8988
العقيدة - حقائق الإيمان والإعجاز - الدرس (22-30) : القواعد الكلية في فهم الدين - جراح الأسماك
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-06-14
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

تذكير بكليات الدين :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والعشرين من دروس حقائق الإيمان والإعجاز العلمي.

1 ـ الاستقامة :

 كنا في دروس أربعة سابقة نتحدث عن كليات الدين، بدأنا بالاستقامة، وبينت لكم سابقاً أن الاستقامة هي الحجر الأساس في هذا الدين، فما لم تكن مستقيماً لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، والاستقامة طابعها سلبي هي الامتناع، تسبقها كلما ما، ما أكلت مالاً حراماً، ما اغتبت، ما اعتديت.... إلخ.

2 ـ العمل الصالح :

 وبينت لكم أن الاستقامة تحقق السلامة، بينما السعادة تحتاج إلى عمل إيجابي، إلى عطاء :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف 110 ).

 فالاستقامة تحقق السلامة، والعمل الصالح يحقق السعادة، وما منا واحد إلا وقد جبل على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده.
 وقلت أيضاً إنك بالاستقامة تحقق سلامة وجودك، وبالعمل الصالح تحقق كمال وجودك، وبتربية أولادك تحقق استمرار وجودك.

3 ـ التفكر :

 ثم بينت أن أصل الدين معرفة الله، فلابدّ من أن تعرف الله من خلال آياته الكونية، وآياته التكوينية، وآياته القرآنية، آياته الكونية خلقه، وآياته التكوينية أفعاله، وآياته القرآنية كلامه، فآياته الكونية نتفكر فيها :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

( سورة آل عمران ).

 وأما آياته التكوينية أي أفعاله ننظر فيها، بدليل قوله تعالى :

﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

( سورة الأنعام ).

 فالآيات الكونية نتفكر بها، والآيات التكوينية ننظر فيها، وأما الآيات القرآنية نتدبرها، هذا الجانب الثالث في كليات هذا الدين.

4 ـ الاتصال بالله :

 وفي الدرس الماضي تحدثت عن الاتصال بالله، الذي هو قمة هذه الكليات، لأن الصلاة من أجل الصلة، ولأن الزكاة من أجل الصلة، ولأن الحج من أجل الصلة، ولأن النطق بالشهادة من أجل الصلة، ولأن غض البصر من أجل الصلة، ولأن الصدق من أجل الصلة، ولأن الأمانة من أجل الصلة، فكل العبادات التعاملية والشعائرية وحتى الآداب من أجل أن تكون قريباً من الله :

(( إن الله طيِّب، لا يقبلُ إلا طيباً ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ].

 هذا ملخص الحديث السابق حول كليات هذا الدين.

الاهتمام بكليات الدين والابتعاد عن الجزئيات التي تقود المسلم إلى التلاسن و العداء :

 البطولة أيها الأخوة، ألا تزل القدم فنغرق في الجزئيات وننسى الكليات، وهذه حالة مرضية خطيرة أصابت المسلمين، نسي المسلم مقاصد الشريعة، يختلفون على قضايا صغيرة جداً، هذه الاختلافات تسوقهم إلى المهاترات، ثم التلاسن، ثم العداء، ثم سفك الدماء، والقضايا جزئية.
 لذلك في غيبة كليات الشريعة، في غيبة مقاصد الشريعة، قد نغرق بالجزئيات وقد تكون هذه الجزئيات سبب ضعف المسلمين، سبب خصومتهم، أوضح مثل حينما اختلف المسلمون في بلد غربي حول عدد ركعات التراويح، واقتتلوا، والشرطة دخلت بأحذيتها إلى المسجد، وفضت هذا النزاع، هناك مفت أفتى بإغلاق المسجد تحت تعليل أن وحدة المسلمين فرض والتراويح بأكملها سنة، أيعقل من أجل سنة أن ننسى الفرض؟
 الذي أتمناه في هذا اللقاء الطيب أن يكون واضحاً ألا تنسى أبداً مقاصد الشريعة، لا تنسى أبداً كليات الدين، لا تنسى أبداً أن الجزئيات وحدها إذا غرقت بها ابتعدت عن مقاصد الدين، ودخلت في خصومات لا تنتهي، ودائماً وأبداً أقول لكم هذه الكلمة : أي قضية في الدين خلافية إن لم يبنَ عليها حكم شرعي لا جدوى في الحديث فيها، هذه أول حقيقة، هناك خلاف حول طول آدم عليه السلام، في روايات يقدر طوله بستين متراً، ما فائدة الحديث عن طوله ؟ هذا الوضع ماذا يقدم لنا وماذا يؤخر ؟ مادام الموضوع لا ينعكس حكماً فقهياً، لا ينعكس سلوكاً، لا ينعكس حركة، لا جدوى من الحديث فيه.

إغفال الله تعالى بعض التفاصيل في القرآن الكريم لأنها لا تقدم أية فائدة لمغزى القصة :

 شيء آخر : حينما أوجز الله في القصص القرآنية التفاصيل أو ألغاها :

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾

( سورة الكهف ).

 من هو " ذي القرنين" ؟ في أي بلاد عاش ؟ في أية حقبة عاش ؟ ما تفاصيل حياته ؟ القرآن أغفلها.
 وكنت أقول دائماً : أنت حينما تبحث عن شيء سكت الله عنه إنك بهذا البحث تفسد على الله حكمته من هذا الإيجاز، أو ذاك التعتيم على التفاصيل، لأن الله ما أراد هذه القصص أن تكون قصة بالمعنى الدقيق التاريخي وقعت ولن تقع مرة ثانية، أراد هذه القصة أن تكون نموذجاً بشرياً، يقع في كل زمان ومكان، فلذلك القرآن أغفل التفاصيل لحكمة بالغة، وخطأ كبير ارتكبه المفسرون حينما بحثوا في كتب أهل الكتاب عن تفاصيل قصص الأنبياء، فأدخلوا روايات إسرائيلية ما أنزل الله بها من سلطان، أنت حينما تبحث عن شيء سكت الله عنه، سكت عنه لحكمة بالغة، وسكت عنه لأن هذه التفاصيل لا تقدم أية فائدة لمغزى القصة.
 سقت إلى هذه الحقيقة مثل، أن أستاذاً جامعياً كبيراً وكان أديباً أراد أن يبين لطلابه في الاقتصاد عوامل نجاح التجارة، فجعل هذه العوامل ضمن قصة، قال : لي صديق اشترى محلاً تجارياً في مركز المدينة، هذا أول عامل في مكان تزاحم الأقدام، ثم اختار بضاعة أساسية، مادة غذائية، ثم اختار نوعاً لهذه البضاعة من أعلى مستوى، ثم كان سعرها معتدلاً ولم يتعامل بالدين، اختار المحل، البضاعة، النوع، السعر، ألغى الدين، الأستاذ أراد أن يقول لهؤلاء الطلاب أن هذه هي شروط نجاح التجارة، فقام طالب و سأله هذا الصديق ما اسمه ؟ اسمه لا يقدم ولا يؤخر، ليس له أية علاقة، طويل أم قصير، أبيض اللون أم أسمر، المحل بأي مكان، ما مساحته ؟ كل هذه التفاصيل بالتعبير الفني عبء على القصة، ولا تزيد من روعتها، ولا من حكمتها، ولا من مغزاها.

على كل إنسان أن يحترم سكوت القرآن عن التفاصيل التي لا تقدم و لا تؤخر :

 أول نقطة : عود نفسك أن الشيء الذي سكت الله عنه ينبغي أن تسكت عنه، ينبغي أن تحترم سكوت القرآن عن التفاصيل، يا ترى سيدنا يوسف بعد أن أصبح عزيز مصر هل تزوج امرأة العزيز ؟ والله لا أعرف، قال لي مرة إنسان : كيف قتل قابيل هابيل ؟ قلت له : بمسدس، والله يا أخوان تأتي أسئلة تحس السائل سخيفاً جداً، هناك معلومات تقدم بشكل رائع جداً، فإذا أنت بحثت عن تفاصيل أغفلها المتكلم، أغفلها لحكمة بالغة.
 فأنا في هذا اللقاء الطيب أريد أن أؤكد يجب ألا تنسى أبداً مقاصد الشريعة، يجب ألا تنسى أبداً حكمة الشريعة، يجب ألا تنسى أبداً أن الله عز وجل الذي سكت عنه ينبغي أن تكف عن البحث فيه.

على الإنسان أن يحاول ألا تغيب عنه مقاصد الشريعة و الحكمة منها :

 مثلاً يحاول إنسان أن يثبت عدل الله بعقله، مستحيل، لماذا مستحيل ؟ لأن إثبات عدل الله بعقلك يحتاج إلى أن يكون لك علم كعلم الله وهذا مستحيل، الله عز وجل أخبرك بمئات الآيات أنه لا يظلم :

﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

( سورة النساء ).

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾

( سورة النساء ).

 ولا قطمير، ولا حبة من خردل :

﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾

( سورة غافر الآية : 17 ).

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾

( سورة العنكبوت الآية : 40 ).

 كل هذه الآيات القرآنية قطعية الدلالة ألا تكفي كي تظن بالله ظناً حسناً ؟ تبحث عن دليل عقلي، العقل محدود، العقل محدود في مهمته.
 مرة زارني أخ طبيب أحترمه كثيراً قال لي : ألفت كتاباً عن مرض وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يظن أنه قد أفلح، قلت له : هذا الكتاب ما فائدته ؟ النبي مات، يا ترى مات بمرض أو بآخر هذا شيء لا يقدم ولا يؤخر، لو أنك ألفت كتاباً عن وصايا النبي الصحية لانتفع بها المسلمون في كل مكان، عود نفسك ألا تغيب عنك مقاصد الشريعة، ألا تغيب عنك الحكمة.

الشريعة عدل كلها وأي قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة فليست من الشريعة :

 هل تصدق أن الله عز وجل حينما أمر بذبح الهدي بالحج، أي كانوا يذبحون الهدي، ويتركونه في الأرض، تقريباً في كل عام يذبح مليون لمليونين دابة في منى، و درجة الحرارة تقدر بست وخمسين درجة، واللحم يتفسخ، أقسم لي أخ بالله أن رائحة المنطقة كلها حتى مكة المكرمة لا تحتمل لأشهر ثلاثة، هل تصدق أن الشريعة أرادت أن تذبح هذه الملايين لتبقى جيف ذات روائح لا تحتمل ؟ مستحيل، ماذا قال بعض العلماء ؟ الشريعة عدل كلها، مصلحة كلها، رحمة كلها، وأي قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، ومن العدل إلى الجور، ومن الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.
 وأنت قد تيقنت أن كليات هذا الدين الاستقامة، وأن من كليات هذا الدين العمل الصالح، وأن من كليات هذا الدين التفكر في خلق السماوات والأرض، أي أن تعرف الله، وأن من كليات هذا الدين أن تتصل به، وأن من كليات هذا الدين أن توازن دائماً بين الجزئيات وبين الكليات، بين التفاصيل وبين الأسس، بين الدقائق وبين الكل الذي يشمل هذه الدقائق.

الابتعاد عن أي قضية في التاريخ تشق صفوفنا وتفتت وحدتنا :

 حينما ننطلق معكم من أن أي قضية في الدين لا يقابلها حكم شرعي ننتفع به لا جدوى من الحديث عنها، مثلاً إذا كان هناك خلافات في التاريخ الإسلامي ما جدوى نقلها إلى الحاضر ؟ ما جدوى أن تسهم هذه الخلافات في شق صفوف المسلمين ؟ كيف ألغي هذه الخلافات بآية واحدة ؟

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(134)﴾

( سورة البقرة ).

 من كان على حق الصحابي فلان أو فلان ؟ ماذا يعنيك من هذا ؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال : إذا ذكر أصحابي فأمسكوا.
الآن أي قضية في التاريخ بصرف النظر عن المحق ماذا تفيدنا لو بحثنا عنها ؟ الآن هناك رغبة عند بعض الفرق الإسلامية أن نأتي من التاريخ بقضايا تشق صفوفنا، وتفتت وحدتنا، وتلغي توافقنا، هذا خطأ كبير.

تقييم الأشخاص من شأن الله وحده :

 شيء آخر مما أتمناه عليكم : تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، لا تكلف نفسك أن تقيم إنساناً :

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا ﴾

( سورة الإسراء ).

 لا تقيّم الأشخاص قل : الله أعلم، أحسبه صالحاً ولا أزكّي على الله أحداً، قل : والله لا أعلم، أما هذا التطاول، وهذا التنطع لتقييم الأشخاص وكأنك وصي على البشر، هذا خطأ كبير.
 بهذا الموضوع يوجد نص مذهل، النبي عليه الصلاة والسلام كان في بيت أحد الصحابة، الذين توفاهم الله اسمه " أبو السائب "، فسمع امرأة تقول : هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله ـ لأنه نبي مرسل، ولأن كلامه تشريع، ولأن أفعاله سنة وتشريع، ولأن سكوته إقرار وتشريع، لو أن النبي سكت على مقولة هذه المرأة لكان كلامها تشريعاً ـ فقال عليه الصلاة والسلام : ما يدريك أن الله أكرمه ؟ قولي : أرجو الله أن يكرمه وأنا نبي مرسل، لا أدري ما يفعل بي ولا بكم.
هذا شأن العباد، فأنت أرح نفسك من قضية تاريخية :

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(134)﴾

( سورة البقرة ).

 معنى هذا أن التاريخ فيه كم كبير كبير من أسباب الشقاق بين المسلمين، و بهذه الآية ألغيت هذه المساحة الكبيرة جداً الخلافية التي تسهم في تفتيت وحدة المسلمين اليوم.

على كل إنسان ألا يقبل أي نص إلا بالدليل :

 موضوع ثانٍ : أي قضية في الدين لا يبنى عليها حكم شرعي لا جدوى من الحديث عنها.
 الآن أي تفاصيل سكت عنها القرآن الكريم ينبغي ألا تبحث فيها، إنك إن بحثت فيها أفسدت على الله حكمته البالغة من إغفال هذه التفاصيل، هذه أشياء أساسية جداً حينما نفعل هذا نتعاون، نتحد، تزول هذه الخلافات.
 شيء آخر : نحن عندنا القرآن الكريم قطعي الثبوت، أي القرآن الذي بين أيديكم هو نفسه بالتمام والكمال الذي أنزل على قلب رسول الله، فالقرآن قطعي الثبوت، أما الحديث ظني الثبوت، فيه أحاديث صحيحة، وفيه أحاديث ضعيفة، وفيه أحادث موضوعة، أكثر مشكلات المسلمين من الأحاديث الضعيفة، كل فرقة تدعي بحديث ضعيف أو موضوع أنها أفضل من الأخرى، لو اكتفينا بالصحاح لاتحدنا.
 الآن النقطة الدقيقة التي أتمناها عليكم : لا تقبل نصاً موضوعاً، فلان هكذا قال، طالبه بالدليل، عود نفسك ألا تقبل شيئاً إلا بالدليل، وألا ترفض شيئاً إلا بالدليل :
إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم :

(( عمر، دينك، دينك، إنه لحمك ودمك، خذا عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

[ كنز العمال عن ابن عمر].


 قضية الدين قضية مصيرية، يمكن أن تتعلق بحديث موضوع ليس له أصل، يمكن أن تسيء الظن بصحابي لحديث موضوع ليس له أصل، يمكن أن ترفض حكماً شرعياً لحديث موضوع ليس له أصل، فلا بدّ من الدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء.

منهج البحث في الإسلام :

 إذاً : هذه ملاحظات في الدرس الخامس أضعها بين أيديكم، من أجل أن نستكمل بها كليات الدين، كلية الاستقامة، وكلية العمل الصالح، وكلية معرفة الله، وكلية الاتصال بالله، أما هذه الكليات تحتاج إلى هذه الملاحظات.

1 ـ فهم القرآن وفق قواعد اللغة و وفق علم الأصول و وفق فهم الصحابة :

 بالمناسبة ما منهج البحث في الإسلام ؟ أنا أمام قرآن كريم قطعي الثبوت، أنا مع آياته فقط أن أفهمها، أن أفهمها وفق قواعد اللغة، وفق علم الأصول، وفق فهم الصحابة لها، مهمتي الأولى مع القرآن الكريم أن أفهمه، لي معه مهمة واحدة أن أفهمه.
 بالمناسبة علاقة العقل بالنقل، العقل له دور قبل النقل، وله دور بعد النقل، دوره قبل النقل التأكد من صحة النقل، ودوره بعد النقل فهم النقل، ولن يكون العقل حكماً على النقل، لأن النقل وحي السماء الوحي المطلق والعقل مربوط بالواقع، إذا شخص مات قبل خمسين عاماً أتيح لك أن تلتقي به افتراضاً، أطلعته على قرص قلت له : هذا فيه عشرة آلاف عنوان، عنوان أي ما يقدر بثلاثين مجلداً، و هناك تفاسير تقدر بأربعين مجلداً، أي لم أقل عشرة آلاف كتاب، عشرة آلاف عنوان، العنوان قد يكون أجزاء، أي ما يقدر بثلاثين ألف كتاب، بالنص، بالتشكيل، بالبحث، هل يصدق ؟ الذي عاش قبل خمسين عاماً يصدق هذا الكلام ؟ يتهمك بالجنون، الرسالة كانت تستغرق أربعة أشهر مثلاً من مدينة إلى أخرى على مشارف الصين مثلاً لأمر بالفتوح، الآن تعمل رسالة بالفاكس خلال ثانية واحدة تكون في أمريكا، تحمل جهازاً خلوياً تضغط على بعض الأزرار تتكلم مع ابنك في أمريكا، الذي عاش قبل خمسين عاماً لا يمكن أن يصدق هذه الأشياء.
 فأيهما أقوى العقل أم النقل ؟ النقل وحي السماء، العقل مرتبط بالواقع، فالعقل مهمته قبل النقل التأكد من صحة النقل، و مهمته بعد النقل فهم النقل، ولن يكون العقل حكماً على النقل، هذه واحدة، الآن أنت مع القرآن الكريم مهمتك أن تفهمه فقط وفق قواعد اللغة العربية، وفق قواعد علم الأصول، وفق فهم الصحابة الكرام، لأن النبي أثنى على القرن الذي يعيشه، والذي يليه، والذي يليه، القرون الخيرية الثلاث في فهم هذا الدين.

2 ـ فهم الحديث و التأكد من صحته :

 أما الحديث : لك مهمتان ؛ المهمة الأولى أن تتأكد من صحة الحديث، لذلك قبل أن تعتمد حديثاً شريفاً هل تأكدت من صحته ؟ لعله موضوع، إنسان دجال يدعي أنه إذا قرأ حديثاً يرى النبي عليه الصلاة والسلام في اليوم، ويسأله هل قلت هذا الحديث يا رسول الله ؟ يقول له : نعم أو لا، أشاع في الناس أنه يصحح الأحاديث بهذه الطريقة، هو دجال، فجاء إنسان أعطاه حديثاً صحيحاً، هو ماذا يفعل يفتح الكتب في الليل يراه صحيحاً، فيدعي أنه رأى النبي، وسأله عن الحديث فيقول : نعم أنا قلته، أعطاه أول حديث صحيح، في اليوم التالي أعطاه حديثاً موضوعاً، قال : رأيت النبي وقال : لم أقله، هو فتح وجده موضوعاً، أما الضربة الذكية في اليوم الثالث أعطاه حديثاً ضعيفاً قال : سألته فقال لي : حديث ضعيف، قال له : لا، النبي قاله أم لم يقله فقط ؟ فكشف كذبه.

3 ـ مع كلام آخر لك ثلاث مهمات :

 فلا بدّ من أن تتأكد من صحة النص، هذا منهج، والله أسمع قصصاً، أسمع أحكاماً، تصورات، طروحات مضحكة، فأنت مع القرآن فهم، مع الحديث الشريف التأكد من صحة الحديث مع فهم، مع كلام آخر ؟ ثلاث مهمات، أولاً : صحة نسبة هذا النص إلى قائله، ثم موافقته للكتاب والسنة، ثم ماذا قصد بهذا المعنى ؟ هذا منهج البحث، إذا كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل.

القواعد الكلية في فهم الدين :

 أيها الأخوة الكرام، أذكركم بالعناوين الكبرى، أولاً تقييم الأشخاص من شأن الله وحده.
ثانياً التاريخ :

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(134)﴾

( سورة البقرة ).

 ثالثاً : أي قضية في الدين لا يبنى عليها حكم شرعي نطبقه لا جدوى من الحديث عنها.
 رابعاً : قبل أن تتوهم أن هذا من الدين لعلك أوردت حديثاً ضعيفاً أو موضوعاً وهو ليس من الدين.
 لو راعينا هذه القواعد الكلية في فهمنا لهذا الدين جاءت كليات الدين مع هذه القواعد حصناً حصيناً لنا في فهم هذا الدين.

الموضوع العلمي :

جراح الأسماك :

 ننطلق أيها الأخوة، إلى الموضوع العلمي.
 طبعاً الأسماك في البحار شأنها كشأن البشر، عندهم قتال، وحروب، وقتلى، وجرحى، نقف عند موضوع جراح الأسماك، سمكة عضتها سمكة كبيرة فجرحت، أي عندنا ظاهرة عجيبة جداً هي سرعة التئام جروح الأسماك بسرعة لا يعهدها الإنسان، تقريباً خمس الوقت الذي يحتاجه الإنسان لتلتئم جراحه، فالعلماء ظنوا أن ملوحة مياه البحر أحد أسباب هذه السرعة في التئام الجروح، جاؤوا بماء وأعطوه ملوحة البحر، وجرحوا سمكة فلم تلتئم السمكة، فبهذه التجربة نفيت هذه الفرضية بأن المياه المالحة هي التي تسبب سرعة التئام جراح الأسماك.
 أثناء البحث في هذا الموضوع وجدوا أن السمكة التي جرحت تأتي سمكة أخرى تلتصق بها، شيء عجيب ما الحكمة من هذا الالتصاق ؟ ثم تأكدوا أن هذه الأسماك حينما تلتصق بالأسماك الجرحى تعطيها مادة، هذه المادة سامة وضارة في ظاهرها، لكن هذه المادة السامة الضارة من خصائصها تخثير الدم، وانقباض الجلد والعضلات، فيها مادة لاصقة، مادة تخثر الدم فالشرايين تسد فوراً، ومادة تقرب من الجلد والعضلات، ومادة لاصقة، شيء عجيب.
جاؤوا بهذه المادة و وضعوها على جرح إنسان، فالتأم هذا الجرح بثلث المدة التي يلتئم فيها عادة، فإذا شخص جرحت يده و وضع لها ضمادات في الأعم الأغلب بعد يومين أو ثلاثة يلتئم الجرح.
 عندما جاؤوا بهذه المادة السامة الضارة التي أخذوها من جلود الأسماك حينما تلتصق بزميلاتها الجرحى، وجدوها مادة سامة ضارة، ولكن فيها مادة تخثر الدم، ومادة تقرب من العضلات والجلد، ومادة لاصقة، وضعوها على جراح الإنسان فالنتيجة كانت عجيبة جداً، أن هذه الجراح التأمت في ثلث المدة التي تلتئم بها الجراح عادة، صنع من ؟ حكمة من ؟ قدرة من ؟.

عدم فساد حياة الأسماك في الأعماق بقدرة الله عز وجل و إتقان صنعته :

 كلكم يعلم أن الغواصة بعد مئتي متر تتحطم، ضغط الماء مرتفع جداً، فالغواصة معها جهاز مقياس للارتفاع، مرة غواصة فرنسية تحطمت لأن جهاز الارتفاع تعطل، فقائد الغواصة غاص بها أكثر من مئتي متر فتحطمت.
 إذاً كيف تعيش الأسماك في خليج مريانا ؟ في المحيط الهادي الذي يقدر عمقه بأكثر من اثني عشر ألف متر ؟ على المئتي متر تتحطم الغواصة، و الأسماك تعيش على عمق يقدر باثني عشر متراً تحت سطح الماء، ما شأن هذه الأسماك ؟ قال : لها فتحة مربوطة بين ظاهرها و باطنها، هذه الفتحة تجعل الضغط متساوياً، إذا شخص مثلاً لا سمح الله صار بالقرب منه خرق لجدار الصوت، هناك احتمال كبير أن يتحطم غشاء الطبل عنده، بماذا ينصح ؟ بفتح فمه، عندما يفتح فمه الضغط دخل، فأصبح هناك توازن في الضغط بين داخل الفم و خارجه.
 فالأسماك التي تعيش تحت اثني عشر ألف متر بفضل الله هناك توازن في الضغط بين الخارج و الداخل، فلذلك عندئذ لا تفسد حياتها في هذه الأعماق.
دقة من ؟ علم من ؟ حكمة من ؟ الله عز وجل يقول :

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

( سورة طه ).

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS