103859
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 08 - 17 ) : حول ضرورة الزواج .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-11-27
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

مقدمة

 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سلسلة دروسٍ تعالج موضوع الزواج ، ذلك أن مشكلةً كبيرةً يعاني منها المسلمون ، ألا وهي انصراف الشباب عن الزواج لأسبابٍ كثيرة .
 من هذه الأسباب أسباب مادية ، وهناك أسبابٌ أخرى ، وما من بيتٍ من بيوتات المسلمين إلا وفيه فتياتٌ طاهراتٌ مؤمناتٌ عفيفات ينتظرن ما كتب الله لهن من زواج ، فهناك مشكلة لا يخلو بيت من بيوت المسلمين منها ، صعوبات وعقبات ، تفلُّت أحياناً ، وإرجاء تأخير في سن الزواج أحياناً أخرى ، هذه كلها تقلق الآباء والأمهات ، نريد أن نرى هدي القرآن الكريم ، وهدي السنة المطهرة في هذا الموضوع .

دعوة الإسلام إلى الزواج

 وصيةٌ قالتها امرأةٌ ، تقول في هذه الوصية : " يا بنيتي ، لو أن الوصية تركت لفضل أدبٍ تركت لذلك منك ، ولكنها تذكرةٌ للغافل ومعونةٌ للعاقل ، ولو أن المرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها ، أو لشدة حاجتهما إليها ، لكنت أغنى الناس عنها ، ولكن النساء للرجال خلقن ، ولهن خُلق الرجال " .
 هذه سنه الله في خلقه ، المرأة خلقت للرجل ، والرجل خلق للمرأة ، وكما قال الله عزَّ وجل :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة الشورى ]

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾

[ سورة فصلت الآية : 37 ]

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

[ سورة الروم الآية : 21 ]

 ما من شابٍ من دون استثناء إلا ويتطلع إلى زوجةٍ مؤمنةٍ ، تسره إن نظر إليها وتحفظه إن غاب عنها ، وتطيعه إن أمرها .
 وما من فتاةٍ طاهرةٍ عفيفةٍ مؤمنةٍ إلا وترجو الله سبحانه وتعالى أن يجعل زوجها زوجاً مؤمناً ، رجلاً كريماً عفيفاً ، هذه حاجةٌ أساسية عند الرجال وعند النساء ، فلماذا نجد الطرق المؤدية إلى الزواج مغلقة أو ضيقة ؟
 أيها الإخوة الكرام ، الإنسان خلقه الله عزَّ وجل ، وزوَّده بتعليمات ، هذه التعليمات هي الشرع الحكيم .

حكم الشرع في الزواج

 قبل كل شيء نريد أن نرى حكم الشرع في الزواج ، وحكم الشرع في التبتُّل ( الانقطاع عن الزواج ) ، ولعل هذين الموضوعين تعرفون أكثر تفاصيلهما من دروسٍ وخطبٍ سابقة ، ولكن لا بدَّ من هذين الموضوعين كتمهيدٍ لموضوعٍ دقيقٍ جداً ربما نضع فيه اليد على موطن الجُرح .
 ما العقبات التي تقف أمام زواج الشباب بالفتيات ؟ وهل هذه العقبات يمكن أن تذلل أو لا يمكن ؟ وكيف تذلل ؟ فلا يخلو رواد المساجد من أن يكون أحدهم شاباً يتطلع إلى زوجةٍ مؤمنة ، أو أن يكون أباً يتمنى على الله عزَّ وجل ، أن يهبه زوجاً لابنته مؤمناً ، يحفظها ويرعاها ، ويكرمها ويحفظ لها دينها .
 لذلك الزواج من سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأريد أن يكون هذا واضحاً أمامكم جميعاً ، فأنا أعجب أشد العجب من شابٍ في سن الزواج ، وبإمكانه أن يتزوج ، وعنده البيت ، ويتأخَّر ، قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم :

﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾

[ سورة النساء الآية : 3 ]

 حينما بوَّب صحيحه الإمام البخاري جعل هذه الآية في صدر باب النكاح ، أو باب الترغيب في النكاح ، وقال ابن حجر العسقلاني الذي شرح صحيح الإمام البخاري : " إنها صيغة الأمر " ، وأقل درجات الأمر ، يقتضي الندب ، أقل

درجات الأمر الندب ، فثبت الترغيب في الزواج :

﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾

 كلكم يعلم أن الأمر الشرعي يقتضي الوجوب ، والأمر يقتضي الإباحة ، والأمر يقتضي الندب ، وهناك أمرٌ ينصرف إلى التهديد .
 فأما أمر التهديد فنحو قوله تعالى :

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف الآية : 29 ]

 وأمر الإباحة :

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 187 ]

 وأمر الندب :

﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾

 وأمر الوجوب :

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾

[ سورة البقرة ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام كما يروي عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال لنا النبي صلى الله عليه وسلَّم :

(( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ))

[ أخرجه البخاري ]

 أي أن من بلغ سن الزواج فعليه أن يتزوج ، هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام ، وإني أرجو الله سبحانه وتعالى أن يفكر كل أبٍ تفكيراً جدياً بتزويج أولاده وبناته ، وأن يفكر كل شابٍ تفكيراً جاداً في البحث عن زوجةٍ ، وعن مستلزمات هذا الزواج .
 لبعض العلماء رأيٌ دقيق ، هو أن الزواج واجب ، والواجب يقترب من الفرض ذلك أن التحرُّز من الزنا فرض ، وما لا يتوصل إلى الفرض إلا بشيءٍ فهو فرض ، أي أن هذا الشيء الثاني يرتقي إلى مرتبة الفرض ، وهذا رأي بعض العلماء ، وعلى كلٍ ، الرأي الفقهي المعتمد الذي عليه أكثر الفقهاء أن من تاقت نفسه إلى الزواج ، وخشي على نفسه العنت ، فالزواج في حقه فرض عين ، وهذا الزواج مقدمٌ على فريضة الحج .
 والإسلام في الآيات الكريمة أيضاً ، رغب في الزواج ، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً ﴾

[ سورة الرعد الآية : 38 ]

 يقول الإمام القرطبي في هذه الآية : هذه الآية تدل على الترغيب في النكاح والحضِّ عليه ، وتنهى عن التبتُّل ، وهو ترك النكاح ، وهذه سنة المرسلين ".
 ليس هذا فيه خلاف إطلاقاً ، لكن الحديث عن العقبات التي سوف نأتي عليها إن شاء الله تعالى .
 وقد روى الإمام الترمذي ، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال :

(( أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ : الْحَيَاءُ ، وَالتَّعَطُّرُ ، وَالسِّوَاكُ ، وَالنِّكَاحُ ))

[ أخرجه الترمذي ]

 وروى الإمام ابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قال عليه الصلاة والسلام :

(( النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي ، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ، وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ ))

[ أخرجه ابن ماجة ]

فضل النكاح

 أيها الإخوة ، مهما بلغ الإنسان من العلم فلا يستطيع أن يرقى إلى التشريع الإلهي ، هذا التشريع هو الكمال في حقِّ الإنسان ، إذًا على الإنسان أن يتطلع إلى هذه السنة التي سنها النبي عليه الصلاة والسلام .
 أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال :

(( الدُّنْيَا مَتَاعٌ ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))

[ أخرجه مسلم ]

 أي أن أثمن شيءٍ في الدنيا امرأةٌ صالحة ، كما قال النبي :

(( تسرك إن نظرت إليها ، وتحفظك إن غبت عنها ، وتطيعك إن أمرتها ))

[ أخرجه أبو داود عن ابن عباس ]

 وأخرج الإمام الطبراني عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي e قال :

(( أربعٌ من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة : قلباً شاكراً ، ولساناً ذاكراً ، وبدناً على البلاء صابراً ، وزوجةً لا تبغيه حوباً في نفسها وماله ))

 لا تظلمه ، لا تخونه لا في نفسها ، ولا في ماله ، أي أنها حافظةٌ للغيب ، حافظةٌ لمال زوجها .
 وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يهتمَّ الآباء اهتماماً شديداً بتربية بناتهم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلَّم ، في أحاديث كثيرة يقول :

(( من جاءته بنتان فأحسن تربيتهما ، حتى يزوجهما أو يموت عنهما ، فأنا كفيله في الجنة ))

[ ورد في الأثر ]

 البنت التي تأتيك لعلها سببٌ لك لدخول الجنة ، لكن الشرط أن تحسن تربيتهما ، وأن تختار لها الزوج الصالح .
 وروى الإمام الترمذي عن ثوبان رضي الله عنه قال : لَمَّا نَزَلَتْ :

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾

 قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : أُنْزِلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أُنْزِلَ لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ فَقَالَ :

(( أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ ))

[ أخرجه الترمذي ]

 أي أنّ هذا هو أفضلُ كنزٍ تتخذونه ، وهو أفضلُ من الذهب والفضة .
 الحقيقة أن هناك زوجة تعين زوجها على دينه ، توقظه في صلاة الفجر ، وقد كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها قبل أن يغادر البيت : << يا فلان ، نحن بك أي نحن نسعد بسعادتك ، ونشقى بشقائك ، إنما نحن بك نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام ، فاتق الله فينا >> ، أيْ إياك أن تكسب مالاً حراماً ، لو عدت إلى البيت بيدين خاليتين نقبل ذلك ، أما إذا عدت بمالٍ حرام فهذا يوردنا المهالك .
 ومما يدل على فضل النكاح أيضاً ، ما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال :

(( من رزقه الله امرأةً صالحةً فقد أعانه على شطر دينه ))

( الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف )

 أحياناً تكون الزوجة عبئاً على زوجها من حيث دينه ، فخروجها لا يرضي الله ، له منها أولاد ، إن فارقها ضيَّع الأولاد ، وإن بقيت معه أتعبته ، وأحرجته وأربكته ، وهو دائماً قلقٌ في علاقته مع الله عزَّ وجل ، ماذا يفعل ؟ أيطلقها أم أيبقيها ؟ ينصحها فلا تنتصح ، يأمرها فلا تأتمر ، يرشدها فلا ترشد ، ماذا يفعل ؟ هذه امرأةٌ لا تعين زوجها على دينه ، لكن المرأة التي تعين زوجها على دينه هذه امرأةٌ قديسة ، ولها عند الله عزَّ وجل مقامٌ كبير .
 وفي روايةٍ للبيهقي ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين ، فليتق الله في النصف الباقي ))

( الجامع الصغير عن أنس بسند صحيح)

معصية الزنا لها مقدمات

 الحقيقة أننا لو درسنا دراسة علمية حالات تفلُّت الإنسان من الدين ، ولا أظن أنني أبالغ إنْ قلت : إن معظم هذه الحالات بسبب النساء ، لذلك وردت أحاديثٍ كثيرة تحذِّر المؤمنين من فتنة النساء ، وقضية النساء قضية لها جانب دقيق جداً ، فهي قضية تتطوَّر ، فالإنسان إن لم يقف عند الحدود في البدايات ، لا يستطيع أن يقف في النهايات ، هذا يؤكِّده قول الله عزَّ وجل :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 32 ]

 الزنا له مقدّمات ، فالذي يتورَّط في المقدمات في الأعم الأغلب يصل إلى النتائج المخزية ، لكن المؤمن يطيع الله عزَّ وجل ، ويبقى بعيداً عن هذه المقدمات .
 لذلك هناك معاص لها قوة جذب ، لذلك أمرك الله جلَّ جلاله ألاّ تقترب منها .
 كنت ضربت على هذا مثلاً دقيقاً : أن خطاً للتوتر العالي شدّته ستة آلاف فولط ، هذا الخط إذا أراد وزير الكهرباء أن يحذِّر الناس منه يضع لوحة بعيدة عنه تقول : " لا تقترب " ، لا تقول : لا تمسَّ التيار ، لو اقترب من التيار أقلّ من ستة أمتار يصبح قطعةً من الفحم التيار ، لأن ستة آلاف فولط تجذب ، مثل هذا التيار الشديد يحذر منه بالعبارة التالية : " لا تقترب من التيار " ، أما إذا قلنا : لا تمس هذا التيار فإنه قبل أن يمسه يحرقه ، فكل معصيةٍ لها قوة جذبٍ ، لذلك جاء التحذير منها بهذه العبارة : ]

لاَ تَقْرَبُوا [

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 32 ]

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

[ سورة البقرة الآية : 187 ]

 أي لا بد لك من أن تدع بينك وبين حدود الله هامش أمان ، فالخلوة تَخرِقُ هذا الهامش ، وصحبة الأراذل تَخرِقُ هذا الهامش ، وقراءة الأدب الهابط تَخرِقُ هذا الهامش ، والنظر إلى شيءٍ هابط تَخرِقُ هذا الهامش ، فخرق الهامش أصبحت به معرضاً للوقوع في المعصية .
 إن هذا تماماً كنهرٍ عميقٍ مخيف له شاطئٌ مائل ، عليه حشائش زلقة ، ثم هناك أرض مستوية جافة ، فالمشي على الأرض المستوية الجافة فيه كل الأمان ، أما المشي على الأرض المائلة الزلقة التي تنتهي بالنهر ، هذا المكان خطر ، لذلك :

(( من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ))

  هذا معنى :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 32 ]

 وهذا معنى :

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

[ سورة البقرة الآية : 187 ]

 وهذا معنى أن كل معصيةٍ لها قوة جذب ، جاء النهي عنها بعبارة : أن لا نقترب منها .
 يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((... مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ : مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ))

[ موطأ مالك ]

 فاللسان بين اللحيين .
 عقد الإمام الغزالي في الإحياء فصولاً مطولةً حول آفات اللسان ، ففي الحديث الطويل عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ :

(( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))

[ سنن الترمذي ]

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))

[ صحيح البخاري ]

 الغيبة والنميمة والسخرية ، والبذاءة والسب واللعن ، وما إلى ذلك هذه كلها من آفات اللسان ، فاللسان مهلك ، وما بين الرجلين مهلك .
 فيقول عليه الصلاة والسلام :

((... مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ : مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ))

[ موطأ مالك ]

 والترغيب الأخير ، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه ، أنه قال :

(( وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ ؟ ـ كأنهم عجبوا من هذا ـ قَالَ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا ))

[ صحيح مسلم ]

 هذا حكم الشرع في موضوع الزواج ، فالزواج جزءٌ من الدين ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( تناكحوا تناسلوا ، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة ))

( ورد في الأثر )

 لكن أيها الإخوة ، إياكم أن تظنوا أن النبي عليه الصلاة والسلام يباهي بقية الأمم بالكمِّ مِن أمته ، إطلاقاً ، لا يتباهى إلا بالنوع ، فأمةٌ شاردةٌ ضائعةٌ ، أولادها في الأزقة ، ليسوا متعلمين ، وليسوا مهذبين ، بعيدون عن الدين ، هؤلاء الأولاد لا يُتباهى بهم يوم القيامة ، الأمة التي يتباهى بها النبي يوم القيامة هي أمة الاستجابة التي آمنت ، وأقبلت ، وارتقت .

نهي الإسلام عن الإعراض عن النكاح والأدلة على ذلك

 شيءٌ آخر ، من لوازم هذا البحث أن الإسلام نهى عن الإعراض عن النكاح ، حتى لو كان بغرض الاشتغال بنوافل العبادات ، فأنت كونك مؤمنًا ينبغي لك أن تعبد الله لا على مِزاجك ، ولا على رؤيتك القاصرة ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يُعبَد إلا وفق ما أمر ، فأي اجتهادٍ في عبادته مخالفٍ لنص القرآن الكريم وللسنة المطهرة هو اجتهادٌ مرفوض ، فينبغي لك أن تعبد الله وفق ما أمر ، وقد أمرك بالزواج ، أما أن تتوهم أن عبادة الله من دون زواج تكون أقرب ، أو أكثر قبولاً ، فلا ، والنبي عليه الصلاة والسلام قمة البشر في تقواه قال :

(( أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ـ ومع ذلك ـ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ متفق عليه]

 فالاقتران بامرأة لا يعني أنك أقل مرتبة عند الله مِن الذي لم يقترن ، بالعكس فالزواج يستكمل به الدين فليتق الله في النصف الآخر ، قال الله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

( سورة المائدة )

 يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية : << قال علي بن أبي طلحة : عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت هذه الآية ، في رهطٍ من أصحاب النبي e ، قالوا : نقطع مذاكرنا ، ونترك شهوات الدنيا ، ونسيح في الأرض ، كما يفعل الرهبان ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلَّم ، فأرسل إليهم ، فذكر لهم ذلك ، قالوا : نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأنام ، وأنكح النساء ، فمن أخذ بسنتي فهو مني ، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني ))

هذه الآية نزلت بهذه المناسبة :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

 ينبغي أن تعبد الله وفق المنهج الذي أراده لك ، وفي حديثٍ آخر رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال :

(( جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ـ أي رأوا أن عبادتهم قليلة أمام عبادة النبي e ـ فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ أَحَدُهُم : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ، وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ ، وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ صحيح البخاري ]

 وأرقد : رقد ، وركض ، وركد .. ركد أي سكن ، ماءٌ راكد ، رقد نام ، ركض عدا .
 وروى الإمام البخاري عن سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم رد على عثمان بن مظعون التبتل ، أي رفض منه التبتل ، كلكم يعلم أن أمر النبي سنة ، وأن نهيه سنة ، وأن سكوته إقرار وهو سنة ، وأن صفته سنة أقواله وأفعاله وإقراره وصفاته ، كلها من السنن .
 فما دام هذا الصحابي الجليل أراد التبتل ، وابتعد عن امرأته ، وقالت عنه بذكاءٍ بالغ : إنه صوّامٌ قَوّام ، أي شكت زوجها للنبي e ، بهذه العبارة ، إنه صوّامٌ قوَّام ، فالنبي عليه الصلاة والسلام استدعى عثمان بن مظعون وقال : يا عثمان ، أليست لك بي أسوة ؟ أي أن هذا الذي تفعله لا يرضي الله عزَّ وجل ، تروي كتب السيرة أنه بعد حينٍ دخلت امرأة عثمان بن مظعون على السيدة عائشة ، وقد رأتها نضرةً عطرة ، فقالت : << كيف حالك ؟ قالت : أصابنا ما أصاب الناس >> .
 أي أن عثمان بن مظعون التفت إليها بعد أن تركها ، إذن حينما ردَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم على عثمان ابن مظعون التبتُّل ، هذا الرد كأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى به عن التبتل .
 وروى الإمام أحمد عن أنسٍ رضي الله عنه قال :

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا ، وَيَقُولُ : تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ مسند أحمد ]

 نهى e نهياً شديداً ، وقال :

(( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

 يقول أحد العلماء تعقيباً على هذا الحديث : " هذا حثٌ على النكاح شديد ، ووعيدٌ على تركه يقرِّبه إلى الوجوب ( النكاح ) والتخلِّي عنه ، يقربه إلى التحريم " .
وذكر سعيد بن هشام بن عامر أنه سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن التبتل فقالت : << لا تفعل ، أما سمعت قول الله تعالى :

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً ﴾

[ سورة الرعد الآية : 38 ]

 فلا تتبتل >> .
 وروى الحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة عن شداد بن أوس رضي الله عنه ، وكان قد ذهب بصره ، قال :

(( زوِّجوني ، فإن رسول الله e أوصاني ألا ألقى الله أعزبَ ))

 صار الزواج نوعًا من الطاعة لله عزَّ وجل .
 وعن سيدنا معاذ رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه قال :

(( زوجوني ، إني أكره أن ألقى الله أعزبَ ))

 وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنه قال :

(( لو لم أعش ، أو لم أكن في الدنيا إلا عشراً لأحببت أن يكون عندي فيهن امرأة ))

 ولو لعشرة أيام .
 وسيدنا عمر له قول مؤثر جداً ، يبدو أنه قد رأى رجل عزف عن الزواج ، ويبدو أنه في مكنته أن يتزوج ، فقال رضي الله عنه :

(( ما يمنعك من النكاح إلا عجزٌ أو فجور ))

 أي أن الذي ينصرف عن النكاح إما يفسَّر هذا بعجزه أو مرضه ، أو يفسر بفجوره .
 آخر قول للإمام أحمد بن حنبل ، يقول : " من دعاك إلى غير التزويج ، فقد دعاك إلى غير الإسلام " .
 وبالطبع أنا لم أضف إلى معلوماتكم شيئاً جديداً ، كلكم يعلم علم اليقين أن الإسلام دعا إلى الزواج ، وأن الزواج من سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن الإنسان بالزواج يستكمل دينه ، إلا أن الموضوع الذي أردت أن أخوضه في هذه الدروس ليس تقرير هذه الآيات والأحاديث ، فهذه تعرفونها جميعاً ، وما زدت على ثقافتكم شيئاً بتلاوتها على أسماعكم ، إلا أنني أريد ، أو نريد في هذه الدروس أن نضع اليد على الجروح والعقبات ، ما الذي يحول بين الشباب وبين الزواج ؟ هناك أسباب مادية ، وهناك أسباب اجتماعية ، وهناك فقر حقيقي ، وهناك فقر مصطنع.

أسباب العزوف عن الزواج

غلاء المهور والطلبات التعجيزية

 الفقر المصطنع ، هذا الذي سوف نحاربه ، فمثلاً غلاء المهور ، أو بيت له صفات معينة ليس في قدرة معظم الناس ، أو عمل له صفات معينة ، فالناس حينما اتجهوا إلى المباهات في الزواج صارت الطلبات خيالية ، أو طلبات كما تسمى تعجيزية ، فالآن والحقيقة قبل سنوات كثيرة الزواج طريق إجباري إلى قضاء هذه الحاجة ، أما الآن مع ضعف الإيمان هناك آلاف السبل لقضاء هذه الحاجة من دون زواج ، وهذا ما تدعوا له المؤسسات غير الإسلامية في العالم ، وقد عُقِد مؤتمر السكان في أكبر بلد إسلامي ليحضَّ دول العالم الثالث على تشريعات تبيح العلاقات الجنسية خارج الزواج ، فهذا ما أراده مؤتمر السكان في القاهرة .
 فحينما نعقِّد الأمور على المتزوجين ، حينما نضع العقبات أمام الشباب المسلم ، هذا الكلام موجَّه للشباب ، ولآباء الشباب ، ولآباء الفتيات ، وللفتيات ، حينئذ يلجأ الناس إلى الحرام .
 عندنا حلاَّن ، إما أن يغلق باب الزواج إغلاقًا حُكميًّا ، طبعاً المغالاة في المهور والطلبات التعجيزية ، هذه تحول بين الشباب والزواج ، والشباب مع ضعف إيمانهم ، ومع يقظة الفتن في أي مكان ، في الطريق ، وفي البيت ، وفي أجهزة اللَّهو ، مع يقظة هذه الفتن ، وضعف الوازع الديني ، فالانزلاق إلى الزنا محتمل ، بل إن احتماله كبير جداً ، فإما أن نسهِّل سبل الزواج ، أو أن يكون السفاح محل النكاح .
 وإذا فسد الإنسان في أخلاقه ، وإذا زلَّت قدمه في شأن الزواج ، فآثر السفاح على النكاح ، ينتهي ، فالزنا معصية كبيرة ، قال تعالى :

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾

[ سورة الفرقان الآيات : 63 – 65 ]

 هذه صفات عباد الرحمن ، ومن هذه الصفات :

﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾

 أدق ما في هذه الآية أن الله عزَّ وجل لم ينهَ عن الزنا ، بل في هذه الآية نفى الزنا أصلاً ، أي ليس من شأن المؤمن أن يزني ، والعين تزني وزناها النظر ، والأذن تزني وزناها السمع ، واليد تزني ، والفم يزني ، والرجل تزني ، ولا يزنون مطلقاً ، فليس من شأن المؤمن أن يزني ، فالبديل هو الزواج ، لذلك لا أبالغ إذا قلت : إن من أعظم الأعمال على الإطلاق التزويج ، ولا سيما في زمن الفتنة ، في زمن النساء الكاسيات العاريات ، هذا من دلائل نبوة النبي e ، امرأةٌ كاسيةٌ عارية ، إما بالثياب الرقيقة أو بالضيقة ، كاسيةٌ عارية ، مائلةٌ مميلة ، في زمن النساء الكاسيات العاريات ، في زمن أن الجنس يحتل أكبر مساحة في حياة هذا العصر ، فلو أردت أن تشتري سلعة رخيصة مبتذلة لتلميع الحذاء وجدتَ عليها صورة امرأةٌ شبه عارية ، أليس كذلك ؟ تستخدم المرأة في كل شيء ، وهذا من هوانها على أهل الكفر ، تستخدم كسلعة ، المرأة مقدسة في الإسلام ، المرأة أم ، المرأة زوجة ، المرأة بنت ، المرأة أخت ، لكنها في مجتمعات الكفر سلعةٌ تجارية تباع وتشترى .
 ولا أريد أن أذكر في هذا المجلس المقدس ما يجري في شرق آسيا ، فقد أسموها تجارة الرقيق الأبيض ، فقد بلغ عدد المومسات بمئات الألوف ، ويجري هذا في وضح النهار ، وفي الفنادق ، وفي الطرقات ، وفي البيوت ، وحتى في المدن الإسلامية بدأت تتسع دائرة الدعارة ، فهذا كله حينما نعقِّد الزواج ، ونضع العراقيل ، ونضع العقبات ، ما الذي سوف يكون ؟ يحل السفاح محل النكاح ، فالأمر خطير جداً ، فلا يقل الإنسان : أنا لا شأن لي بذلك ، فابنتك ، وابنة أخيك ، وابنة أختك ، وابنة قريبك في مجتمع مترابط ، فإذا ما نهضنا إلى حل هذه المشكلة على قدر المستطاع نقع في الهاوية .
 سأضرب لكم بعض الأمثلة :
 أنا أتمنى على كل أب أن يجهد ، وأن يفكر ليلاً ونهاراً ، صبحاً ومساءً ، في شأن تزويج أولاده ، الذكور والإناث ، فإذا كان همّ الأب الأول تزويج أبنائه الذكور عن طريق تيسير البيوت ، إذا كان الأب ميسوراً ، ما الذي يمنعه أن يوفر لابنته بيتاً ؟ عندئذٍ يأتيه أفضل الشباب خلقاً وديناً ، عقبة البيت أكبر عقبة ، فكل إنسان ييسر زواج شاب مسلم بشابة مسلمة ، فيوفر بيت ، أو يقدم بيتًا ، يتعاون الناسٌ على شراء بيت ، ولا أقول : ما نوع البيت ؟ فنوع البيت انتهى ، غرفة ومرافقها فقط في دمشق ، في طرف دمشق ، خارج دمشق ، الموضوع أخطر من أن نطلب صفات البيت ، فالقضية أصبحت قضية سفاح أو نكاح لا غير ، إما أن يكون السفاح ، وإما أن يكون النكاح ، بالسفاح ينتهي المجتمع ، وبالسفاح انتهت المجتمعات الغربية ، فإذا رأيتم أن هذه المجتمعات قائمة فهي قائمة على أدمغة الأجانب ، فالجنس والمخدرات ، وتبادل الزوجات ، وزنا المحارم ، والشذوذ ، وقد بلغ الشاذّون عشرين مليون شاذ في أمريكا ، حتى في بعض البلدان أصبح الشذوذ مشروعًا ، لهم حقوق ، كالتعويضات العائلية ، وغيرها من الحقوق الكثيرة ، فإذا ذهب أحدكم إلى أوروبا يعرف كل هذا ، فنحن الآن أمام مشكلة سفاح أو نكاح ، النكاح يحتاج إلى تسهيلات ، ماذا يقول القرآن الكريم ؟

﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾

[ سورة القصص الآية : 27 ]

 أنا أوجه كلامي لكل أب أن لا يضع شروطًا صعبة ، فالحلي والماس أَلْغِها ، وليكن الذهب ، ففي قرية من قرى غوطة دمشق أنا أكبرها إكباراً شديداً ، بلغني أن وجهاءها اجتمعوا واتفقوا على أن خاتماً بسيطاً وساعةً تكفي كمهر لأي فتاة في هذه القرية .
 إخواننا الكرام ، إذا رأى الإنسان المجتمع في فساد كبير :

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 25 ]

 فتصور أن أحد البيوت يحترق في آخر الحارة ، فإذا كان بينك وبين البيت المحترق عشرة بيوت ، إذا لم تخرج وتساهم في إطفاء النار ، لا بدَّ من أن تصل إلى بيتك ، وإذا ساهم المسلمون المؤمنون في حل هذه المشكلة فلا يصل التأثير إلى بيوتات المسلمين .
 والعبد الفقير بحكم عملي في الدعوة إلى الله عزَّ وجل تأتيني معلومات دقيقة جداً ، فقد بدأ الفساد ينتشر في بيوت المسلمين ، وبدأنا نسمع عن حالات خيانات زوجية كثيرة ، وعن حالات زنا كثيرة في بيوتات المسلمين ، فالفساد بدأ لوجود المثيرات ، والزواج شيءٌ بعيد ، أو مستحيل ، ولا يوجد بيت ، والطلبات عالية جداً ، فوجد التفلُّت ، فلضعف الإيمان ، ولوجود المثيرات ، والطرق مسدودة ، وعقبات كؤود تجد السفاح يحل محل النكاح .
 ما أردت من هذه المقدمة أن أثبت لكم أن الإسلام يحض على الزواج ، هذا شيء معروف عندكم ، فأنتم طلاب علم شرعي ، ولكم باعٌ طويل في العلم ، وتعرفون هذا كله ، وما أظن أني أضفت على ثقافتكم الدينية شيئاً ، إلا أنه لا بد من هذه المقدمة كي نصل إلى معالجة العوائق التي تقف أمام هذا الموضوع .

أهمية السعي والتوسط للتزويج

 فأول شيء ممكن أن نذكره ، أن إذا كان الله عزَّ وجل على يدك أجرى زواج هذا عمل عظيم ، فأذكر أتي قرأت في الأثر : " أن من مشى بتزويج رجلٍ بامرأةٍ ، كان له بكل خطوةٍ خطاها ، وبكل كلمةٍ قالها ، عبادة سنةٍ قام ليلها وصام نهارها " .
 أما الكلام الذي يقال : " أمشي بجنازة ولا تمشي في زواج " ، فهذا كلام الشيطان ، فأحد أبواب التسهيل ، أنك إن كنت تعرف أسرة محافظة ومسلمة ، وعندها فتيات طاهرات عفيفات ، وتعرف كذلك شاباً يبحث عن زوجة ، فلا مانع أبداً أن تكون وسيطاً بينهما ، فتدلَّه على هؤلاء ، سيدنا شعيب ماذا قال لسيدنا موسى ؟

﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾

[ سورة القصص الآية : 27 ]

 هذا هو القرآن ، فلا يوجد مانع أبداً إذا كان للإنسان فتاة مناسبة ، يثق بدينها وورعها ، وبصلاتها ، وفِقهها ، ورأى شابًا فقال له : يا بني ، عندي فتاة تناسبك فأخبر أهلك ، وأنا لا ألزمك ، لكن لعل هذا الشاب يكون مناسبًا لهذه الفتاة .
 إنّ أول شيء أطلبه منكم أن يكون الإنسان واسطة خير ، بيوتات المسلمين ملآنة بالفتيات في سن الزواج ، وطلاب الزواج قلّة ، فقد يمضى شهر أو شهران وثلاثة أو أربعة أشهر ، ولا يقول لي واحد : أريد أن أتزوج ، وذلك بسبب وجود عقبات كثيرة ، والبيوت ملآنة بالفتيات ، وبالطبع من عنده بنت قد ربَّاها تربية عالية فمن غير المعقول أن يفرط فيها فيزوجها شابًا جاهلا ، أو شابًا ليس عنده دين ، أو شابًا بالتعبير الحديث ( اسبور ) مثلاً ، هذا غير معقول ، هو تعب في تربيتها التربية الدينية ، وعلمها الصلاة والاستقامة ، وعلّمها تلاوة القرآن ، وبعد ذلك لا يليق بفتاة مؤمنة أن يتزوّجها شاب متفلِّت ، فتاة تحفظ القرآن ، تصلي قيام الليل ، محجبة حجابًا كاملا ، يأخذها شاب فيضيِّعها ، فالأب معه حق ، يقول لك : لا أستطيع تزويجها ، وقد حضر أول خاطب ، والثاني ، والثالث ، والرابع ، فهذه الفتاة رُبِّيَت على الدين من أجل أن يأتيها خاطب مؤمن ، فهذا المؤمن لماذا يعزف عن الفتاة المؤمنة ، ويبحث عن شيءٍ زائفٍ ؟!! من تزوج المرأة لجمالها ، المقصود فقط ، لا ، الجمال مطلوب ، لكن ، من تزوجها لجمالها فقط أذله الله ، ومن تزوجها لمالها أفقره الله ، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً ، فعليك بذات الدين تربت يداك .
 أيها الإخوة الكرام ، والله الذي لا إله إلا هو إخواننا الكرام أقرب الناس ، ونحن أسرة واحدة ، فحينما أعلم أن هذه الفتاة خطبت من شاب مؤمن ، والله أشعر بشعور لا يقدَّر ، فأشعر أن فتاة التقت بفتى ، وهذه الفتى مؤمن وهي مؤمنة ، وأسّسا مشروع بيت إسلامي ، وأقول لكم كلمة : هناك آية قرآنية هي للجهاد ، ليس لها علاقة بالزواج أبداً ، لكن لا أشعر ولا أدري أنني كلما ذكرت موضوع الزواج أذكر هذه الآية :

﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾

[ سورة النساء الآية : 104 ]

 فعندما يبحث الزوج المؤمن عن زوجة ، والبحث عن بيت هو صعب جدًّا ، بل شبه مستحيل ، حتى لو كان بيت أجرة ، أو ملك ، أو بعيد ، أو قريب ، وتأسيس البيت أصعب ، وتأمين ثمن الحلي أصعب وأصعب ، فالشيء صعب ، والمؤمن يجد هذه الصعوبات ، وغير المؤمن يجد هذه الصعوبات ، لكن شتَّان بين زواج المؤمن وزواج غير المؤمن ، فالمؤمن يرجو من زواجه أن يؤسس أسرة إسلامية ، هذه الأسرة تكون نموذجًا للبيت المسلم .
 فأيها الإخوة ، إن شاء الله في دروس قادمة سوف أصل إلى تفاصيل كثيرة عن العقبات ، وهذا درس واقعي يعاني المسلمون منه ، لأن طرق الزواج أكثرها مغلق .
 إنّ الطبقة الغنية جداً لا مشكلة عندها ، لكن نحن نعاني ، شاب ناشئ في طاعة الله ، مثقف ، عنده قوت يومه ، ولكن ليس عنده بيت ، البيت عقبة كبيرة ، والله مَرة دُعيتُ ، شهد الله ، فما شعرت بسعادة تفوق هذه الدعوة ، أحد الأطباء الكرام ، ممَّن يعمل في الأمراض التناسلية والبولية ، فقد رأى تفاقم الأمراض التناسلية بشكل مريع ، له في مهنة الطب مثلاً أربعين أو خمسين سنة ، يأتيه في الشهر مريض معه مرض تناسلي ، يقول : الآن في اليوم الواحد يأتيه عشرة مرضى ، كل يوم أمراض تناسلية مخيفة ، كلها من الفاحشة والزنا ، فدعانا إلى بيته ، ودعا بعض الإخوة الدعاة إلى الله عزَّ وجل ، ودعا بعض كبار التجار ، وقد سمعت أنهم أسسوا بناء ، ولتوفير الأبنية لهؤلاء المتزوجين ، فهذا عمل طيب جداً ، الآن نحن بحاجة إلى مشاريع خيرية .
 سمعت عن أحدهم ببعض قرى دمشق أنه قد أسس أربعة أبنية سكنية ، كل بناء مؤلَّف من ستة طوابق ، وكل طابق به ثماني شقق ، ولم يبع هذه البيوت إطلاقاً ، ولكنه أجّرها للشباب بأجرة معقولة ، فقد حل مشكلة مثلاً مئة أسرة بهذه الطريقة ، الآن القضية قضية وكمثل باللَّغة الإنجليزية ، " نكون أو لا نكون "، فالآن زواج أو سفاح .
 طبعاً المؤمن موضوع آخر ، أما هؤلاء الشباب الضائعون الشاردون ضعاف الإيمان ، تكون أمامهم عقبات كثيرة في طريق الزواج ، ومغريات كثيرة ، وفتن يقظة ، الحل هو الزواج ، وبالزواج يحصَّن الإنسان ، كما قال النبي الكريم :

(( فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ))

[متفق عليه عن ابن مسعود]

 أرجو الله سبحانه وتعالى بدءاً من أن تكون وسيطاً بين زواج إسلامي ، أو تيسير بيت مثلاً ، وإذا كنت أبًا فيسِّر الأمر ، فكلما طلب الأب طلباً معقداً يكون بذلك قد سدّ باب الزواج ، وهناك آية قرآنية دقيقة جداً :

﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾

[ سورة النور الآية : 33 ]

 هل تتصور أن على وجه الأرض إنساناً عنده ذرة من الإيمان يكره فتاته على البغاء ؟ مستحيل ، لكن ما معنى الآية ، وهي تخاطب المؤمنين ؟ معناها أن الذي يضع العراقيل أمام خطَّاب ابنته ، ويطلب شروط معينة ، وأشياء معينة ، كأنه يقوِّي في ابنته الشهوة ، كأنه يقوي في ابنته التفكير بالانحراف ، هذا العضل من الكبائر.
 فالموضوع إن شاء الله لم نبدأ فيه ، فهذا الدرس مقدمة ، ففي الدرس القادم إن شاء الله نبحث في العقبات التي يمكن أن تكون عقباتٍ كؤود أمام الزواج ، فعندنا عقبة الفقر ، وعندنا عقبة الفقر المصطنع ، الفقر المصطنع أي المغالاة بالمهور ، والشروط الصعبة ، وكل إنسان يمكنه أن يتزوج زواج بسيط ، أما الزواج الذي يفتخر به فيحتاج إلى ملايين ، فحينما نضع هذه الشروط نكون أفقرنا طلاَّب الزواج إفقاراً مصطنعاً .
 وإن شاء الله تعالى في درسٍ قادم نزيد هذا الموضوع دراسةً وبحثاً ، لكن أرجو أن يفكر كل شاب في الزواج ، وأختم هذا الدرس بهذا الحديث الذي في الجامع الصغير ، أين يوجد طائفة أحاديث تبدأ بكلمة حق ، حق الأبِ ، حق الابن على أبيه ، حق الزوجة على زوجها ، حق المسلم على المسلم ، لكن هناك حديث واحد أنا لا أشك أن واحداً منكم لو قرأه يقشعر جلده :

(( حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف ))

[الجامع الصغير]

 ما شكا أحدٌ إلى النبي e ضيق ذات يده إلاّ قال له : اذهب وتزوَّج .
 هذا الكلام عميق جداً ، فكل شاب يبتغي الإحصان ، يبتغي العفاف ، يبتغي أن يبقى في طاعة الله ، يبتغي رضوان الله ، الله عزَّ وجل يعينه بآيةٍ دالةٍ على عظمته ، ووالله عندي عشرات ولا أبالغ ، بل بضع عشرات القصص التي لا تكاد تصدق لغرابتها ، فعندما يعلم ربنا عزَّ وجل من شاب صدقه في الطاعة ، وخوفه من المعصية ، ورغبته في الإحصان والعفاف ييسّر له الأمور بشكل عجيب ، وقد تقولون : لمَ اخترت هذا الموضوع ؟ طبعاً مع شيوع الفساد ، ومع إثارة الفتن ، ومع النساء الكاسيات العاريات ، ومع المجلات الخليعة ، ومع الأجهزة الإعلامية التي لا ترضي الله عزَّ وجل ، مع هذه الصحون التي زرعت على أسطح دمشق ، وكل صحن ينبئ بما في هذا البيت من معاصٍ ومخالفات ، مع انتشار هذا الفساد ، الحل الوحيد هو الزواج والإحصان ، هذا هو البديل ، البديل ينبغي أن يكون ميسراً ، كل واحد يساهم ، إذا كان في مقدور الأب أن ييسر لابنه بيتًا في أطراف المدينة فقد ساهم وزوج ابنًا ، وعندما زوج ابنه ستر فتاة مع ابنه ، وأمَّن هذه الفتاة المسلمة وأدخل على قلب أبيها السرور ، وأدخل على قلب ابنه السرور ، فهذا عمل عظيم .
 وأنا أقول لكم : الذي حج مرة ومرتين ، الذي أدى حجة الفرض ، والله الذي لا إله إلا هو أولى له ألف مرة أن يزوج ابنه من أن يحج حجة النفل ، ألف مرة ، ولا سيما في هذا الزمن ، زمن الفجور .
 إذاً ، حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف ، هذا الكلام لكل الآباء ، آباء الفتيان ، وآباء الفتيات ، والفتيان ، والفتيات ، والحديث يقول :

(( من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا ))

 من كثرة التفكير بالمصاريف والنفقات لا يتزوَّج ، لا بد من الاتكال على الله عزَّ وجل ، والله ييسّر ، لا بد من خطوة جريئة ، أما أن تقول : أنا لا شغل لي بهذا ، فهذا كلام مرفوض ، فطعام الواحد يكفي الاثنين ، وأنت حينما تنوي الزواج الله عزَّ وجل يعينك .
 وشيء آخر ، لا يليق بمؤمن له منهج ديني ، ويثقِّف نفسه ثقافة إسلامية ، ويلتزم شرع الله ، أن يبحث في بيوتات غير بيوتات المؤمنين عن زوجة ، هذا البيت بيتٌ يُتلى فيه القرآن ، والفتيات محجبات ، والأب مسلم ، والأم طاهرة ، مثل هذه البيوت التي تقام فيه شعائر الدين هي أولى بيت أن تطرق بابه .

والحمد لله رب العالمين