170889
خطبة الجمعة - الخطبة 1135 : خ1 - قصة العز بن عبد السلام ، خ 2 - الجدار الفولاذي .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2010-01-08
بسم الله الرحمن الرحيم

حينما يشعر الإنسان بالإحباط يتجه إلى الماضي ليعوض ما فقده في الحاضر :

الإحباط مدمر للإنسان
أيها الأخوة الكرام ، لا أعتقد أن هناك مصيبة تصيب الأمة كأن يهتز المثل الأعلى فيها ، الإمام أبو حنيفة ـ رضي الله عنه ـ رأى غلاماً صغيراً أمامه حفرة ، فقال له: إياك يا غلام أن تسقط ، فقال هذا الغلام : بل إياك يا إمام أن تسقط ، إني إن سقطتُ سَقطتُ وحدي ، وإنك إن سقطتَ سقطََ معك العالم .
أيها الأخوة الكرام ، حينما يشعر الإنسان بالإحباط ، وحينما يفقد المثل الأعلى ، يتجه إلى الماضي ليعوض ما فقده في الحاضر ، هذه الخطبة عن عالم جليل من علماء السلف كيف تعامل مع القضايا العامة ، إنه العز بن عبد السلام .
هذا الإمام كان في غاية البطولة ، وهذه المواقف التي وقفها لولا أنها مسطرة في الكتب ، وتواتر نقلها ، لقلنا : إنها من نسخ الخيال ، لكنها مكتوبة ومتواترة ، والذين كتبوها علماء أجلاء ، عاصروه ، وعاشروه ، وعاشوا معه .

موقف العز بن عبد السلام من إنسان تعاون مع العدو ليمنع عن أخوته المؤمنين ما يمنع :

عندما كان العز بن عبد السلام في دمشق ، وكان الحاكم رجلاً يقال له : الملك الصالح إسماعيل ، من بني أيوب ، فولى العز بن عبد السلام خَطابة الجامع الأموي ، وبعد هذه الفترة قام هذا الملك بالتحالف مع أعداء المسلمين ، فحالفهم ، وسلم لهم بعض الحصون ، كقلعة الشقيف وصفد ، وبعض المدن ، من أجل أن يستعين بهم على قتال الملك الصالح أيوب في مصر ، تعاون مع أعداء المسلمين ليقوى بهم فينتصر على المسلمين ، إنه مسلم يستعين بغير مسلم على قتال مسلم ! أرأيت إلى التاريخ كيف يعيد نفسه ، والحديث عن الجدار الفولاذي ، فلما رأى العز بن عبد السلام هذا الموقف الموالي لأعداء المسلمين لم يصبر ، فصعد المنبر ، وتكلم ، وأنكر ، وقالها صريحةً ، وقطع الدعاء ، وختم الخطبة بقوله : اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً ، تعز به وليك ، وتذل فيه عدوك ، ويؤمر فيه بالمعروف ، وينهى فيه عن المنكر ، ثم نزل ، وعرف الأمير الملك الصالح أنه يريده ، فغضب عليه غضباً شديداً، وأمر بإبعاده عن الخطابة ، وسجنه ، وبعدما حصل الهرج والمرج ، واضطرب أمر الناس أخرجه من السجن ، ومنعه من الخطبة .
وخرج العز بن عبد السلام من دمشق مغضباً إلى جهة بيت المقدس ، وصادف أن خرج الملك الصالح إسماعيل إلى تلك الجهة أيضاً ، والتقى بأمراء الأعداء من بيت المقدس ، فأرسل رجلاً من بطانته ، وقال له : اذهب إلى العز بن عبد السلام ، ولاطفه ، ولاينه بالكلام الحسن ، واطلب منه أن يأتي إلي ، ويعتذر مني ، ويعود إلى ما كان عليه ، فذهب الرجل إلى العز بن عبد السلام وقال له : ليس بينك وبين أن تعود إلى الخطابة وأعمالك وزيادة على ذلك ، إلا أن تأتـي وتُقبّل يد السلطان لا غير ، فضحك العز بن عبد السلام ، وقال : يا مسكين ، والله ما أرضى أن يقبل الملك يدي فضلاً عن أن أقبل يده ، يا قوم أنا في واد ، وأنتم في واد آخر ، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به .
هذا موقف ، قال له : إذاً نسجنك ؟ قال : افعلوا ما بدا لكم ، فأخذوه ، وسجنوه في خيمة ، فكان يقرأ فيها القرآن ويتعبد ، هذا موقف وقفه العز بن عبد السلام من إنسان تعاون مع العدو ليمنع عن أخوته المؤمنين ما يمنع .

خروج العز بن عبد السلام إلى مصر بعد الإفراج عنه :

أيها الأخوة ، وكان الملك الصالح إسماعيل قد عقد اجتماعاً مع بعض زعماء أعداء المسلمين ، وكان اجتماعهم قريباً من العز بن عبد السلام ، حيث يسمعون قراءته للقرآن، فقال : هل تسمعون هذا الذي يقرأ ؟ قالوا : نعم ، فقال متفاخراً : هذا هو أكبر علماء المسلمين سجناه لأنه اعترض علينا في محالفتنا لكم ، وتسليمنا لكم بعض الحصون ، والقلاع، واتفاقنا معكم على قتال المصريين ، فقال له ملوك الأعداء : لو كان عندنا رجل بهذا الإخلاص للأمة ، وبهذه القوة ، وبهذه الشجاعة ، لكنا نغسل رجليه ، ولشربنا الماء الذي غسلنا به رجليه ، فأصيب الملك بالخيبة والذل ، وكانت بداية هزيمته وفشله ، وجاءت جند المصريين ، وانتصروا عليه وعلى من كانوا متحالفين معه ، وأُفرج عن الإمام العز بن عبد السلام ، وذهب إلى مصر.
من اعتز بالله لم يذل
خرج العز بن عبد السلام إلى مصر ، واستقبله نجم الدين أيوب ، وأحسن استقباله، وجعله في مناصب ومسؤوليات كبيرة في الدولة ، و كان المتوقع أن يقول العز بن عبد السلام : هذه مناصب توليتها ، ومن المصلحة أن أحافظ عليها حفاظاً على مصالح المسلمين ، وألا أعكر ما بيني وبين هذا الحاكم ، خاصةً أن أيوب الملك الصالح مع أنه رجل عفيف وشريف إلا أنه كان جباراً شديد الهيبة ، حتى إنه ما كان أحد يستطيع أن يتكلم في حضرته ، ولا أن يشفع لأحد عنده ، ولا يتكلم أمامه إلا جواباً لسؤال ، حتى إن بعض الأمراء في مجلسه يقولون : والله إننا دائماً نقول : ونحن في مجلس الملك الصالح لن نخرج من هذا المجلس إلا إلى السجن ، فهو رجل جبار مهيب ، وإذا سجن إنساناً نسيه ، ولا يستطيع أحد أن يكلمه فيه ، أو يذكره به ، وكان له عظمة وأبهة ، وخوف وذعر في نفوس الناس ، سواء الخاصة منهم والعامة ، فماذا كان موقف العز بن عبد السلام ؟


من استحضر عظمة الله و هيبته فلن يرى أمامه أحد :

في يوم العيد خرج موكب السلطان يجوب شوارع القاهرة ، والناس مصطفون على جوانب الطريق ، والسيوف مسلطة ، والأمراء يقبلون الأرض بين يدي السلطان هيبةً وأبهةً ، وهنا وقف العز بن عبد السلام ، وقال : يا أيوب ، هكذا باسمه مجرداً من أي لقب ، فالتفت أيوب الحاكم الجبار القوي ليرى من هذا الذي يخاطبه باسمه الصريح ، وبلا مقدمات ، وبلا ألقاب ، ثم قال له العز بن عبد السلام : ما حجتك عند الله عز وجل غداً إذا قال لك : ألم أبوئك ملك مصر ، فأبحت الخمور ؟ فقال السلطان : أو يحدث هذا في مصر ؟ قال : نعم ، في مكان كذا وكذا حانة يباع فيها الخمر ، وغيرها من المنكرات ، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة ، فقال : يا سيدي أنا ما فعلت ، إنما هو من عهد أبي ، فهز العز بن عبد السلام رأسه ، وقال : إذاً أنت من الذين يقولون : إنا وجدنا آباءنا على أمة ، فقال : لا ، أعوذ بالله ، وأصدر أمراً بإبطالها فوراً ، ومنع بيع الخمور في مصر .
أحد طلابه سأله : يا سيدي ماذا فعلت مع السلطان وهو في أبهته وعظمته ؟ فقال: رأيته في أبهة وعظمة فخشيت أن تكبر عليه نفسه فتؤذيه ، أردت أن أعرفه قدرها ، وسأله آخر : كيف واجهت السلطان ؟ قال : يا بني استحضرت عظمة الله عز وجل وهيبته فلم أرَ أمامي أحداً .

من أهم جوانب قوة العز بن عبد السلام أنه كان أكبر من المنصب ومن الألقاب :

من كان الله معه فمن عليه
هذا الموقف ، موقف آخر يعد من أعجب مواقفه رحمه الله ، فقد كان المماليك هم الذين هم يحكمون مصر في عصر العز بن عبد السلام ، فالحكومة الحقيقية كانت في أيديهم ، فقد كان نائب السلطنة مملوكياً ، وكذلك أمراء الجيش ، والمسؤولون كلهم مماليك في الأصل، وفيهم من لم يثبت تحرره من الرق ، وكان العز بن عبد السلام كبير القضاة في مصر ، فكان كلما جاءته رقعة فيها بيع ، أو شراء ، أو نكاح ، أو شيء آخر من هؤلاء المماليك الذين لم يحرروا بعد ، أبطلها ، وقال : هذا عبد مملوك ولو كان أميراً وكبيراً ، إذ لابد أن يباع ، ويحرر ، بعد ذلك يصحح بيعهم وشراؤهم ، أما الآن فهم عبيد ، فغضب المماليك من هذا الإمام ، وجاؤوا إليه ، وقالوا : ما تصنع بنا ؟ قال : رددنا بيعكم ، فغضبوا أشد الغضب ، ورفعوا أمره إلى السلطان ، فقال : هذا أمر لا يعنيه ، فلما سمع العز بن عبد السلام هذه الكلمة قام ، وعزل نفسه من القضاء .
لقد كان من أهم جوانب قوة العز بن عبد السلام أنه كان أكبر من المنصب ، وأكبر من الوظيفة ، وأكبر من الأسماء ، وأكبر من الألقاب ، لذلك ما كان يتطلع إليها ، أو يستمد قوته منها ، إنما يستمد قوته من إيمانه بالله ، ومن وقفته إلى جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصدع بكلمة الحق ، ثم من الأمة من أعطته ثقتها .

من هاب الله هابه كل شيء ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء :

لذلك أصبح العز بن عبد السلام في حياتهم وفي قلوبهم ، هو تاج الزمان ، ودرته ، وأصبح هو أعظم عالم وداعية وإمام في العالم الإسلامي في وقته ، فلذلك عزل نفسه عن القضاء ، إذ كل أمور المسلمين تدخل تحت تصرف القاضي ، وهو لا يحكم فيها إلا بحكم الله ورسوله ، ثم قام العز بتصرف آخر مشابه ، وهو أنه جمع متاعه ، وأثاث بيته ، واشترى دابتين ، وضع متاعه على واحدة ، وأركب زوجته وطفله على واحدة ، ومشى بهذا الموكب البسيط المتواضع يريد أن يخرج من مصر ، ويرجع إلى بلده الشام ، ولكن الأمة كلها خرجت وراء العز بن عبد السلام ، حتى ذكر المؤرخون أنه خرج وراءه العلماء والصالحون والعبّاد والرجال والنساء والأطفال ، حتى الذين لا يؤبه لهم ، هكذا تقول الرواية ، أي عامة الناس خرجوا وراء العز بن عبد السلام في موكب مهيب رهيب ، ثم ذهب بعض الناس إلى السلطان ، وقالوا له : من بقي لك تحكمه إذا خرج العز بن عبد السلام ؟ وخرجت الأمة كلها وراءه وما بقي لك أحد ؟ متى راح هؤلاء ذهب ملكك ، فأسرع الملك الصالح أيوب للعز ، وركض يدرك هذا الموكب ، ويسترضيه ، ويقول له : ارجع ، و لك ما تريد ، قال : لا أرجع أبداً إلا إذا وافقتني على ما طلبت من بيع هؤلاء المماليك ، قال : لك ما تريد ، افعل ما تشاء.
رجع العز بن عبد السلام ، وبدأ المماليك يحاولون استرضاءه إذ كيف يباعون بالمزاد العلني ، وهم أمراء ، فأرسل إليه نائب السلطنة ، وكان من المماليك فاستجلبه بالملاطفة فلم يجد معه هذا الأسلوب ، فاقترح بعضهم قتل العز بن عبد السلام ، فذهب نائبه، ومعه مجموعة من الأمراء ، ثم طرق باب العز بن عبد السلام ، وكانت سيوفهم مسلطةً يريدون أن يقتلوه ، فخرج ولد العز بن عبد السلام ، واسمه عبد اللطيف ، فرأى موقفاً مخيفاً، فرجع إلى والده ، وقال : يا والدي انجُ بنفسك ، الموت الموت ، قال : ما الخبر ؟ قال: كيت وكيت ، فقال العز بن عبد السلام لولده : يا ولدي والله إن أباك لأحقر وأقل من أن يقتل في سبيل الله ، أي هل تصح لي هذه ؟ أتمنى ، ثم خرج مسرعاً إلى نائب السلطنة ، فلما رآه نائب السلطنة يبست أطرافه ، وتجمد ، وأصابته حالة من الذعر والرعب ، وأصبح يضطرب، وسقط السيف من يده ، واصفر وجهه ، وسكت قليلاً ، ثم بكى ، قال : يا سيدي ماذا تفعل ؟ فقال العز : أنادي عليكم ، وأبيعكم في المزاد ، قال : تقبض الثمن ؟ قال : نعم ، قال : أين تضعه ؟ قال : في مصالح المسلمين العامة ، فطلب منه الدعاء ، وبكى بين يديه ، وانصرف، وفعلاً فعلها العز بن عبد السلام رحمه الله ، وجمع هؤلاء ، وأعلن عنهم ، وبدأ يبيعهم ، وكان لا يبيع الواحد منهم إلا بعدما يوصله إلى أعلى الأسعار ، إنما يريد أن يزيل ما في نفوسهم من كبرياء ، فكان ينادي على الواحد بالمزاد العلني ، وقد حكم مجموعة من العلماء والمؤرخين أن هذه الواقعة لم يحدث لها مثيل في تاريخ البشرية .
من هاب الله هابه كل شيء ، ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء .

طاعة الله عز وجل والزهد في الدنيا أساس الفلاح و النجاح :

من مواقفه أيضاً أن بعض تلامذته أتوه في يوم من الأيام فقالوا : إنه في مكان كذا قام فلان ـ أمير كبير في دولة المماليك يدعى فخر الدين ـ ببناء طبلخانة ، أي مكان للغناء ، و الرقص ، و الموسيقا ، كان هذا المكان بقرب أحد المساجد ، و عندما تأكد العز بن عبد السلام من صحة هذا الخبر جمع أولاده وبعض تلامذته ، و ذهب إلى المكان وفعل ما فعل .
طاعة الله أساس الفلاح في الدنيا والآخرة
أيها الأخوة الكرام ، على كلٍّ القضية تاريخية محضة ، وأنا نقلتكم إلى التاريخ كما نقلتكم مرة إلى سيدنا عمر ، وكما نقلتكم إلى سيدنا صلاح الدين الأيوبي الذي فتح القدس، وكيف صعد الخطيب المنبر ، وقال الخطبة الشهيرة التي تهتز لها الرمال البيض ، على كل هؤلاء مثل عليا ، هكذا كان الدين عظيماً وكان رجاله أشداء وكانت لهم الكلمة الأولى ، والأخيرة ، والبطولة يمكن أن تكون في كل زمان ، أخوة لنا في غزة يموتون من الجوع ومع ذلك تصدر فتوى بحل ذلك ، هذا شيء لا يقبله عقل .
أيها الأخوة ، الأصل طاعة الله عز وجل والزهد في الدنيا ، فلما سئل الإمام الحسن البصري : بمَ نلت هذا المقام ؟ قال : باستغنائي عن دنيا الناس ، و حاجتهم إلى علمي، فكيف إذا كان العكس إذا استغنى الناس عن علم العالم ، و احتاج العالم إلى دنياهم ، عندئذ سقطت مكانته و هيبته ، و أصبح بوقاً ينفخ فيه كما يشاء الذي ينفخ .
هذه نبذة عن مواقف هذا العالم الجليل ، حدثت حالة في دمشق أن أسعار البساتين انخفضت انخفاضاً شديداً ، حتى أصبحت هذه البساتين تباع بأسعار زهيدة ، فجاءت زوجة العز له ، و قد جمعت مصاغاً لها ، و أعطته لزوجها ، و قالت له : اشتر لنا بستاناً نصطاف فيه ، فأخذ العز الحلي و المصاغ ، و باعه ، ثم وجد الناس محتاجين فتصدق به ، ثم رجع إلى البيت فقالت له زوجته : يا سيدي هل اشتريت لنا بستاناً ؟ قال : نعم اشتريت لك بستاناً ، ولكن في الجنة ، فقد رأيت الناس محتاجين ، تصور الآن زوجة تعطي زوجها مالاً ليشتري لها بيتاً في المصيف ، ثم يدفعه صدقة وينام مرتاح البال ليلتها ؟
قالت له : جزاك الله خيراً ، هكذا كانت امرأته .

امتثال الناس لأوامر العز بن عبد السلام لهيبته و دفاعه عن دينه :

لما أراد حاكم مصر أن يقاتل التتار رأى أن أموال خزينته لا تكفي ، و رأى أن يأخذ أموالاً من الناس فجمع العلماء ، و قال لهم : ما رأيكم نريد أن نأخذ من الناس أموالاً نستعين بها في تجهيز الجيش و السلاح ، و دفع رواتب الجند ، و ما أشبه ذلك من المصالح التي لابد منها ، و نحن نواجه عدواً اجتاح بلاد العراق و الشام ، و وصل إلينا ، و لا يوجد في الخزينة ما يكفي ، فقال له العز بن عبد السلام : إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك ، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام وضربته سكة ونقداً ، و فرقته في الجيش ، و لم يقم بكفايتهم في ذلك عندئذ نطلب القرض من الناس ، و كان الشيخ له عظمة عندهم وهيبة حيث لا يستطيعون مخالفته ، وامتثلوا أمره ، وانتصروا .
في التاريخ الإسلامي ، أيها الأخوة ، مثل عليا فلا أقل من أن نترسم خطاها ، و قد يكون هذا في كل مكان وزمان ، ومن فضل لله عز وجل أنه لا بد في الأمة من علماء صادقين مخلصين ، علماء ربانيين ، هؤلاء يدافعون عن هذا الدين .
أيها الأخوة ، غضب عليه بعض الحكام فعزله ، وكان مفتي مصر هو الإمام عبد العظيم المنذري ، فلما جاء العز بن عبد السلام قال الإمام المنذري : كنت أفتي ، ولم يكن الإمام العز موجوداً ، أما الآن فإن منصب الإفتاء له ، ولا أتمسك به ، و لم يرَ أن هذا الإنسان نافسه ، وخطف الأضواء منه ، و لم يكن هناك عداوة حرفة بينهم ، بل كان التعاون كبيراً .
أيها الأخوة الكرام ، الحديث عن هذا العالم الجليل يبدو غريباً لكن الله سبحانه وتعالى يؤيد بنصره من يشاء .
أيها الأخوة ، الحقيقة نحن نشكر ربنا جلّ جلاله على أن مواقفنا من هذه القضية مواقف مشرفة ، ومواقف ننفرد بها إن شاء الله ، على كل أخوتنا في غزة الله عز وجل سينصرهم إن شاء الله على الرغم من الجدار الفولاذي .
أقول قولي هذا ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم ، فيا فوز المستغفرين ، أستغفر الله .

* * *

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

التنديد ببناء الجدار الفولاذي الذي تقيمه مصر على حدودها مع قطاع غزة المحاصر :

يجب على المسلم الوقوف بجانب أخيه المسلم
أيها الأخوة ، لا بدّ أنكم جميعاً تستنكرون هذه الملايين التي هبت لنداء كرة القدم، أليس كذلك ؟ بينما لم تهب هذه الملايين للتنديد ببناء الجدار الفولاذي الذي تقيمه مصر على حدودها مع قطاع غزة المحاصر ، هل يقبل هذا عاقل في الأرض ؟ هذا يقام من أجل أمن إسرائيل ، ولمنع وصول الحليب والدواء للأطفال والمرضى والمحاصرين ، كنا نتمنى من العلماء الذين أفتوا بأن إقامة هذا الجدار حلال حلال حلال كما قيل ، أن يستنكروا الحصار ، وإغلاق المعابر ، وتهويد القدس ، وتدنيسها ، ومحاولة هدم المسجد الأقصى ، وأرى أنه ليس هناك أي مستند ، أو أي دليل شرعي لمجمع البحوث الإسلامية في فتواه التي أصدرها بشأن الجدار الفولاذي سوى مستند واحد هو إرضاء القوي .
من منا لا يحرم بناء هذا الجدار ؟ من منا يحلل أن يموت شعب بأكمله ؟ من منا يحلل أن يموت شعب مسلم ؟ من منا يحلل أن يموت الأطفال الرضع ؟ هذا كلام يفوق قدرة الاحتمال ، هذا شيء لم نألفه في الحياة السياسية في هذه البلاد الطيبة والحمد لله .
الإنسان بالفتوى يرقى إلى أعلى عليين أو يهوي إلى بها إلى أسفل سافلين ، إن كانت هذه الفتوى إرضاءً لله تعالى يرقى بها إلى أعلى عليين ، أما إذا كانت لإرضاء الأقوياء فيهوي بها إلى أسفل السافلين ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

والحمد لله رب العالمين