7612
السيرة - فقه السيرة النبوية - الدرس (49-57) : التنظيمات الإدارية في المدينة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-12-16
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا زلنا في التنظيمات التي نظمها النبي صلى الله عليه وسلم للمجتمع المسلم في أول كيان سياسي إداري للمسلمين.

الدين ليس عبادات فقط:

الدين هو الحياة
والناس اليوم إذا ذُكر الدين يتوهمون أنه عبادات فقط، تصلي، وتصوم، وتحج وتزكي، وانتهى الأمر، الدين هو الحياة، في بالدين تنظيم للعمران، في معالجة للأمراض في اتفاقيات، في إصلاح للدنيا، اعمل لآخرتك وأصلح دنياك.
نحن قد نفاجأ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة بدأ يعالج مشكلاتها، والدين حينما يعزل عن مشكلات المجتمع ينتهي، الدين يجب أن يعالج مشكلة البطالة، أزمة السكن، أزمة الزواج، تأمين فرص عمل، أن يعالج القضايا الصحية العمرانية، الأعمال، التنظيم، هذا من الدين، الدين هو الحياة، وليس الدين عبادات تؤدى أداءً أجوفاً، وانتهى الأمر.

الجانب الصحي للمهاجرين بقدومهم إلى المدينة:

1 ـ حمّى يثرب:

أيها الإخوة، المهاجرون بعد قدومهم إلى المدينة أصيبوا بمرض شائع في المدينة اسمه حمى يثرب، هذه المدينة يثرب اشتهرت بهذا المرض، والمهاجرون حينما قدموا إلى المدينة هناك اختلاف مناخي وبيئي بين مكة والمدينة.
صحة الإنسان تتوافق مع البيئة والمناخ في بلده الأصلي
نحن في دمشق إذا سكن أحدنا في الساحل قد لا يستريح، هناك رطوبة عالية جداً، وأبناء الساحل إذا جاؤوا إلى مدينة داخلية لا يستريحون، هناك جفاف في المناخ، فالإنسان مخلوق بإتقان رائع، حيث إنه يألف البيئة، ويتوافق معها، ويتكيف معها حتى تصبح البيئة جزءاً من كيانه، فإذا انتقل إلى بيئة أخرى شعر بحرج.
فأهل مكة، الأصحاب الكرام الذين هاجروا إلى المدينة اختلف عليهم المناخ، واختلفت عليهم البيئة، وفي الأصل في بالمدينة مرض اسمه حمى يثرب.
فصحة المهاجرين لم تتحمل هذا الوباء، وكان له آثار جسيمة على المهاجرين، حتى أوشك بعضهم أن يموت، لماذا أذاق الله النبي الفقير فصبر ؟ أذاقه الغنى فأنفق، أذاقه القهر في الطائف فراجع نفسه مع الله عز وجل، أذاقه النصر في مكة فتواضع، أذاقه موت الزوجة السيدة خديجة فتألم وصبر، أذاقه موت الولد فصبر، وقال:

(( إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإن عليك يا إبراهيم لمحزونون ))

( البخاري عن أنس )

وأذاقه أن بنته طلقت، وأذاقه الهجرة، والهجرة اقتلاع من الجذور، إنسان مستقر في بلد، صحته متوافقة مع هذا المناخ والبيئة، فينتقل فجأة إلى بلد يختلف في مناخه وفي بيئته عن بلده الأصلي.

2 ـ لا لإهمال الصحة:

ويمكننا أن نتعرف إلى ما أصاب المهاجرين، ومن ثم ما اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم من مواقف وأعمال أدت إلى تحول المدينة من الوباء إلى الصحة.
المرض نتيجة طبيعية لعدم الأخذ بالأسباب
ماذا نستنبط ؟ مؤمن يهمل صحته أمرٌ مرفوض، صحتك رأس مالك، بل إن من لوازم عبوديتك لله أن تحترم قوانين الله في جسمك، تأكل ما تشتهي بلا ضابط، وبلا توجيه طبيب، ثم تفاجأ بمرض عضال، وتقول: إن الله قدر علي هذا المرض، هذا المرض نتيجة طبيعية لعدم الأخذ بالأسباب، المؤمن شخصية فذة، جسمه قوي، تفكيره واضح، معنوياته عالية، نفسيته طاهرة، بيته منظم، عمله منظم، مواعيده دقيقة، حساباته دقيقة، هذا الذي نتوهمه أنه مؤمن مهمل، ثيابه غير أنيقة، معاملته غير منضبطة، مواعيده غير منضبطة، هذه مشكلة كبيرة، لذلك الآية الكريمة:

تصرفات المسلم تعكس دين الإسلام

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

( سورة الممتحنة الآية: 5 ).

لما تعامل إنسانا غير مسلم، تهمل مواعيدك، تأتي بعد ساعة، عملك غير متقن، حساباتك غير منضبطة، محلك التجاري ما فيه نظام أبداً، ولا نظافة، بضاعتك مهملة، أو بضاعة انتهت صلاحيتها، وتبيعها خطأ، وأنت مسلم !

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

الطرف الآخر يوم يرى المسلم مقصر، مواعيده غير صحيحة، صحته متردية أكله غير منضبط، بيته غير منضبط، أولاده مهملون، هذا الطرف الآخر يتشبث بكفره ، من الذي أقنعه بكفره ؟ المسلم المقصر، المسلم المقصر هو الذي يقنع الكافر بكفره، الكافر مواعيده دقيقة، صناعته متقنة، واضح وضوح شديد.

3 ـ الإسلام حياة شاملة:

فلذلك أيها الإخوة، الإسلام هو الحياة، الإسلام هو التفوق، لي كلمة أنا مقتنع بها، ولا تطالبوني بالدليل:
ليس المسلم من يهمل واجباته وعائلته
الآن في هذا العصر بالذات، إن لم تتفوق في دنياك فلا يحترم دينك، طبيب من عام 58 ما قرأ كلمة في الطب بعد ما تخرج، وهو مسلم من رواد مسجد، وفي العالم الغربي الطبيب إن لم يحضر في العام الواحد ثلاث مؤتمرات لا يسمح له بمزاولة حرفته، من عام 58 لم يقرأ كلمة، كله على القديم، يقول لك: أنا تلميذ الشيخ الفلاني، خير إن شاء الله ، الآخر متفوق، أنا أقول لكم كلاما من واقع مؤلم، مؤمن سبهللا، غير متقن لعمله، غير متقن لمواعيده، لا يعتني بصحته إطلاقاً، بيته سائب، أولاده في الطريق، زوجته عند الجيران دائماً، هو مسلم ؟ لا أبداً.
الآن تفاجؤون أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة أسس مجتمعًا منظّمًا، عالج مشكلات المدينة الصحية، والعمرانية، وعالج الخدمات، إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام بمواقفه وأعماله حول المدينة من الوباء إلى الصحة.

4 – شكوى الصحابة من الحمى ودعاء النبي بإذهابها:

فعن عائشة رضي الله عنها قالت:

(( لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى ـ فيها مجموع أمراض، في مقدمة هذه الأمراض الحمى ـ فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، فصرف الله تعالى ذلك عن نبيه، قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة، وبلال مع أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب ))

الحجاب حق من صلب الدين.
بالمناسبة في فرنسا ظنوا أن الحجاب رمز إسلامي، فمنعوا كل الرموز الدينية ، اليهود يضعون قبعة على رؤوسهم، والحجاب ظنوه رمزاً إسلامياً، أنا كان تعليقي أن الحجاب ليس رمزاً، بل هو جزء من الدين.
السيارة المشهورة التي لها علامة ثلاثة خطوط المرسيدس، هذه الإشارة في مقدمة السيارة رمز لها، لكن مكبح السيارة ليس رمزاً للسيارة، بل هو جزء أساسي منها، فلو ألغيت هذه الشارة تبقى السيارة سيارة، أما إذا ألغي المكبح كان الحادث حتميًا.
هذا كلام دقيق، الحجاب في الإسلام كالمكبح للسيارة، أما أن نظنه رمزاً يمكن أن نلغيه فهذا كلام في جهل كبير.
الحجاب جزء من الدين
قالت: وبهم لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك، أيْ ألم المرض، فدنوت من أبي بكر فقلت له: كيف تجدك يا أبتِ ؟ فقال: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله ـ يعني على وشك الموت، هذه الهجرة، دُفع ثمن باهظ ـ قالت: فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت من عامر، فقلت له: كيف تجدك يا عامر ؟ قال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مــجاهد بطوقه كالثور يحمي جلده بروقه
كان سيدنا الصديق ومولاه عامر وبلال في حالة يرثى لها، قالت: فقلت: والله ما يدري عامر ما يقول، قالت: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت، ثم رفع صوته فقال:

ألا ليت شعري أبيتن لـيلة * بواد وحـولي إذخر وجـليل
وهل أردن يوما مياه مجنة * و هل يبدون لي شامة وطفيل

ثلاثة رجال في حالة مرض شديد، وهم على وشك الموت، قالت عائشة رضي الله عنها: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم، فقلت:

(( إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى، قالت: فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة ))

بالدعاء.
إخواننا الكرام، الدعاء أكبر سلاح يملكه المؤمن، الدعاء سلاح المؤمن، اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، أو أشد.
الدعاء سلاح المؤمن
لذلك تروي السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما خرج من مكة إلى المدينة مهاجراً قال: يا رب، إني تركت مكة، وهي أحب البلاد إلي، فأسكني أحب البلاد إليك، فسكن في المدينة، وهي بنص الحديث أحب بلاد الله إلى الله.
قال: وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وبائها إلى مهيعة، مكان بعيد، دعاء حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، أو أشد وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وبائها إلى مهيعة، أي إلى الجحفة.
وعن عبد الله بن عمر بن العاص
المدينة المنورة أحب بلاد الله إلى الله
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمى المدينة، حتى جهدوا مرضاً، وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى كانوا ما يصلون إلا وهم قعود من شدة الوعك، قال: فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون كذلك، فقال لهم:

((اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم ))

الآن في معظم المساجد عدد كبير من المصلين كلهم على كراسي، المريض معذور، وصلاة القاعد إذا كان يستطيع أن يقوم على النصف.
قال:

(( فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل ))

(أحمد )

من هاتين الروايتين يتضح أن شدة بالغة أصابت الصحابة الكرام في المدينة المنورة، والدعاء لم يُعرف في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أي انفصال بين القول والعمل.

الدعاء مع الأخ بالأسباب:

دقق الآن: ولا بين الدعاء ولا الأخذ بالأسباب، هنا موطن الشاهد، أنت لك أن تدعو الله، أن تنجح في الامتحان ما لم تدرس الدعاء استهزاء بالله عز وجل، أنت لك أن تدعو الله، ولكن الدعاء لا يقبل إلا إذا أخذنا بالأسباب.
تراجع المركبة قبل السفر مراجعة كاملة، وتقول يا ربي أنت الحافظ، وفقني في هذا السفر، سلمني في هذا السفر، أما ألا تراجع المركبة إطلاقاً، وتسأل الله السلامة من دون أخذ بالأسباب فلا !!!
سيدنا عمر رأى أعرابياً معه جمل أجرب، قال: << يا أخا العرب، ما تفعل بهذا الجمل ؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، فقال له سيدنا عمر: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً ؟ >>.
من اكتفى بالدعاء، ولم يأخذ بالأسباب لم يفهم الدين، الابن حرارته 41، يا رب اشفه، لا بد أن تأخذه إلى الطبيب، وتشرف بنفسك على تلقي الدواء، تدفع صدقة، وبعد هذا تقول: يا رب أنت الشافي، ولا شافي إلا أنت.
فيجب أن يسبق الدعاء أخذ بالأسباب، والمشكلة أيها الإخوة أن الغرب أخذ بالأسباب واعتمد عليها، والشرق لم يأخذ بالأسباب أصلاً، فالغرب وقع في الشرك، والشرق وقع في المعصية، نحن نتوهم، ما معنى إنسان دين ؟ يعني أنه متوكل على الله، الفاكهة يأكلها قبل أن يغسلها، سمِ الله، لا يضر مع اسمه شيء، هذا غير إسلامي، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه ))

(أخرجه الطبراني عن سلمان )

من أكل فاكهة من دون أن يغسلها فهو مؤاخذ، لما كان يشرب الماء يقول:

(( أبن القدح عن فيك ))

( رَوَاهُ التِّرمِذِيّ عن أبي سعيد الخدري )

لأن الزفير ينقل بعض الأمراض، ما شرب من إناء فيه ثلمة، لأن هذه الثلمة تتوضع فيها الجراثيم، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، تجري مراجعة للمركبة تامة وتقول: يا رب سلم، يا رب احفظني.
المسلم يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله
فكان دعاءه هذا مقروناً بالعمل وإعداد الأسباب.
بصراحة هل هناك إنسان على وجه الأرض أحق بالنصر من سيد الخلق ؟ ومع ذلك في الهجرة أخذ بكل الأسباب، هيأ إنساناً يمحو الآثار، وهيأ إنسان يأتيه بالأخبار، وهيأ إنسان يأتيه بالزاد، وسار باتجاه معاكس للمدينة، وقبع في غار ثور أياماً ثلاثة، ثم استأجر دليلاً رجح فيه الخبرة على الولاء وأخذ بكل الأسباب، هذا هو الدين.
في التجارة، في الصناعة، في الزارعة، في الوظيفة يجب أن تأخذ بكل الأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
السيدة عائشة تقول:

(( وقدمنا المدينة، وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجري نجلاً، أي بماء آسن ملوث، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح الماء يجري عذباً، قالت السيدة عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بطحان على ترعة من ترع الجنة ))

الماء النقي يقي من الأمراض
إخواننا الكرام، حينما كنت صغيراً أذكر أنّ نهر يزيد في دمشق معظم أهل الصالحية يشربون منه، كان هناك دين، ما أحد يلقي فيه شيئاً، الآن مياه سوداء، كلما قوي إيمان الإنسان يحافظ على البيئة، وكلما ضعف إيمانه يلوث البيئة، الآن مياه بردى لونها أسود، من الروافد، والمياه المالحة، وهل تصدقون وأنا والله أذكر ذلك معظم أهل الصالحية يشربون من ماء نهر يزيد، لوجود الورع، و الدين.
فالنبي نهى أصحابه، ما عاد الماء ملوثا، توقفت الأمراض، أصبح هذا الوادي فيه ماء نقي.
شيء آخر: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( تنظفوا بكل ما استطعتم، فإن الله تعالى بنى الإسلام على النظافة، ولن يدخل الجنة إلا كل نظيف ))

( الطبراني في المعجم الأوسط عن عائشة)

النظافة في الإسلام مجسدة في شخص النبي:

أريد أن أعطيكم فكرة عن نظافة النبي، وعن أناقته، وعن ذوقه الرفيع، أمامه طبق تمر، فأخذ تمرة وأكلها، ما الذي يجري عادة ؟ بعد أن يأكلها يمسك بالنواة، ويضع النواة على طرف الخوان، إصبعاه أخذا شيئاً من لعابه الشريف، أخذ النواة من فمه محاطة باللعاب، ومسكها بإصبعه، لو مسك تمرة ثانية وجدها قاسية جداً فتركها، وأكل الثالثة، ما الذي حصل ؟ انتقل لعابه الشريف إلى تمرة لم يأكلها، كيف كان يأكل التمر ؟ المؤمن إنسان نظيف ومرتب
كان يضع النواة هنا، وتبقى أصابعه جافة، أرأيت إلى هذا الذوق ؟ كان إذا أكل التمرة وضع النواة على ظهر أصابعه، أما إبهامه وسبابته تبقى هاتان الإصبعان جافتين، هكذا الذوق.
كان عليه الصلاة والسلام يُعرف بريح المسك، كان يقول: نظفوا أفنيتكم، تدخل بيتا نظيفا، والله دخلت مرة إلى بيت في بلدة من قرى دمشق، والله بيت متواضع جداً بغير إسمنت، لبن وطين، لكن طلاءه جيد، فيه نظافة، فيه ترتيب، شيء لا يصدق، المؤمن نظيف ومرتب، ولو كان بيته متواضعا، أحياناً هناك أناقة، وتناسب ألوان، ونباتات بقياس واحد كلها، كلها مطلية بطلاء واحد، شيء جميل.
فالنبي عليه الصلاة والسلام هكذا قال:

(( إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ))

( أخرجه الترمذي عن سعد )

النظافة والصحة:

1 ـ النظافة أحد أسباب الصحة:


النظافة أحد أسباب الصحة
والآن ثبت أن النظافة أحد أسباب الصحة، وهناك أمراض كثيرة سماها العلماء أمراض القذارة، وفي العالم الآن 300 مليون إنسان مصاب بمرض القذارة، حيث يكفي أن يدخل إنسان إلى دورة المياه، وبعد ما انتهى ما نظف أصابعه تماماً، لو كان معه وباء كبدي قاتل يمكن أن ينقل المرض إلى 300 إنسان من رواد المطعم، فالنظافة أحد أسباب الصحة.
فالنبي عليه الصلاة والسلام حض على الطهارة بشتى مجالاتها، طهارة النفس طهارة الجسم، طهارة اللباس، والسكن.


2 ـ هذا هو أسلوب التنظيف في الغرب:

صدقوا، أنا زرت بلاد كثيرة جداً، في كل أستراليا ليس هناك إلاّ الورق للتنظيف في دورات المياه، أما عندنا فهناك مياه، والتنظيف بالمياه أعلى مستوى، وفي كل أمريكا التنظيف ورق، ودورات المياه بالمطارات كلها ورق، أما في بلادنا فهناك ماء، وأمراض القذارة مشكلة كبيرة جداً، والمسلمون الذين يعتنون بنظافتهم نظافة نفوسهم أولاً، ونظافة أجسامهم، ونظافة ثيابهم، ونظافة بيوتهم ناجون من أمراض لا تعد ولا تحصى.

3 ـ من التوجيهات النبوية في التنظيف:

لذلك دقق في بعض التوجيهات:
ـ لا يجوز التبول في مهب الريح، لأن البول يعود على الإنسان بفعل الرياح، ولا في الماء الراكد، ولا في ماء قليل، ولو كان جاريا، الماء القليل الجاري محرم البول فيه، أو في كثير أيضاً، ولا في المقابر احتراماً للموتى، ولا في الطرقات.

الحقوق المدنية في الإسلام:

1 – صفة العدالة وأثرها في المسلم:

بالمناسبة، الإنسان عنده حقوق مدنية بالمصطلح الحديث، لكن قديماً عنده العدالة من كذب وخان ليس بمؤمن
العدالة تمتع الإنسان بالحقوق المدنية، الضبط والعدالة، الضبط صفة عقلية، والعدالة صفة نفسية، هذه العدالة إما أن تسقط، وإما أن تجرح، كيف تسقط ؟
من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم ولم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته.
هذا مؤمن يتمتع بحقوقه المدنية، من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته وحرمت غيبته، إذا عاملهم فظلمهم، سقطت عدالته، إذا حدثهم فكذبهم، سقطت عدالته.

(( المؤمن يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة ))

(مسند أحمد عن أبي أمامة )

فإذا كذب أو خان فليس مؤمناً، ووعدهم فأخلفهم سقطت عدالته، هذه الأشياء الثلاثة تسقط العدالة.

2 – حالات تجرح العدالة:

لكن هناك 33 حالة تجرحها احذروا الحالات التي تجرح عدالتكم
من بال في الطريق، جرحت عدالته، من مشى حافياً جرحت عدالته، من أكل في الطريق حرجت عدالته، من قاد برذوناً، قاد كلبًا مخيفًا، خوّف الصغار جرحت عدالته، من أطلق لفرسه العنان، الآن أسرع في السير بالسيارة، جرحت عدالته، من كان حديثه عن النساء جرحت عدالته، من تنزه في الطرقات، طريق يعج بالحسناوات، كاسيات عاريات، يحلو له التنزه بهذا المكان جرحت عدالته، من علا صياحه في البيت حتى سمعه من في الطريق جرحت عدالته، من طفف بتمرة، فلم يأتِ الوزن تماماً، حمل، وقال له: تفضل، الآن بالبنزين تقول له: فرضاً بألف لير، 995، لا يكملها، تطفيف بتمرة، يجرح العدالة، أكل لقمة من حرام، أكل مشمشة، كم الكيلو ؟ غالي الثمن، أكل لقمة من حرام، تطفيف بتمرة، الحديث عن النساء، التنزه في الطرقات، من علا صياحه في البيت، من قاد برذوناً، من أطلق لفرسه العنان، هذا كله يجرح العدالة، من مشى حافياً، من بال في الطريق، من صحب الأراذل، إنسان منحرف الأخلاق، تمشي معه تتهم به، فعد الفقهاء 33 بنداً تجرح العدالة.

3 – احذر أن تفعل مثل هذا :

لذلك لا يجوز التبول لا في مهب الريح، ولا في ماء راكد، ولا في ماء قليل جارٍ، أو كثير، ولا قي المقابر، ولا في الطرقات، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل ))

(أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم، والبيهقي، عن معاذ)

الدين دين نظافة
نبع ماء صافٍ تقضي حاجة جانبه ؟ ويرتاده الناس ليشربوا ! وفي قارعة الطريق وفي الظلال، ظلال الأشجار، ولا يجوز أن يبول المرء تحت شجر مثمرة.
أيها الإخوة، النبي عليه الصلاة والسلام توضأ من قعر، فضلت فضلة قال: ردوها في النهر ينفع الله بها قوماً آخرين، هذا اسمه ترشيد استهلاك المياه، فضلت فضلة ردوها في النهر، ينفع الله بها قوماً آخرين.
أحيانا من أجل تبريد الماء تستهلك نصف متر مكعب، ضع قارورة في البراد، أما أن تستهلك هذا الماء، في إلقاء الفضلات، القمامة، والتغوط، والتبرز، أمر النبي الكريم بالابتعاد عن المساكن في إلقاء الفضلات، وجعل لها أماكن مخصصة تدعى المناصع، بعيداً عن المساكن، هذه تنظيمات، الدين حياة، الدين نظافة، الدين نظام، الدين صحة، الدين وقاية من الأمراض، المسلم بتصور الناس مهمل، ما فيه نظافة، ولا نظام، ولا موعد، ولا إتقان بالعمل.

4 – إتقان العمل من صميم الدين:

والله مرة متعهد يتعهد لتجديد مدرسة، يضع القفل، والبرغي المحلزن بالمطرقة ضربة واحدة صار بالداخل، هذا البرغي قوته تأتي من إدخاله بشكل دائري، أما ضربة بالمطرقة دخل لداخل الخشب حفر موشور، بعد أيام يُنزع القفل، أسرع، قال لي: هكذا قلت له: ما هذا ؟
إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه
لذلك نحن إخواننا الكرام عندنا تخلف كبير جداً، ليس هذا هو الإسلام، الإسلام إتقان.

(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))

( أخرجه البيهقي، عن عائشة رضي الله عنها )

الإتقان جزء من الدين، تروي الآثار: أن النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء في دفن بعض الصحابة الذي حفر القبر ترك فرجة هكذا، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( إن هذه لا تؤذي الميت، لكنها تؤذي الحي ))

(ورد في الأثر)

أحياناً مفتاح الكهرباء مائل مزعج، هذا الميل يُرش الذوق، اجعله متوازياً مع أرض الغرفة، يقول لك: يعمل، لو عمل فهناك ذوق، فلذلك كان عليه الصلاة والسلام لما قال:

(( إن هذه لا تؤذي الميت لكنها تؤذي الحي ))
(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))

( الطبراني في الأوسط عن عائشة)

خاتمة:

أيها الإخوة، أنا أبين لكم ماذا فعل النبي في المدينة، جعل الإسلام هو الحياة جعل النظافة، والنظام، والخدمات، جعلها في أعلى مستوى، لذلك هذه الحمى التي كانت من علامات المدينة، حمى يثرب تلاشت، هو دعا وأخذ بالأسباب، وبعدئذٍ توكل على رب الأرباب.

والحمد لله رب العالمين