19919
العقيدة الاسلامية - اسماء الله الحسنى 2008 - الدرس (057-100)أ : اسم الله المتعال 1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-01-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: (المتعال):

 أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: "المتعال".

ورود اسم المتعال في القرآن الكريم و السنة الشريفة:

 هذا الاسم أيها الأخوة، ورد في القرآن الكريم في موضع واحد وهو قوله تعالى:

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾

( سورة الرعد )

  وقد ورد أيضاً في السنة المطهرة بسند صحيح عند الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال:

(( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾

قرأ هذه الآية وهو على المنبر، فقال:

﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

( سورة الزمر )

فقال عليه الصلاة والسلام: يقول الله جلا وعلا: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا المتعال ـ يمجد نفسه ـ قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرددها حتى رجف به المنبر، حتى ظننا أنه سيخر به ))

معنى المتعال في اللغة:

 أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام إذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، كان يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه.
  لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول: أشدكم لله خشية أنا .
  "المتعال" اسم فاعل، من تعالى، تعالى يتعالى فهو متعالٍ، وهو أبلغ من الفعل علا، وفي اللغة العربية أن كل زيادة في المبنى يقابلها زيادة في المعنى، أنا حينما أقول سأعطيك هذا المبلغ في المستقبل فاستخدمت حرف السين، هناك معنى، أما سوف أعطيك مادام في سين وواو وفاء، سوف أطول أمداً، أية زيادة في المبنى يقابلها في اللغة زيادة في المعنى.
 التعالي ؛ الارتفاع، العرب تقول: تعالَ فعل أمر لكن له حالة خاصة، فعل الأمر مبني على السكون، أما الفعل مبني على الفتح، وفي فعل آخر هاتِ فعل أمر مبني على الكسر، هذا الفعل فعل أمر مبني على الفتح، تعالَ، لاثنين تعالا، للرجال تعالوا، إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، للمرأة تعالِ، للنساء تعالين.
  أيها الأخوة، قد يكون الذي تقول له تعالَ هو في الطابق الأعلى، وأنت في الطابق الأسفل، فهذا العلو علو مكانة، يعني ارتفع إلي.

الله عز وجل  متعال على كل شيء بقدرته:

 الآن "المتعال" سبحانه وتعالى هو القاهر لخلقه بقدرته، "المتعال" هو المستعلي ، المستعلي على كل شيء بقدرته، قال بعض العلماء: "المتعال" على كل شيء أي قد أحاط بكل شيء علماً، وقدرةً، وقهراً، وخضعت له الرقاب في كل شيء، ودان له العباد طوعاً وكرهاً.
  و "المتعال" الكبير، فكل شيء تحت قهره، وسلطانه وعظمته، ولا إله إلا هو ولا رب سواه، لأنه العظيم، وليس هناك من هو أعظم منه، أنت تعبد من ؟ تعبد خالق السماوات والأرض، تعبد من ؟ تعبد من بيده الأمر، من:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

( سورة هود الآية: 123 )

 تعبد من ؟ من إذا قال لشيء:

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

( سورة يس )

 تعبد من ؟ من في قبضته السماوات والأرض، إذا عرفت الله زهدت فيما سواه إذا عرفت الله كنت عزيزاً، كنت قوياً، كنت شجاعاً، إذا عرفت الله عرفت كل شيء.

عبد الشكر و عبد القهر:

 لكن لعلكم تذكرون أن في القرآن كلمتين، العباد والعبيد، العباد جمع عبد الشكر بينما العبيد جمع عبد القهر، فكل إنسان كائناً من كان، حتى الكافر، حتى الملحد، حتى الفاجر، حتى العاصي في قبضة الله، كن فيكون، زل فيزول، فالإنسان المقهور هو عبد يجمع على عبيد.

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

( سورة فصلت )

 أما الإنسان الذي تعرف إلى الله، وأقبل عليه، وأحبه، وتقرب إليه، نقول هذا عبد الشكر، وجمعه عباد.

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

( سورة الفرقان الآية: 63 )

 فرق كبير بين قوله تعالى

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

 وبين قوله تعالى:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾

 فالعبيد جمع عبد القهر، أما العباد جمع عبد الشكر.
 الواحد منا لا يضمن أن يبقى حياً لساعة واحدة، فنحن جميعاً في قبضة الله ، المؤمن تفضل الله عليه بالإيمان، فهو يعلم أنه في قبضة الله، بينما غير المؤمن توهم أنه قوي، وفي أية لحظة يقبض الله روحه، فإذا هو خبر بعد أن كان شخصاً كبيراً.

الله عز وجل لا غالب ولا منازع له بل كل شيء تحت قهره وسلطانه:

 "المتعال" سبحانه وتعالى هو الذي ليس فوقه شيء في قهره وقوته، فلا غالب له ولا منازع له، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾

( سورة الأنعام )

  لكن الناس يتوهمون أن في الأرض قوة جبارة يخافونها، والحقيقة كل هذه القوى الجبارة التي نراها على شبكية العين هي بيد الله:

(( أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع أكفكم ملوككم ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]

 لأنه لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، لا يليق، ولا ينسجم مع ألوهية الإله العظيم أن يقع في ملكه مالا يريد.
  فلذلك كل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، هذه المقولة على قصرها لو عقلناها، وفهمنا أبعادها، تملأ النفس راحة ما بعدها راحة،

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾

 هو قاهر، مسيطر، لكن لحكمة ما بعدها حكمة، وبرحمة ما بعدها رحمة، وبخبرة ما بعدها خبرة.

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 61 )

 في هاتين الآيتين اجتمع علو القهر مع علو الفوقية، يعني أن الملك جلّ جلاله من فوق عرشه الذي علا بذاته، فوق كل شيء، والذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله كل شيء، ويحتاجه كل شيء في كل شيء، هذا الإله العظم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ بطولة الإنسان أن يكون مع الجبار، مع الواحد القهار، مع "المتعال".

معنى الربوبية:

 الآن أيها الأخوة، نحن بحاجة إلى بعض المعاني التفصيلية حول هذا الاسم أولاً: ماذا تعتني الربوبية ؟ الله رب العالمين، لا بد من توضيح هذا بمثل:
  أنت عندك مؤسسة، وبحاجة إلى موظف أعلنت في الصحف عن وظيفة عندك ، واشترطت على الموظف أن يمضي ستة أشهر تحت التدريب، والامتحان، المدير في هذه الحالة جهده أن يحصي على هذا الإنسان أخطاءه، فإذا تراكمت، وبلغت حداً لا يحتمل صرفه أليس كذلك ؟ هنا مهمة المدير إحصاء الأخطاء، ليرى ما إذا كان هذا الإنسان صالحاً أو غير صالح.
  هذا المعنى ليس فيه معنى الربوبية، فيه معنى المحاسبة، لكن حينما يكون ابنك في هذا المكان أنت أب، والأب مربٍ، أنت حريص أن ترشده إلى الصواب، في كل خطأ فالموقف اختلف، أنت حريص على نجاح هذا الابن في هذه الوظيفة، حريص على إرشاده في كل ساعة، على تنبيهه في كل دقيقة، على لفت نظره عند كل خطأ، فأنت الآن مربٍ حين أودع الله في قلب الأب رحمة فلا يحاسب هذا الموظف على أنه موظف، وعلى أن أخطاءه إذا تراكمت صرفه، لا، الوضع مختلف، أنت حريص على نجاح هذا الابن، لذلك تحاسبه على كل خطأ، وفي كل موقف، وعند كل زلل، هذا الموقف موقف التربية.

الله سبحانه وتعالى يحبنا و قد خلقنا ليسعدنا:

 يجب أن نعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين، كان من الممكن أن يرسل الأنبياء وينزل الكتب ولا يحاسب أحداً في الدنيا، فإذا تراكمت الأخطاء بحيث أصبحت كافية لدخول الإنسان النار أدخلهم وانتهى الأمر، الله عز وجل رب العالمين، يحاسب على كل خطأ ويدل إلى الصواب، طبعاً لا بد من توضيح آخر:
 تمشي أنت في الطريق رأيت شباباً ثلاثة، يرتكبون معصية، أحدهم ابنك تغلي، تضطرب، تتألم، تتمزق، والثاني ابن أخيك، الألم أقل، أما الثالث صديقهما ، الأول تعنفه أشد التعنيف، والثاني تعنفه قليلاً، والثالث تقول له: انصرف، فمعنى ذلك أنك حينما رأيت ابنك الذي هو جزء منك، الذي هو امتدادك يقترف هذه المعصية تألمت أشد الألم لذلك موقف الأب موقف التربية، موقف العطف، موقف الرحمة، فإذا قرأت الحمد لله رب العالمين يجب أن تعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى يحبنا، وخلقنا ليسعدنا، فإذا تبنا إليه كما ورد في الحديث الصحيح يفرح.

(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))

[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]

رحمة الله عز وجل تقتضي معالجة الناس و تأديبهم لا تركهم هملاً:

 الآن:

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

  الآية فيها معنى دقيق، تقتضي رحمته الواسعة ألا

﴿ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

  أناس شردوا عن الله، يمكن أن يعالجهم، يمكن أن يسوق لهم بعض الشدائد ، يمكن أن يؤدبهم، تقتضي رحمته أن يؤدبهم لا أن يدعهم.
 الذي عنده يتيم، بمحله التجاري وسرق، أيهما أفضل ؟ أن يطرده ليتابع السرقة عند غيره، أم أن يؤدبه ويبقيه عنده ؟ تقتضي الرحمة أن تؤدب لا أن تطرد، تقتضي الرحمة أن تعالج لا أن تحكم عليه بالسقوط.
  لذلك القصة التي رويتها في مرة سابقة أن خطيب مسجد في دمشق (والقصة واقعية و هذه القصة قبل أربعين أو خمسين عاماً) رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: أبلغ جارك فلان إنه رفيقي في الجنة، فجاره بقال، إنسان عادي جداً، هو خطيب تأثر، ليت هذه البشرى له، فذهب إليه، وطرق بابه، وقال له: لك عندي بشرى من سيد الخلق، ولكن لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك؟ (دقق في معنى التربية) فاعتذر، وتمنع، وبعد إلحاح شديد قال له: تزوجت امرأة، وفي الشهر الخامس من زواجنا كانت في الشهر التاسع في حملها، معنى ذلك أن هذا الطفل ليس ابنه، وقد زلت قدمها، أنا بإمكاني أن أسحقها، بإمكاني أن أفضحها، بإمكاني أن أطلقها، والناس معي ، وأهلها معي، معي الحق، وأهلي معي، والمجتمع معي، والحكم الشرعي معي، هي خاطئة، قال له: أردت أن أحملها على التوبة، أتيت لها بقابلة، ولدتها في الليل، وحملت هذا الغلام الذي ولد لتوه تحت عباءتي، وتوجهت إلى المسجد، وانتظرت حتى قال الإمام الله أكبر بدأ في الصلاة، فدخلت إلى المسجد، ووضعت هذا الغلام وراء الباب، والتحقت بالمصلين، ولم يرنِ أحد، بعد انتهاء الصلاة تجمع الناس حول هذا الطفل الصغير لأنه بكى وتألموا، وتحلقوا حوله، وعجبوا من وجوده هنا، هو تأخر إلى أن استكمل الناس تحلقهم حول هذا الصغير، فأتى إليهم وقال: ما القصة ؟ قال: تعال انظر ! قال: أعطوني إياه أنا أكفله، أخذه أمام أهل الحي، على أنه لقيط، وتعهد أن يربيه، ودفعه إلى أمه.
 هذا موقف في التربية، وتابت على يديه، استحق هذه البشرى من رسول الله قال له: قل لجارك فلان هو رفيقي في الجنة.
 قبل أن تؤدب، قبل أن تعاقب، قبل أن تسحق، قبل أن تفضح، اهدأ، إذا اخترت أن تربي لك عند الله أجر لا يعلمه إلا الله، فالله عز وجل رب العالمين.

الله عز وجل يسوق للإنسان من الشدائد ما يحمله على التوبة:

 لذلك

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

  تقتضي رحمته الواسعة ألا يرد بأسه عن إنسان شرد عن الله شرود البعير والله عز وجل حكيم، والله عز وجل يسوق من الشدائد ما يحمل على التوبة، لذلك في القرآن آيتان، يعني العجيب أن كل آية لها معنى:

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

( سورة التوبة الآية: 118 )

 يعني ساق الله لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة.
 مرة شخص أراد أن يعلق تعليقاً لطيفاً على دعوتي، أن دعوتك من ثلاثين عاماً ما فحواها ؟ قلت له كلمتان، بالتعبير الدارج: إما أن تأتيه راكضاً، أو أن يأتي بك راكضاً، الله عنده أساليب، عنده وسائل، عنده مصائب، عنده بلايا، عنده أمراض، يجعل الإنسان الشارد يسرع إليه، يسرع إلى بابه، الآن آية ثانية:

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾

( سورة مريم الآية: 45 )

 تقتضي رحمته أن يعذب

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾

﴿ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾

( سورة مريم )

 يعني أب يرى ابنه الطاهر، العفيف، المؤدب قد أخذ مبلغاً من صديقه دون أن يدري صديقه، ولا يتصرف ؟ ولا يحاسب ؟ ولا يؤدب ؟ ولا يعاقب ؟ لو تركه على هذا العمل لتفاقم هذا العمل، لا يوجد أب على وجه الأرض يرى ابنه أخذ مبلغاً ليس له ولا يحاسبه تقضي الرحمة أن يحاسب.

تناقض الشر المطلق مع وجود الله تعالى:

 أيها الأخوة، اعلموا علم اليقين أن الشر المطلق لا وجود له في الكون، هناك شر نسبي، شر مطلق يعني الشر للشر، هذا النوع غير موجود، بل هو يتناقض مع وجود الله، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، أما الشر النسبي هو شيء مؤلم لكن موظف للخير المطلق.
  مثلاً الآية التي تليها:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )

 بربكم يمكن أن تنهى إنساناً عن أن يطفئ الشمس ؟ مستحيل، ليس هذا نهياً النهي ما كان ممكن الوقوع، لا تتأخر، التأخر قد يقع، لا تكذب قد يقع، لا تظلم الظلم قد يقع، ليس هناك في اللغة نهي لفعل مستحيل، إياك أيها الإنسان أن تطفئ الشمس، مستحيل وألف ألف مستحيل، ولكن تقول له إياك أن تهمل، إياك أن تتأخر، إياك، إياك أن تخطئ إياك أن تظلم، ليس هناك نهي إلا بشيء يمكن أن يقع.

الله عز وجل ليس غافلاً عما يفعل الظالمون و لكن يؤخر حسابهم ليوم القيامة:

 الله عز وجل يقول:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾

 إذا هناك من يظن أن الله غافل هناك من يقول: أين الله ؟ الطرف الآخر قوي جداً، ويبطش، ويسفك الدماء، ويهدم البيوت، ويحتل الأراضي، ويتفنن بالقتل، والتدمير، ونهب الثروات، ضعاف الإيمان يقولون أين الله؟

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

 ما دام هناك نهي، هذه لا، لا النهي،

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾

 إذاً هناك من يظنه غافلاً، هناك من يقول: أين الله ؟ هناك من ترك الصلاة، يقول: لمن أصلي ؟ لماذا المسلمون هذا حالهم ؟ لماذا قوى الشر تتكالب عليهم، أين الله ؟.
  لذلك في غفلة

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾

 وفي تغافل، والتغافل شيء لابدّ منه بالامتحان.
 مرة ذكرت أن صاحب محل تجاري، يدخل إلى المحل أول إنسان، يخرج آخر إنسان، يجلس على الطاولة، مكان المال تحت قبضته، يا ترى الموظفون أمناء ؟ ما أتيح لهم أن يمتحنوا، أما إذا خرج صاحب المحل من المحل، وجلس في المحل المقابل، في مكان يَرى ولا يُرى، فصار الموظف وحده في المحل، ومكان المال تحت يده، يراقبه ، الآن هذا الموظف يتوهم أن صاحب المحل ليس هنا، هذا التغافل من صاحب المحل أعطاه فرصة ليمتحنه بها، مدّ يده وأخذ مبلغاً ووضعه في جيبه، سقط في الامتحان، أو بقي أميناً ما فعل شيئاً.

المصائب التي تأتي هي رسائل من الله لعباده:

 إذاً الله عز وجل يتغافل، يظنه الناس غافلاً، ولا يخفى،

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

 وضع الناس يشبه إنساناً مربوطاً بحبل لكن مرخى الحبل، فلأنه مرخى يتوهم الإنسان أنه طليق، لأنه هو في الحقيقة في قبضة الله، بأية لحظة، لذلك من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:

(( أعوذ بك يا رب من فجأة نقمتك، و تحول عافيتك، و جميع سخطك ))

[أبو داود عن ابن عمر ]

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

( سورة البروج )

 حدثني قاضٍ، قال لي: مشروع ضخم جداً كلفته فلكية، يمكن أن ينتقل من إنسان إلى إنسان بشهادة زور، فالذي أقام الدعوى ليأخذ ما ليس له جاء بشاهد زور، والمبلغ فلكي، بمئات الملايين، قال لي: والله جاء إلى المحكمة وكلفه القاضي أن يضع يده على المصحف الشريف، وأن يقسم أن يشهد بالحق، وضع يده، وأقسم أنه يشهد بالحق، وانتهى القسم ورفع يده، فأبقاها مرفوعة، فالقاضي انزعج، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً يمسك طرف الطاولة، لا تزال يده ماسكة بشدة، فبقي واقفاً، بعد دقيقة وقع على الأرض قال لي: والله وافته المنية أقسم كذباً،

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

  الآن أدق آية:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة القصص )

 إذاً هذه المصائب التي تأتي هي رسائل من الله، انتبهوا يا عبادي، أنا أعلم ما تفعلون، وسوف تحاسبون.
والحمد لله رب العالمين