11202
العقيدة الاسلامية - اسماء الله الحسنى 2008 - الدرس (076-100)أ : اسم الله المجيد 1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-04-12
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى:(المجيد):

أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المجيد".

ورود اسم المجيد في القرآن الكريم و السنة الشريفة:

"المجيد" اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في القرآن الكريم، وفي السنة، قال تعالى:

﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾

( سورة هود )

وقال تعالى:

﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة البروج )

دقة اللغة العربية:

﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴾

إذاً هو اسم من أسماء الله الحسنى، و ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ قُرأت هكذا، إذاً هو صفة، حركة واحدة جعلت هذه الكلمة اسماً، وحركة أخرى جعلته صفة، اللغة العربية دقيقة جداً أحياناً حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار الصحابي الجليل قبل أن يُقتل قال:

ولست أبالي حينما أُقتل مسلماً على أي جنب ألقى في الله مصرعي
* * *

إلى الجنة، أما إذا قُرئ هذا البيت:

ولست أبالي حينما أَقتل مسلما ً على أي جنب ألقى في الله مصرعي
* * *

إلى جهنم وبئس المصير، حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار، يعني كلمة تجارب، جمع تجربة، هناك من يتفاصح ويقول تجارُب، العدوى بالجرب فقط التجارُب العدوى بالجرب، أما التجارب جمع تجربة، حركة واحدة.
يكتب الطبيب على البطاقة أخصائي، يعني الذي يخصي، وصوابها اختصاصي هناك أخطاء شائعة في اللغة العربية كثيرة جداً، يقول أحدهم: أنا مولّع بالمطالعة، المولّع هو الثور الأحمر، ينبغي أن يقول أنا مولَعٌ بالمطالعة، حركة واحدة من مطالع إلى ثور.
تقول قِمة، وقُمة، إن قلت قُمة من القمامة، وإن قلت قِمة من الذورة.

الله عز وجل اختار اللغة العربية لتكون لغة كلامه:

الله عز وجل قال:

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾

( سورة التوبة الآية: 40 )

الإنسان قد يتوهم يتابع:

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾

( سورة التوبة الآية: 40 )

المعنى فاسد

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾

بعد أن كانت عليا، لكن لا يصح أن نقول

﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾

ماذا كانت قبل ذلك ؟

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾

وقف

﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾

دائماً، حركة واحدة تنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، أو من الإيمان إلى الكفر، أو من الجنة إلى النار، أو من النار إلى الجنة، لغة عربية اختارها الله لتكون لغة كلامه.
فقد قيل:

(( يا رسولَ الله، كيف نصلِّي عليك ؟ قال: قولوا: اللَّهمَّ صَلِّ على محمد وعلى أَزواجهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّيْتَ على آل إِبراهيم، وبَارِك على مُحمدٍ، وعلى أَزْواجِهِ وذُريته، كما باركتَ على آلِ إِبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مجيدٌ ))

[ البخاري عن أبي حميد الساعدي]

"المجيد" من أسماء الله الحسنى.

معاني المجيد في اللغة:

الآن "المجيد" في اللغة من صيغ المبالغة على وزن فعيل، ماجد، مجيد، فعله مجد، يمجد، مجداً، وتمجيداً، الماضي، والمضارع، والمصدر.
و "المجيد" هو الكريم الفعّال، وقيل إن جمع في الإنسان شرف الذات إلى حسن الفعال سمي مجيداً، وفعيل أبلغ من فاعل، فاعل قد يعني مرة واحدة، كاتب، قارئ.
إذاً "المجيد" هو الذي يجمع معنى الجليل، والوهاب، والكريم، عظيم، وهاب كريم.
المجد المروءة والكرم، والسخاء والشرف، والفخر والحسب، والعزة والرفعة، والمجد أيضاً الأخذ من الشرف والسؤدد ما يكفي، هناك بحياتنا أشخاص كبراء، يقول له أنت كبير، الكبير يكبر، ويكبر، ويكبر ولا نرى كبره فيتضاءل أمامه كل عظيم، وغير الكبير يصغر، ويصغر، ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، تشعر أحياناً إنسان كبير، كبير بعلمه، كبير بأخلاقه، كبير بعفوه، كبير بتسامحه، كبير بعطائه.
وأنا أرى الإنسان ليس له سقف، النبي عليه الصلاة والسلام إنسان واحد جاء إلى الدنيا وغادرها، ونشر الهدى في الآفاق، أين ما ذهبت ترى مسلمين لهم مسجدهم، لهم أخلاقهم، لهم مبادئهم، لهم قيمهم، بفضل هذا الإنسان الأول الذي اصطفاه الله هادياً للناس ورحمة للعالمين.
ما الذي يمنع أن تكون كبيراً ؟ ما الذي يمنع أن تكون رقماً صعباً ؟ ما الذي يمنع أن تحمل همّ أمتك ؟ ما الذي يمنع أن تكون في قلوب الخلق ؟

من ارتقى مقامه عند الله اتسعت دائرة اهتماماته :

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

( سورة النحل الآية: 120 )

كان أمة، يوجد إنسان يأتي إلى الدنيا ويغادرها همّه الوحيد أن يأكل وأن يشرب وأن يسكن في بيت، همومه صغيرة، إذاً هو رقم تافه، لا معنى له، وهناك إنسان همّه كبير همّه الإنسانية، وكلما علا همّ الإنسان اتسعت دائرة همومه، وهناك إنسان همّه أسرته فقط، إنسان همّه أسرته الكبيرة، له ابن عم، له ابن أخت، يعانيان ما يعانيان، يحمل هذا الهم، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة همومك، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة رؤيتك، قل لي ما الذي يهمك أقل لك من أنت، هل يهمك أمر المسلمين ؟ هل تتألم إن رأيت المسلمين في بعض أقطارهم يعانون ما يعانون ؟ قتل، ونهب، وقهر، وإذلال، وأنت ما عندك مشكلة معافى، هل تقول ما لي وما لهم ؟ لا، يمتحنك الله أحياناً حينما تتطلع إلى مأساة يعاني منها المسلمون وأنت لا تتأثر، كلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة اهتمامك بل كلما ارتقى مقامك عند الله ازدادت مسؤوليتك عند الله.
أيها الأخوة، أحياناً تقرأ كتاباً تافهاً، ثمانمئة صفحة، قصة تنتهي من قراءتها تتثاءب وتنام، وأحياناً تقرأ كتيباً صغيراً، مقالة صغيرة تنتهي من قراءتها فتبدأ متاعبك وضعك هذا الكتب أمام مسؤوليتك.

على كل مؤمن أن يؤمن بالله العظيم و يثني عليه:

أيها الأخوة، المجد: المروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر ، والحسب، والعزة، والرفعة، ولا تنسوا المرأة التي قالت: وا معتصماه، كيف ردّ عليها المعتصم، وقد قال بعض الشعراء:

ربّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الــبنات اليتم
لامست أسماعهم لـكنها لم تلامس نخوة المعتصم
* * *

فالمجد، والمروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر، والحسب، والعزة والرفعة.
الآن أمجده ومجده يعني عظمه وأثنى عليه، والمؤمن يمجد الله عز وجل ويعظمه.

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقة )

آمن بالله خالقاً، لكن ما آمن به عظيماً، العبرة أن تؤمن بالله العظيم.

تمجيد الله عز و جل و تعظيمه مهمة المؤمن الأساسية:

أيها الأخوة، لا تنسوا أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )

الأمر على ما ينصب ؟ على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، ولكن يذكره ذكراً قليلاً، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى مقاييس، قال:

(( برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))

(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

إذاً كما أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

قال:

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

تحت كلمة

﴿ الْعَظِيمِ ﴾

خط، يعني الأمر يتعلق بأن تؤمن بالله العظيم، إبليس آمن بالله، قال ربي:

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية: 82 )

آمن به رباً وعزيزاً، آمن به خالقاً، قال:

﴿ خَلَقْتَنِي ﴾

( سورة ص الآية: 76 )

آمن باليوم الآخر، قال:

﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

( سورة الأعراف )

ومع ذلك هو إبليس اللعين

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

إذاً لا يصح إيماننا إلا إذا مجدنا ربنا، وعظمناه، أمجده ومجده أي عظمه وأثنى عليه، وتماجد القوم فيما بينهم ذكروا أمجادهم، هذا ما يتعلق باللغة.

القرآن مجيد لأنه كلام الله وصفة الكلام من صفات الله العليا:

أما الله جلّ جلاله وصف في كتابه العزيز، وصف قرآنه الكريم قال:

﴿ ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ ﴾

( سورة ق )

يعني الله عز وجل قال:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 1)

في آية ثانية:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

( سورة الكهف الآية: 1 )

كأن الكون كله في كفة، والقرآن المجيد في كفة.
أيها الأخوة، القرآن مجيد لأنه كلام الله، وصفة الكلام من صفات الله العليا ، والقرآن كريم فيه الإعجاز والبيان، وفيه روعة الكلمات، وحسن المعاني، وفيه كمال السعادة للإنسان فهو كتاب مجيد، عظيم، رفيع الشأن.

"المجيد" سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته:

الآن "المجيد" سبحانه وتعالى، الآن دخلنا في صلب الموضوع، "المجيد" سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته، له المجد في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، مجد الذات الإلهية بيّن في جمال الله.

(( إن الله جميل يحب الجمال ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

مجد الذات الإلهية بين في جمال الله، وسعته، وعلوه، واستوائه على عرشه فعند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( إن الله جميل يحب الجمال ))

هذا مجد الذات، مجد الذات أنه جميل.
و روي أيضاً:

(( حِجَابُه النُّورُ، لو كَشَفَهُ لأحْرَقتْ سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه ))

[مسلم عن أبي موسى]

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة النور الآية: 35 )

هذا جمال الذات، أما كيفية جمال الذات أمر لا يدركه أحد، عين العلم به، عين الجهل به، وكل شيء خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، والعجز عن إدراك الإدراك إدراك كيفية جمال الذات لا يعلمه إلا الله، وليس عند المخلوقين منه إلا ما أخبر به عن نفسه، من كمال وصفه، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، كمال وصفه وجلال ذاته، وكمال فعله، ومن مجد ذاته أنه استوى على العرش، فهو العلي بذاته على خلقه.

الله عز وجل مجّد ذاته باستوائه على العرش:

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

( سورة طه )

في ملكه، وهو القائم عليهم والمحيط بهم، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾

( سورة طه )

الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهناك آيات معدودة من الحكمة البالغة أن تصوغ معناها إلى الله، الاستواء معلوم والكيف مجهول.
الآن ثبت أن العرش أعلى المخلوقات، والله جلّ جلاله فوق ذلك محيط بالخلائق والكائنات، ويعلم ما هم عليه.

(( فإذا سألتُم الله فاسألوه الفِرْدَوس، فإنه أوسطُ الجنة وأعلى الجنة، وفوقَه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

الله جلّ جلاله من كمال مجده أنه خصّ الكرسي بالذكر دون العرش:

وقد ذكر الله جلّ جلاله: من كمال مجده الكرسي، خصه بالذكر دون العرش في أعظم آية في كتاب الله، فقال:

﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

( آية الكرسي من سورة البقرة )

لقد بيّن الله جلّ جلاله في كتابه الكريم من كمال وصفه وسعة ملكه لمن أعرض عن طاعته، وعن توحيده في عبادته، أن مُلك من أشركوا لو بلغ السماوات السبع، ولو بلغ الأراضين كلها وما فيهن، وما بينهم، على عرضهن، ومقدارهن، وسعة حجمهن، لا يمثلن شيئاً في الكرسي، الذي تحت قدم الملك، فما بالك بعرشه ومجده، وما بالك باتساع ملكه.
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تتقى ناره ؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المحب لـمن يحب يطيع
* * *

عظمة الله عز وجل لا نهاية لها:

الله عز وجل يقول:

﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾

يعني هو:

﴿ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

( سورة فاطر الآية: 41 )

﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾

أي لا يعجزه حفظهما، لأنه لا يقوى غيره على حفظهن، وإدارتهن، حتى لو ادعى لنفسه ملكهن، فالله من حلمه على خلقه أمسك بهن بقدرته، وأبقاهن لحكمته لذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾

( سورة فاطر )

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري، أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

ورد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ))

[ ابن حبان عن أبي ذر]

يعني لا نهاية لعظمة الله، وصحّ عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً أنه قال:

(( الكرسي موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره))

[رواه الحاكم و الدارمي عن ابن عباس]

المجيد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها الله عز وجل:

أيها الأخوة، أما مجد أوصافه، تحدثنا عن مجد ذاته، وعن مجد أفعاله، والآن عن مجد أوصافه، له علو الشأن، لا ند له، لا مثل له، ولا نظير له، ولا شبيه له، ولا مثيل، فالمجد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها المعبود، فهو العلي العظيم، لأن أي معبود سواه إذا علا مجده بعض الخلق، وغلب على العرش، واستقر له الملك، فإنه مسلوب العظمة، أي عظيم سواه مسلوب العظمة في علوه إما لمرضه، الأقوياء يمرضون، والأقوياء ينامون، والأقوياء يموتون، أو لغلبة غيره على ملكه، أية عظمة لعلو المخلوق وهو يعلم أن قدرته محدودة وأيامه معدودة، أيستحق المخلوق أن يكون معبوداً ؟ لأنه يموت، كل مخلوق يموت.
أيها الأخوة الكرام، من لوازم الإيمان أن نمجد الله سبحانه وتعالى، من لوازم الإيمان أن نذكر الله ذكراً كثيراً، من لوازم الإيمان أن نحبه حباً عظيماً، من لوازم الإيمان أن نخضع له، بل إن قمة لوازم الإيمان أن نعبده، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى:(المجيد):

أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المجيد".

ورود اسم المجيد في القرآن الكريم و السنة الشريفة:

"المجيد" اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في القرآن الكريم، وفي السنة، قال تعالى:

﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾

( سورة هود )

وقال تعالى:

﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة البروج )

دقة اللغة العربية:

﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴾

إذاً هو اسم من أسماء الله الحسنى، و ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ قُرأت هكذا، إذاً هو صفة، حركة واحدة جعلت هذه الكلمة اسماً، وحركة أخرى جعلته صفة، اللغة العربية دقيقة جداً أحياناً حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار الصحابي الجليل قبل أن يُقتل قال:

ولست أبالي حينما أُقتل مسلماً على أي جنب ألقى في الله مصرعي
* * *

إلى الجنة، أما إذا قُرئ هذا البيت:

ولست أبالي حينما أَقتل مسلما ً على أي جنب ألقى في الله مصرعي
* * *

إلى جهنم وبئس المصير، حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار، يعني كلمة تجارب، جمع تجربة، هناك من يتفاصح ويقول تجارُب، العدوى بالجرب فقط التجارُب العدوى بالجرب، أما التجارب جمع تجربة، حركة واحدة.
يكتب الطبيب على البطاقة أخصائي، يعني الذي يخصي، وصوابها اختصاصي هناك أخطاء شائعة في اللغة العربية كثيرة جداً، يقول أحدهم: أنا مولّع بالمطالعة، المولّع هو الثور الأحمر، ينبغي أن يقول أنا مولَعٌ بالمطالعة، حركة واحدة من مطالع إلى ثور.
تقول قِمة، وقُمة، إن قلت قُمة من القمامة، وإن قلت قِمة من الذورة.

الله عز وجل اختار اللغة العربية لتكون لغة كلامه:

الله عز وجل قال:

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾

( سورة التوبة الآية: 40 )

الإنسان قد يتوهم يتابع:

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾

( سورة التوبة الآية: 40 )

المعنى فاسد

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾

بعد أن كانت عليا، لكن لا يصح أن نقول

﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾

ماذا كانت قبل ذلك ؟

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾

وقف

﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾

دائماً، حركة واحدة تنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، أو من الإيمان إلى الكفر، أو من الجنة إلى النار، أو من النار إلى الجنة، لغة عربية اختارها الله لتكون لغة كلامه.
فقد قيل:

(( يا رسولَ الله، كيف نصلِّي عليك ؟ قال: قولوا: اللَّهمَّ صَلِّ على محمد وعلى أَزواجهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّيْتَ على آل إِبراهيم، وبَارِك على مُحمدٍ، وعلى أَزْواجِهِ وذُريته، كما باركتَ على آلِ إِبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مجيدٌ ))

[ البخاري عن أبي حميد الساعدي]

"المجيد" من أسماء الله الحسنى.

معاني المجيد في اللغة:

الآن "المجيد" في اللغة من صيغ المبالغة على وزن فعيل، ماجد، مجيد، فعله مجد، يمجد، مجداً، وتمجيداً، الماضي، والمضارع، والمصدر.
و "المجيد" هو الكريم الفعّال، وقيل إن جمع في الإنسان شرف الذات إلى حسن الفعال سمي مجيداً، وفعيل أبلغ من فاعل، فاعل قد يعني مرة واحدة، كاتب، قارئ.
إذاً "المجيد" هو الذي يجمع معنى الجليل، والوهاب، والكريم، عظيم، وهاب كريم.
المجد المروءة والكرم، والسخاء والشرف، والفخر والحسب، والعزة والرفعة، والمجد أيضاً الأخذ من الشرف والسؤدد ما يكفي، هناك بحياتنا أشخاص كبراء، يقول له أنت كبير، الكبير يكبر، ويكبر، ويكبر ولا نرى كبره فيتضاءل أمامه كل عظيم، وغير الكبير يصغر، ويصغر، ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، تشعر أحياناً إنسان كبير، كبير بعلمه، كبير بأخلاقه، كبير بعفوه، كبير بتسامحه، كبير بعطائه.
وأنا أرى الإنسان ليس له سقف، النبي عليه الصلاة والسلام إنسان واحد جاء إلى الدنيا وغادرها، ونشر الهدى في الآفاق، أين ما ذهبت ترى مسلمين لهم مسجدهم، لهم أخلاقهم، لهم مبادئهم، لهم قيمهم، بفضل هذا الإنسان الأول الذي اصطفاه الله هادياً للناس ورحمة للعالمين.
ما الذي يمنع أن تكون كبيراً ؟ ما الذي يمنع أن تكون رقماً صعباً ؟ ما الذي يمنع أن تحمل همّ أمتك ؟ ما الذي يمنع أن تكون في قلوب الخلق ؟

من ارتقى مقامه عند الله اتسعت دائرة اهتماماته :

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

( سورة النحل الآية: 120 )

كان أمة، يوجد إنسان يأتي إلى الدنيا ويغادرها همّه الوحيد أن يأكل وأن يشرب وأن يسكن في بيت، همومه صغيرة، إذاً هو رقم تافه، لا معنى له، وهناك إنسان همّه كبير همّه الإنسانية، وكلما علا همّ الإنسان اتسعت دائرة همومه، وهناك إنسان همّه أسرته فقط، إنسان همّه أسرته الكبيرة، له ابن عم، له ابن أخت، يعانيان ما يعانيان، يحمل هذا الهم، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة همومك، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة رؤيتك، قل لي ما الذي يهمك أقل لك من أنت، هل يهمك أمر المسلمين ؟ هل تتألم إن رأيت المسلمين في بعض أقطارهم يعانون ما يعانون ؟ قتل، ونهب، وقهر، وإذلال، وأنت ما عندك مشكلة معافى، هل تقول ما لي وما لهم ؟ لا، يمتحنك الله أحياناً حينما تتطلع إلى مأساة يعاني منها المسلمون وأنت لا تتأثر، كلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة اهتمامك بل كلما ارتقى مقامك عند الله ازدادت مسؤوليتك عند الله.
أيها الأخوة، أحياناً تقرأ كتاباً تافهاً، ثمانمئة صفحة، قصة تنتهي من قراءتها تتثاءب وتنام، وأحياناً تقرأ كتيباً صغيراً، مقالة صغيرة تنتهي من قراءتها فتبدأ متاعبك وضعك هذا الكتب أمام مسؤوليتك.

على كل مؤمن أن يؤمن بالله العظيم و يثني عليه:

أيها الأخوة، المجد: المروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر ، والحسب، والعزة، والرفعة، ولا تنسوا المرأة التي قالت: وا معتصماه، كيف ردّ عليها المعتصم، وقد قال بعض الشعراء:

ربّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الــبنات اليتم
لامست أسماعهم لـكنها لم تلامس نخوة المعتصم
* * *

فالمجد، والمروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر، والحسب، والعزة والرفعة.
الآن أمجده ومجده يعني عظمه وأثنى عليه، والمؤمن يمجد الله عز وجل ويعظمه.

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقة )

آمن بالله خالقاً، لكن ما آمن به عظيماً، العبرة أن تؤمن بالله العظيم.

تمجيد الله عز و جل و تعظيمه مهمة المؤمن الأساسية:

أيها الأخوة، لا تنسوا أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )

الأمر على ما ينصب ؟ على الفكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، ولكن يذكره ذكراً قليلاً، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى مقاييس، قال:

(( برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))

(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

إذاً كما أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

قال:

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

تحت كلمة

﴿ الْعَظِيمِ ﴾

خط، يعني الأمر يتعلق بأن تؤمن بالله العظيم، إبليس آمن بالله، قال ربي:

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية: 82 )

آمن به رباً وعزيزاً، آمن به خالقاً، قال:

﴿ خَلَقْتَنِي ﴾

( سورة ص الآية: 76 )

آمن باليوم الآخر، قال:

﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

( سورة الأعراف )

ومع ذلك هو إبليس اللعين

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

إذاً لا يصح إيماننا إلا إذا مجدنا ربنا، وعظمناه، أمجده ومجده أي عظمه وأثنى عليه، وتماجد القوم فيما بينهم ذكروا أمجادهم، هذا ما يتعلق باللغة.

القرآن مجيد لأنه كلام الله وصفة الكلام من صفات الله العليا:

أما الله جلّ جلاله وصف في كتابه العزيز، وصف قرآنه الكريم قال:

﴿ ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ ﴾

( سورة ق )

يعني الله عز وجل قال:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 1)

في آية ثانية:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

( سورة الكهف الآية: 1 )

كأن الكون كله في كفة، والقرآن المجيد في كفة.
أيها الأخوة، القرآن مجيد لأنه كلام الله، وصفة الكلام من صفات الله العليا ، والقرآن كريم فيه الإعجاز والبيان، وفيه روعة الكلمات، وحسن المعاني، وفيه كمال السعادة للإنسان فهو كتاب مجيد، عظيم، رفيع الشأن.

"المجيد" سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته:

الآن "المجيد" سبحانه وتعالى، الآن دخلنا في صلب الموضوع، "المجيد" سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته، له المجد في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، مجد الذات الإلهية بيّن في جمال الله.

(( إن الله جميل يحب الجمال ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

مجد الذات الإلهية بين في جمال الله، وسعته، وعلوه، واستوائه على عرشه فعند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( إن الله جميل يحب الجمال ))

هذا مجد الذات، مجد الذات أنه جميل.
و روي أيضاً:

(( حِجَابُه النُّورُ، لو كَشَفَهُ لأحْرَقتْ سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه ))

[مسلم عن أبي موسى]

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة النور الآية: 35 )

هذا جمال الذات، أما كيفية جمال الذات أمر لا يدركه أحد، عين العلم به، عين الجهل به، وكل شيء خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، والعجز عن إدراك الإدراك إدراك كيفية جمال الذات لا يعلمه إلا الله، وليس عند المخلوقين منه إلا ما أخبر به عن نفسه، من كمال وصفه، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، كمال وصفه وجلال ذاته، وكمال فعله، ومن مجد ذاته أنه استوى على العرش، فهو العلي بذاته على خلقه.

الله عز وجل مجّد ذاته باستوائه على العرش:

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

( سورة طه )

في ملكه، وهو القائم عليهم والمحيط بهم، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾

( سورة طه )

الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهناك آيات معدودة من الحكمة البالغة أن تصوغ معناها إلى الله، الاستواء معلوم والكيف مجهول.
الآن ثبت أن العرش أعلى المخلوقات، والله جلّ جلاله فوق ذلك محيط بالخلائق والكائنات، ويعلم ما هم عليه.

(( فإذا سألتُم الله فاسألوه الفِرْدَوس، فإنه أوسطُ الجنة وأعلى الجنة، وفوقَه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

الله جلّ جلاله من كمال مجده أنه خصّ الكرسي بالذكر دون العرش:

وقد ذكر الله جلّ جلاله: من كمال مجده الكرسي، خصه بالذكر دون العرش في أعظم آية في كتاب الله، فقال:

﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

( آية الكرسي من سورة البقرة )

لقد بيّن الله جلّ جلاله في كتابه الكريم من كمال وصفه وسعة ملكه لمن أعرض عن طاعته، وعن توحيده في عبادته، أن مُلك من أشركوا لو بلغ السماوات السبع، ولو بلغ الأراضين كلها وما فيهن، وما بينهم، على عرضهن، ومقدارهن، وسعة حجمهن، لا يمثلن شيئاً في الكرسي، الذي تحت قدم الملك، فما بالك بعرشه ومجده، وما بالك باتساع ملكه.
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تتقى ناره ؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المحب لـمن يحب يطيع
* * *

عظمة الله عز وجل لا نهاية لها:

الله عز وجل يقول:

﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾

يعني هو:

﴿ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

( سورة فاطر الآية: 41 )

﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾

أي لا يعجزه حفظهما، لأنه لا يقوى غيره على حفظهن، وإدارتهن، حتى لو ادعى لنفسه ملكهن، فالله من حلمه على خلقه أمسك بهن بقدرته، وأبقاهن لحكمته لذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾

( سورة فاطر )

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري، أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

ورد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ))

[ ابن حبان عن أبي ذر]

يعني لا نهاية لعظمة الله، وصحّ عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً أنه قال:

(( الكرسي موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره))

[رواه الحاكم و الدارمي عن ابن عباس]

المجيد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها الله عز وجل:

أيها الأخوة، أما مجد أوصافه، تحدثنا عن مجد ذاته، وعن مجد أفعاله، والآن عن مجد أوصافه، له علو الشأن، لا ند له، لا مثل له، ولا نظير له، ولا شبيه له، ولا مثيل، فالمجد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها المعبود، فهو العلي العظيم، لأن أي معبود سواه إذا علا مجده بعض الخلق، وغلب على العرش، واستقر له الملك، فإنه مسلوب العظمة، أي عظيم سواه مسلوب العظمة في علوه إما لمرضه، الأقوياء يمرضون، والأقوياء ينامون، والأقوياء يموتون، أو لغلبة غيره على ملكه، أية عظمة لعلو المخلوق وهو يعلم أن قدرته محدودة وأيامه معدودة، أيستحق المخلوق أن يكون معبوداً ؟ لأنه يموت، كل مخلوق يموت.
أيها الأخوة الكرام، من لوازم الإيمان أن نمجد الله سبحانه وتعالى، من لوازم الإيمان أن نذكر الله ذكراً كثيراً، من لوازم الإيمان أن نحبه حباً عظيماً، من لوازم الإيمان أن نخضع له، بل إن قمة لوازم الإيمان أن نعبده، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.

والحمد لله رب العالمين