذا شيء لا يقبله العقل، ولا يجيزه الوهم أيها الشيخ، قال: يا سبحان الله، تنكرون أن تجري سفينة في البحر جرياً محكما من غير أن يكون لها ربان يتعهدها، وتقرون قيام هذا الكون ببحاره الزاخرة وأفلاكه الساهرة، وطيره السارح من غير صان يحكم صنعته، ومدبر يحسن تدبيره، تباً لكم، ولما تأفكون.
 لما أتاه اليقين جاء في وصيته أنه عزم على أهله أن يدفنوه في أرض طيبة، ويجنبوه كل مكان فيه شبهة غصباً، مرة كان بيتٌ في يده رهينة، فأبى أن يقف في ظل هذا البيت، لا ينتفع بهذا الرهن الذي بين يديه، كان ورعاً إلى أقصى الحدود، كلكم يعلم أن ركعتين من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلد.

والحمد لله رب العالمين