26700
العقيدة - العقيدة والإعجاز - الدرس (29-36) مقومات التكليف : الاختيار -2- الإنسان مسير ومخير -2- لو أن الإنسان مسير لبطل الثواب والعقاب
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-04-27
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة:

أيها الإخوة الكرام، مع الدرس التاسع والعشرين من دروس العقيدة والإعجاز، لازلنا في مقومات التكليف: الكون، العقل، الفطرة، الشهوة، الاختيار.

1 – الاختيار يثمِّن العمل:

وفي اللقاء السابق كان الحديث عن الاختيار، وبينت لكم بفضل الله عز وجل كيف أن الاختيار يثمِّن العمل، فقيمة العمل أنك تفعله مختاراً، لأن الله عز وجل أراد أن تكون العلاقة بين عباده وبينه علاقة حب، وعلاقة ود:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) ﴾

(سورة مريم)

وداً بينه وبينهم، ووداً فيما بينهم، ولو أن الله أجبرنا على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرنا على المعصية لبطل العقاب، فقيمة عملك أنك تفعله مختاراً.

2 – الإنسان مسيَّر في جوانب محدَّدة :

بينت أيضاً أن هناك قضايا لست مخيَّراً فيها، بل أنت فيها مسيَّر، كما لو عددت هذه النقاط: لسن مختاراً في كونك ذكراً أو أنثى، ولست مختاراً في أمك وأبيك، ولست مختاراً في مكان ولادتك، ولا في زمن ولادتك، ولست مختاراً في خصائصك وخبراتك، وقدراتك وطاقاتك وشكلك، لكن العلماء الأجلاء أجمعوا على أن الذي لست مختاراً به هو محض حكمة بالنسبة لك، عبر عن هذه الفكرة عالم جليل فقال: " ليس في الإمكان أبدع مما كان "، فلما أراد شرحها قال: " ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني ".
الأمل واليقين بحكمة الله
يوم القيامة إذا كشف لك الغطاء، وتبينت لك الحكمة لا تملك إلا أن تقول: الحمد لله رب العالمين:

﴿ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّه رَبّ العالَمِينَ ﴾

( سورة يونس الآية: 10 )

لكن الذي يلفت النظر أن النبي عليه الصلاة والسلام ربى أصحابه تربية حملت أحدهم على أن يقول: << والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً >>، فيقيني بحكمة الله، ورحمة الله، وعدل الله قبل كشف الغطاء كيقيني بعد كشف الغطاء، هذه درجة عالية في الإيمان، والرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، وحملت أحدَهم على أن يقول: << والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي >>.
هذه بطولة في الإيمان، بطولة في الاعتقاد الصحيح.
أيها الإخوة، نحن في أمسِّ الحاجة إلى أن يكون اعتقادنا صحيحاً سليماً.
إذاً أنت مخير، واختيارك يثمن عملك، وأنت مخير فيما كلفت، كلفت أن تكون صادقاً، أنت مخير في أن تصدق أو لا تصدق، أمرت أن تكون أميناً، فأنت مخير أن تكون أميناً أو لا تكون، كلفت بالصلاة، أنت مخير أن تصلي أو لا تصلي، كلفت بالصوم، أنت مخير أن تصوم أو لا تصوم، أنت مخير فيما كلفت به، فقيمة التكليف أنك مخير فيه، وكل عمل أنت مخير به له قيمة كبيرة، لأنه بإمكانك ألا تفعله.

3 – لا معنى للثواب والعقاب بالتسيير:

وأكدت لكم في لقاء سابق أيضاً أنه لمجرد أن تكون مسيراً فلا معنى للثواب ولا للعقاب، ولا للجنة ولا للنار، بطل التكليف، ألغيت الأمانة، ألغي كل شيء في الدين حينما تتوهم أن الله أجبرك على أعمالك، وهذه عقيدة الجبر، وهي عقيدة فاسدة تشلّ الإنسان، وذكرت لكم من أقوال السلف الصالح كيف أن عملاق الإسلام الخليفة الراشد جيء له بشارب خمر، فقال: << أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين اللهُ قدَّر علي ذلك، قال: أقيموا عليه الحد مرتين ؛ مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >>.

4 – عزوُ الأخطاء إلى القدَر، والتهرُّب من المسؤولية:

ثم بينت لكم أيضاً أن الإنسان يميل إلى التهرب من المسؤولية، فكل أخطائه وتقصيره يعزوها خطأً متعمداً أو غير متعمد إلى القضاء والقدر، يقول لك: إن الله كتب علي الشقاء، أنت أشقيت نفسك باختيارك، يقول: الله عز وجل ما أعطاني ما أريد، و لم يشأ هدايتي، أعوذ بالله، الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

( سورة الليل )

الله عز وجل ما ألهمني أن أصلي، كل هذا الكلام كلام باطل، ما كتب لي الهداية، ما شاء لي أن أصلي، لم يهدني بعد، هذا هروب من الحقيقة، إياك ثم إياك ثم إياك أن تعزو خطأك إلى القضاء والقدر.

كلُّ شيء يقع بإرادة الله ولحكمة وخيرٍ:

لا وجود في الكون للشر المطلق
وقد بينت أيضاً بشكل واضح أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يعفي من المسؤولية، بدليل أن الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

( سورة النور الآية: 11 )

لماذا هو خير ؟ لأن كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، ولا يقبل ولا يعقل أن يقع في ملك الله ما لا يريد، فالذي وقع أراده الله، بمعنى أنه سمح به، والذي أراده الله وقع، إلا أن هذه الإرادة متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، مِن هنا ينبغي أن نعتقد جميعاً أن الشر المطلق لا وجود له في الكون، الشر المطلق يعني الشر للشر، هذا يتناقض مع وجود الله، لكن الذي يليق بكمال الله أن الله يوظف الشر النسبي للخير المطلق، الدليل:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )

لم يقل: والشر، إيتاء الملك خير، ونزع الملك خير، والإعزاز خير، والإذلال خير:

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

الخطأ في العقيدة يساوي فساد العمل والشقاء:

إذا صحت العقيدة صح العمل
مرة ثانية: أخطر شيء في الإسلام العقيدة، فإذا صحت صح العمل، وإذا صح العمل سلم الإنسان وسعد، ولأن أخطر شيء في الإسلام العقيدة لأنها إذا فسدت فسد العمل، وإذا فسد العمل شقي الإنسان وهلك، لذلك يمكن أن نصف الخطأ في العقيدة كالخطأ في الميزان، والخطأ في الميزان لا يصحح، فإحدى الكفتين تزيد مئة غرام على الكفة الأخرى، فلو استخدمت هذا الميزان مئة ألف مرة فالمئة ألف مرة الوزن خطأ، خطأ في أصل الميزان، والخطأ في أصل الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، وأفضلُ ألف مرة أن تخطئ في مفردات التكاليف من أن تخطأ في عقيدتك، فلا بد من مراجعة الحسابات، ولا بد من جرد عقيدتك جرداً دقيقاً، فما كان منها صحيحاً اقبله وتبناه، وما كان منها مغلوطاً فينبغي أن تبتعد عنه.
أيها الأخوة، ولكن لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، وإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.

(( ابن عمر، دينك دِينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

[ كنز العمال عن ابن عمر ]

الأدلة على أن الإنسان مخيَّر:

بادئ ذي بدء، ما الدليل على أن الإنسان مخير ؟
للتوضيح والتبيين:هناك أدلة قرآنية، وهناك أدلة نبوية، وهناك أدلة من أقول السلف الصالح، وهناك أدلة واقعية.

1 ـ الدليل المنطقي الواقعي:

وجودُ الأمرِ والنهيِ في القرآن الكريم:

الإنسان مخير وليس مجبر
أذكِّركم بهذا المثل: لو قسنا عرض كتف إنسان، قد يكون ثلاثة وستين ونصف سنتيمتر، ثم بَنَيْنا جدارين، الفراغ بينهما ثلاثة وستون ونصف سنتيمتر، فإذا سار هذا الإنسان بين الجدارين، الآن دقق: لو قلنا له: خذ اليمين، هل لهذا الكلام من معنى ؟ هل هذا الكلام يطبَّق ؟ لو قلنا له: خذ اليسار هل لهذا الكلام من معنى ؟ هل هذا الكلام يطبَّق ؟ أتعتقد أن في القرآن الكريم كلام لا معنى له ؟ فإذا كان الإنسان مسيَّراً بحسب زعم الجهلة تسييراً كاملاً، وأنه مجبور على أعماله، فوجود الأمر والنهي في القرآن الكريم عبث، لا معنى للأمر ولا معنى للنهي إذا كان الإنسان مسيراً، هذا دليل واقعي، دليل عقلي، دليل منطقي، ما دام هناك أمر فهناك اختيار، وما دام هناك نهي فهناك اختيار.
إنسان مسجون، وباب الزنزانة مقفل، نقول له: إياك أن تتأخر مساءً، ما هذا الكلام ؟ هذا كلام لا معنى له إطلاقاً، ما دام هناك أوامر إلهية في القرآن:

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ (114) ﴾

( سورة هود)

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾

( سورة الإسراء: الآية 78 )

أمرٌ آخر:

﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 152 )

القرآن طافح بالأوامر والنواهي، فإن لم تكن مخيراً، وكنت مسيراً فكل هذه الأوامر لا معنى لها، وكأنك تتهم القرآن الكريم أن فيه كلاماً لا معنى له إطلاقاً.
أول فقرة في هذا اللقاء الطيب إن شاء الله أنه لمجرد وجود الأمر والنهي في القرآن وفي السنة فأنت مخير، هذه حقيقة.

2 ـ الأدلة القرنية:

الحقيقة الثانية الآيات القرآنية الواضحة الجلية الآيات قطعية الدلالة:

الآية الأولى:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾

( سورة الكهف)

الآية الثانية:

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) ﴾

( سورة الإنسان)

الآية الثالثة:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148) ﴾

( سورة البقرة )

ضمير ( هو ) يعود على من ؟ إذا توهمت أنه يعود على لفظ الجلالة نقول لك: فلمَ قال الله عز وجل بعدها:

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

هل من المعقول أن تجلس في المقعد الخلفي للسيارة، وأن نقول لك: خذ اليمين، المقود ليس بيدك، ما دام الأمر موجها إليك:

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

معنى ذلك أن المقود بيدك، أما الآية فهي أصلٌ في أنك مخير.

الآية الثالثة:

الآية الفصل في أنك مخير قوله تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا (148) ﴾

( سورة الأنعام )

أرأيت إلى هذه الكلمات ؟ ينسحب عليها معظم كلام العوام، الله ما كتب له الهداية، ما شاء له أن يصلي، الله لم يهده بعد، أو ما هداه:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148) ﴾

( سورة الأنعام )

هذا وهم وظن، أن تتوهموا، أو أن تظنوا أن الله سبحانه وتعالى ما شاء لكم أن تهتدوا.

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148) ﴾

( سورة الأنعام )


كيف نفهم الآياتِ التي ظاهرها التسيير والإجبار ؟

الآن قد يسأل أحدكم: هذه الآيات واضحة محكمة، صارخة، قطعية الدلالة، لكن هناك آيات تحتاج إلى شرح، من هذه الآيات:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ (13) ﴾

( سورة السجدة)

كأنك تظن أن الله ما شاء لك أن تهتدي:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13) ﴾

( سورة السجدة)

الآية تحتاج إلى شرح، يعني: يا عبادي، إنكم تزعمون أنني أجبرتكم على المعصية، أو على أعمالكم السيئة فأنتم واهمون، فلو أردت أن أجبركم على شيء ما أجبرتكم إلى على الهدى، لو أردت أن ألغي اختياركم، أن ألغي تكليفكم، أن ألغي حمل الأمانة، لو أردت أن ألغي الخصيصة التي أنتم بها مخيرون، ولو شئنا أن نجبركم على شيء ما لَمَا أجبرناكم إلا على الهدى، ولكن هذه الأعمال السيئة من اختياركم، ومن كسبكم، وسوف تحاسبون عليها.
عقيدة الجبر تلغي الاختيار
الفكرة دقيقة: أنت صيدلي، وبحاجة إلى موظف يعمل بعد الظهر، لكن لا بد لهذا الموظف من ثقافة معينة في الأدوية، فأردتَ أن تمتحنه، الآن هو في طور الامتحان، وضعت له بعض الأدوية على الطاولة، قلت له: هذا المكان أدوية مضادة للالتهاب، هذا المكان أدوية مسكنة، هذا المكان أدوية مقوية، الآن أرني خبرتك في الأدوية، هذه مجموعة أدوية، ضع كل دواء في مكانه، الآن الطور طور امتحان، لو أمسك دواء السموم، وتوجّه إلى مكان الأدوية المقوية، ومنعته فقد ألغيت اختياره، وألغيت الامتحان، الآن هو في طور الامتحان، ومن لوازم الامتحان أن يكون مخيراً، فيجب عليك أن تبقى ساكتا، أخذ هذا الدواء، ووضعه في مكان غير مناسب، لو قلت له: ضع هذا هنا لألغيت الامتحان، ومن لوازم التكليف أن تكون مخيراً.

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13) ﴾

( سورة السجدة)

أعمالكم محض اختياركم، أعمالكم من كسبكم، وسوف تحاسبون عليها.

الآيات المتشابهات مهْما كثُرتْ تٌحمَل على الآيات المحكًمات مهْما قلَّتْ:

إنّ أيّة آية ـ دققوا ـ يُشَمُّ منها رائحة الجبر فلها معنى دقيق جداً كما يلي:
عندنا قاعدة أصولية، لعل هذا الدرس فيه صعوبة، أنه مجرد أفكار دقيقة جداً مع أدلة نظرية، لكن نستعين بالله على شرحها وعلى فهمها، هناك آيات محكمات واضحات جليات، وهناك آيات متشابهات، القاعدة الأصولية: أن الآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمات مهما قلَّت، فإذا قلت: القمح مادة خطيرة في حياة الإنسان، معنى خطيرة هذا كلام متشابه، يا ترى خطيرة كالقنبلة تفجره، أم أنها خطيرة تعني هنا أنها مادية أساسية في حياته، ولولاها لما عاش الإنسان، فكلمة ( خطيرة ) كلمة متشابهة، تحتمل معاني كثيرة، أما لو قلت: القمح مادة أساسية مفيدة جداً لحياة الإنسان، فهذه واضحة، فأنا أمام عبارة متشابهة، القمح مادة خطيرة في حياة الإنسان، وأمام عبارة واضحة جلية محكمة، كيف أفهم العبارة المتشابهة: القمح مادة خطيرة في حياة الإنسان، مع المقولة الثانية: القمح مادة أساسية مفيدة جداً لحياة الإنسان، أحمل العبارة المتشابهة على العبارة المحكمة، هذا واضح .
الآيات المحكمة:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾

( سورة الكهف)

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) ﴾

( سورة الإنسان)

محكمة:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148) ﴾

( سورة البقرة )

محكمة:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا (148) ﴾

( سورة الأنعام )

هناك آيات يُشمُّ منها رائحة الجبر:

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (93) ﴾

( سورة النحل )

الإضلال الجزائي من الله مبنيٌّ على ضلال اختياري من العبد:

أروع ما قرأت حول هذه الآيات أن هذا الإضلال إذا عزي على الله عز وجل فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، الدليل:

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) ﴾

( سورة الصف)

لما زاغوا عن منهج الله اختياراً أزاغ الله قلوبهم فعلاً.
للتوضيح: طالب في الجامعة ما داوم ولا ساعة، ولا اشترى الكتب، ولا قدم امتحانا، جاءه إنذار أول فلم يستجب، إنذار ثانٍ فلم يستجب، إنذار ثالث فلم يستجب، صدر قرار من إدارة الجامعة بترقين قيده، هذا القرار فيما يبدو ترقين القيد إلغاء تسجيله، أليس هذا القرار تجسيداً لاختيار الطالب حينما لم يداوم، ولم يلتحق، ولم يشترِ الكتب، ولم يقدم الامتحان ؟ قرار ترقين القيد تجسيد لاختيار الطالب:

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) ﴾

( سورة الصف)

فلما اختاروا الضلال كتب الله عز وجل عليهم الضلال، فالضلال إذا عُزِي إلى ذات الله:

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (93) ﴾

( سورة النحل )

إذا عزي على الله عز وجل فهو الضلال الجزائي المبني على ضلال اختياره، شاهده الدقيق والقوي:

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) ﴾

( سورة الصف)

في اللغة العربية قواعد دقيقة، هذه القواعد فعل أفعل، أغفل، لا يعني أنه خلق الغفلة فيهم، بل يعني أنه وجدهم غافلين:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ (28) ﴾

( سورة الكهف)

نقول: عاشرت القوم فما أجبنتهم، ما وجدناهم جبناء، عاشرت القوم فما أبخلتُهم، ما وجدتُهم بخلاء:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ (28) ﴾

( سورة الكهف)

أيْ: مَن وجدناه غافلاً فقط، إذا عزي فعل الضلال إلى الله عز وجل فهو الضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري.

الإضلال الحُكمي:

الإنسان يختار طريقه في الحياة الدنيا
شيء آخر، أنت ذاهب إلى حمص، والقصة قديمة جداً قبْل وضعِ اللافتات، وصلت إلى مكان فيه طريقان: طريق يمين وطريق يسار، وأنت في حيرة، وأمامك إنسان واقف، قلت له: مِن فضلك أيّ الطريقين إلى حمص ؟ قال: الطريق الأيمن، قلتَ له: جزاك الله خيراً، قال لك: انتظر، بعد خمسة كيلومترات تقاطع خطر، وبعد سبعة كيلومترات ممر زلق، وبعد كذا كيلو متر جسر ضيق، وفيه تفتيش دقيق إذا كان معك بضاعة ممنوعة، أعطاك معلومات دقيقة جداً، فأنت ازددت له شكراً، أما لو وصل غيرُك إلى هذا المفترق، وأمامه الإنسان نفسُه واقفا قال له: بالله عليك مِن أين حمص ؟ قال: مِن الطريق الأيمن، قال له: أنت كذاب ! هل بإمكان هذا الإنسان أن يعطيه التفصيلات، رفضت مشورته كلياً، هنا الإضلال السلبي، أنت حينما أعرضت عن الدين كلياً فكل تفاصيل الدين بَعُدت عنك، وكأن الله أضلك، بمعنى أنه مَنَعك من تفاصيل كانت تسلمك وتسعدك، هذا معنى آخر من معاني الضلال.
أيها الإخوة الكرام، إذا عزي فعل الضلال إلى الله عز وجل فهو الضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، وعندنا إضلال حكمي، فحينما رفضت الدين أصلاً مُنِع منك كل التفاصيل التي يمكن أن ترشدك إلى الحق، وحينما رفضت الدين كله أصلاً مُنِع منك بعد أن قلت: أنت كاذب، لهذا الدليل الذي معه معلومات دقيقة جداً، كان من الممكن أن تنتفع بها، لكنك رفضت مشورته وعلمه كلياً، فمُنِعتَ من كل التفاصيل التي يمكن أن تنقذك مما أنت فيه، هذا الضلال حكمي.

الإضلال الحُكمي:

عندنا ضلال آخر، الله عز وجل يضل العباد عن شركائه:

﴿ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا (37) ﴾

( سورة الأعراف)

حينما تعلق الأمل على إنسان، وتنسى الواحد الديان، الله عز وجل بشكل واضح يضلُّك عنه، أو يضلّه عنك، يخيب ظنك، عقدت الأمل على إنسان قوي وقريب لك، ونسيت الله عز وجل، الله عز وجل يضلك لمصلحتك، أي يلهمه أن يتخلى عنك، وأن يتنكر لك، هذا إضلال من الله، أضلك عنه، وأضله عنك، غيرة عليك.
الصحابة الكرام هم قمم البشر، في حُنين وجدوا أنفسهم عددًا كبيرًا لم يسبق في الجزيرة أن اجتمع عشرة آلاف إنسان، فقالوا مطمئنين: لن نُغلَب اليومَ مِن قِلَّة، اعتمدوا دون أن يشعروا على كثرتهم، الله عز وجل أضلَّهم عن كثرتهم، ولم ينتفعوا بكثرتهم:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَم تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة )

هذا ضلال آخر، هذا ضلال لمصلحة التوحيد، حينما تتوهم جهة قوية تعتمد عليها، وتنسى الواحد الديان يلهم اللهُ هذه الجهةَ القوية أن تتخلى عنك، وأن تتنكر لك، تأديباً لك على هذا الشرك الخفي، وهذا أيضاً نوع من أنواع الإضلال، الإضلال عن الشركاء، وأيّة جهة تعتمد عليها، وتثق بها، وتنسى الله عز وجل يلهمها أن تتنكر لك.
قال لك صديق حميم: أنا بخدمتك، فاطمأننتَ، وقعتَ في مشكلة، دخلت عليه فتجهم في وجهك، لم يقل لك: تفضل اجلس، ما الموضوع ؟ أنا في مشكلة، قال لك: لا علاقة لي، هذا شيء خلاف صلاحياتي، أعتذر، أنت تُصعَق، هذا ضلال آخر من أجل التوحيد.
في هذا الدرس إن شاء الله تبين أن الإنسان مخير، ولو أنه مسير لبطل الثواب، ولبطل العقاب، << إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلَّف يسيراً، ولم يكلِّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطَع مكرهاً >>.

الموضوع العلمي: خَلْقُ الإنسانِ:

ننتقل الآن إلى الموضوع العلمي.

1 – عجائبُ خَلق الله هي أثرٌ مِن علْمِه:

هناك مقولة رائعة: أن كل ما في الكون من عجيب خلق الله: المجرّات، المذنَّبات، النجوم، الأرض، الجبال، الصحارى، الأنهار، البحيرات، الأسماك، الأطيار، النباتات، الإنسان، أن كل هذه العجائب عجائب خلق الله عز وجل هي أثرٌ من علم الله، ولنأْتِ على بعض التفاصيل في خلق الإنسان.
أيها الإخوة الكرام،

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

( سورة التين )

2 – البويضة الملقحة:

مراحل انقسام البيضة الملقحة
ضع بعض لعابك على رأس أصبعك، وضع يدك على ملحٍ، دون أن تضغط، بأقلِّ مسٍّ ممكن، وائتِ بمكبر، فإنك سترى ذرات صغيرة جداً من الملح، البويضة التي تُلقح مِن قِبل النطفة بحجم ذرة الملح، هذه البويضة الملقحة، هذه البويضة الملقحة بعد حين بعد، بعد تسعة أشهر تصير طفلا.

3 – شَعر الرأس:

image

مقطع في الشعرة

في رأس الإنسان ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة وريد وشريان، وعضلة وعصب، وغدة دهنية وغدة صبغية، ما هذا الخلق في رأس الإنسان، ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة وريد وشريان، وعضلة وعصب، وغدة دهنية وغدة صبغية.

4 – دماغ الإنسان:

image

دماغ الإنسان

في دماغ الإنسان مئة وأربعين مليار خلية استنادية سمراء، إلى عام ألفين تقريباً لم تُعرَف وظيفتها، فوقها أربعة عشر مليار خلية قشرية، فيها الذاكرة والمحاكمة، والاستنباط والاستنتاج، والبصر والسمع والنطق، الخلايا القشرية، والدماغ أعقد شيء في الوجود، وهو عاجز عن فهم ذاته، هنا مكان الحكم:

﴿ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) ﴾

( سورة العلق )

الأحكام هنا، وفي مكان آخر الرؤية، ومكان آخر السمع، ومكان آخر الذاكرة، حجمها بحجم حبة العدس، فيها ستون مليار صورة، الدماغ يقوم بوظائف يعجز عن فهمها هو:

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) ﴾

( سورة الطور)

والدماغ خلاياه ثابتة لا تتبدل ولا تتغير.

5 – العين:

image

العين

العين لها قرنية، وهي طبقة شفافة شفافية مطلقة، شفافة لأن لها خصائص تتميز بها ؛ أن العين تتميز بخاصة تنفرد بها في أن خلايا القرنية تتغذى عن طريق الحلول، لا عن طريق الأوعية الشعرية، ولو تغذت عن طريق الأوعية الشعرية لرأينا ضمن شبكة، ولكن هذه الطبقة في العين المتميزة التي أراد الله أن تكون شفافة شفافية مطلقة من أجل دقة الرؤية:

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة المؤمنون )

في شبكية العين عشر طبقات، ومجموع العصيات والمخاريط في الشبكية مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، بمعنى أن مساحة الشبكية ميليمتر وثلث، بواقع ميليمتر في مئة مليون مستقبل ضوئي، وأكبر آلة رقمية احترافية في التصوير في الميليمتر عشرة آلاف مستقبل:

﴿ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴾

( سورة البلد )

العين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون، وأن اللون الواحد لو درج ثمانمئة ألف درجة لتمكنت العين السليمة من إدراك الفرق بين درجتين.

﴿ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴾

( سورة البلد )

الأجفان، والجسم البلوري، وماء العين لا يتجمد، العين فيها ماء فيه مادة مضادة للتجمد، ففي بلد بارد في بلاد الشمال بلاد المنطقة المتجمدة تهبط الحرارة إلى سبعين درجة تحت الصفر، لو لم يكن في العين هذه المادة لفقد الإنسان بصره، مِن تجمدِ هذا الماء، لكن الله عز وجل أودع في هذا الماء مادة مضادة للتجمد.

6 – حاسة الشمِّ:

image

حاسة الشم

العصب الشمي ينتهي بعشرين مليون نهاية، وكل عصب فرعي ينتهي بسبعة أهداب، وكل هدب مغطى بمادة لزجة تتفاعل مع الرائحة، فيتكون شكل هندسي، الشكل هندسي الرمز الرائحة يشحن إلى الدماغ، فيعرَض على الذاكرة الشمية، فيها عشرة آلاف رمز، فحينما توافق الرمزان تقول: في بالأكل النعناع ؟ الشم شيء رائع جداً، والذوق، والرؤية، والسمع، وما مِن جهاز عندنا من صنع الإنسان في آن واحد يكبر الصوت ويخمد الصوت إلا غشاء الطبل الذي خلقه الله، الصوت العالي يخمده، والصوت المنخفض يكبره، فهو جهاز تكبير وتخميد في آن واحد.

7 – القلب:

القلب يضخ ثمانية أمتار مكعبة من الدم كل يوم، ما هذه المضخة، لا تكلُّ، ولا تمل، إلى أن ينتهي الأجل فتقف.

إن الطبيب له علم يدل بـــه إن كان للناس في الآجال تأخير
حتى إذا ما انتهت أيام رحلتـه حار الطبيب وخانته العقاقيــر
***

والحمد لله رب العالمين