5328
العقيدة الاسلامية - اسماء الله الحسنى 2008 - الدرس (060-100)ب : اسم الله الحق 2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-01-28
بسم الله الرحمن الرحيم
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: (الحق):

 أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "الحق" ولهذا الاسم العظيم تطبيقات كثيرة في حياة المؤمن.

العلم لا يمكن أن يكون شكاً أو ظناً بل يقيناً و قطعياً:

 بادئ ذي بدء: الله عز وجل أودع في الإنسان قدرة إدراكية، والمدركات إما أن تكون علماً، أو أن تكون وهماً، وفي البداية قلت: أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، فما العلم ؟ بتعريف مختصر موجز: العلم هو الوصف المطابق للواقع مع الدليل.
  بتعريف أوسع: العلم يتجه إلى القانون، والقانون علاقة ثابتة، مقطوع بها، بين متغيرين، تطابق الواقع، عليها دليل.
  لو وقفنا وقفة متأنية عند هذا التعريف، علاقة ثابتة يعني قانون، بين متغيرين أولاً مقطوع بها، معنى مقطوع ؛ أي مئة بالمئة، الصحة مئة بالمئة، يقينية، لو لم يكن مقطوعاً بها، لو لم تكن يقينية، لكانت وهماً 30%، شكاً 50%، ظناً 90%، فالعلم لا يمكن أن يكون وهماً، ولا شكاً، ولا ظناً، قطعاً، يقيناً.

على الإنسان أن يرتقي بعقيدته إلى اليقين:

 أقول لكم هذه الكلمة: إن لم تكن عقيدتك بمستوى القطع ففيها خلل، إن:

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾

( سورة الحجرات الآية: 15 )

  أما مقولة الشاعر:

زعم المنجم والطبيب كلاهما  لا تبعث الأموات قلت إليكمـا
إن صحّ قولكما فلست بخاسر  أو صح قولي فالخسار عليكما
* * *

 هذا ليس إيماناً، يعني إذا في جنة الحمد لله، وإذا ما في جنة ما خسرنا شيئاً، هذا ليس إيماناً،

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾

  يعني علاقة ثابتة بين متغيرين، على شكل قانون، مقطوع بها ليست وهماً، ولا شكاً، ولا ظناً، مئة بالمئة، تطابق الواقع، لو لم تطابق الواقع لكانت جهلاً، عليها دليل، لولا الدليل لكانت تقليداً، العلم لا يحتمل تقليداً، ولا جهلاً، ولا ظناً، ولا شكاً، ولا وهماً، فإذا كانت عقيدتك تنطبق عليها هذه الخصائص فأنت في بحبوحة، أنت في اليقينيات.

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾

( سورة التكاثر )

 يجب أن ترتقي بعقيدتك إلى اليقينيات، يا أخي لا نعرف، الله يسترنا، هذا موقف ليس علمياً، هذا القرآن كلام الله، طبعاً إن شاء الله في، لا، ما في إن شاء الله، هذا القرآن كلام الله يقيناً، فإن لم يكن يقيناً ففي الإيمان خلل كبير.

قضية العقيدة أخطر شيء في الدين:

 لذلك أيها الأخوة، العلم هو علاقة ثابتة بين متغيرين، مقطوع بها، تطابق الواقع عليها دليل، وقضية العقيدة أخطر شيء في الدين، العقيدة إن صحت صحّ العمل، وإن فسدت فسد العمل، والعقيدة كالميزان، والخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، أفضل ألف مرة أن تخطئ في مفردات المنهج، من أن تخطئ أصل المنهج، في الميزان، في العقيدة.

من صحت عقيدته صحّ عمله و من فسدت عقيدته فسد عمله:

 أول فكرة، وأخطر فكرة في هذا اللقاء الطيب: أن العقيدة أخطر ما في الدين، إن صحت صحّ العمل، وإن فسدت فسد العمل.
 الآن أي سلوك في قبله تصور، أي سلوك، الستة آلاف مليون يتحركون، ما من حركة يتحركها الإنسان إلا ويسبقها تصور، للتقريب:
 أنت متى تشتري شيئاً ؟ أنت لا تشتري شيئاً إلا إذا تصورت أنه أغلى عندك من ثمنه، لو لم تتصور أن هذا الشيء أغلى من ثمنه ما اشتريته، مرة ثانية، أنت متى تبيع الشيء ؟ إن لم تتصور أن ثمنه أغلى منه ما بعته.
 لا يوجد حركة، السارق متى يسرق ؟ يتصور أن هذا عمله ذكي جداً، يكسب كسباً كبيراً بلا جهد، يغيب عنه العقاب، يتصور مبلغاً كبيراً ينعم به لأمد طويل بلا جهد ، حتى الزاني متى يزني ؟ يرى الزنا مغنماً، أما سيدنا يوسف رؤيته صحيحة، رآه مغرما ؟ قال:

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

( سورة يوسف الآية: 23 )

  كل بطولتك أن تصح تصوراتك، لأنه ما من سلوك إلا يسبقه تصور، التصور ناتج من التفكر، من العلم، من الدراسة، لذلك: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.

العاقل من يملك تصورات صحيحة بناء على طلب العلم:

 إذاً أي سلوك يسبقه تصور، والتصور متعلق بالعلم، بطلب العلم، شخص ما طلب علماً، مثلاً يقول أحد الشعراء في الجاهلية:

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي  فدعني أبادرها بما ملكت يدي
* * *

 بالتعبير العامي يقول لك: قدر ما تستطيع استمتع بالحياة، هذا جهل، هناك استمتاع وفق منهج الله سليم وينتهي إلى الجنة، و هناك استمتاع بخلاف منهج الله، هذا مدمر ومهلك.
 إذاً البطولة أن أملك تصورات صحيحة بناء على طلب العلم، فطلب العلم ليس استملاكاً للوقت لكنه توظيف له، أخطر شيء بحياتك أن تعرف الحقيقة، تعرف من أنت ؟ لماذا أنت في الدنيا ؟ ما علة وجودك ؟ ما غاية وجودك ؟ ما حقيقة العمل الصالح ؟ ماذا بعد الموت ؟ من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟.

التصور الصحيح هو "الحق" لأنه ينتج عنه سلوك صحيح:

 الآن التصور الصحيح هو "الحق"، تعريف اسم "الحق" لأنه ينتج عنه سلوك صحيح، والتصور الخاطئ هو الباطل، لأنه مخالف للواقع، ينتج عنه سلوك خاطئ، ولأن الإنسان يسلم ويسعد، إذا صحّ عمله، ويشقى ويهلك إذا فسد عمله، والعمل مرتبط بالتصور والتصور مرتبط بطلب العمل.
 هذا الذي يغش الناس، ماذا تصور ؟ حينما يغشهم في بضاعتهم يتصور أنه سيحقق أرباحاً استثنائية، هي أغلى عنده من الله، ومن وعيد الله، ومن ثواب الله، هنا المشكلة، لا يوجد إنسان يعصي الله، لا يوجد إنسان يتجاوز حدّه، إلا معه تصور خاطئ لأنه ما طلب العلم، لو طلب العلم لأصبح تصوره صحيحاً، ولصحّ عمله، ولسلم وسعد في الدنيا والآخرة.
 لذلك أنا أقول: ما من نشاط إنساني يعلو على طلب العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
 أوضح مثل أنه: تركب مركبتك، تألق ضوء أحمر في لوحة البيانات، إذا تصورت أن هذا التألق تزييني لإمتاعك أثناء القيادة، وتابعت السير احترق المحرك، وتوقفت المركبة، وتعطلت الرحلة، وألغي الهدف، أما إذا تصورته تألقاً تحذرياً، أوقفت المركبة وأضفت الزيت، وتابعت الرحلة، وحققت الهدف.
 كل مشكلاتنا تصور خاطئ، تتصور الفتاة أنها إذا أبرزت كل مفاتنها سوف تتزوج، يأتيها زوج يريها النجوم ظهراً، المؤمنة تتصور أنها إذا أطاعت ربها، واستقامت على أمره، وحجبت مفاتنها عن الناس، وأبقت هذه المفاتن لزوجها ولمحارمها عندئذٍ تتألق عند الله.

مشكلات الإنسان تتأتى من تصوره الخاطئ للأمور و جهله بها:

 كل مشكلاتنا تتأتى بتصور خاطئ، والتصور الخاطئ سببه الجهل، الآن أعداؤنا الحقيقيون ليس الاستعمار، ولا الصهيونية، أعداؤنا الحقيقيون الجهل، الجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، الآن اسمعوا الآية:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

( سورة الكهف )

 تصوروا تصوراً خاطئاً، فجاء فعلهم سيئاً.

﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

( سورة الكهف )

إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً:

 أريد أن أقول لكم أيها الأخوة: أنا متأكد أن الجاهل ليس إنساناً لا يملك معلومات، يملك معلومات بكم كبير جداً، لكن كلها خاطئة، إياك أن تتوهم أن الجاهل ما عنده معلومات ؛ عنده معلومات كلها خاطئة، يحدثك عشر ساعات، فوائد الاختلاط، أو يقول لك لا يوجد داعٍ للزواج إطلاقاً، كل يوم تجلس مع واحدة، الجاهل معه معلومات كثيرة جداً لكنها كلها غلط.
 أيها الأخوة، قالوا: يمكن أن تخدع معظم الناس لبعض الوقت، هذا باطل.

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

( سورة الإسراء )

 الله يكشف، ويمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، وهذا باطل،

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

  أما أن تخدع معظم الناس لكل الوقت هذا مستحيل وألف ألف ألف مستحيل لأن

﴿ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

من لوازم الحق أن الله جلّ جلاله لابدّ من أن يظهره:

 ما معنى كلمة حق ؟ الله اسمه "الحق"، اسمه "الحق" وهذا أخطر معنى في هذا الاسم، أنه لابدّ من أن يظهر "الحق" فإذا كنت على حق فاطمئن، فالله سوف يبرئك ويرفع ذكرك وقدرك.
  الله "الحق"، من لوازم هذا الاسم العظيم أن الله جل جلاله لابدّ من أن يظهر "الحق" إن كنت على حق فالمستقبل لك، وسوف يظهر الله "الحق"، وسوف تعلو، وإن كنت ذكياً جداً لكن على باطل، ذكاؤك، وطلاقة لسانك، وقوة إقناعك لا تجديك نفعاً عند الله فلابدّ من أن يفضحك الله عزّ وجل.
 إنسان ببلد عربي جاء بمواد غذائية مصنعة للكلاب، ونزع اللصاقات بمستودع ضخم، ووضع لصاقات أخرى، أنها صالحة لبني البشر، وحقق أرباحاً طائلة، هناك علبة واحدة نسي المكلف بإبدال اللصاقات أن يبدل لصاقتها، كُشف الأمر ودُمر، لأنه ارتكب جريمة بحق الأمة، طعام للكلاب تقدمه لبني البشر ؟ نسيان هذا العامل فعل الله عز وجل.
 مستحيل أن تخدع معظم الناس لكل الوقت، لكن الله يمتحنك، ولابدّ من أن تكشف الحقيقة.

أحمق إنسان في الأرض هو الذي لا يدخل عقاب الله في حساباته:

 الآن الله عز وجل له سياسة، سياسته إرخاء الحبل، الحبل مرخى، يتوهم الإنسان أنه يفعل ما يريد، ويأخذ من المال ما يريد، ويعتدي على الأعراض كما يشاء، هو قوي، ومعه أتباع أقوياء، يعني كالعالم القوي معه الإعلام، معه الأقمار الصناعية، معه الاتهام الجاهز لكل إنسان قال له لا، معه كل شيء، لكن حينما ينسى هذا القوي أن الله موجود، وأنه في قبضة الله، وأنه في أية لحظة يفضحه الله عز وجل، يكون من أغبى الأغبياء.
 أنا أقول لكم أيها الأخوة، أغبى إنسان في الأرض، أحمق إنسان في الأرض، هو الذي لا يدخل عقاب الله في حساباته، قوي، كل شيء بيده، نسي أن الله موجود، وأنه في قبضة الله، وأنه في أية لحظة يدمره الله عز وجل.

الإنسان مخير لا مسير:

 لذلك من سياسة ربنا أنه يرخي الحبل، من هو الأحمق ؟ الذي يتوهم أنه ما في حبل إطلاقاً، لكن الحبل مرخى، قال تعالى:

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

( سورة الأعراف )

 معنى متين: المتانة صفة مقاومة قوى الشد، أي مربوط بحبل لا يمكن أن ينقطع لكن سياسة ربنا أنت مخير، معنى مخير يمكن أن تأكل المال الحرام، وأن تستمتع به إلى أمد طويل، وأن تتألق في المجتمع، والحبل مرخى، وفي لحظة حاسمة بحسب حكمة الله عزّ وجل، في لحظة واحدة يكشف الأمر، وتسقط، ويمكن أن تطيع الله إلى أمد طويل، ولا تجد من الله شيئاً، ممكن، إنك لست في دار جزاء، إنك في دار ابتلاء، في دار ابتلاء ولست في دار جزاء، يعني ملخص أنك مخير أي أنت ممكن أن تطيع الله، ولا يحدث شيئاً، ضغطك 8 ـ 12، النبض 80، التحليلات كلها إيجابية جيدة، وفق النسب الطبيعية وقوي، وتأكل المال الحرام، وتنتهك أعراض الناس، وتستعلي على الناس ما في مشكلة هنا الابتلاء، الحبل مرخى من أجل أن تأخذ أبعادك، من أجل أن تعبر عن ذاتك تماماً.

﴿ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 42 )

 شيء خطير، وكلام خطير جداً، يمكن أن تعصي الله، يمكن أن تنكر وجوده أصلاً، وسبعين سنة الذي رفع لواء لا إله، سبعين سنة، قوة، وقنابل نووية، وتسابق تسليح، ومع ذلك الحبل مرخى، في لحظة واحدة جاء أمر الله عز وجل، والطرف الآخر أمامه هذا الإجراء الإلهي، الطرف الثاني إن شاء الله.

قضاء الله عز وجل لن يخرج الإنسان من الاختيار إلى الاضطرار:

 أيها الأخوة، مرة رجل شارب خمر سيق إلى سيدنا عمر، فقال: أقيموا عليه الحدّ، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليّ ذلك، قال: أقيموا عليه الحدّ مرتين مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، الآن دققوا بقول سيدنا عمر، قال له: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.
 الآن يأتيكم بديل، لو أن الله عز وجل كلما شخص كذب كذبة يمرض، ما عاد يكذب، كلما ألقى نظرة إلى امرأة لا تحل له يفقد بصره، ما ينظر، إذاً ما عاد مخيراً، صار مضطراً، الآن الأقوياء يطاعون اضطراراً، يا ترى طاعة الأتباع للأقوياء تعد طاعة ؟ لا أبداً، قهر، ما في طاعة أبداً، الله أراد أن تكون العلاقة بينه وبيننا علاقة حب، علاقة اختيار، أن تأتيه طائعاً، الأقوياء يطاعون قسراً، ولا يمكن أن تكون هذه الطاعة ثمينة إطلاقاً، من خوف الناس يطيعون الأقوياء.
 فلذلك قال له: إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، الآية:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )

 أرقى أنواع الإيمان من وصل بإيمانه إلى حق اليقين:

 اسم "الحق" إن رأيت دخاناً وراء جدار، ماذا تقول بحسب الموقف ؟ لا دخان بلا نار، هذا حكم منطقي مع أنك لا ترى النار، هذا اسمه علم اليقين

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾

  لكن لو تحركت إلى وراء الجدار، ورأيت النار بعينك، هذا أرقى، هذا اسمه عين اليقين، أما إذا اقتربت من النار، وجاءك وهجها، هذا حق اليقين، أرقى أنواع الإيمان أن تصل إلى حق اليقين، هناك علم اليقين استدلال لا دخان بلا نار، وهناك عين اليقين أن ترى عين الشيء الذي تبحث عنه، وهناك حق اليقين أن تصلك آثاره، فإذا وصلت بعقيدتك إلى حق اليقين فأنت في القمة، الآية:

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾

( سورة التكاثر )

 هذه سورة، هناك سورة ثانية:

﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الواقعة )

الله عز وجل موجود و كامل فأي شيء يقرب الإنسان منه فهو حق:

 أيها الأخوة، هناك بهذا الكون حقيقة واحدة، يوجد مليارات الطروحات بالأرض لكن هناك حقيقة واحدة أن الله موجود، وواحد، وكامل، أي شيء يقربك منه فهو حق، وأي شيء يبعدك عنه فهو باطل، مقياس الحق، الصدقة حق، الزكاة حق، الصلاة حق، غضّ البصر حق، الصدق حق، الأمانة حق، أي شيء يقربك منه فهو حق، وأي شيء يبعدك عنه فهو باطل، قال تعالى:

﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 81 )

 يجب أن يترسخ في أعماق أعماقنا أن الحق هو الثابت، والهادف، والموجود واليقيني، وأن الباطل هو الوهم، والخطأ، والضلال، والدمار في الدنيا والآخرة، لذلك

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾

 لا يوجد إنسان يتحرك بشكل خاطئ، إلا وراءه تصور خاطئ، كل معاصي البشر وراءها تصور خاطئ يظن نفسه ذكياً، وعاقلاً، أما هو يكون جاهلاً، ومنحرفاً.
 أيها الأخوة الكرام، اسم "الحق" اسم دقيق جداً، تطبيقاته للمؤمن كبيرة جداً، فطوبى لمن كان مع "الحق"، فالمستقبل له، والجنة له، والتوفيق في الدنيا، والتأييد ، والنصر، والحفظ، والويل لمن كان على باطل، فالفضيحة، والدمار، والهلاك في الدنيا والآخرة.
والحمد لله رب العالمين