11229
التفسير المطول - سورة الحجرات 049 - الدرس (3-6): تفسيرالآيات 8-10، حرص المؤمن دائماً على وحدة المؤمنين و سمعتهم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-04-28
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثالث من سورة الحجرات.

لا يمكن أن تحلّ مشاكل الإنسان المؤمن على يد عدوه:

مع الآية التاسعة وهي قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

لا تحل المشكلات بين المؤمنين على يد طرف ثالث
يمكن أن تكون هذه الآية تحت باب العلاقات الدولية.
أيها الأخوة الأكارم... الأصل أن يكون للمسلمين إمامٌ واحد والآن هناك أئمَّةٌ أو جماعاتٌ، هكذا اقتضت الضرورة، وهكذا كان الواقع، فلو أن طائفتين منهم أو أكثر اقتتلوا، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾

فكيف تُحلُّ مشكلةٌ بين المؤمنين ؟ أو مشكلةٌ بين جماعتين ؟ أو بين فئتين؟ أو بين طائفتين ؟ أو بين دولتين ؟ أو بين شعبين مسلمين، قولاً واحداً: لا يمكن أن تُحلًّ هذه المشكلة على يدِ طرفٍ ثالث غير مؤمن، وكل إنسانٍ يعلم الخسائر الفادحة التي خسرها المسلمون حينما حُلَّت مشكلاتهم على يدِ أعدائهم، فالخسائر التي لا تُقدَّر بثمن، والأرقام الفلكيَّة التي ذهبت من أموالهم إلى أيدي أعدائهم بسبب أنهم بدل أن يطبِّقوا هذه الآية في الخلافات فيما بينهم احتكموا إلى جهةٍ ثالثةٍ ليست مؤمنةٍ فهي التي حكمت بينهم فأخذت ما في أيديهم، وهذا الذي حصل.

الاقتتال بمعانيه الواسعة التخاصم وبمعانيه الضيّقة القتل:

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾

أولاً: الاقتتال هنا قد يعني القتال، وقد يعني الخصومة، لأنه ما كل اقتتالٍ قتلٌ، وقد تفضي الخصومة إلى القتال، فالمعنى الواسع للاقتتال التخاصم، فأية خصومةٍ بين المؤمنين ينبغي أن تُحلَّ بالطريقة التالية.
لنوسِّع معنى الاقتتال، الاقتتال بمعانيه الواسعة التخاصم، ومعانيه الضيّقة أن يقتل كلٌ من الطرفين الطرف الآخر، القتل أي سفك دمه، لكن المعنى الواسع للاقتتال هو الخصومة لأنه يمكن في اللغة أن نوسِّع المعنى الحقيقي إلى معنى مجازي، وهذا واردٌ في اللغة بأدلِّةٍ كثيرة.
إذاً ما كل قتالٍ بين مؤمنين ينضوي تحت هذه الآية، بل كل خصومةٍ بين جماعتين تنضوي تحت هذه الآية.

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾

القرآن الكريم هو الفيصل في تحديد الباغي أو المَبْغِيّ عليه:

القرآن الكريم هو الفيصل في التحكيم بين الأطراف
ماذا على الطرف الثالث، الطرف المؤمن الثالث ؟ طرفان اقتتلوا وهناك طرفٌ ثالث ليس طرفاً في القتال ماذا عليه أن يفعل ؟ قال:

﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾

كيف الإصلاح بين المؤمنين إن تخاصموا أو اقتتلوا ؟ إنَّ الإصلاح أن يُدعى الطرفان إلى كتاب الله، وإلى حكم الله، وإلى حكم رسول الله، لأن هذا القرآن الكريم هو الحكم بين المؤمنين، وهو الفيصل في تحديد الباغي أو المَبْغِيّ عليه، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾

أي ادعوا الطرفين المتقاتلين، أو كلا الطرفين المتخاصمين، أو المتباغضين، أو المتعاديين، أو المتشاتمين إلى كتاب الله، وكتاب الله فيه كل شيء، وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم مبيّنةٌ لكل شيء، ففي الكتاب غُنْيَةٌ لكلِّ خصومة، وفي السنة أيضاً تفصيلٌ لكل خلافٍ بين المؤمنين، ادعوا كلا الطرفين إلى العدل، إلى عدل كتاب الله وسنَّته.

على المؤمنين جميعاً أن يقاتلوا الفئة الباغية إن لم تنصاع لأمر الله:

المؤمنون يد واحدة في مواجهة الفئة الباغية
والحقيقة لو أن طائفةً من الطائفتين انصاعت وقالت: أنا أرضى بحكم الله، وأنا أرضى بحكم رسول الله، فإن هذه الفئة التي انصاعت نجت، أما الثانية إن لم تكن كالأولى.

﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾

أي أن مجموع المؤمنين يجب أن يقاتلوا الفئة الباغية، ولو أن هذه الآية مطبَّقةٌ في العالم الإسلامي فإنّ المسلم قبل أن يعتدي على أخيه المسلم يتريَّث كثيراً، لأنه إن فعل ذلك سيخسر كافَّة المؤمنين، وسيوجه المؤمنين كافَّةً إلى مستوى القِتال.

﴿ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾

لو أن الفئة الثانية الباغية استجابت لانتهى الأمر.

القتال نوازعه أرضية لذلك علينا تغليب مصلحة المسلمين و وحدة صفهم:

الآن.

﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾

إن لم تستجب نقاتلها حتى تخضع، وأما إذا لم يستجب الطرفان المتقاتلان ويبغيان فإننا نقاتل الطرفين معاً، لكن الإنسان متى يلجأ إلى القتال ؟ فالقتال نوازعه أرضية، فتغليب مصلحة المسلمين، وتغليب وحدة صفِّهم، وسمعتهم، والألفة بينهم، وإيثار مصلحة كافَّة المؤمنين على مصلحة فئةٍ منهم هذا مما يوجبه الإيمان، وهذه من صفات المؤمن المخلِص، فعندما يقاتل الإنسان في الأعم الأغلب يقاتل من أجل الدنيا، ومن أجل مكاسب رخيصة، فلذلك هذا هو الباغي، الباغي يجب أن نقاتله جميعاً.

﴿ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾

إذا فاء الباغي إلى أمر الله لا تؤخذ غنائمه و لا تسبى نساءه:

لكن:

﴿ فَإِنْ فَاءَتْ ﴾

هذا الذي يبغي لا يجوز أن تؤخذ أمواله غنائم، فإن فاء، هذا ليس كافراً، فالله سبحانه وتعالى أثبت له الإيمان فقال:

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾

أثبت اللهُ للطائفتين الإيمان، ولذلك فالباغي إذا فاء إلى أمر الله وعاد إليه ورجع لا تؤخذ أمواله غنائم، ولا يُقتَل أسيره، ولا يُجْهَزُ على جريحه، ولا تسبى نساءه ولا ذراريه، ويُعامَل كمؤمن إذا فاء.

على المؤمن أن يصلح بين المتقاتلين بالعدل:

﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾

طبعاً الإصلاح هنا إقامة شرع الله، وإيقاف كل طرفٍ عند حدِّه فلا يعتدي، فهذا لك وهذا ليس لك:

(( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمرَ أهلَهُ ))

[ متفقٌ عليه عن عبادة بن الصامت ]

أي إذا اجتمع المسلمون على مكره يجب ألا ننازع الأمر أهله، هذا من الدين.

على المؤمن أن يتقصى دقائق العدل بين الطرفين المتخاصمين:

يجب أن نتقصى العدل في الإصلاح بين المتخاصمين
ثم إن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾

بالعدل جاءت في المرحلة الثانية، وفي الأولى نَشِبَ القتال، أو نشبت الخصومة، ولكن في الثانية ربَّما تكوَّنت الأحقاد، وربما عدَّ كل طرفٍ الطرف الآخر متسبباً في هذا القتال، فالآن يجب أن نتقصَّى دقائق العدل، وتفاصيل العدل بينهما.

﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾

قَسَطَ بمعنى ظَلَمَ لقوله تعالى:

﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾

( سورة الجن )

أما أَقْسَطَ أي أزال الظلم، أقسط.. بالهمز.. أي إزالة الظلم.

﴿ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ: هذه الآية توجب أشياء كثيرة منها:

ينبغي على الإنسان أن يعاون المَبْغي عليه:

ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم
أيها الأخوة... هذه الآية توجب أشياء كثيرة، وأول شيءٍ توجبه: أنه ينبغي أن تُعاون المَبْغِي عليه، فلا تقل: أنا ليس لي علاقة، شخصان اختصما في الحي، أو أخوان اختصما في البيت، فلا يجب أن يقف المؤمن متفرِّجاً، هذان مؤمنان فإذا اختصما ضعفا معاً، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾

( سورة الأنفال: آية " 46 ")

تفشلوا أي تضعفوا، وتذهب ريحكم أي تذهب قوتكم، فلذلك الحكم الشرعي أنه إذا نشبت خصومةٌ بين مؤمنين، وبين طرفين أو بين أطرافٍ عدَّة لا ينبغي لك أن تقف أنت موقف المتفرِّج وتقول: أنا ليس لي علاقة، فهذا الموقف سلبي وتُحَاسَب عليه، والدليل:

﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾

المنازعات و السكوت عليها سبب أساسي في تفتت عضد المسلمين:

إذا تفشت السلبية بين المؤمنين تزداد الخصومات
لا شيء يعين الظالم على ظلمه كسكوت الآخرين على هذا الظلم، فلو أن كل مسلمٍ رأى انحرافاً، أو رأى ظُلماً بين مؤمنين ووقف إلى جانب المظلوم، لصار الظالم يفكِّر ألف مرَّة قبل أن يقدم على ظلم أخيه، إذاً السلبية المقيتة التي تَفَشَّت بين المؤمنين، تجد أخوين متحاربين اثنتي عشرة سنة وبقية الأخوة متفرِّجون، وأسرتين متعاديتين سنوات طويلة وبقية أطراف الأسرة متفرِّجون، هذا الموقف الانهزامي أو السلبي ليس موقفاً إيمانياً يليق بالمؤمن لقوله تعالى:

﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾

هذه الآية أيها الأخوة... يجب أن نوسِّعها، ليست محصورةً في القتال، فالآية تشمل كل أنواع الخصومات، ولو أن الطرف الثالث وقف موقفاً مُنْصِفَاً من نزاعٍ بين مؤمنين، أو بين أطرافٍ عدَّة من المؤمنين لحُسِمَ هذا الخصام ولعادت المياه إلى مجاريها، والتف المؤمنون وصاروا قوَّةً لا يُستهَان بها، فما الذي ضعضع قوة المسلمين وفَتَّ في عضدهم، وفرَّقهم وشتَّت شملهم ؟ إنها هذه المنازعات فيما بينهم، وهذه الآية هي حلٌ لهذه المشكلة.

على الإنسان مقاطعة الباغي و زجره ليتقلص الظلم و ينمو العدل:

أنا لو وسَّعت الآية إلى مستوى الخصومات بين الأسر ؛ فهناك خصومات، وتدابر، وبغضاء، وطعن، وغيبة، والأطراف الباقية متفرِّجة تستمتع بهذه الخصومات، ولكن الموقف الإيماني يقتضي أن تنصح الطرفين بأن يلزما العدل، ويلزما ما أمر الله به.

﴿ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا ﴾

يجب أن تقاطع الباغي، وأن تزجره، وأن توقفَه عند حدِّه، فبهذه الطريقة يتقلَّص الظلم وتضيق دوائره، وينمو العدل وتتسع دوائره، ولذلك:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾

(سورة هود )

ولو أن الله سبحانه وتعالى قال: صالحون لاختلف الأمر، لأن المعنى يختلف اختلافاً كبيراً، والله عزَّ وجل لا يُهلِك قريةً وأهلها مصلحون، أما إذا كان أهلها صالحين، متفرِّجين، يتأمَّلون ما يجري، ويستمتعون بما يجري، دون أن يتحرَّكوا، ودون أن يقفوا مع المظلوم ومع المبغي عليه ضدَّ الباغي، إن فعل هؤلاء كذلك استحقَّوا الهلاك، إذاً:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾

(سورة هود )

على المؤمن إذا نشبت فتنة بين المؤمنين أن يساهم في حلّها:

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

(سورة الأنفال: آية " 25 ")

إن الفتنة يجب أن يكون لك يدٌ في حلِّها، مساهمةً، أو تمنّياً، أو حركة، أو كلمة، أو زيارة، أو كتابة كتاب، أو تحرُّكًا، أما أن تنشب فتنةٌ بين المؤمنين وأن تبقى متفرِّجاً، وتقول: ليس لي علاقة، فالله عزَّ وجل قال:

﴿ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾

طبعاً مرَّة ثالثة ورابعة الآية واسعة الشمول، ولا تعني الاقتتال الحقيقي أي سفك الدماء بين المؤمنين بل تعني أوسع من ذلك، تعني كل خصومةٍ بين المؤمنين لأن الخصومة إنما تُضعِف المؤمنين جميعاً.

لا يفشو الباطل وتتسع دائرة الظلم إلا إذا لقي الباغي احتراماً من الجميع:

أيها الأخوة... أقرأ لكم سطرين، قال علماء اللغة: " المادَّة قد تُحمَل على حقيقتها أو على مجازها فتتسع لهما "، التعبير الشائع الآن يقول لك: قاتلت من أجله، أي دافعت، أي تكلَّمت، يعني رددت، قاتلت من أجله، يقتتلون بمعنى يختصمون، فالمادة تُحْمَل على حقيقتها وعلى مجازها فتتسع لهما، لكي لا تقول: أنا ليس لي علاقة بهذه الآية، هذه إذا وجدنا الدماء سالت بين المؤمنين أفكِّر في هذه الآية، لا، إن هذه الآية تتسع لكل خصومةٍ بين المؤمنين، فينبغي للمؤمن أن يكون له يد، فأحياناً بكلمة، وأحياناً بكتاب، وأحياناً بموقف صُلْب ضد الباغي، فالباغي يعود، أما يبغي ولا أحد يردعه، أما أن يبغي والكل يسلِّمون عليه، ثم يبغي ويلقى احتراماً من الجميع، ويرى من يؤيده على بغيه، أو هناك من يطيّب له بغيه، فعندئذٍ يفشو الباطل وتتسع دائرة الظلم ويضمحلّ العدل، فهذه الآية يجب أن توضع موضع التنفيذ على أي مستوى من الخصومات.

الإصلاح أن يدعو المؤمن المتخاصمين إلى حكم الله وحكم القرآن وحكم النبي:

وعلى أكبر مستوى لو أن المسلمين كجماعاتٍ كبرى طبَّقوا هذه الآية لما نُقِلَت الأموال من بين أيديهم إلى أعدائهم، لكنهم لم يطبِّقوا هذه الآية فاحتكموا إلى جهاتٍ أخرى، فكانت لهذه الجهات الأخرى فرصةٌ ثمينةٌ أن أخذت كل ما في أيدي المتخاصمين ولفَّته إليها وبدأت تبتز أموال الأطراف جميعاً.

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾

الإصلاح أن تدعوه إلى حكم الله، وحكم القرآن، وحكم النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا هو الإصلاح.

قتال الكفار يبيح أموالهم و ذريتهم أما قتال المؤمن لا يبيح ذلك:

﴿ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾

﴿ فَإِنْ فَاءَتْ ﴾

هذا ليس كافراً بل هذا مؤمن، والدليل:

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾

إذاً ماذا نفهم من هذا الحكمٍ شرعي ؟ هذا الذي بغى ثم فاء إلى أمر الله فأمواله ليست غنائم، وأسيره لا يُقْتَل، وجريحه لا يُجْهَز عليه، وذراريه لا تؤْسَر، ولا يضمن ما فعل، فهذا هو البغي وليس هو كقتال الكفَّار، فقتال الكفَّار يبيح أموالهم، وذراريهم، ولكن قتال المؤمنين لا يبيح كل ذلك، حتى إنّ هذا الذي يُقتَل في معركةٍ من هذه المعارك يُغَسَّل ويُصلَّى عليه ويُدفَن في مدافن المسلمين، بل إن الذي فاء إلى أمر الله إذا قُتِل يُعَدُّ شهيداً، فهو الذي رجع وكان مبغياً عليه فهذا لا يُغسَّل بل يُدفَن بثيابه لأنه شهيد، ففرقٌ كبير بين أن تنشب خصومةٍ تنتهي إلى قتالٍ بين مؤمنين وبين أن يقاتل المؤمنون الكفَّار، إنه فرقٌ كبيرٌ في الأحكام الشرعية، فهذا لا يُقال له كافر بل يٌقال له باغٍ، والباغي يوقف في وجهه، ويُردُّ إلى حكم الله ورسوله فإن أبى فيُقَاتَل.

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ: آية لها عدة معان:

1 ـ جاء التعبير عن إخوة المؤمنين بالتعبير الاسمي لأنه يدل على الثبات و الاستمرار:

إنما المؤمنون إخوة
أيها الأخوة الكرام... ويقول الله سبحانه وتعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

والعلاقة بين الآيتين واضحةٌ جداً، والمؤمنون إخوة، وأول ملاحظة: هذا التركيب الاسمي، ومعنى التركيب الاسمي أي مؤلَّف من مبتدأ وخبر، والتركيب الفعلي مؤلَّف من فعل وفاعل، والتركيب الاسمي يدل على الثبات والاستمرار، بينما التركيب الفعلي يدل على الحدوث والانقطاع، دخل فلانٌ إلى غرفته، أي انتهى الدخول، لكن إذا قلنا: فلانٌ طويلٌ فهذا تركيبٌ اسمي، والتركيب الاسمي يدل على الاستمرار والاستقرار، والتركيب الفعلي يدل على الحدوث والانقطاع، ولذلك جاء التعبير عن إخوة المؤمنين بالتعبير الاسمي.

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

2 ـ تشبيه العلاقة بين المؤمنين بأرفع علاقة بين الناس و هي علاقة النسب:

ويوجد معنى آخر:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

هذا تشبيه بليغ، شبَّه العلاقة بين المؤمنين بأرفع علاقة بين الناس وهي علاقة النَسَب، فكيف أن هذا الأخ أخٌ لك على التأبيد، وهل يستطيع أحدٌ أن يقول: هذا ليس أخي ؟ هو أخوك شئت أم أبيت، أخوك من أمِّك وأبيك شئت أم أبيت، وكيف أن التوالد بين الناس يسبب دوام النَسَب، كذلك الإيمان يسبب دوام الأخوة، فما دام الإيمان هو الأصل فالأخوة مستمرَّة إلى ما شاء الله، وما دام التوالد هو الأصل فهذه أخوة النسب مستمرة، فكما أن أخوَّة النسب مستمرَّة فأخوة الإيمان مستمرَّة، ولذلك شُبِّهَتْ العلاقة بين المؤمنين بالعلاقة بين الأخوين الشقيقين اللذين من أمٍ واحدةٍ وأبٍ واحد، وهذا المعنى الثاني.

3 ـ التأكيد على أن المؤمنين إخوة:

والمعنى الثالث: فكلمة " إن " هذه تفيد التوكيد، فلو أن الله سبحانه وتعالى قال: المؤمنون إخوة فهذا شيء، وقوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

4 ـ ما لم تشعر بانتمائك إلى أخيك في الإيمان فلست مؤمناً:

﴿ إنما ﴾

هذه كافَّةٌ ومكفوفة تفيد معنىً رابعاً وهو أدق معاني هذه الآية وهو: أنه ما لم تشعر بانتمائك إلى أخيك في الإيمان فلست مؤمناً، وعلامة إيمانك أن تشعر بقربك الشديد من أخٍ مؤمنٍ ولو كان بعيداً عنك، أو من بلادٍ أخرى، ولو كان من أقوام أخر، لذلك:

(( المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصَحَةٌ متوادّون ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعضٍ غششةٌ متحاسدون ولو اقتربت منازلهم))

الله عز وجل هو وحده القادر على خلق المودة بين المؤمنين:

أي أن أحد أسباب شعورك أن هذا الذي أمامك مؤمن فهذا هو الود، والحب بين المؤمنين، ولذلك قال تعالى:

﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾

(سورة الأنفال: آية " 63 ")

والإنسان لا يُشْتَرَى بالمال، وأي صفقة مهما كان الثمن باهظاً لشراء إنسان، ومودَّته، وصلته، وحبِّه، فهذه الصفقة خاسرة، لكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق المودَّة بين المؤمنين، لذلك:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

أول معنى: التركيب اسمي.
وثاني معنى: إنَّ تفيد التوكيد.
وثالث معنى: إنما تفيد القصر والحصر، أي ما لم تشعر بهذه المودَّة، وهذا الحب، وذاك الانتماء فأنت لست مؤمناً، فإيمانك يقتضي أن تُحِسَّ بالأخوة بين المؤمنين، وأن تحسَّ بالمحبَّة والشوق والمودَّة والنُصحِ للمؤمنين.

كلما ازدادت استقامة المؤمنين ضاقت الدائرة التي تجمعهم:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

دائرة المؤمنين الملتزمين دائرة مباركة
بالمناسبة: أوسع دائرة دائرة المؤمنين، وكل إنسان آمن بالله عزَّ وجل، آمن به موجوداً وواحداً وكاملاً فهو مؤمن، أما الأنبياء فيقعون في مركز هذه الدائرة، وأوسع دائرة كل من أقرَّ بأن الله موجودٌ وواحدٌ وكامل فهو مؤمن، آمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، فهذا هو المؤمن، والآن فكلَّما ازدادت استقامة المؤمنين ضاقت الدائرة التي تجمعهم، فمؤمن ملتزم، ومؤمن غير ملتزم، والدليل الآية الكريمة:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾

(سورة الأنعام )

فمعنى هذا أن هناك إنسانًا يؤمن ولكنه غير مستقيم، أو مؤمن غير ملتزم، فهذا يدخل في أوسع دائرة، أما إذا كان ملتزمًا فيدخل في الدائرة الصغرى، وكلَّما اشتدَّ التزام المؤمن تضيق الدائرة، ولذلك نحن نبحث عن مؤمن ملتزم، وهذه الدائرة إذا جمعت المؤمنين الملتزمين فهي دائرةٌ مباركة، فنحن نبحث عن مؤمنٍ ملتزم، فإذا كنت مع الملتزمين فهذه أمتن علاقةٍ بين المؤمنين.

5 ـ يجب أن يكون انتماء الإنسان إلى مجموع المؤمنين لا إلى جماعة قليلة منهم:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾

ومعنى الآية أيضاً: ينبغي أن يكون انتماؤك لمجموع المؤمنين لا إلى جماعةٍ قليلةٍ تعمِّق انتماءك إليها على حساب انتمائك للمجموع العام، وهذا مما يفتت المؤمنين.

الإصلاح واجب إذا ظهر الفساد بين المؤمنين:

إصلاح ذات البين من أعظم الأعمال

﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾

لماذا جاء هنا بالمُثَنَّى ؟ طبعاً إذا ظهر فساد بين مؤمنين فالإصلاح بينهما واجب، أما إذا ظهر فساد بين مجموعة مؤمنين فإن الإصلاح بينهم من باب أولى، فالحد الأدنى لو أن مؤمنين اختلفا فينبغي أن تُصلِحَ بينهما، ولذلك فالمؤمن الصادق إذا رأى خصومة، أو مشكلة، أو قضية، أو مشاحنة، أو تدابراً، أو تباعداً، أو هجراً بين المؤمنين، ينبغي ألا يبقى متفرِّجاً، بل يتحرَّك، وهذا من أعظم الأعمال الصالحة، يتحرَّك للإصلاح بينهما، ألم يقل الله عزَّ وجل:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

(سورة الأنفال: آية "1 " )

أي أصلحوا ما بينكم من علاقاتٍ لا تُرْضي الله عزَّ وجل.

طاعة الله عز وجل تزيل أسباب الخصومة بين المتخاصمين:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

الخصومات تأتي من غياب العدل
فعندما يتقي الإنسان الله يلتقي مع أخيه، ولو أن الأخوين اتقيا ربَّهما لالتقيا، ولو أن كل مؤمنٍ أقام الإسلام في بيته، وأقامه في عمله، والتزم كل حدود الله عزَّ وجل لوجد نفسه مع أخيه المؤمن قَلْباً وقالَباً، فالطاعة لله تجمع، والمعصية تفرِّق، ولو أن كل مؤمنٍ أخذ ما له وترك ما ليس له لالتقى المؤمنون، ولو أن كل أبٍ عرف ما عليه وما له لعمَّ الوئام بين هذه الأسرة، ولو أن كل أخٍ أخذ ما له وترك ما ليس له لتوافق الأخوة، أنظر إلى الآية:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

فما الذي يسبب الخصومة بين الأشِقَّاء ؟ إنه عدم العدل بينهم، فلو أن الأب التزم العدل بين أولاده لما أوقع بينهم العداوة والبغضاء، ولائتلف الأولاد ولأحبَّ بعضهم بعضاَ، فالذي يزيل أصل الخصومة طاعة الله عزَّ وجل، أن تأخذ ما لك وتدع ما ليس لك، ولذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

عدم وقوع العداوة بين الإنسان و أخيه إلا بذنبٍ اقترفه أحدهما:

لذلك لو تصوَّرنا أخوين بينهما خصومة فإن المتسبب بالخصومة هو البعيد عن طاعة الله عزَّ وجل، وأقربهما إلى الله أشدُّهما حُبًّاً لصاحبه، فالإنسان لا تقع بينه وبين أخيه المؤمن عداوةٌ إلا بذنبٍ اقترفه أحدهما، أبداً، فما من خصومةٍ بين مؤمنين إلا بسبب ذنب، وهذا الذنب يسبب أخْذَ ما ليس له، أو أن يستطيل بلسانه على أخيه إرضاءً لغروره، أو لهوىً في نفسه، أو لنزوةٍ طارئةٍ في سلوكه، فلذلك فإن الإنسان إذا تواضع لله عزَّ وجل وعرف حدَّه نشأت علاقةٌ طيّبةٌ بينه وبين المؤمنين، وأيّة خصومةٍ أساسها المعصية، وحبُّ الدنيا، والأهواء، والمصالح المتنازَع عليها.

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

ونحن بطاعة الله عزَّ وجل نفوز جميعاً.

كلما زاد حظ الدنيا مال الإنسان إلى التفرد و التنافس:

كلما زاد حظ الإنسان من الدنيا مال إلى التفرد والاستبداد
أيها الأخوة الكرام... كلمة أقولها لكم: الإنسان بدافع طبعه يحبُّ التفرُّد، ويحب السيطرة، ودافع تغليب مصلحة المسلمين على مصلحته الشخصية فيجب أن ينضوي مع المؤمنين، وعندما ينضوي الإنسان مع الجماعة طبعاً تَقِلُّ حظوظه من الدنيا، وتزيد حظوظه من الآخرة، فكلَّما زاد حظُّ الدنيا مال الإنسانُ إلى التفرُّد، واستقصاء التفرُّد، والاستبداد، فعندنا تعاون وعندنا تنافس، وإنصاف وجحود، والجحود من الدنيا والتنافس منها، والإنصاف من الآخرة والتعاون منها، ولذلك الآية الكريمة:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

(سورة المائدة: آية " 2 " )

موضوعات السخرية لا قيمة لها عند الله و ليست هي المرجحة بين عباد الله:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾

موضوعات السخرية لا قيمة لها عند الله
وموضوعات السخرية على أشكال، فأحياناً الفقر، وأحياناً ضَعْف المعلومات، فالعالِم في اختصاص معيَّن يسخر من الجاهل، والغني يسخر من الفقير، والقوي من الضعيف، والوسيم من الدميم، والصحيح من المريض، وهذه الموضوعات التي هي موضوعات السخرية هذه موضوعاتٌ لا قيمة لها عند الله، وليست هي المرجِّحة بين عباد الله، ولذلك قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً﴾

قد يتوهّم الغني أنه أفضل عند الله من الفقير، والحقيقة أنّ الفقير الذي لا يملك شيئاً من حطام الدنيا قد يكون له مقامٌ عند الله يفوق بآلاف المرات هذا الغني، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

(( أهلاً بمن خبَّرني جبريل بقدومه (وكان صحابيّاً فقيراً) قال: أو مثلي؟ قال: نعم يا أخي خاملٌ في الأرض علمٌ في السماء ))

العبرة بخواتيم الحياة لا ببداياتها:

العاقبة للمتقين
خطأ كبير أن يظن الإنسان نفسه أنه غني والفقير ليس له قيمة عند الله عزَّ وجل، فهذا الذي تراه فقيراً، وبيته صغير، ودخله قليل، وأثاثه خشن، وطعامه رخيص، ولباسه خشن، وقد لا يكفيه دخله لثمن طعامه، هذا ربَّما كان أقرب إلى الله من الغني، وربَّما كان أكرم على الله من الغني، والعبرة بخواتيم الحياة لا ببداياتها.

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

(سورة الأعراف )

وقد يوجد إنسان قوي أي يتحرَّك حركة فيهُز الآخرين بحركته، ومع ذلك قد يكون المستضعف أكرم على الله منه، وأقرب إلى الله منه، فلا القوَّة ولا الوسامة ولا الذكاء يرفعك عند الله، ولا الشهادات العُليا ترفعك عند الله، وأحياناً يكون العلم المادي العصري الذي هو من حظوظ الدنيا، ففلان معه دكتوراه دولة ودائماً يحب أن يُنادَى به، فإذا لم يُنادَ به فقد يتألَّم أشدَّ الألم، إلا أنك قد تجد إنسانًا لا يحمل هذه الشهادة ولكنه مستقيمٌ على أمر الله، وهذا الذي يحمل هذه الشهادة ليس ملتزماً، لكن من هو العالِم عند الله ؟

(( كفى بالمرء علماً أن يخشى الله وكفى به جهلاً أن يعصيه))

[ أخرجه الدارمي عن مسروق]

فالعاصي مدموغ بالجهل، والطائع مدموغ بالعلم، العالم طاعته شهادته، والعاصي معصيته دليل جهله، فلذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾

من رأى عاصياً عليه أن يحمد الله أن هداه للإيمان و يدعو له بالتوبة:

ادع بالهداية للعصاة
الآن يوجد موضوع جديد، حتى لو كنت مقيماً على طاعة الله ورأيت إنسانًا مبتلى بمعصية، فأنت الآن طائع وهو الآن يعصي، ولو زهوت بطاعتك واحتقرت هذا الإنسان وهذه المعصية، ونسيت أن الله سبحانه وتعالى أكرمك بالهُدَى وأعانك على طاعته، وأن هذا المبتلى قد يتوب وقد يسبقك بآلاف الخطوات، حتى المؤمن إذا رأى عاصياً لا يحتقره بل يقول: أرجو الله أن يهديه، ولو لم يتفضَّل الله عليَّ لكنت مثله، ولذلك فالنبي الكريم علَّمك إذا رأيت مبتلىً أن تقول:

(( الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من خلقه))

ولكن دون أن تسمعه هذا الكلام، ففي إسماعه لهذا الكلام كسرٌ لقلبه، وعلى كلٍّ فالنبي الكريم يقول:

(( الذنب شؤمٌ على غير صاحِبِه إن تكلَّم به فقد اغتابه، وإن أقرَّه فقد شاركه في الإثم، وإن عيَّرَهُ ابتلي به ))

[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه ضعف]

وحتى لو رأيت عاصياً يجب أن تحمد الله عزَّ وجل أن هداك للإيمان وأن أعانك على طاعته، وأن تدعو له بالتوبة والطاعة لله عزَّ وجل، هذا هو المؤمن.

موضوع السخرية موضوع فيه شرك بالله و تجبّر على عباده:

وبصراحة أقول لكم: جنس السخرية عند المؤمن غير موجود، حتى إنه لا يسخر ممن يعصي الله، فموضوع السخرية في الأساس موضوع فيه تَجَبُّر، وفيه شرك بالله عزَّ وجل، واعتزاز بالنفس، وعنصر السخرية أصلاً لا يدخل في حياة المؤمن، لا يسخر من فقير إذا كان غنيَّاً، ولا من ضعيف إذا كان قويَّاً، ولا من دميم إذا كان وسيماً، ولا من مريض إذا كان صحيحاً، ولا ممن لا يحمل شهاداته إذا كان متعلِّماً، ولا ممن يقع في ذنبٍ أمامه إذا كان هو مستقيماً، لكنه يرى فضل الله عليه دائماً.
وأقول لكم هذه الكلمة: السخرية جملةً وتفصيلاً في كل مستوياتها، وفي كل مناحيها، وفي كل موضوعاتها لا يمكن أن تدخل في حياة المؤمن، ولا يسخر أبداً لأنه يعلم أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وأن هذا الذي سَخِرَ منه ربما رفاقه.
ومرَّة كان رجلٌ يملك من المال ما لا سبيل إلى حصره، تقدَّم مهندس وسيم الطلعة وأخلاقه عالية لخطبة ابنته، فقال ساخراً: كم دخلك ؟ فاستقلَّ دخله ورفض أن يزوِّجه ابنته.. والقصَّة رواها لي والله أخٌ صادق وقد وقعت في هذه البلدة ولا سبيل إلى تفاصيلها.. ولم يمض أربعة أو خمسة أعوام حتى اضطر هذا الغني أن يعمل عند هذا المهندس موظَّفاً، ثم توسَّط له من شَجَّعه على خطبة ابنته، والله عزَّ وجل بترتيب معين كانت له مشاريع ومعامل، فبقرار واحد أُلغيت وعليه نفقات كبيرة جداً والتزامات كبيرة، فالالتزامات فوق كل أملاكه فوقع في عجز كبير وأعلن إفلاسه، ثم بحث عن هذا الخاطب قبل أربع سنوات لعلَّه يخطب ابنته، فخطبها وتزوَّجها وعمل هذا العمُ عند صهره موظَّفاً.

﴿ لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾

الله كبير.

الإنسان العاقل لا يسخر من أحد حتى ممن يعصي الله فلعل الله يتوب عليه :

أيها الأخوة... مرَّةً ثانية: السخرية مرفوضة في حياة المؤمن، حتى في موضوعات الدين لا تسخر ممن يعصي الله فلعلَّ الله يتوب عليه، ولعلَّه يسبق الساخر، وطبعاً هي معصية وأنت في طاعة، ولكن بدل من أن تسخر اشكر الله عزَّ وجل على أن هداك إليه وأعانك على طاعته، وبدل من أن تسخر ادعُ له بالتوبة، وتوجَّه لنصحه، وجنس السخرية لا يمكن أن يدخل في قاموس المؤمن في كل موضوعاتها، وفي كل مستوياتها، والسخرية تَجَبُّر وشِرْكٌ، فما معنى كونها شركًا ؟ أي أنت بذكائك حصَّلت ما حصَّلت إليه ؟ لا، بل بفضل الله عزَّ وجل، ماذا قال قارون ؟ قال:

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

(سورة القصص: آية " 78 " )

هذا هو الشرك، فمن الذي يسخر ؟ من غاب فضل الله عنه، يرى جهده، وذكاءه، وعمله الدؤوب، وماضيه الطويل، وخبراته المتراكمة، هذا الذي يسخر، أما الذي يرى فضل الله عليه فلا يسخر بل بالعكس إنه يشكر، والشكر مكان السخرية، والنُصْح مكان السخرية، اشكر الله على ما أنت فيه، وانصح وادعُ لهذا الذي تراه أقلَّ منك، وهذا نهي في القرآن الكريم، آية صريحة.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً﴾

المؤمن الحقيقي هو المؤمن الذي يبعد عنه السخرية و تعليقاتها:

لا يسخر صحيح من مريض فقد يبتليه الله
تروي كتب الأدب أن رجلاً غنياً جلس مع زوجته يأكلان دجاجاً، طُرِقَ الباب، ففتحت الزوجة الباب فرأت متسوّلاً، همَّت أن تعطيه من هذا الطعام شيئاً فنهرها زوجها ووبَّخها وقال: اطرديه، وبعد حين ساءت العلاقات بين الزوجين فطلَّقها، وتزوجت بآخر فكان غنياً، ومرَّةً كانت مع زوجها الثاني يأكلان الدجاج فطرق طارقٌ، فذهبت لتفتح الباب فوجَمَت، قال: ما لكِ ؟ قالت: لا شيء، قال: قولي، قالت: أتدري من الطارق ؟ إنه زوجي الأول، قال: وهل تدرين من أنا ؟ إنني السائل الأول، فالله عزَّ وجل قادر أن يجعل الفقير غنياً، فإذا أعطى أدهش، وإذا سلب أدهش، وأحياناً يُدهِش بالعطاء ويُدهِش في السلب، أحياناً شخص لا تعبأ به وقد يصبح في منصب كبير جداً، وأنت عنده تعمل، فالمؤمن لا يسخر.
لا يسخر قويٌّ من ضعيف، ولا غنيٌّ من فقير، ولا صحيحٌ من مريض، ولا وسيمٌ من دميم، هذه الوسامة بحادث بسيط يصير الإنسان مشوَّهاً، فأين جماله ؟ ولا صحيحٌ من سقيم، ولا غنيٌّ من فقير، ولا عالِمٌ من جاهل، فالجاهل علِّمه، ولكن إياك أن تسخر منه، هناك جبابرة العلماء إذا سألهم واحد سؤالاً فيمطرونه سخريةً، فما هذا السؤال ؟ أنت اشكر الله على أن علَّمك وزكِّ عن هذه النعمة بتعليم هذا الإنسان، فالسخرية وتعلُّقاتها لا يمكن أن تكون داخلةً في حياة المؤمن، أيسخر ؟ فمعنى هذا أنه مشرِك، أيسخر فهو متجبّر، وهل يسخر ؟ فيتجاهل أن الله بيده كل شيء، وأنه يجعل الفقير غنياً والغني فقيراً، والمريض صحيحاً والصحيح مريضاً.

كل إنسان يعتز بشيء ويحتقر ما عند الآخرين يقصمه الله عزَّ وجل:

وقصة ليست في بلادنا بل في بلاد الغرب..إنه رجل يؤمن أن الجري هو كل شيء، مات وهو يجري، والجري عنده الصحة كلُّها، فالجري مفيد جداً، أما أن تعبده من دون الله فلا، فكان حتفه في الجري، فكل إنسان يعتز بشيء ويحتقر ما عند الآخرين يقصمه الله عزَّ وجل.

(( الكبرياء إزاري والعظمة ردائي فمن نازعني فيهما شيئًا قصمته ولا أبالي))

[ أخرجه أبو داود و ابن ماجه و أحمد عن أبي هريرة]

سيدنا عمر بن الخطاب بلغه أن أحد الأشخاص الذين كانوا معه ذهب إلى بلاد الشام وشَرِبَ الخمر وتنصَّر... الخ، فما سخِرَ منه بل أرسل له كتاباً رقيقاً وقال له: "أما بعد ذكَّره بربه.

﴿ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ﴾

( سورة غافر: آية " 3 " )

أحمد الله إليك.. "، فهذا الذي يشرب الخمر وشرد عن أمر الله عزَّ وجل يقرأ ويبكي إلى أن تاب الله عليه، فالمؤمن عنده رحمة وتواضع، وعنده شعور أن فضل الله عليه كبير، ألا تقرؤون قول الله تعالى:

﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

(سورة النساء )

الله علَّمك وعلِّمه، ورفع شأنك فخذ بيده إليك.

من أراد محبة الناس عليه ألا يسخر منهم:

بالنصح يحبك الطرف الآخر
حاطب بن بلتعة ارتكب خيانة عُظمى، فقال سيدنا عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال له:

(( لا يا عمر إنه شَهِدَ بدراً ))

فجاء بحاطب وقال:

(( يا حاطب ما حملك على ما فعلت ))

قال له: والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت، ولكن أردت أن يكون لي صنيعة عند قريش أحمي بها مالي وأهلي، والله (أعادها ثانيةً) ما كفرت ولا ارتددت، فالنبي قال:

((إني صدقته فصدِّقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً ))

أنهضه من عثرته، وأقاله من كبوته، ثم حسن إسلامه وأرسله مندوباً شخصياً له إلى بعض الملوك، أنت بالسخرية يصبح الطرف الآخر عدوًّاً لك، ولكن بالنصح يحبّك، ولا يوجد شيء يبعد النفوس كالسخرية، والنصح يقرِّب النفوس، فإذا أردت أن يحبك الناس فإياك أن تسخر منهم، ولا تسخر أبداً لعلَّه أفضل منك عند الله.

السخرية علامة جهل وشرك وتجبُّر :

مرَّة كنَّا في عرفات قبل أعوام، قال أحد الخطباء في عرفات: لعلَّ واحداً منكم ممن لا يؤوبه له غفر الله له وبمغفرته غفر لنا، هناك أشخاص ربما كانوا عند الله في مقام عالٍ وأنت لا تعرفهم، فإياك أن تسخر من أحداً، السخرية علامة جهل وشرك وتجبُّر، وتوجد آية صريحة.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

الإنسان المؤمن يسعى دائماً للحرص على وحدة المؤمنين و سمعتهم:

وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتابع هذه الآيات، ولكن الذي أرجوه من الله تعالى أن تُتَرْجَمَ هذه المعاني إلى علاقات، وإلى سلوك يومي، أي إذا بلغ واحد منا خصومةٌ بين أخوين فلا يقل: ( ما دخلني يصطفلوا، فخار يكسِّر بعضه )، بل هذا ليس كلام مؤمنين، بل هذا كلام كفَّار، وليس كلام رحماء، بل ليس كلام إنسان الإيمان غالٍ عليه، وليس كلام إنسان يحرص على سمعة المؤمنين، وعلى وحدة صَفِّهم، وعلى قوَّتهم، فلذلك الموقف السلبي محرَّم في نص هذه الآية:

﴿ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾

وأنا متشدِّد في فهم الآية بالمعنى الواسع، فالقضية ليست قضية اقتتال وسيل دماء، بل الخصومات، و الذي يفرِّق المؤمنين الآن خصوماتُهم، فلا تُحدِث خصومة، انفتح وكن عدلاً ورحيماً ومتواضعاً.. فما أخلص عبدٌ لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودَّة والرحمة.
والحمد لله رب العالمين