8056
السيرة - فقه السيرة النبوية - الدرس (54-57) : بعض التفاصيل حول الأسس التي رسخها النبي في المدينة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-05-05
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

توطئة:

 أيها الإخوة الأكارم، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا زلنا في المدينة المنورة، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أسس فيها قاعدة تعليمية، وقاعدة اجتماعية، وقاعدة اقتصادية، وبدأنا في الدرس السابق بالحديث عن المبادئ الكلية الاقتصادية التي اعتمدها النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا الدرس ندخل في بعض التفاصيل.

تفصيلات القواعد الاقتصادية التي اعتمدها النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة:


 يجب أن نعلم علم اليقين أن الإسلام هو الحياة، بمعنى أنه لا بد أن نعمل لآخرتنا، وأن نصلح دنيانا.
 إنّ الأمة الإسلامية إن لم تكن قوية بمواردها، قوية بخططها، قوية بمشاريعها، قوية بزراعتها، قوية بصناعتها، قوية بتجارتها فلن تستطيع أن تقنع الناس بمنهج ربها.

1- الزراعة:

1 – الحضُّ وتشجيع الزراعة:


 فلذلك في شأن الزراعة يقول عليه الصلاة والسلام ـ دققوا ـ يوم القيامة، حيث انتهى كل شيء، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))

(رواه أحمد في المسند).

 ينبغي أن تعمل إلى آخر وقت في حياتك.
قد يبدو هذا المثل غريباً:
 إن الإنسان أحياناً يعمل عملا يقطف ثماره بعد ساعة، أما أن يغرس فسيلة فإنها تحتاج إلى أن تثمر عشر سنوات، والساعة قامت، هذا منتهى التوجيه الحكيم، كيف أن هذه الفسيلة لن تقطف ثمارها قبل عشر سنوات، أو قبل خمس سنوات، أو قبل عشرين سنة أحياناً، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))

 القول الشهير: ويل لأمة تأكل مالا تزرع، إن أكلت ما لا تزرع فهي تحت رحمة أعدائها، في أية لحظة ينهون حياتها، لذلك لا يكون المسلم مسلماً إلا إذا كان قوياً.

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ].

ومن القوة تحسينُ الإنتاج.
 مرة سألت إنسانا يزرع الخضار في ارضٍ محمية، فهذا البيت البلاستيكي مساحته نصف دنم، سألته: لو زرعت البيت بالطماطم كم ينتج ؟ قال لي: عشرة أطنان، في بلاد الغرب الإنتاج 25 طنا، المساحة نفسها، لوجود وسائل علمية، وتسميد، وبذور مطورة .
 في أزمة الدانمارك ظهرت بعض الحقائق، الشعب الدانماركي عدد سكانه خمسة ملايين، يُطعم من المواد الغذائية خمسين مليونا في العالم، وأحياناً يكون سكان بلد خمسين مليونا يستوردون القمح، وخمسة ملايين يطعمون خمسين مليونا !!! وأحياناً بلد فيه سبعون مليونا يستورد مواد أساسية !!!
 لذلك الآن بعض الدول في العالم الغربي والشرقي رأت أنه في النهاية المعركة معركة طعام وشراب، كنا في معركة بترول، ثم معركة قمح، ثم معركة ماء، المرجح في المستقبل أن تكون المعركةُ معركةَ مواد غذائية، لأن الإنسان في النهاية كائن له فم يجب أن يمتلئ بالطعام ، مؤمنا كان أو غير مؤمن، مثقفا أو غير مثقف، متعلما أو غير متعلم، عربيا أو غير عربي، لا بد من أن يأكل، فلذلك: ويل لأمة تأكل مالا تزرع.
 بعض البلاد المتقدمة جداً الآن تشتري الأراضي في إفريقية كي تزرعها، وكي تنال حاجتها من الغذاء، وأكبر بلد عربي مساحة فيه مليونان ونصف مليون كيلومتر مربع صالحة للزراعة، وفيه نهر أربعة أخماسه يصب في البحر، والأرض معطلة عن الزراعة، والماء يذهب في البحر هدراً، والشعب فقير جداً أيعقل هذا ؟!.
أيها الإخوة، هذا درس بليغ لنا:

(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))

 في بعض المحافظات الجنوبية في سورية نشأت مشاريع زراعة تفاح في أعلى درجة، هذا الإنتاج الغزير خفض السعر، فإذا استصلحنا أراضينا، وبنينا السدود، وحفرنا الآبار، واكتفينا عن أن نستورد الغذاء أصبحنا أقوياء، أما كلُّ شيء نستهلكه مستورد فهذه مشكلة كبيرة.

2 – تشجيع إحياء الأرض الميتة:

 لقد سعى النبي عليه الصلاة والسلام لتحسين الإنتاج، وزيادته، وتوسيع الأراضي المزروعة، وإصلاح الري، وتوفير الماء اللازم للزراعة، وتشريع العلاقات الزراعية، وهناك تشريعات كثيرة في هذا، وأهم شيء أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ))

(أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي عن سعيد بن زيد)

 أيْ: حفر بئرا، وزرع أشجارا، قلبها من منطقة صفراء إلى منطقة خضراء، إذاً: هي له، والآن في بعض البلاد عندهم مشروع، اسمه المشروع الأخضر، أيّ إنسان يحق له أن يأخذ قطعة من الجبل، فإذا قلب هذه الأرض الصفراء إلى أرض خضراء فهي ملكه، لا يوجد نظام يشجع على الزراعة مثل هذا النظام، وتحويل الأراضي القاحلة إلى أراضٍ خضراء، وتكثير الإنتاج، وتخفيض الأسعار، وإشاعة الرخاء كهذا المشروع.

(( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ))

وقال عليه الصلاة والسلام:

(( من أحيا أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها ))

( الجامع الصغير بلفظ: " مَن أعمر أرضا... " عن عائشة بسند صحيح )

 الإحياء هو الغرس، والزرع، وحفر البئر، وموطن رعي الدواب زراعة النخيل.
 النخيل الذي أكل منه النبي عليه الصلاة والسلام لا زلنا حتى الآن تقطف ثماره وتسوّق، لأن عمر النخلة ستة آلاف عام.
 لذلك أنا أشكر الحكومة عندنا على هذا، ففي قطع الشجرة غرامة تصل إلى خمسين ألف ليرة، وفي الخليج قطع الشجرة غرامتها مليون ليرة، لأنها تجلب الأمطار، وتلطف الجو، وتحسن المنظر.
(( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ))
(( من أحيا أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها ))
 والإحياء هو الغرس، والزرع، وحفر البئر، وإيجاد موطن رعي الدواب، وزراعة النخيل، وأصل الإحياء إنما هو بالماء، وذلك كاشتقاق نهر، واستخراج عين، أو حفر بئر، أو بناء غرفة، أو غرس شجرة، وما إلى ذلك.
 اليوم الناس كلهم نزحوا إلى المدينة، فترى بسبب هذا أحياء مكتظة، وتلوثا عاليا، وأزمة سكن، وأزمة مواصلات، وهذا شيءٌ لا يحتمل، والريف فارغ، الآن الدول المتقدمة الريف فيه خدمات إلى درجة لا تصدق، فهناك النزوح عندهم من المدينة إلى الريف، وعندنا بالعكس، من الريف إلى المدينة، كلما حسنت خدمات الريف اتجه الناس نحو الريف، لأن الجو هادئ، والهواء نقي، والماء عذب، والهواء منعش، والمناظر خلابة، لكن الآن ما عندنا مناظر خلابة، الناس يميلون إلى المدينة، وأعلى نسب تلوث في العالم في المدن.
من ألهم النبي الكريم هذه الإجراءات ؟ هذه إجراءات حضارية، قال في التجارة: تلك الزراعة.

2- التجارة:

1 – إقامة سوق للمسلمين:

 وأما في التجارة فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة سوقاً واحدة أراد أن يتخذها أولاً في موضع في بقيع الزبير، واعترض كعب بن الأشرف أحد زعماء اليهود المناوئين للإسلام، وقطع حبال الخيام التي وضعها النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الموضع، فنقلها النبي إلى موضع سوق المدينة، وقال:

(( هذه سوقكم فلا يضيق، ولا يؤخذ فيه خراج ))

( ورد في الأثر )

 هناك بلد إسلامي أنشأ بناء ضخما جداً في العاصمة من سبعة طوابق، وكل طابق فيه تقريباً ألف مكتب تجاري، والمكتب محل تجاري، ومكتب استيراد، ومستودع، وموقف لسيارتين، هذا البناء فيه كل ما يحتاجه التاجر، من معاملات، ومن وزارات، ومن مؤسسات، لا يخرج من هذا المكان إطلاقاً توفيراً للوقت والجهد، فصارت التجارة سهلة.
 أحياناً عندنا تصديقُ الوثيقة من المكان الفلاني، وفحص البذور في مدينة في الشمال، والنبات استنباته في محافظة في الجنوب، فتجد أربعة أخماس وقت الإنسان من مكان إلى مكان، هذا البلد الإسلامي جمع المصالح كلها في مكان واحد، الآن هناك اتجاه أن يجعلوا كل الوزارات في مكان واحد، لتوفير الوقت والجهد.
 لذلك خطط النبي الكريم للسوق التجاري، فلا يضيق، لأن المكان واسع، ولا تحتاج إلى موقف سيارة، أو مكان إناخة الجمل، الحياة هي الحياة، السوق التجاري يحتاج إلى موقف، وبعض الأسواق في أسترالية أربعة أخماسها مواقف سيارات.
فكان النبي يقول: هذا السوق لكم أيها المسلمون، فيها مكان لإناخة جمالكم، يتجول المسلم ويشتري، يركب جمله ويمشي، يركب مركبته ويمشي، نقلها النبي عليه الصلاة والسلام إلى موضع إلى سوق المدينة، وقال:
(( هذه سوقكم فلا يضيق، ولا يؤخذ فيه خراج ))

 ليس عليها ضرائب، وكانت سوق المدينة فضاءً واسعاً لا بناء فيه، يضع التجار فيه سلعهم، والمكان لمن سبق، يبيع فيها أصحابها ما يعرضون من حاجاتهم المختلفة، وكان الراكب ينزل بسوق المدينة، فيضع رحله، ثم يطوف بالسوق، ورحله أمام عينيه لا يحجبه عنه شيء.
إذاً: تيسير مكان للباعة من تخطيط النبي، وإقامة أسواق من تخطيط النبي.
 كنت مرة في أمريكا، وجدنا سوقا هي أرخص سوق في الولاية، الأرض ليست مبلطة، بل هي من الإسمنت، والرفوف من أرخص أنواع الرفوف، ما فيها موظف، بل هناك خدمة ذاتية، وكل المواد عبوات مفتوحة، الكمية حرة، أريد ثلاثين حبة من هذا الدواء، يعد ثلاثين ويضعها في ظرف، ويعطيكها، الأسعار رخيصة جداً، فكل الطبقة المتوسطة تتهافت على هذا السوق.
 إحداث سوق مع توفير خدمات هذا من الدين، هؤلاء الباعة يجب أن يكون لهم مكان، وليس كلما جاء شرطي يهربون، ويحملون حاجاتهم، ويولون مدبرين، فتوفير الأسواق، وتوفير الحاجات، والخدمات أمرٌ ضروري.
والله هناك أماكن للنزهات، حمامات بمياه ساخنة، مكان لشيّ اللحم، ألعاب للأولاد، مساحات خضراء، هذه مهمة من يقوم على إدارة شؤون الأمة.

2 – تشجيع الحِرَف:

 الآن مع الحرف الصناعية: كانت الحياة المهنية والصناعية في المدينة تتوافق مع الظروف العامة في بلاد العرب، تبدو فيها البساطة بشكل عام، فاللباس وما يتعلق بصناعة الملبوسات كان غاية في البساطة والقلة، الآن في هذه البلاد الإسلامية يكفي الرجلَ قطعةُ قماش فقط يُلفّ على جسمه، والعمامة قماش تلف على رأس صاحبها.
كانت هناك حِرف كثيرة قائمة في المدينة لأداء الحاجات اليومية للناس، وهي محدودة، كالدباغة، ونسج الصوف، وحوائج الركوب، وأدوات المنزل، وحرف البناء، والخيام، والسلاح.
 هناك دراسة عن الدول النامية الفقيرة التي تبيع الصوف لبلاد الصناعية، فيرجع القماش مصنعا من الصوف، بكم ضعف عن ثمن البيع ؟ 3700 ضعف عن ثمن الشراء، يرجع قماشا مصنعا غاليا جداً، فهؤلاء يغتنون على حساب الشعوب النامية، وضعف نسيجها.

3 – الصناعة:

 قال الله عز وجل في الحرف والصناعة:

﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾

( سورة هود الآية: 37 ).

 أساساً قوم عاد كانت متفوقة جداً في ذلك، قال تعالى:

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

( سورة الشعراء ).

 كانوا متفوقين في البنيان، وفي الصناعة، وفي النواحي العسكرية، وفي النواحي العلمية:

﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾

( سورة العنكبوت ).

﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾

 هذه صناعة النجارة والنجارة.
آية أخرى:

﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ﴾

( سورة الأنبياء ).

 صناعة الحديد الدروع.
إذاً: عندنا نجار، وعندنا حداد.
والآية الأخرى:

﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾

( سورة سبأ الآية: 11 ).

 درع سابغة، أو أوان للطعام.
وهناك صناعات حربية ومدنية.

﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ﴾

( سورة النمل الآية: 44 ).

 الحقيقة أن هناك شيئًا مدهشا، أن الملكة بلقيس جاءت إلى قصر سليمان، فلما دُعيت إلى دخول قصره وبهوه رأت ماء يجري، فرفعت ثوبها قليلاً، لأنهل تصورت أن هذا المكان فيه ماء، صحيح أن فيه ماء، ولكن فوقه بلور صافٍ، 100 %، هذه صناعة متفوقة جداً.
﴿ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ﴾

فتقدمي ولا تخشي الماء، فصغرت.
 لقد أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى أهمية السلاح والأدوات البحرية كالمنجنيق، والسيوف، والأقواس والسهام، وغيرها، وكان أعظم توجيه صناعي قدمه النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))

( أخرجه البيهقي عن عائشة ).

 تجد الصناعة غالية جداً، أحيانا الفرق بأربعة أضعاف للإتقان فقط، لذلك:
(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))
 والآن أيّ إنسان إذا كان عمله متقنا تكون أرباحه عالية، لأن عليه إقبالا شديدا، في أي مجال صناعي، أو تجاري، أو زراعي، وقد تجد مطعما في اليوم غلته مليون ليرة، ومطعم إلى جانبه غلته عشرة آلاف، الفرق في الإتقان، لذلك هذا حديث أصل في الصناعة:
(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))
اشترى أحدهم غرفة ضيوف، جلبها إلى البيت، وجاءه ضيوف في اليوم الأول، جلسوا على أريكة فانكسرت بعض القطع منها، فذهب إلى النجار غاضباً مزمجراً يغلي، فقال له: لعلكم جلستم على هذا الطقم !؟ طبعاً هناك أعمال سيئة جداً.
لذلك الدول النامية فوق أنها نامية بضاعتها غير مقبولة عند التصدير، فيها غش وفيها تقصير.

أنواع الصناعات في المدينة النبوية:

 وكان من صناعات الإتقان نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من الصناعات التي تقدمت في المدينة الصباغة، والدباغة، وقد شاركت فيها النساء أمثال زينب بنت جحش، وأسماء بنت عميس، وكان أهل المدينة يصنعون الخوصة فتعلم منهم سلمان الفارسي، وقد صنع منبرا من الخشب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عاش إلى سنة 654 هجري.
ماذا فعل النبي ؟ فقط دعا إلى الله ؟ أسس قاعدة اقتصادية، هيأ سوقا، أعطى توجيهات معينة.

(( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ))

( أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي عن سعيد بن زيد )

طبعاً الحياة بسيطة جداً، ولكن فيها الأمور الأساسية لنمو الاقتصاد.

4 – الثروة الحيوانية:

 هناك ثروة حيوانية في المدينة بعد الهجرة، وكان أهم شيء فيها العناية بالخيول والإبل، والحيوانات المستخدمة في الجري والركوب، لذلك أعطي الحصان أو الفرس من أسهم الغنائم ما يعدل ضعف نصيب صاحبه، لأهميته في ميدان القتال، فصار هناك تنشيط لتربية الخيول، الآن فقط للسباق.
أما قديماً فقد كانت للحرب، هناك ملكيات عامة، هي مواد أساسية ممنوع أن يتملكها إنسان.
مثلاً: يقول عليه الصلاة والسلام:

(( الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ ))

(ابن ماجه عن ابن عباس)

هذا الماء تدفع أنت أجرة خدمات المؤسسة لا ثمن الماء، فالثمن أجور خدمات.
 والله هناك قرية في الغرب السوري فيها تقريباً ثلاثون مزرعة، وأصابتها سنوات جفاف متتابعة، كان رعاة الغنم كلما دخلوا إلى مزرعة لإسقاء الغنم طردوا وعنّفوا، إلا مزرعة واحدة استقبلتهم على الرحب والسعة، بل إن صاحب المزرعة بنى للغنم خندقاً يملأ بالماء كي يسهل الشرب لأعداد كبيرة الغنم، يقسم لي إنسان في هذه المنطقة إنه بعد عامين جفّت آبار الثلاثين مزرعة، إلا هذا الذي استقبل هذه الكائنات، وأشربها ماء فراتاً.

5 – نظام الزكاة:

 أما التعاون فكان أساسه نظام الزكاة، فإذا كانت أرض الإنسان المزروعة قد سقاها بماء البئر فإن زكاة أرضه العشر، وإذا كان سقيها بماء السماء فزكاة إنتاجه الزراعي نصف العشر، لذلك صار توزيع الخيرات على الفقراء بشكل كبير.

خاتمة:

 الحقيقة أيها الإخوة، قضية الاقتصاد الآن ترتقي إلى المرتبة الأولى، مع أن هذا الذي ذكرته يعني قضايا بسيطة ومتواضعة، لكن لها دلالات كبيرة، النبي عليه الصلاة والسلام أرسى نظاماً اقتصادياً عني بالزراعة، والصناعة، والتجارة، والحرف، ونظم العلاقات التشريعية بين كل هؤلاء.
على كلٍ أيها الإخوة، في لقاء آخر إن شاء الله ننتقل إلى موضوع القاعدة الإدارية، والأمنية، والدعوية في المدينة المنورة.
والحمد لله رب العالمين