6145
العقيدة الاسلامية - اسماء الله الحسنى 2008 - الدرس (084-100)أ : اسم الله الحسيب 1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-05-18
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى:(الحسيب):

 أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الحسيب".

ورود اسم الحسيب في القرآن الكريم مطلقاً و مقيداً:

 هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مطلقاً في قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾

( سورة النساء )

  فالله سبحانه وتعالى من فوق عرشه حسيب باسمه وبصفته، له الكمال المطلق في محاسبته لخلقه، وله الكمال المطلق في علو شأنه، وقد ورد هذا الاسم أيضاً مقيداً في قوله تعالى:

﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾

( سورة النساء )

 دققوا في هذه اللغة التي أكرمها الله عز وجل فجعلها لغة كلامه، ولغة قرآنه.

الحسيب في اللغة:

 "الحسيب" على وزن فعيل من صيغ المبالغة، الفعل، حسِبَ، يحسبُ، حساباً وحسباناً، ولكن دقة اللغة في حسبَ ويحسبُ، ظن، ويظن، وفي حسب يحسب، عدّ يعد وفي حسُب يحسبُ، كان ذا حسب، افتخر بحسبه، وفي حسِبَ يحسبُ، حاسب غيره ، حركة، أربعة أفعال كل فعل له معنى مستقل عن الآخر.
  على كلٍ: اسم الفاعل حاسب، صيغة المبالغة حسيب، حينما نصف إنساناً بأنه يحاسب غيره فهو حاسب كاسم فاعل، حسيب كصيغة مبالغة لاسم الفاعل، الحساب ضبط العدد، بيان المقادير الدقيقة، سواء أكان هذا الحساب والضبط جزماً أو ظلماً.

الحسيب هو الكافي الرفيع الشأن يعلم و يرزق و يكفي:

 الآن "الحسيب" هو الكافي، الكريم، الرفيع الشأن، الحسب في حقنا نحن البشر هو الشرف الثابت في الآباء، فلان ذو حسب، ينتمي إلى أرومة عالية.
 الحسب هو العمل الصالح، رُب حسيب الأصل غير حسيب، له آباء أبرار لكن الابن ليس كذلك، هذا في شأن اللغة.
 أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "الحسيب"، هو العليم، هو الكافي، الذي قدر أرزاق الخلائق قبل خلقهم، هو الحسيب، ووعد باستكمال العباد لأرزاقهم على مقتضى حكمته، فهو "الحسيب"، وضمن ألا تنفذ أرزاقه، فهو "الحسيب"، أليس الله بكافٍ عبده ؟ وأنه سينال الأرزاق، فهو "الحسيب" يعني الرازق، الكافي، "الحسيب" الرزاق.
 قال أبو حامد الغزالي: "الحسيب" هو الكافي، وهو الذي من كان له كان حسبه، إذا كان الله لك فهو حسبك، أحياناً إنسان يقدم لك خدمة، لكن أنت بحاجة إلى خدمة أكبر، يقدم لك معونة، لكنك بحاجة إلى شفاء من مرض، لكن الله سبحانه وتعالى إذا تولاك، كن مع الله ترَ الله معك.

إذا كنت في كل حالٍ معي  فعن حمل زادي أنا في غنى
* * *

 "الحسيب" الكافي، يعلم، ويرزق، ويكفي، والإنسان حينما يعرف الله منتهى طموحه أن يصل إليه.
  والله سبحانه وتعالى حسيب كل أحد وكافيه، كل شخص الله يحاسبه حساباً دقيقاً اطمأن.

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )

 الحقيقة الذي يكفيه كفاية مطلقة، لا يمكن أن ينال هذه الصفة إلا الله، أي إنسان يقدم شيئاً لكنك تحتاج إلى أشياء، الله يقدم لك الأمن، يقدم لك الحكمة، يقدم لك الصحة، يقدم لك نجاح الزواج، يقدم لك أولاداً أبرار، يقدم لك كفاية تزيد عن حاجتك، يقدم لك راحة نفسية، يقدم لك رضا، يقدم لك حياة نفسية رائعة جداً، يقدم لك حياة مادية رائعة، الله عز وجل حسبك، يكفيك كل شيء النواحي المادية والمعنوية.

الله عز وجل حسيب يكفي عباده إذا التجؤوا إليه واستعانوا به واعتمدوا عليه:

 إذاً هو الله وحده كافٍ لكل شيء، لا لبعض الأشياء، كافٍ ليحصل به وجود الشيء، واستمرار الشيء، وكمال الشيء، وجودك هو "الحسيب"، استمرارك هو "الحسيب" ، كمال وجودك هو "الحسيب".
 "الحسيب" يكفي عباده إذا التجؤوا إليه، واستعانوا به، واعتمدوا عليه، دققوا:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 173 )

  أحياناً تشعر في حالات معينة أن العالم كله يحارب الإسلام، وكأن حرباً عالمية ثالثة معلنة على هذا الدين، والعجيب أن هذا الدين ينمو، ينمو في كل مكان.
 أنا زرت فرنسا، الخبر أن خمسين فرنسياً من أصول فرنسية يدخلون في الإسلام يومياً، وأن في فرنسا ألفين و سبعمئة مسجد، وأن الدين الثاني هو الإسلام، والحرب على الإسلام جهاراً نهاراً معلنة وليست مبطنة.

الله عز وجل لا تحتاج معه إلى أحد إذا توكلت عليه:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾

( سورة آل عمران )

 والله كلمة رائعة:

﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾

﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة آل عمران )

 لا تحتاج معه إلى أحد، لا تحتاج معه إلى معين، لا إلى قوي هو القوي، هو الغني، هو الموفق:

(( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قالها إبراهيمُ حينَ أُلقِيَ فِي النَّارِ ))

[ البخاري عن ابن عباس]

 يعني النار أُضرمت كنار عظيمة ليلقى بها هذا النبي الكريم، فإذا قال حسبي الله ونعم الوكيل قال الله عز وجل :

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 وقد لا ننتبه لدقة هذا الكلام،

﴿ كُونِي بَرْداً ﴾

 لو لم يقل

﴿ وَسَلَاماً ﴾

  لمات من البرد

﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً ﴾

 ولو لم يقل

﴿ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

 لألغي مفعول النار إلى أبد الآبدين

﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

  بالذات.

﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

الله عز وجل حسيب حسابه واقع لا محالة:

 الآن "الحسيب" يحصي أعداد المخلوقات وهيئاتها، يضبط مقاديرها وخصائصها، يحصي أعمال المكلفين في مختلف الدواوين، يحصي أرزاقهم، أسبابهم، أفعالهم، مآلهم أحوالهم.
  الله عز وجل حسيب بالمفهوم الشمولي، عليم، حسيب، يحاسب، قال حسابه واقع لا محالة.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )

  والله يا أخوان أتعجب ممن يترنم بكلمة مسؤول كبير، والله لو علم معناها لارتعدت فرائصه، مسؤول كبير !.
 يقول سيدنا عمر: والله لو تعثرت بغلة في العراق (هو في المدينة)، لحاسبني الله عنها، لِمَ لم تصلح الطريق لها يا عمر ؟.
 سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه زوجته فاطمة بنت عبد الملك رأته يبكي قالت له: مالك تبكي ؟ قال لها: دعيني وشأني، فلما ألحت عليه، قال: ويحك يا فاطمة إني وليت أمر هذه الأمة، فرأيت المريض الضائع، والفقير الجائع، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذي العيال الكثير، والرزق القليل، والمأسور، والمظلوم، وأمثالهم في أطراف البلاد، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي فلهذا أبكي، دعيني وشأني

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 لماذا طلقتها ؟ ماذا فعلت معك ؟ لماذا قبلت هذه الشراكة ؟ من أجل أن تأخذ خبرته ثم تطرده

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 أنا دائماً أقول إذا كنت بطلاً هيئ لربك جواباً يوم القيامة، لكل ما تفعل، حسابه واقع لا محالة، لا يشغله حساب عن آخر، كما لا يشغله سمع عن سمع.

الله تعالى سريع الحساب لا يشغله شأن عن شأن:

 نحن ثبت علمياً لا تستطيع إطلاقاً أن تنتبه إلى صوتين في آن واحد، ومن توهم أنه يستطيع هو في الحقيقة عنده ما يسمى سرعة التحول، أما أنت في وقت واحد لا تسمع إلا صوتاً واحداً، الدليل: ائتِ بمسجلة وضعها على النافذة، واجلس مع صديق حميم ساعة، ثم اسمع ما سجلته المسجلة، كل هذه الأصوات التي سجلتها لم تسمعها أنت هنا، كنت غارقاً مع صديقك في حديث طويل.
 فالإنسان يصطفي، الله عز وجل لا يشغله سمع عن سمع، ولا دعاء عن دعاء ، ولا شأن عن شأن، فهو سريع الحساب.

﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

( سورة غافر )

 أحياناً بالكمبيوتر تسأل السؤال وتطلب الجواب، يأتي فوراً، يقول لك: سرعته عالية جداً، المعالج بمستوى عالٍ جداً، إذا إنسان صنع شيئاً يعطيك الجواب سريع، فكيف خالق الأكوان ؟

الله عز وجل سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته كي نعرف من هو الله:

 الله عز وجل سمح لذاته العلية أن يوازنها مع مخلوقاته قال:

﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنين )

  كلية صغيرة لا صوت، ولا ضجيج، ولا ألم، تعمل ليلاً نهاراً حينما لا سمح الله ولا قدر تفشل كلية الإنسان يضطر بالأسبوع ثلاث مرات، وكل مرة ثماني ساعات، وكل جلسة خمسة أو ستة آلاف، معقدة، وبالنهاية التصفية غير كاملة، وازن بين كلية صناعية وبين طبيعية، أحياناً نجد القلب الصناعي بغرف عمليات القلب خزانة، أجهزة، قلب يعمل ليلاً نهاراً، بلا كلل، وبلا ملل.

الله عز وجل يعلم السر و ما يخفى:

 "الحسيب" هو الكريم، العظيم، المجيد، الذي له علو الشأن، ومعاني الكمال له في ذاته وصفاته مطلق الجمال والجلال.

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

( سورة الشورى )

  هل تعلم له سمياً، أي مشابهاً.

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

( سورة البقرة الآية: 284 )

 أنت مع طبيب إن لم تقل أنا أحس بألم في هذا المكان لا يعلم، الطبيب لا يعلم إن أخفيت عنه الألم لا يعلم، لكنك إن أخفيت عن الله عيوبك فالله عز وجل سيعالجك بها، إن أعلنتها أو لم تعلنها، إن أبديتها أو أخفيتها

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

من شاء المغفرة غفر الله له ومن شاء العذاب عذبه الله:

 الآن دقق:

﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة البقرة الآية: 284 )

 من شاء المغفرة غفر الله له، ومن شاء العذاب عذبه الله، كيف يعني ؟ يقول طبيب لمريضه: معك التهاب معدة حاد، هذا الالتهاب يشفى قطعاً بحمية صارمة، فإن لم تتقيد بهذه الحمية الصارمة لابدّ من عمل جراحي، الأمر بيدك، تطبق حمية صارخة وصارمة تشفى من دون عمل جراحي، تتساهل، الأكل غالٍ عليك، لابدّ من عمل جراحي.
 كلام دقيق، وكأن الله عز وجل يقول لك: تتوب، تمتنع، تسلم، تتابع هذا الخطأ وهذا التجاوز، لابدّ من تأديب

﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾

 إما بالحمية، أو بعمل جراحي، إما من دون ألم أو مع ألم.

(( أَثنى رجل على رَجُل عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ويلك، قطعتَ عُنق صاحبك، - ثلاثا - ثم قال: مَنْ كان منكم مادحاً أخاه لا محالةَ، فليقل: أَحْسِبُ فلاناً واللهُ حسيبه، ولا يُزَكِّي على الله أحداً، أَحْسِبُ كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه ))

[ البخاري عن أبي بكرة]

على كل إنسان أن يكون متأدباً في تقييم الأشخاص:

 يبدو أن سيدنا الصديق لما ولى سيدنا عمر بعده، بعض الصحابة خافوا شدته ، وقلقوا على مصيرهم مع سيدنا عمر، فجاؤوا وعاتبوا سيدنا الصديق، وكأنهم خوفوه بالله عز وجل، اتقِ الله يا رجل هذا شديد جداً، فقال الصديق: تخوفونني بالله ؟ والله لو أن الله سألني يوم القيامة لقلت: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به، فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب.
  أحياناً إنسان يسألك على شخص، والله أحسبه صالحاً، لكني لست ضامناً، هذا علمي به، فقال سيدنا أبو بكر: فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب.
  كن متأدباً في تقييم الأشخاص، أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً.
  هذه التي قالت لرسول الله، وقد كان في زيارة أحد أصحابه، وقد توفاه الله هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، النبي قال لها: ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، سماه العلماء التألي على الله أن تحكم على مصير إنسان، من أنت ؟.

الترضي على معنيين إما التقرير أو الدعاء:

 أيها الأخوة، قال له:

(( قطعتَ عُنق صاحبك، - ثلاثا - ثم قال: مَنْ كان منكم مادحاً أخاه لا محالةَ، فليقل: أَحْسِبُ فلاناً، واللهُ حسيبه، ولا يُزَكِّي على الله أحداً، أَحْسِبُ كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه ))

[ البخاري عن أبي بكرة]

 أيها الأخوة، نحن نقول رضي الله عنه، الحقيقة هذا الترضي على معنيين إما على معنى التقرير، أو على معنى الدعاء، فإذا قلت عن صحابي جليل بشره الله بالجنة تقول رضي الله عنه، يعني لقد رضي الله عنه، فإذا رضي الله عنه، كيف أنت لا ترضى ؟ من أنت ؟ إذا كان خالق السماوات والأرض في عليائه رضي عن كل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بايعوه تحت الشجرة، من أنت حتى لا ترضى عنهم ؟ هذه رضية تقريرية، أما إذا في عارف بالله (عالم جليل) إذا قلت رضي الله عنه هذه دعائية، التقريرية شيء والدعائية شيء.

على الإنسان أن يكون قوياً و متواضعاً في الوقت نفسه:

(( جاء جبريل النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره ))

[ورد في الأثر]

 الحقيقة التحليل دقيق، العبودية أقرب إليها أن تكون فقيراً أو ضعيفاً، أقرب إليها يعني بالمئة قوي قد ينجو عشرة، بالمئة ضعيف قد ينجو عشرون، الإنسان الضعيف أقرب إلى الانكسار من القوي، فإذا الإنسان يستطيع أن يكون قوياً ومتواضعاً وثابتاً، يكون قوياً لأن القوي متاح له من الأعمال الصالحة ما لم يتح لغيره، بجرة قلم يحق حقاً، يبطل باطلاً، يزيل منكراً، يقرر معروفاً، بتوقيع، لأنه قوي، والغني كذلك، يحل مشكلات لا تعد ولا تحصى، يزوج شباباً، ينشئ معاهداً، ينشئ مستشفيات، فرص الأعمال الصالحة أمام الغني واسعة جداً، وفرص الأعمال الصالحة أمام القوي واسعة جداً، لكن مع القوة أحياناً هناك مزلق شعور بالقوة، شعور بالاعتدال، إذا شخص اقترب شعرة تسحقه، لأنك قوي، فيوجد مع القوة مزلق، ومع الغنى مزلق، إذا كان واثقاً من نفسه يكون قوياً، مالاً أو سلطة، وإذا كان ليس واثقاً من نفسه فهو أقرب إلى العبودية من القوة.

(( يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره ))

 وهو في أعلى مرتبة في الأرض.

أعلى مقام يصل إليه الإنسان أن يكون عبد الله وعبد الله حرّ:

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾

( سورة النجم )

 أعلى مقام تصل إليه أن تكون عبد الله، وعبد الله حر، أعلى مقام تصل إليه وهو في سدرة المنتهى

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾

 سبحان الله ! العبودية لله عز ، العبودية لله فخر، تجد الأقوياء الذي يستنكفون عن عبادة الله، هم أمام من أقوى منهم منبطحون، خاضع ذليل لإنسان، فأنا أقول دائماً: إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم ، كن عبد الله فإن عبد الله حر.

العمل الصالح له مكافأة عند الله عز وجلو لو كان صغيراً:

 الله سبحانه وتعالى يحب إجابة الدعوات، تفريج الكربات، إغاثة اللهفات مغفرة الذلات، تكفير السيئات، دفع البليات، المؤمن مع المؤمن متذلل، لكن مع غير المؤمن عزيز، مع ربه يمرغ جبهته في أعتابه، لكن مع غير المؤمن عنده عزة، ولو وزعت على أهل بلد لكفتهم.

(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير ))

[ ابن عساكر عن عبد الله بن بسر بسند ضعيف]

 ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت  فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *

 أيها الأخوة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيءٌ، إلا أنه كان يُخالِطُ الناسَ، وكان موسِراً، فكان يأمُرُ غِلْمَانَه أن يتجاوزا عن المُعْسِرِ، قال: قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن حذيفة وأبي مسعود البدري ]

 يعني أي عمل صالح عند الله له مكافأة.
والحمد لله رب العالمين