140185
خطبة الجمعة - الخطبة 0756 : خ1 - معرفة الله من خلال أسمائه الحسنى ، خ2 - ولا تقف ما ليس لك به علم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-08-11
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، و نستعين به و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به و كفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله و أصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

فهم الإنسان عن الله ينبغي أن يكون فهماً صحيحاً :

 أيها الأخوة المؤمنون، في القرآن الكريم أربع آيات فيها ذكر أسماء الله الحسنى، في الآية الأولى يقول الله عز وجل:

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

[سورة الإسراء: 110]

 و في الآية الثانية:

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

[ سورة طه : 8]

 وفي الآية الثالثة:

﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

[ سورة الحشر : 24]

 وفي الآية الرابعة:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف : 180]

 يا أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء أسماء الله حسنى، و صفاته فضلى، فأيُّ شيء يصل إليكم، ويتضح منه ظلمٌ فهذا شيء مردود، لأن الله سبحانه و تعالى له الأسماء الحسنى، أن يخلق الله عبداً، وأن يجبره على الكفر، و أن يضعه في جهنم إلى أبد الآبدين، من دون ذنب منه إلا أن الله قدّر عليه الكفر، هذا يتناقض مع أسمائه الحسنى، جاء سيدَنا عمر رجلٌ شارب خمر، فقال: أقيموا عليه الحد، قال: واللهِ يا أمير المؤمنين إن الله قدّر عليّ ذلك، فقال رضي الله عنه: أقيموا عليه الحدّ مرتين؛ مرة لأنه شرب الخمر، و مرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، من توهّم أن عبداً مؤمناً يطيع اللهَ طوال حياته، وفي آخر عمره تزل قدمه فيكون من أهل النار من دون ذنب من العبد، ومن دون سبب منه، من يقول بهذا لا يعرف الله عز وجل، ومن ظنّ أن الله يضع الذين ناصبوه العداء طوال حياتهم في الجنة، و يضع الذين أفنوا حياتهم في طاعة الله في النار فهو لا يعرف الله، لأن هذا يتناقض مع أسماء الله الحسنى، من ظنّ أن الإنسان يضيع عمله بلا سبب، لأن الله شاء له ذلك، فهو لا يعرف الله، وهذا يتناقض مع أسماء الله الحسنى، فإذا قال الله عز وجل:

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

[سورة الإسراء: 110]

 وقال تعالى:

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

[ سورة طه : 8]

 وقال تعالى:

﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

[ سورة الحشر : 24]

 وقال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف : 180]

 ينبغي أن يكون فهمك عن الله فهماً صحيحاً، ينبغي أن تنزِّهه عن كل نقص، ينبغي أن تصفه بكل كمال، هذه الآيات الأربع تعطيك توجيهاً معيّناً، إياك أن تقبل قصة تتهم الله بالظلم، إياك أن تفهم، أو أن تقبل قصة تسيء إلى الذات الإلهية، قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف : 180]

اتخاذ الكمال الذي تتصف به أسماء الله الحسنى وسيلة للإقبال على الله :

 ماذا قال العلماء عن هذه الآية الأخيرة ؟

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف : 180]

 أي لك أن تقول: يا هادي، يا دليلي اهدِني إلى صراطك المستقيم، يا رزّاق ارزقني، يا قوي انصرني، أسماء الله كلها حسنى، و كل اسم أنت في أمس الحاجة إليه في موطنه، ففي موطن الضعف تقول له: يا قوي، و في موطن الفقر تقول له: يا رزّاق، و في موطن التيه، تقول له: يا هادي اهدني إلى صراطك المستقيم، هذا طرف من معنى قوله تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف : 180]

 أنت في أي ظرف تحتاج إلى نصر، وما النصر إلا من عند الله، تحتاج إلى علم، يجب أن تعلم علم اليقين أن الله وحده هو الذي يتفضل عليك بمعرفته، لبعض العلماء رأي آخر هو أنه لن تستطيع أن تقبل عليه إلا بكمال مشتق من كماله، إن أردت رحمته فارحم خلقه، إن أردت أن ينصفك من خصمك فكن أنت منصفاً، إن أردت أن يتلطف بك، فكن أنت لطيفاً بالخلق، إن أردت أن يمنحك من عطائه فكن أنت كريماً، لن تستطيع أن تقبل عليه إلا بكمال مشتق من كمالاته، قال عز وجل:

﴿وَلِلَّهِ

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف : 180]

 اتخذْ من الكمال الذي تتصف به هذه الأسماء وسيلة للإقبال على الله.

معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى جزء أساسي من العقيدة :

 أيها الأخوة الأكارم، معرفة الأسماء الحسنى والصفات الفضلى جزء أساسي من العقيدة، والعقيدة كما تعلمون أخطر شيء في الدين، لأنه من فسدت عقيدته فسد عمله، ومن فسد عملُه استحق شقاء الدنيا و عذاب الآخرة، فهناك أناس كما وصفهم النبي صلى الله عليه و سلم:

((يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ))

[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 هكذا وصفهم النبي عليه الصلاة و السلام، و قد يبالغون في بعض العبادات:

(( تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِم ))

 لكن ساءت عقيدتهم، وفسدت عقيدتهم فمرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرميّة.
 أيها الأخوة الكرام، الخطأ في العقيدة لا يصحّح، و صاحبه لا يتوب لأنه مستكبر، كما أن الخطأ في الميزان لا يصحح، لو وزنت بميزان فيه خطأ في أصل تركيبه، لو وزنت به مليون وزنة، فكلها خطأ، أما الخطأ في الوزن فلا يتكرر، فرق كبير بين الخطأ في الميزان، و بين الخطأ في الوزن، الخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، الخطأ في السلوك سهل أن تتوب منه، أما الخطأ في العقيدة فصعب أن تدعه، لذلك احذر ألف مرة مِن أن تعتقد عقيدة ليست صحيحة، و ما من عقيدة غير صحيحة إلا انعكست سلوكاً غير سليم، لو أننا سلّمنا جدلاً أنه لا علاقة للعقيدة بالسلوك فاعتقد ما شئت، ولكن لتعلم أنه ما من عقيدة فاسدة أو منحرفة إلا انعكست سلوكاً فاسداً منحرفاً، لذلك كان أخطر شيء في الدين على الإطلاق هو العقيدة، فقد يمرق الإنسان من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، و يبالغ في بعض العبادات، فقد تحتقر صلاتك أمام صلاتهم، فمروقهم من الدين ناتج عن فساد عقيدتهم، فضلُّوا سواء السبيل.

اقتران صحة العقيدة بصحة العمل و إخلاص النية لله :

 شيء آخر أيها الأخوة، و هذه من الأحاديث التي ينبغي أن نعيها، إن لم يكن هناك إخلاص لله عز وجل فالعمل محبط، فقد يُؤتى يوم القيامة بأناس لهم أعمال كجبال تهامة، يجعلها الله هباءً منثوراً، فَعَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه َعَنْ ثَوْبَانَ]

 هم يتقنون أن ينتزعوا إعجاب الآخرين، لكنهم في خلواتهم يعصون الله عز وجل، أما في جلواتهم فهم ورعون مستقيمون متكلمون متفاصحون متفيهقون، هؤلاء لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثوراً.
 أعود وأكرِّر الحديث: عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه َعَنْ ثَوْبَانَ]

 ماذا يتضح من هذين الحديثين الخطيرين اللذين ترتعد لهما المفاصل؟ يتضح أنه لابد من أن تصح عقيدتك كي يصحّ عملك، و لابد من أن تخلص النية لربك، من هنا سأل أحدهم الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: ما العمل المتقبَّل؟ قال: إذا كان خالصاً و صواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، و صواباً ما وافق السنة، لذلك ورد: ابنَ عمر دينَك دِينَك، إنه لحمك و دمك، خذ عن الذين استقاموا - استقاموا في عقيدتهم، و استقاموا في سلوكهم، و استقاموا في أحوالهم - خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا.
 دقِّق أيها الأخ الكريم في قوله تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[سورة الكهف:28]

 هذا الإنسان الذي اتبع هواه لا ينبغي أن تسأله، لا ينبغي أن تستنصحه، لا ينبغي أن تركن إليه، لا ينبغي أن تستضيء بناره، لا ينبغي أن تقتديَ به، قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[سورة الكهف:28]

 إذًا ينبغي أن تتبع مَن؟

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾

[سورة لقمان:15]

وجوب معرفة أسماء الله الحسنى و مدلولاتها و أبعادها :

 أيها الأخوة الكرام، لماذا نتحدث عن أسماء الله الحسنى؟ ولماذا ينبغي أن نعرف أسماء الله الحسنى؟ وأن نعرف مدلولاتها وأبعادها؟ وما تستوجب علينا من سلوك؟ لأن الإنسان إذا اكتفى - ودققوا فيما أقول - بأن يقول: الله خالق السموات والأرض، و لم يشعر بحاجة إلى المزيد عن الله عز وجل، إلى معرفة المزيد عن الله عز وجل، كيف أن الله رحيم، و كيف أن الله حكيم، وكيف أن الله قوي، و كيف أن الله غني، إن لم يشعر بحاجة إلى معرفة المزيد عن أسماء الله و صفاته، و لم يشعر بحاجة إلى أن ينصاع إلى أمره، و أن يحتكم إلى شرعه، فمثل هذا الإنسان قد يتخذ من دون الله أولياء، ثم يقول:

﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

[ سورة الزمر : 3]

 وقال تعالى:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

[ سورة يوسف : 106]

 هذا الذي يكتفي أن يؤمن أن الله خلق السموات والأرض، ولا يشعر بحاجة إلى أن يأتمر بأمره، و لا أن ينتهي عما عنه نهاه، و لا يحتكم إلى شرعه، هذا قد يعيش مشركاً، ويتخذ من دون الله أولياء، ثم يقول:

﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

[ سورة الزمر : 3]

وجوب فهم أسماء الله الحسنى وفق أصول الشريعة و وفق أفعال الله :

 أيها الأخوة الكرام، أنت إن علمت أن الله هو الرزاق، لن تنافق أَحدًا، لن تيئس، لن تستخذي، لن تتطامن، لن تتضعضع أمام غني، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، لو علمت أن الله هو الرزاق و لن ينساك من فضله، و لك عنده رزق، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ ))

[ابن ماجه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ]

 إن علمت أن الله هو العليم تستحي أن تعصيه، لا تنظر إلى صغر الذنب و لكن انظر على من اجترأت، عليك أن تراقب نفسك مراقبة دقيقة، إن علمت أن الله يعلم فلا بد أن تستقيم، قال عز وجل:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾

[ سورة الطلاق : 12]

 أن تعلم أن الله يعلم، فهذا أكبر باعث على طاعته والاستقامة على أمره.
 أيها الأخوة الكرام، إن علمت أن الله على كل شيء قدير فلن تضعف أمام مرض عضال، و لا أمام مصيبة كبيرة، فأنت تعرف أن الله على كل شيء قدير، لعل انعكاس معرفة أسماء الله الحسنى، و صفاته الفضلى في النفس البشرية شيء لا يصدق، إن عرفت أن الأمر بيده وحده، لا تطمع بما عند إنسان، و لا تذمه على ما لم يعط، إن علمت أن الله وحده هو المتصرف لا ترجو سواه، لا تعقد الأمل على غيره، لا تتكل على غيره، لا تتأمل بغيره، معرفة أسماء الله الحسنى و صفاته الفضلى لها انعكاس لا يُصدق على سلوك الإنسان، ما من خلل في السلوك إلا بسبب ضعف في معرفة كمالات الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام، يمكن أن تقرأ موضوعاً عن أسماء الله الحسنى من خلال كلام المتكلمين و عقائد الأقدمين وهذا لا يكفي، و لكن ينبغي أن تفهم أسماء الله الحسنى من خلال القرآن الكريم، ومن خلال سنة النبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم، و من خلال الوقائع و أفعال الله، قال تعالى:

﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[ سورة النحل : 36]

 ينبغي أن تفهم أسماء الله الحسنى فهمًا وفق أصول الشريعة، وفق الكتاب و السنة، وفق أفعال الله، وفق ما تمليه عليك الوقائع التي نراها كل يوم، و التي كلها تؤكد أن الله موجود وواحد و كامل.

من عرف الله عرف كلّ شيء :

 أيها الأخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ:

((لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 هذا الحديث ورد في الصحاح، أعود فأكرِّره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ:

((لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وفي رواية الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا كُلَّهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وبعد، فمستحيل وألفِ ألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، ومستحيل و ألف ألف ألف مستحيل أن تحبه و لا تطيعه، العقبة أن تعرفه، فإن عرفته عرفت كل شيء، و إن فاتكَ فاتك كل شيء.
 أيها الأخوة الكرام، هذا القول يذكِّرنا بقول بعض العلماء: "من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، و أن تسمع داعية ثم تتأخّر عن الإجابة، و أن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، و أن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، و أن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأُنس بطاعته، و أن تذوق عصرةَ القلب عند الخوض في حديث غير الحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره و مناجاته، و أن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره و لا تهرب منه لنعيم الإقبال عليه و الإنابة إليه، و أعجب من هذا علمُك أنه لا بد لك منه، و أنك أحوجُ شيء إليه و أنت عنه معرض، و فيما يبعدك عنه راغب " هذا من أعجب الأشياء.

وقفة متأنية عند من أحصاها دخل الجنة :

 أيها الأخوة الكرام، من أحصاها دخل الجنة، ما معنى " من أحصاها " ؟ قال تعالى:

﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾

[ سورة مريم : 94]

 اختلاف بُنْيَة الكلمة يلزم اختلاف المعنى، أحصاهم و عدّهم، قد تعدّ طلابك الخمسين، تقول: عندي خمسون طالباً، أما إن عرفت كل طالب على حدة، ما وضعه النفسي و العلمي والاجتماعي والديني، وكذلك وضع أهله، وضع والده، وضع والدته، كم من أخٍ له أكبر منه، وكذلك كم هم مَن أصغر منه، مستوى ذكائه، مستوى تحصيله، هذا هو الإحصاء:

﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾

[ سورة مريم : 94]

 فيقول عليه الصلاة و السلام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا كُلَّهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 نقف وقفة متأنية عند إحصاء هذه الأسماء، قال بعض العلماء: من أحصاها فقد استوفاها، يريد ألاّ يقتصر على بعضها، و لكن يدعو الله بها كلها، و يثني عليه بجميعها، لا تختر من هذه الأسماء بعضها فقط، فأسماؤه كلها حسنى، حتى إذا توهّمت بنقص علمك أن الله منتقم، ما معنى منتقم؟ هو الذي يوقف الظالم عند حدِّه، ينتقم منه رادعاً له رحمة بالآخرين، يجب أن توقن يقيناً قطعياً أن أسماء الله كلها حسنى، و أن صفاته كلها فضلى، هذا المعنى الأول، وقال بعضهم: من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعلم بمقتضاها، وهو أن يعقل معانيها، فيلزم نفسه بواجباتها، اشتمل أو خضع أو غُطِّي بهذا الحديث، " من أحصاها " من أطاق القيام بحق هذه الأسماء، ومن عمل بمقتضاها، وهو أن يعقل معانيها، وأن يلزم نفسه بواجباتها فقد أحصاها، و المراد بالإحصاء أيضاً الإحاطة بمعانيها، فمن قول العرب: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل و معرفة، و قال بعض المفسرين: المرجو من كرم الله تعالى أنه مَن حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية فله أن يدخله الله الجنة، و هذه المراتب الثلاث؛ مراتب السابقين و مراتب أصحاب اليمين و مراتب الصدِّيقين.
 ومن معاني " أحصاها " أي عرفها، لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمناً، أي في قوله تعالى:

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

[ سورة الكهف:46]

 ورد في بعض التفاسير أن الباقيات الصالحات سبحان الله و الحمد لله ولا إله إلا الله و الله أكبر، أي إذا سبحته وحمدته و كبّرته ووحّدته فقد عرفته، و إن عرفته فأنت مؤمن، وإن كنت مؤمناً لا بد من أن ينعكس إيمانك استقامة و عملاً صالحاً، إذًا هي الباقيات، وما سوى هذه فهي الفانيات.
 قيل:" أحصاها " عرفها، لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمناً، وقيل: " أحصاها " يريد بها وجه الله وإعظامه، وقيل:" أحصاها" عمل بها، فإذا قال: "الحكيم " سلَّم بأن كل ما يقع في الكون حكمة مطلقة، إذا أراد الله شيئاً وقع، و إذا وقع الشيءُ أراده الله، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، و حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، بل إن المؤمن يعتقد إذا قال اسم الحكيم أن لكل واقع حكمة و لو كان الموقع مجرماً، ولو كان الموقع فاسداً، و لو كان الموقع مخطئاً، ما دام الله قد سمح له أن يقع إذًا هو حكمة بالغة.
 أيها الأخوة الكرام، مَنْ قَال: "القدُّوس" يجب أن ينزِّه الله عن كل نقص، عن كل شيء يشير إلى النقص، يقول: سبوح قدُّوس، ربُّ الملائكة و الروح، و يقول بعض العلماء: " أحصاها " أي سلك طريق العمل بها، فعلى العبد أن يسعى كي يتّصف بهذه الكمالات التي هي منهجه وطريقه إلى الله، كما ذكرت في مطلع الخطبة:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف : 180]

 أي تخلّق بهذه الكمالات التي تشف عن أسماء الله الحسنى كي تكون وسيلة لك في الإقبال على الله والدعاء له.
 ثم إن بعض العلماء فصّل في ذلك، قال: أولاً: الأسماء التي يتصف الله بها، و يمكن للعبد أن يشتق كمالها من الله، تقول: الله رحيم، و بإمكان المؤمن أن يرحم من حوله، فهذه ينبغي أن يتخلق بكمالاتها، وما كان مختصًّا بالله تعالى كالجبّار والعظيم فيجب على العبد أن يقرَّ بها و يخضع لها و ألاّ يتحلّى بها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))

[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وما كان فيه معنى الوعد يقف من هذا الوعد راجياً رحمة الله، و ما كان فيه معنى الوعيد يقف منه العبدُ وهو يخشى عذاب الله، و هذا معنى " أحصاها"، و يؤِّيد ذلك أنَّ حِفْظها من إحصائها، لأنه قد وردت بعض الروايات " من حفظها"، أنَّ حِفْظَها من إحصائها، و معنى الإحصاء أيضاً أن تؤمن بها، و تعظِّمها، و أن ترغب فيها، و أن تعتبر بمعانيها، و قال بعضهم- وهو قول جيّدٌ -: ليس المراد بالإحصاء أن تعدّها عدًّا، لأنه قد يعدها الفاجر، و إنما المعنيُّ بالإحصاء بشكل مختصر أن تعمل بها.
 أيها الأخوة الكرام، و لبعض العلماء رأيٌ آخر، معنى " أحصاها " أن تتبعها في الكتاب و السنة حتى تَحْصل عليها، و قد حدّدها النبي بتسعة و تسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة.

أسماء الله و صفاته لا تُعلَم إلا بالتوقيف من الكتاب و السنة أو الإجماع :

 وهناك شيء آخر، أسماء الله و صفاته لا تُعلَم إلا بالتوقيف من الكتاب و السنة، أو من الإجماع، و لا يدخل فيها القياس، يقول الله عز وجل:

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾

[ سورة الأنفال : 30]

 فلا ينبغي أن تقيس بعقلك أن تقول: الله ماكر:

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾

[ سورة النساء : 142]

 لا ينبغي أن تقول: الله مخادع، هو يخدعهم أي يدبِّر تدبيراً حكيماً كي يوجِّههم إليه، يمكر بهم أي يدبِّر تدبيراً حكيماً يوقفهم عند حدِّهم، أسماء الله الحسنى لا تُؤخذ بالقياس، و لا تؤخذ بالاشتقاق اللغوي.

الحديث التالي يبيِّن أن أسماء الله الحسنى أكثر من تسعة وتسعين اسماً :

 وهناك شيء آخر كذلك يقول عليه الصلاة و السلام عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا، قَالَ: فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 وهذا الحديث يبيِّن أن أسماء الله الحسنى أكثر من تسعة وتسعين اسماً، من أحصى هذه الأسماء دخل الجنة، و لكن الأسماء التي تُستنبط من هذا الحديث كثيرة جداً، و قد ورد عن بعض الصحابة أن النبي عليه الصلاة و السلام كان يدعو و يقول: " وأسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها و ما لم أعلم" و أن السيدة عائشة دعت بهذا الدعاء فأقرّها عليه.

تلخيص لما سبق :

 أيها الأخوة الكرام، ملخّص هذه الخطبة أنه لا ينبغي أن تكتفي بأنْ تعرف أنّ الله خلق السموات والأرض، بل ينبغي أن تطلب المزيد من معرفته فتبحث في أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، و انعكاس معرفة أسمائه الحسنى و صفاته الفضلى على سلوك المؤمن واضح وجليٌّ و صارخ، إن كل اسم تستوعبه و تستوعب مدلوله و تعمل بمقتضاه ينقذك من مرض نفسي، ينقذك من أن تنافق، من أن تيئس، من أن تخاف، من أن تستخذي، ولا بد من أن تكون منعكسات هذه الأسماء الحسنى و الصفات الفضلى على السلوك منقطعة النظير.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأمانيّ، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حاجة المسلمين الماسة إلى قوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ :

 أيها الأخوة الكرام، في بحر هذا الأسبوع استوقفني أخ كريم و سألني عن معنى آية في القرآن الكريم، شرحتها له بتوفيق الله وفضله، لكني وجدت أن هذه الآية دقيقة جداً، وكل المسلمين بحاجة ماسة إليها، وإلى فهمها للعمل بها؛ وهي آية نهي، يقول الله عز وجل:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾

[ سورة الإسراء : 36]

 "تقف" تتَّبع، لا تصدق شيئاً لا علم لك به، لا تكن إمعة، لا تعطل عقلك، لا تتَّبع أهل الضلال، لا تتَّبع كل ما يقال، لا تتَّبع إشاعة لم تتأكد من صحتها، إن جاءك فاسق بنبأ فتبيّن، عوام الناس يصدقون كل شيء، و يقبلون كل شيء، فهم في متاهة، و في ضياع، وفي حيرة،

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾

[ سورة الإسراء : 36]

 للإمام علي كرّم الله وجهه مقولة رائعة، قال: "يا بني الناس ثلاثة ؛ عالم ربّاني - و لكن كونوا ربانيين - ومتعلم على سبيل نجاة، أمّا الثالث - و العياذ بالله - فهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، و لم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كُمَيْلُ أن تكون منهم " الناس يصدقون كل شيء، كل ما يقال يصدقونه، كل ما ينتهي إلى سمعهم يصدقونه، كل شبهة يقبلونها، وكل مكيدة يعتقدونها، كل إشاعة يأخذونها:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾

[ سورة الإسراء : 36]

 كأن الله جل جلاله يريد أن يربّينا تربية عقلية، يريد أن نكون بعقلية علمية.

العقليات نوعان؛ عقلية علميّة و عقلية خرافيّة :

 إذاً هناك نوعان من العقليات؛ عقلية خرافية، شأن معظم الناس، كم من الناس وكم من المسلمين يقفون على أبواب المنجِّمين؟ كم من المسلمين الذين يرتادون بيوت الله يذهبون إلى مَن يسمونه شيخًا ليفكّ لهم السحر و يعلمون أنه يدجّل عليهم وأنه يَكْذِبهم وأنه ليس ملتزماً و لا مستقيماً؟ أليس هذا هو الجهل؟ هناك عقلية خرافية تصدق الأوهام، وتجري وراء الأباطيل، و تسمع كل ما يقال، و تَتْبَع كلَّ ناعق، وهذه العقلية يرفضها الإسلام، فالمؤمن شخصية فذّة، يلتزم بقيم، و هو ذو مبادئ، ويرتكز إلى قواعد، إن كنت ناقلاً فالصحة، وإنْ كنتَ مُدّعيًا فالدليل، النبي وحده معصوم، ما سوى النبي عليه الصلاة و السلام من المسلمين معصومون بمجموعهم، كل إنسان يؤخذ منه و يُرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء، هناك قواعد أصولية صارخة.
 أيها الأخوة، أما العقلية العلمية التي أراد الله أن نكون بها فهي التي تتبع الدليل والتعليل، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 ما البصيرة؟ أن تأتي بالدليل و بالتعليل، لا ترفض من دون دليل، ولا تقبل من دون دليل.
 أيها الأخوة الكرام، العقلية العلمية هي التي تتَّبع الدليل و التعليل، وتخضع للمنطق في العقليات، وتمشي وراء الملاحظة و التجربة في الحسيات، و تستعمل الأدوات التي وهبها الله إياها.

أدوات المعرفة :

 ما هي أدوات المعرفة؟ إنها السمع و البصر و الفؤاد:

﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾

[ سورة الإسراء : 36]

 وهذا دليل آخر، قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة النحل : 78]

 أيها الأخوة الكرام، تفضل الله علينا فأعطانا حاسة السمع، من أجل أن نستمع بها إلى الخير الصادق، لا إلى الخبر الكاذب، إن كنت ناقلا فالصحة، وإنْ كنتَ مدّعيًا فالدليل، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

[ سورة الحجرات : 6]

 السمع من أجل أن تلتقط به الخبر الصادق، ومن أجلِ أن تتأكد من صحة الحديث، من أجل أن تتأكد من صحة الرواية، لا تأخذ الناس بالأوهام و الظنون ولا بمقولات ما قالوها:

﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾

[ سورة الإسراء : 36]

 و أما البصر فكي ترى ملكوت السموات والأرض، وأما الفؤاد في هذه الآية فهو العقل:

﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾

[ سورة النحل : 23]

 حيثما ورد الفؤاد مُفرداً أو جمعاً مع السمع و البصر فهو العقل، و العقل لفهم النقل، لا لإلغاء النقل، ولا للحكم على النقل، العقل للتأكد من صحة النقل، و لفهم النقل.
 أيها الأخوة الكرام، هذه الأدوات هي النوافذ التي يطل منها الإنسان على أمور هذه الحياة والكون والشرع، وعلى خلق الله تعالى و على نهيه و أمره، فلا يجوز أن يعطلها، و لا أن يهملها، و لا أن يتبع الظنون والأوهام، و لا أن يتبع الإشاعات والأباطيل، لهذا جاء في آيات كثيرة من القرآن الكريم:

﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾

[ سورة القصص : 71]

﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

[ سورة القصص : 72]

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

[ سورة البقرة:44]

 يقول الله عز وجل:

﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾

[سورة الأعراف : 179]

الحواس معوان الإنسان على معرفة الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، ماذا تستنبطون من قول النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا خالد يوم أسلم، أسلم بعد فتح مكة، فقال له: عجبت لك يا خالد، أرى لك فكراً، أي الإنسان حينما يتمتع بسمعه و بصره و عقله فهذا معوان له على معرفة الله عز وجل.
 في صحيح مسلم قصة سأرويها لكم، و لكن لها دلالة خطيرة، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

((بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ - وفي رواية ابن ماجه: وَكَانَتْ فِيهِ دعابَةٌ - وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي - أتاهم بالدليل – قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))

[ البخاري عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 لا تكن إمعة، لا تعطل الحواس التي وهبك الله إياها، لا تعطل عقلك فتكون إمعة، هذا منهج التلقي في الدين الإسلامي، له بحث طويل جداً، و لكن هو مختصر في هذه الآية:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾

[ سورة الإسراء : 36]

 ماذا يقابل هذه العقلية العلمية؟ يقابل العقليةَ العلميةَ العقليةُ الخرافيةُ التي تصدق كل شيء، و يقابل هذه العقليةَ العلميةَ العقليةُ الماديةُ التي ترفض الإيمان إلا بالأشياء المحسوسة، فنحن بين عقل جاف جامد لا يقبل إلا المحسوسات، إن هم إلا كالأنعام، و بين عقل مهترئ يقبل كل شيء، المؤمن عنده عقلية، هناك موضوعات حسية، يقبلها بحواسه، وهناك موضوعات عقلية يقبلها بعقله، وهناك موضوعات إخبارية يصدق بها اللهَ عز وجل، لأنها جاءت في الخبر الصادق.
 أيها الأخوة الكرام، العبرة أن تمتلك منهجا للتلقي، والعبرة أن تقبل الشيء بالدليل، و أن ترفضه بالدليل، و لولا الدليل لقال من شاء ما شاء.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا و بين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، و من اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا ما لا يخافك و لا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء و من شماتة الأعداء و من السلب بعد العطاء، اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نُضل، أو نزِل أو نزَل، أو أن نجهل أو أن يُجهل علينا، يا رب العالمين، ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيمن تحب، يا رب العالمين، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك، يا رب العالمين.

والحمد لله رب العالمين