25076
العقيدة - العقيدة والإعجاز - الدرس (15-36) مقومات التكليف : الشهوة -1- يمكن أن نقلب شهواتنا إلى عبادات ونرقى بها صابرين وشاكرين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-12-14
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الشهوة مقوِّمٌ من مقومات التكليف:

أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الخامس عشر من دروس العقيدة والإعجاز ، والموضوع اليوم " الشهوة "، وقد أنهينا موضوع الكون كأحد مقومات الإعجاز، وكأحد مقومات التكليف، وأنهينا موضوع العقل كأحد مقومات التكليف، وأنهينا موضوع الفطرة كأحد مقومات التكليف، وننتقل اليوم إلى موضوع " الشهوة ".

1 – الشهوات سلَّم للرقيّ إلى رب الأرض والسماوات:

أعطى الله الإنسان حرية الاختيار
أيها الإخوة، بادئ ذي بدء: قد يتوهم واحد من الناس أنه لولا الشهوات لما كانت المعاصي والآثام، وبالتالي لما كانت النار عقاباً لمن عصى لله في الدنيا، والحقيقة الصحيحة أنه لولا الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، كيف نرتقي إلى رب الأرض والسماوات ؟ كيف نقبل عليه ؟ كيف نثق أنه يحبنا ؟ كيف نطمع برحمته ؟ كيف نناجيه إن لم ننضبط ؟ أعطانا شهوات، أعطانا معها حرية الاختيار، فأيّ شهوة يمكن أن تتحرك بسببها 180 درجة سمح لك بمئة درجة، الدين كله، الانضباط كله، الصبر كله، أن توقع حركتك مع هذه الشهوة ضمن الحيز الذي سمح الله به، هذا إن أردت أن تضغط الدين كله.

2 – كلُّ شهوة لها قناة نظيفة:

الإنسان يحب المرأة، في أعماقِ أعماقه أودع الله في الإنسان حب الأنثى، وفي أعماق الأنثى أودع الله فيها حب الرجل، وهيأ قناة نظيفة طاهرة، ترقى بالإنسان، هي قناة الزواج، فهذه الشهوة تلبَّى في هذه القناة.
الصناعة من طرق الكسب الحلال
والإنسان أودع الله فيه حب المال بكل إنسان، رسم له طريق لكسب المال الحلال طريق العمل، طريق التجارة، الصناعة، الزراعة، الوظيفة، الخدمات، الإرث، الهبة ، الصدقة، إنها طرائق عديدة لاكتساب المال، كلها شرعية، لكن هناك سرقة، وغش، واحتيال، وتدليس، وكذب، هناك طرائق عديدة لكسب المال الحرام، ما هو الدين ؟ أن توقع حركتك في الحيز الذي سمح الله به، هذا المعنى أشارت إليه آية كريمة، قال سيدنا شعيب:

﴿ بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾

( سورة هود الآية: 86 )

الذي تبقى لكم من كل شهوة الحيز الذي أباحه الله لنا من كل شهوة هو الذي يسعدنا ويسلمنا، فلذلك قال الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية: 50 )

عندنا في أصول الفقه ما يسمى المعنى المخالف، المعنى العكسي:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾

الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه.
هناك إنسان يلاحظ إنسانا يخطب فتاة، وفي عقد القران هناك إشهار، وإيجاب، ووليّ، وشهود، ومهر، وتهانٍ، واحتفالات، وهدايا، لأنه أمرٌ مشروع، ما هو عقد الزواج ؟ يفضي إلى علاقة جنسية بين الزوج وزوجته، لكن لأنه وفق منهج الله يسمو به الإنسان، يتزوج، ويأتي ابن من هذه الزوجة يملأ البيت سعادة، يكبر، يتربى تربية عالية ، يصبح إنسانا ذا شأن، داعية، طبيبا، أستاذا جامعيا، تاجرا كبيرا، صناعيا كبيرا، تربى تربية إسلامية، تربية أخلاقية، تجده معطاء، كريما، منضبطا، صادقا، أمينا، تجد هذه الأسرة أنجبت أولادا قمة في الكمال، أساس المشروع كله علاقة جنسية، والزنا علاقة جنسية، لكنه سقوط وفضيحة وانهيار.
مرة حدثني صديق طُرق بابه الساعة الرابعة فجراً، فتح الباب فلم يجد أحدا، حانت منه التفاتة نحو الأسفل فوجد كيسا يتحرك، فيه طفل ولد لتوه من الزنا، وضع في كيس أمام بيت طُرق بابُه، ثم هرب الذي وضعه.
أجريت موازنة، حينما يأتي طفل من أب وأم، من بيت فيه زواج مشروع، تجد الفرح والتهاني والتبريكات والضيافة والهدايا، والفرح يعم الأسرتين، ولما يأتي هذا المولود من الزنا يكون وصمة عار وفضيحة وشيئًا لا يحتمل، فالشهوة هي هي في الحالتين.
أدق مثل أرويه: أن هذا البنزين في السيارة، الوقود السائل إذا وضع في المستودع المحكَم، وسال في الأنبوب المحكم، وانفجر في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب ولّد حركة نافعة، أقلّتك هذه السيارة أنت وأهلك في يوم جميل من أيام الربيع إلى الحدائق، وسعدتَ بهذه النزهة، ما الذي يجري ؟ انفجارات، لكنها منضبطة وفق تصميم السيارة، صفيحة البنزين نفسها صبَّها على السيارة، أعطها شرارة، أحرقت المركبة ومن فيها، السائل هوهو، كان حركة دافعة نافعة مسعدة، فأصبح حركة مدمرة محرقة قاتلة، هذه الشهوات، فهي سلم نرقى بها أو دركات نهوي بها.
قبل أيام دعاني أخ كريم من كبار علماء القرآن الكريم، سنه فوق 95، قال لي: أنا في من أحفادي 13 دكتورا، أساس العلاقة كلها علاقة جنسية، هذه هي الشهوة.
لولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، كيف أنت في الصلاة تخشع وتبكي، لأنك في الطريق إلى المسجد مررت على عشرات الفتيات الكاسيات العاريات المائلات المميلات، فغضضت البصر عنهن، وقلت: إني أخاف الله رب العالمين، لو ما الله أودع الله فيك الشهوة، وحبِّ الأنثى، وأن تمتع عينيك بمحاسنها، ثم أمرك بغض البصر ، وغضضت البصر لا تستطيع في الصلاة أن تبكي.

(( انظروا إلى عبدي، ترك شهوته من أجلي ))

[ أخرجه ابن السني الديلمي في مسند الفردوس عن طلحة ].

سيدنا يوسف عبدٌ في بيت دعته امرأة ذات منصب وجمال، سيدة القصر دعتْه إلى نفسها.

﴿ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

( سورة يوسف الآية: 23 ).

أودع في السجن، فصار عزيز مصر.
إذاً: دققوا لولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، لولا الشهوات لم تكن جنة، ولولا الشهوات لم يكن نعيم مقيم، لولا الشهوات لم يكن اتصال بالله، لولا الشهوات لم يكن شعور بالتفوق، أنت قوي، وبإمكانك أن تفعل كل شيء، لكن الله عز وجل قيّدك بمنهج.
سأل أحدُهم سيدنا عمر، قال له: << أتحبني ؟ قال له: والله لا أحبك، قال له: هل يمنعك بغضك لي أن تعطيني حقي ؟ قال له: لا والله، قال له: إذاً إنما يأسف على الحب النساء >>.
إنسان غير المنضبط ينكل به، لا تحبني ؟ ينكل به، لكن سيدنا عمر لا يقدر لأن:

(( الإيمان قيد الفتك ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة وأحمد، و أبو داود عن معاوية ].

المؤمن قوي، لكنه مقيد، غني لكنه مقيد.
إذا سافر رجلٌ مؤمن غني إلى بلاد الغرب لا يستطيع أن يفعل شيئًا، يجلس بفندق ويأكل، يزور المكاتب التجارية، أكثر من هذا لا يستطيع، لكن الغني غير المنضبط يسهر كل يوم سهرة حمراء، وثاني يوم سهرة خضراء، لأن المؤمن مقيَّد.

(( الإيمان قيد الفتك ))

يرقى بهذا الشيء، وما مِن واحد من إخواننا الكرام إلا كان أحد أسباب اتصاله بالله وظيفة أتيحت له، لكن لا ترضي الله، البضاعة محرمة، العلاقة مشبوهة، الأسلوب بالتعامل غير شرعي، فيركل بقدمه الملايين المملينة، ويكتفي بالآلاف المؤلفة، يقول: هذا مال حلال، ولولا الشهوات لم يمكن أن نرتقي إلى رب الأرض والسماوات.

3 – بالشهوات ترقى إلى الله صابرً وشاكرا:

لكن الشهوات أيها الإخوة فيها شيء رائع جداً، فيها رقي إلى الله مرتين.
مثلاً: إذا كان المسلم يمشي في الطريق، ومر على نساء كاسيات عاريات، فقال:

﴿ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

غض بصره عنهن، يرقى إلى الله صابراً، تزوج، واختار فتاة ضمن طموحه، جلس معها، سعد بها، ملأ عينيه من محاسنها، يرقى إلى الله، يصلي قيام الليل، لأن هذا شيء مشروع.
فأنت ترقى إلى الله صابراً، وترقى إلى الله شاكراً، مرة صابراً، ومرة شاكراً.
جاءتك وظيفة دخلها كبير جداً، لكن أساسها إيذاء الناس، أو إلقاء الرعب فيهم، معاذ الله، ثم أتيحت لك وظيفة بربع الدخل، لكنه مال حلال، في التعليم، تقبض المال، تشتري الطعام والشراب، تأتي لأولادك بهدايا، يفرحون، يقبّلونك، هذا المال هو هو، بالحرام حجبك عن الله، وبالحلال دفعك إلى الله.

4 – لابد للإنسان من حركةٍ في الحياة:

قضية الشهوة إياكم أن تتوهموا أن الإنسان بالشهوة تزل قدمه، أو يتوهم أنه لولا الشهوات ما كانت نار تحرق العصاة، الشهوات لا بد منها، الشهوة هي كالمحرك في السيارة.
لابد للإنسان من عمل وحركة في الحياة
هذه الطاولة اتركها مئة سنة هنا، لا تتحرك، لأنه ما فيها شهوات، أما الإنسان فقد أودع الله فيه حاجة إلى الطعام والشراب، فهل تبقى جالسا في مكان واحد ؟ نريد أن نأكل، يبحث عن عمل، يدرس، يتعين بوظيفة، يداوم، يعمل، يأكل، الشهوة قوة محركة، ولولا الشهوات والله ما رأيت على وجه الأرض شيئا، لا جسرا، ولا جامعة، ولا بناء، ولا بستانا، ولا زراعة، ولا معملا، ولا باخرة، ولا سيارة، لماذا تعمل ؟ لأنك مضطر أن تعمل من أجل أن تكسب المال، من أجل أن تأكل، لذلك من أوصاف ربنا البليغة للأنبياء على أنهم بشر، وليسوا آلهة:

﴿ ليَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾

( سورة الفرقان الآية: 20 )

لمجرد أنك تأكل الطعام فأنت من بني البشر.

﴿ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾

( سورة الفرقان الآية: 20 ).

هم مفتقرون إلى طعام يقيمون به أودهم، ومفتقرون إلى مشيهم بالأسواق لكسب ثمن الطعام، أنت تعمل من أجل أن تكسب المال، من أجل أن تشتري به الطعام، من أجل أن تأكل.
إذاً: ما أودع الله في الإنسان الشهوات إلا ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، الشهوات سلم نرقى بها، أو دركات نهوي بها، قوة دافعة، أو قوة مدمرة.

5 – كلّ شيء في الحياة حيادي:

الفكرة الدقيقة جداً: لأنك مخير فكل شيء في حياتك حيادي، كيف ؟ شهواتك حيادية، وحب المال حيادي، يمكن أن تكسبه من طريق مشروع، وأن تنفقه في طريق مشروع، فترقى به إلى أعلى عليين، بالمال، ويمكن أن تكسبه من طريق غير مشروع، وأن تنفقه إنفاقا غير مشروع، فتهوي به إلى أسفل سافلين، والمال هو هُو.
إنسان يبني مسجدا، أو ميتما، أو معهدا شرعيا، أو مؤسسة خيرية، يموت وهذا الخير يستمر إلى يوم القيامة، وهو في صحيفته، وقد يبني ملهى أحياناً، أيضاً صدقة جارية، لكن من نوع ثانٍ، يموت ويمضى مئة سنة على موته، كلما دخل واحد إلى الملهى كان وزرُه في صحيفته.
والله مرة دُعينا إلى فتح مسجد في منطقة يعفور، سبحان الله ! الذي بنى المسجد استقبلنا على الباب واحد واحداً، دعا علماء دمشق، وألقينا كلمات، وقدّم لنا طعاما نفيسا، أنا لا تغيب عني صورة وجهه المتألق، يا رب هذا جامع ! يبدو أنه عمّره وحده، ما أخذ مساعدة من أحد من الأرض، والبناء، والكسوة، والأثاث، وكل شيء، سبحانك يا رب ! لحكمة بالغة لما انتهى الاحتفال خرجت من هذا المسجد إلى الطريق العام، يقابل الطريق العام بالضفة الثانية ملهى، بلغني أن فيه من الموبقات ما لا يوصف، وأن صاحبه بعد افتتاحه بسبعة أيام مات، قلت: يا رب ! واحد يرقى إلى أعلى عليين، وواحد يهوي به إلى أسفل سافلين، والعمليتين عملية شهوة، والمال محبوب، لكن أُنفق المال فيه بخلاف طبع الإنسان، فهذا عمر مسجدا فارتقى بهذا المسجد إلى أعلى عليين، والذي عمر ملهى أنفق ماله أيضاً، المال شقيق الروح، لكن هوى بهذا الإنفاق إلى أسفل سافلين، هذه الشهوات.

ليس عطاء الله إكراما ولا منعُه حرمانا:

ليس عطاء الله إكراما ولا منعُه حرمانا
من هنا يقول الله عز وجل:

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

( سورة الفجر ).

هذا الكلام ربنا عز وجل ما قبله، هذا قول الإنسان:

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

( سورة الفجر ).

جاء الجواب:

﴿ كَلَّا ﴾

( سورة الفجر الآية: 17 ).

هذه أداة ردع ونفي، لا يا عبادي، ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، الله أعطى المال لمن لا يحب، أعطاه لقارون، أعطاه لمن يحب، أعطاه لسيدنا عثمان، أعطى الملك لمن لا يحب، أعطاه لفرعون، أعطاه لمن يحب، لسيدنا سليمان.

﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي ﴾

( سورة ص ).

فالشهوات حيادية.

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾


الجواب:

﴿ كَلَّا ﴾

ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، كيف هو ابتلاء ؟
الله امتحنك بالمال، فإما أن تنجح، وإما ألاّ تنجح، إذا أنفقته في طرق مشروعة ترقى به ، فصار سلماً ترقى به، أما إذا أنفق في طرق غير مشروعة تهوي به إلى أسفل سافلين، المال هو هُو، كالبنزين هو هُو، ولّد حركة نافعة، أو دمر المركبة ومَن فيها.
فهذه الشهوات هي قوى محركة، تصور مركبة فيها محرك هي الشهوات، فيها مِقود هو العقل، فيها الشرع هو الطريق، مهمة المحرك أن ينطلق بالسيارة، مهمة العقل أن يبقيها على الطريق، بطولتك أن تستخدم عقلك لتضبط حركة السيارة المندفعة بقوة المحرك، أن تضبطها على الطريق.

6 – التفكر في الموت يضاعف السرعة إلى الله:

التفكر في الموت يضاعف السرعة إلى الله
والله مرة كنت في شيكاغو، ففي المطار شريط متحرك، وقفت عليه شيء مريح، أنت واقف وهو يمشي، فإذا مشيت عليه كانت السرعة مضاعفة، وعلى اليمين حاجز ، وعلى اليسار حاجز، سبحان الله ! كيف تمثل لي هذا الشريط بالتفكر بالموت، التفكر في الموت يضاعف السرعة إلى الله، ويمنعك أن تنزلق يمنة أو يسرى.
ادرس وخذ الدكتوراه، وأقِم مشروعا صناعيا كبيرا، مشروعا زراعيا، صل إلى منصب رفيع وفق منهج الله، التفكر في الموت يضاعف سرعتك إلى الله، والتفكر في الموت يمنعك أن تعصي الله، العمل مطلوب.
قال عمل لأحدهم: << مَن يطعمك ؟ شاب يتعبد الله في وقت العمل، قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك >>.
صدقوا أيها الإخوة، حينما أرى شاباً يتقن عمل، معه شهادة، يتقن مهارة معينة، يتقن حرفة معينة، ويذهب إليها باكراً، ويعود مساء، وقد تعب، والله الذي لا إله إلا هو هذا الشاب هو في عبادة، أتى بمال وتزوج، أنجب أولادا وأطعمهم، وكساهم، أكرم زوجته، فقد حقق رسالته.
سيدنا عمر يقول: << إني أرى الرجل لا عمل له يسقط من عيني >>.

الجهاد وأهمية كلِّ نوعٍ منه:

وحينما نتحدث عن الجهاد فهناك جهاد النفس والهوى، هذا الجهاد الأساسي والجهاد الدعوي هو الجهاد التعليمي.

(( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ))

[ أخرجه البخاري والترمذي عن علي أحمد، وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عثمان ].

والجهاد البنائي هو أن تطور عملك، أن تطور خبراتك، معلوماتك، أن تنهض بحرفتك، بمهنتك، أن تكون في خدمة أمتك، هذا الجهاد البنائي، والدليل، طبعاً الجهاد الدعوي دليله:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت ).

الجهاد النفسي دليله:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 69 ).

الجهاد البنائي دليله:

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 ).

وآخر جهاد، ظهر جديدا هو الجهاد الإلكتروني، تدمير مواقع العدو، وجهاد أخير هو الجهاد القتالي، فإذا نجحنا في الجهاد النفسي وهو الأصل، تعليم أساسي، ثم نجحنا في الجهاد الدعوي، في الدعوة إلى الله، ثم نجحنا في الجهاد البنائي، طورنا صناعاتنا، استخرجنا الثروات، أنشأنا السدود، أصلحنا الأرض، نمينا قدراتنا، وخبراتنا، اكتفينا بمنتجاتنا عن أن نستورد، صدرنا، اغتنينا، هذا جهاد بنائي، أعددنا قوة لأعدائنا، طورنا أنفسنا، صنعنا السلاح الذي يحمي كرامتنا وأرضنا وبلادنا، هذا الجهاد جهاد بنائي، وهناك جهاد دعوي، وجهاد نفسي، وجهاد إلكتروني، وجهاد قتالي، فإذا نجحنا في الجهاد الأول النفسي، والجهاد الثاني الدعوي، والجهاد الثالث البنائي يُنتظر أن ننجح في الجهاد القتالي، أما أن نذهب مباشرة إلى القتالي فلا ينجح.
قدّم رجلٌ أميّ طلبا إلى جامعة السربون حتى يعطوه درجة دكتوراه، اذهب وتعلم القراءة أولاً، هو أميّ لا يقرأ ولا يكتب، فوراً إلى الدكتوراه باللغة الفرنسية، ودكتوراه دولة أيضاً يريدها.
الجهاد قبل الإعداد الدقيق، قبل إنشاء جيل مؤمن، ملتزم، مستقيم، شهواته تحت قدمه، يعبد الله، لا بد من هذه الشروط:
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

هذه الشهوات لا أحد يتأفف منها، لولا الشهوات لا نرقى إلى رب الأرض والسماوات، كل واحد من الشباب الأكارم ما سر إحساسهم أن الله يحبهم، لأنه ضابط نفسه لأنه، ضابط عينه، ضابط لسانه، ضابط أذنه، ضابط ماله، لا يأكل مالا حراما، ضابط إنفاقه، ما دام ضبط سمعه، وبصره، ولسانه وإنفاقه، وحركته، ويده، ورجله، لذلك الله عز وجل يكرمه في الدنيا والآخرة.
فالشهوات طريقنا إلى الله، لكن كلمة شهوات يُظن أنه شيء قميء، لا ، الإنسان كلما ارتقى مع الله ترتقي شهواته، كان يحب المرأة فصار يحب الحق، يحب البطولة، يحب التضحية، يحب الفداء، يحب الالتزام، يحب أداء العبادات بشكل متقن، يحب إنفاق المال، يسميها علماء النفس تصعيد الأهواء، كان يحب الدرهم والدينار، إذاً: به يحب الإنفاق.

بين الطبع والتكليف:

وبالمناسبة دخلنا إلى موضوع دقيق: أنت معك طبع، ومعك تكليف، ولحكمة بالغة بالغةٍ بالغة الطبع يتناقض مع التكليف.

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

( سورة النازعات ).

الإنسان بين الطبع والتكليف
الطبع أن تنام، أن تبقى نائماً في السرير الوثير، في فصل الشتاء، البرد شديد، والفراش دافئ، والغطاء يعطي الدفء، أنت مرتاح، الطبع أن تبقى نائماً، والتكليف أن تنزع الغطاء من جسمك، وتتوضأ بالماء البارد فتصحو، وتصلي، الطبع يناقض التكليف، الطبع يقتضي أن تأخذ المال، والتكليف أن تنفقه، الطبع يقتضي أن تملأ العين من محاسن امرأة لا تحل لك، والتكليف أن تغض البصر، الطبع أن تخوض في فضائح الناس، والتكليف أن تضبط لسانك، هذه الشهوات هي سبب الرقي إلى الله عز وجل، واللهُ عزوجل يباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي.
صدقوا أيها الإخوة، صدقوا أيها الشباب، ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب، إن الله عز وجل يباهي به الملائكة.
سيدنا يوسف لو خضع لعرض امرأة العزيز هل صار سيدنا يوسف ؟ لا أحد كان يعرفه، ما الذي ارتقى به وقال:

﴿ مَعَاذَ اللّهِ ﴾

والله هناك من المواقف أيها الإخوة شيء صعب أن تتصوره، تنعم بهذا الموقف إلى أبد الآبدين، لأنه موقف شريف.
إذاً: الطبع يناقض التكليف، لكن التكليف يتوافق مع الفطرة، والطبع يتوافق مع الجسم، الجسم يحتاج إلى راحة، فيميل إلى النوم، أما الفطرة تحب أن تكون على صلة وثيقة بالله عز وجل فتستيقظ، وهكذا.
حينما تفهم الشهوات قوى دافعة، ولا ينبغي أن تكون قوى مدمرة تكون فقيهاً.
النقطة الدقيقة: لما تجد في القرآن تحريما كيف تفهم التحريم ؟ حقل واسع مكتوب على لوحة: حقل ألغام، ممنوع التجاوز، أنت كإنسان مدني، وحضاري، هل تشعر بحقد على من وضع هذه اللوحة ؟ أبداً، بالعكس، تكون ممتنا لمن وضعها، لأن واضع اللوحة حريص على سلامتك، لمجرد أن تراها حداً لحريتك فأنت لست بفقيه، أما إذا علمت علم اليقين أنها وضعت ضماناً لسلامتك فأنت فقيه.
أيها الإخوة، إذاً: موضوع الشهوة موضوع دقيق جداً، هو سر اتصالك بالله، هو سر فوزك بالجنة، هو سر دخولك الجنة، هو سر قربك من الله، هو سر إقبالك على الله ولو أن كائنا لا يشتهي شيئاً كيف يتقرب إلى الله ؟ فالله سبحانه وتعالى جعل هذه الشهوات سلماً نرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، ولكن مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يكون في الإسلام حرمان.

لا حرج في اتبع الهوى والشهوة وفق منهج الله:

الحقيقة الآن الدقيقة: ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل قناة نظيفة تسري خلالها، فالإنسان يحب أن يكون له شأن، أن يكون له مكانة، متفوق في القمة، لا في الحضيض، باختصاص، بعلم، بحرفة، بدخل، بصنعة، بمنصب، بشكل، بوسامة، ببيت، بمركبة، بحب التفوق، هذا ميل، وشهوة، وحاجة أساسية، يمكن أن تتفوق في معرفة الله، وفي العمل الصالح، وفي الدعوة إليه، وفي نشر الحق، يمكن أن تكون في قلوب الآلاف، بل الملايين، بل مئات الملايين، ويمكن أن يشار إليك بالبنان، حينما ينغمس في شهوات منحطة، كشخص فتح ملهًى، يتفنن بعرض الموبقات على رواد هذا المكان، أيضاً يشار له بالبنان، دخله فلكي، بيته فخم جداً، مركبة رائعة، وأساساً أعلى دخل في العالم دخل تجار المخدرات، يسكن بيتا هو قصر، فيه خمسون سيارة، وطائرة خاصة، تاجر مخدرات، هذا علو، لكن الميل حيادي، يمكن أن ترقى به، أو أن تهوي به.
فتأكيد الذات، أن تشعر بأهميتك، أن تتوق إلى العلو، إلى التفوق، هذا حيادي، هناك طريق مشروع للتفوق، وطريق مشروع للسقوط.
هل أمرُ سيدنا صلاح الدين شيء قليل ؟ قائد مسلم يواجه 27 جيشاً أوربياً، ويفتح القدس ؟! هل أمرُ سيدنا عمر قليل ؟ هناك أعلام، هؤلاء أكدوا ذاتهم، وارتقوا في سلم العظماء، وأسماءهم في لوحة الشرف.
يقف أحدهم أمام سيدنا رسول الله، بعد قليل ينتقل إلى مقام سيدنا الصديق، هل مقام الصديق شيء قليل ؟

(( ما طلعت شمس على نبي أفضل من أبي بكر ))

[ ورد في الأثر ]

أكد ذاته، تفوق في خدمة الدعوة، وأبو جهل أكد ذاته في المعارضة، فأصبح في مزبلة التاريخ، فأنت تؤكد ذاتك بالخير، فيشار إليك بالبنان وتؤكد ذاتك لا سمح الله ولا قدر بالشر، ويشار إليك بالبنان.
الأقوياء في العالم، كهتلر سبّب حربين عالميتين، كل حرب فيها خمسون مليون قتيل، وخمسون مليون معاق، مئة مليون، الذي ألقى قنبلة على هيروشيما ونكازاتي شخص مهم جداً، أخذ قرارا، مات 300 ألف في ثلاث ثوان، والحرب انتهت بهاتين القنبلتين.
إنّ تأكيد الذات حيادي، التفوق حيادي، هناك تفوق بعمل ساقط، تقول الراقصة: الله وفقني في هذه الرقصة، عمل ساقط، وهناك كتاب أدب إباحي، وهناك إقبال على كتبهم بشكل عجيب، وكتّاب الأخلاقيين كتبهم في أعلى مستوى، الأمرُ حيادي، تأكيد الذات حيادي،و حب المرأة حيادي، يمكن أن تكون أسعد زوج، ولك منها ذرية صالحة.
أحياناً الذي في سن 60 ـ 65 ـ 70 عنده 25 حفيدا، هذا طبيب، هذا مهندس، هذه البنت داعية كبيرة، تزوجت، لها أولاد، ربت بناتها، كلهم مِن رجلٍ واحد، والعملية كلُّ أساسها شهوة، أساس هذا الزواج مشروع شهوة، لكن وفق منهج الله، أقمت أسرة، وأنجبت أولادا، وبنات، ولك أصهار، وأحفاد، وذرية، هذه أساسها شهوة، والتفوق أساسه شهوة، لكن هذه الشهوات حيادية، يمكن أن نرقى بها إلى أعلى عليين، ويمكن أن نهوي بها إلى أسفل سافلين، لا أحد يتألم من كلمة شهوة، طريقنا إلى الله، إما بالكف أو بالممارسة ، تعمل لتكسب مالا حلالا، تشتري بذلة للعيد، تدخل إلى البيت لتزور أقرباءك، ما هذه الأناقة ! هذه شهوة، لكنها مشروعة.

(( أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا شامة بين الناس ))

قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَنَا:

(( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ ))

[ أحمد ]

فيا أيها الإخوة الكرام، الشهوة أحد أهم مقومات التكليف، من أجل أن تصل إلى الله، أن تصل إلى الجنة، أودع الله فيك الشهوات، لترقى بها مرتين مرة صابراً، ومرة شاكراً إلى رب الأرض والسماوات، وما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها.

مقدمة لموضوع في الإعجاز العلمي:

أيها الإخوة، ننتقل لموضوع في الإعجاز كمقدمة لا بد من ذكرها.

1 – لكل نبي معجزة دالة على صدق رسالته:

النبي عليه الصلاة والسلام أرسله الله للشعوب والأمم كافة.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأنبياء ).

أما الأنبياء السابقون فكل نبي لقوم، لذلك اقتضت حكمة الله أن تكون معجزة النبي التي هي شهادة الله لعباده أنه رسوله.

2 – معجزة الأنبياء السابقين حسية:

سابقا كانت المعجزة حسية:
معجزة سيدنا موسى:
سيدنا موسى:

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ ﴾

( سورة الأعراف ).

ضرب البحر بعصاه فأصبح طريقاً يبساً.
سيدنا إبراهيم:
سيدنا إبراهيم ألقي في النار فلم يحترق.

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء ).

سيدنا عيسى:

﴿ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 49 ).

هذه معجزات، هذه شهادة الله لأنبيائه ورسله أنهم أنبيائه ورسله.

3 – معجزة النبي هي القرآن، لأنه رسولٌ للعالمين:

معجزة النبي هي القرآن
لكن لأن النبي عليه الصلاة والسلام بعثته لكل الأمم والشعوب، ولآخر الزمان ، وكتابه كتاب الخاتم، فلابد من شهادة مستمرة، وهناك شهادة منقطعة كتألق عود الثقاب، تألق مرة وانطفأ، أصبحت خبراً يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه، ولكن بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام لكل الأمم والشعوب، وكتابه كتاب خاتم، إذاً: لا بد من أن تكون المعجزة علمية عقلية، من هنا كان الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، من هنا ورد في القرآن إشارات علمية اكتشفت قوانينها بعد 1400 عام، وقد قال الله عز وجل:

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ ﴾

( سورة فصلت الآية: 53 ).

هذا الذي حصل.

من الإعجاز الرباني في جسم الإنسان:

(1) خلايا الدماغ لا تتغير:

هناك نقطة دقيقة: أن كل خلية في جسم الإنسان لها عمر، أقصر عمر 48 ساعة، هذه خلايا بطانة الأمعاء، الطبقة التي تمتص الكيلوس، خلاصة الطعام ، هذه زغابات الأمعاء الداخلية، هذه خلاياها أقصر خلية في جسم الإنسان، عمرها 48 ساعة، فأنت أيها الإنسان كل 48 ساعة تتجدد خلايا الأمعاء عندك، أطول خلية العظمية تتبدل كل خمس سنوات، فأنت بأكملك جملة وتفصيلاً، بشعرك، بجلدك، بعظامك، بعيونك، بآذانك، بلسانك، بأنفك، بالمريء، بالقصبة الهوائية، بالرئتين، بالقلب، بالمعدة، بالأمعاء، جملة وتفصيلاً تتبدل تبدلا كليًّا كل خمس سنوات، لكن لحكمة بالغة بالغةٍ بالغة خلايا الدماغ لا تتبدل، لو تبدلت لكانت الطامة الكبرى، يقول الرجل: والله كنت طبيبا، سبحان الله ! رجع أميًّا، كنت مهندسا، كنت خياطا، المهارات أين هي مودعة ؟ في الدماغ، الذاكرة، من أنت ؟ لا أعرف، ابنه، انتهى لتبدل خلايا الدماغ ؟ ما عرف أولاده، يقول: من أنتِ ؟ ابنته، لا يعرفها، أين هويتك ؟ لو تبدلت خلايا الدماغ فما مِن شيء اسمه علم، ولا ذاكرة، ولا خبرة، ولا مهارة، ولا قدرة، كله ينتهي، هذه حكمة مَن ؟ قدرة مَن ؟ رحمة مَن ؟ الذاكرة ثابتة.
لكن الله أحياناً، سبحانك يا رب، يحدِث حالات نادرة لتأكيد هذه القاعدة، أحيانا يحدُث للإنسان فقدُ ذاكرة جزئيٌّ.
حدثني أخ كريم، قال لي: أبي عنده معمل، فخرج من معمله إلى البيت، قال لي: بقي ساعتين ما عرف أين بيته، ابنه ساكن في منطقة الجسر الأبيض، تذكّر بيت ابنه، جاء إليه، فال له: أين بيتي ؟
رجلٌ آخر فقدَ ذاكرته، جاء ابنه من أمريكا قال له: من أنت ؟
هذه الذاكرة الله عز وجل في حالات نادرة يعرّفك بقيمة دماغك، دماغك فيه ذاكرة، الذاكرة بحجم حبة العدس، تتسع لسبعين مليار صورة.
مرة صار تفجير بمدينة عربية بفندق، طبعاً لمحته بالأخبار، زرت هذه المدينة بالفندق نفسه، هذا الفندق نفسه، الصورة تلتقطَ في ثانية، تصور من خمس سنوات الصورة محفوظة في الدماغ، فلما تطابقت الصورة قلت: هذا الفندق نفسه.
فالذاكرة شيء عظيم جداً، والدماغ لا يتغير، طمئن نفسك، ذاكرتك، خبراتك معلوماتك، أصدقائك، أولادك أقرباؤك، قدراتك العامة، مهاراتك كله محفوظ بذاكرتك.
هناك طرفة: دخل رجلٌ إلى الجامع، يضع حذاءه، له محل بدماغه، الدليل أنه قد يكون في حديث حميم مع صاحبه، فيدخلون إلى الجامع لا يتركز بذهنه أين محل حذائه، ينسى أين وضعه ؟

(2) خلايا القلب لا تتغير:

والله إنها آيات مذهلة دالة على عظمته، واضحة جداً، لكن يقول الإنسان: أنا لي عشرون سنة، خلايا القلب أيضاً لم تتغير، لماذا ؟ لا أعلم، القلب هو هوَ، لما تأتي آية قرآنية:

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

( سورة الحج الآية: 179 ).

الله أعلم، ثم اكتشف أن القلب موطن الأحاسيس والمشاعر والأذواق، كيف عُرف هذا ؟ بعد ما زرعوا 73 قلبا من إنسان لإنسان، كل مشاعر وهوايات الذي أُخذ القلب منه انتقلت لمن أُخذ القلب إليه، هذا إن شاء الله في درس قادم سأشرحه لكم بالتفصيل، هذا إنجاز علمي كبير.
إذاً: حينما قال الله عز وجل:

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

هذا القلب في قوة إدراكية، القلب الصنوبري، المضخة في خلايا عصبية إدراكية تفوق الخلايا الدماغية بخمسمئة ضعف، وهي تأمر القلب، هذا إنجاز علمي عمره قريب جداً.

والحمد لله رب العالمين