14661
العقيدة - حقائق الإيمان والإعجاز - الدرس (19-30) : العمل الصالح والاستقامة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-05-17
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

العمل الصالح:

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع عشر من دروس حقائق الإيمان والإعجاز العلمي، ولا زلنا في حقائق الإيمان الكبرى.
الحديث في الدروس السابقة كان عن القرآن الكريم، واليوم الحديث عن العمل الصالح، ولا بدّ من مقدمة أوضح لكم فيها بعض الحقائق الأساسية في حياة المؤمن.

الاستقامة على أمر الله أحد أكبر كتل الإيمان:

 أيها الأخوة، الدولة فيها آلاف الدوائر، لكن ممكن أن نقول: هناك سلطة تشريعية، وسلطة تنفيذية، وسلطة قضائية.
هناك آلاف الأغذية، نقول: هناك سكريات، هناك مواد دسمة، وهناك مواد بروتينية.
 يا ترى الإيمان العظيم، الدين القويم، الواسع جداً، يمكن أن نعتمد كتلاً كبيرة هي أصل الإيمان ؟ هنا السؤال، آلاف الأحكام الشرعية، مئات ألوف الأعمال الصالحة، كمفردات أو كجزئيات الدين واسع جداً، لكن ممكن أن نضغطه بكتل كبيرة ؟ هنا السؤال، القضية اجتهادية، لكن الله أعلم.
 عندنا الكتلة الأولى التي إن لم تكن لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، هي الاستقامة، والاستقامة طابعها سلبي، يقول لك: ما كذبت، ما غشيت، ما اغتبت، ما أكلت مالاً حراماً، الاستقامة طابعها سلبي، أي الاستقامة امتناع، فأحد أكبر كتل الإيمان، أو أحد أكبر دعائم الإيمان أن تستقيم على أمر الله، وما لم تستقم على أمر الله لا تطمع أن تقطف من ثمار الدين شيئاً، وفر وقتك، إذاً أنت ماذا تفعل إن لم يكن هناك استقامة ؟ يوجد ثقافة، أنت مع ثقافة إسلامية، يمكن مع مشاعر إسلامية، يمكن مع اهتمامات إسلامية، يمكن مع خلفية إسلامية، مع أرضية إسلامية، مع مشاعر إسلامية، مع تطلعات إسلامية، مع زخارف إسلامية، مع أقواس إسلامية، مع صور إسلامية ، فصار الإسلام كما يفهمه الآخرون تراثاً، و ثقافة، يقول لك: بالثقافة الإسلامية كذا وكذا.

من هان أمر الله عليه هان على الله:

 لذلك السؤال الكبير الذي يعتصر له القلب:

(( وَلَا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))

[ الترمذي عن ابن عباس ]

 المسلمون مليار وخمسمئة مليون، وليس من باب التشاؤم لكن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، مليار وخمسمئة مليون، وليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، ولا وزن لهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لو إنسان قال لي: ما الدليل ؟ أقول: جاء رئيس أمريكي إلى بلدنا، وأحد بنود زيارته الثلاثة زيارة أسرة الأسير الإسرائيلي في غزة، وأحد عشر ألفاً وثمانمئة أسير مسلم فلسطيني عند اليهود هؤلاء ليسوا بشراً ؟ والذي زار المنطقة مؤخراً زار أسرة الأسير ولم يعبأ بأحد عشر ألفاً وثمانمئة أسير، أنا لست متشائماً، ولكن هذا الواقع، كيف نفسر ؟

(( وَلَا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))

[ الترمذي عن ابن عباس ]

 والمسلمون مليار وخمسمئة مليون، لا وزن لهم، وليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لذلك كن واقعياً، لا تطمع أن تنال من الدين شيئاً إن لم تستقم على أمر الله، من دون استقامة الدين عبارة عن ثقافة، عن فلكلور، يقول لك: فلكلور إسلامي، والله الذي لا إله إلا هو قرئ القرآن الكريم في فرنسا على أنه فلكلور إسلامي، فلكلور شرق أوسط ليس كلام خالق السماوات والأرض، لا يوجد استقامة كما ترى هان أمر الله علينا فهنا على الله، لأنه حينما تقع مصيبة كبيرة لا يمكن أن تتحرك لإزالتها إلا إذا عرفت أنها مصيبة، نحن في مصيبة كبيرة.

المسلمون كأفراد متفوقون جداً أما كمجموع لا وزن لهم في الأرض:

 أول نقطة: ما لم تستقم على أمر الله لا تطمع أن تقطف من ثمار الدين شيئاً، يوجد جوامع رائعة جداً، والله هناك جوامع الآن العقل يحار في عظمتها، هناك جامع في الدار البيضاء فوق البحر، لأن الذي أمر ببنائه استوحى هذا من قوله تعالى: وكان عرشه على الماء، أراد أن يجعل هذا الجامع فوق البحر، هناك فتحات في الحرم تنظر منها ترى الماء، مئذنته جامعة، و أنا قمت زرته.
وهناك جامع بقسطنطين جوامع ضخمة جداً، زخارف رائعة، تقنية حديثة، مؤتمرات إسلامية، مؤلفات إسلامية، قنوات فضائية إسلامية، محاضرات إسلامية، كتب، مجلدات، لكن مجموع المسلمين لا وزن لهم، المسلمون كأفراد متفوقون جداً، تكون بشيكاغو يقال لك: أعلى بناء في شيكاغو تصميم مهندس مسلم.
 يقال لك: رئيس الطاقة الذرية في أمريكا مسلم، المسلمون كأفراد متفوقون جداً، أما كمجموع لا وزن لهم في الأرض، لأن الملخص: هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، والأمر بيدنا، والكرة في ملعبنا:

﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ (19) ﴾

( سورة الأنفال )

 وإله الصحابة إلهنا، والذي نصر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه ينصرنا إذا عدنا إليه.

كليات الإيمان:

1 – الاستقامة على أمر الله:

 لذلك أول كتلة، أول كلية من كليات الإيمان أن تستقيم على أمر الله، لا يهمني مظهرك أبداً، تهمني استقامتك، أنا لا أريد إنساناً له مظهر ديني صارخ، ويضع مادة مسرطنة في صناعة مواد غذائية ليربح أكثر، أنا الآن لا أحتمل إنساناً يكذب ويصلي أول صف.

المؤمن مرتبة أخلاقية و علمية و جمالية:

 كلمة مؤمن كلمة كبيرة جداً، أي بمصطلحات البشر أنت حينما تقول: دكتور أي إنسان يقرأ ويكتب، يحمل شهادة ثانوية، يحمل لسانس، يحمل دبلوم، يحمل ماجستير، يحمل دكتوراه، له مؤلفات، ترك آثاراً علمية، التحق بالجامعات، له أساتذة ، لمجرد أن تقول كلمة دكتور، كل هذه المعاني يمكن أن تنسحب عليه.
 الآن لو قلت: كلمة مؤمن، المؤمن مرتبة أخلاقية، المؤمن لا يكذب، لا يحتال، لا يحقد، لا يبني مجده على أنقاض الناس، لا يستغل الناس، لا يستعلي عليهم، الحد الأدنى، مؤمن صادق، مؤمن أمين، مؤمن عفيف، مؤمن رحيم، مؤمن متواضع، المؤمن مرتبة أخلاقية، المؤمن مرتبة علمية، عرف الله، عرف سرّ وجوده، عرف غاية وجوده، عرف من أين وإلى أين ولماذا ؟ عرف ما ينبغي و ما لا ينبغي، عرف ما يجوز وما لا يجوز، عرف الحلال والحرام، عرف الفرائض، عرف المحرمات، عرف السنن، والمستحبات، والمباحات، يتميز المؤمن أنه أخلاقي، يتميز المؤمن بأن له أذواقاً جمالية رائعة جداً، فكلمة مؤمن مرتبة كبيرة جداً.

التقليد الأعمى للغرب في كل شيء:

 منذ سنة تقريباً أو أكثر أخت كريمة اتصلت بالهاتف، وأرسلت لي موضوعاً معيناً لأطلع عليه، فابنها جاء به إليّ في المسجد، نظرت إلى بنطاله اعتصر قلبي من الألم، ثلاثة ثقوب كبيرة، معنى هذا أن أسرته أسرة فقيرة جداً، شاب أول حياته يلبس بنطالاً فيه ثلاثة ثقوب، والله معي دفتر صغير كتبت، وكان عندي سفر إلى أستراليا، إن شاء الله حينما أعود أهيئ لهذا الشاب ثياباً جديدة، ذهبت إلى أستراليا دعانا أخ كريم من أهل الغنى إلى طعام الإفطار، وجدت ثياب ابنه فيها ثقوب ثلاثة أيضاً، إذاً هذه موضة:

(( حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ))

[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]

 انظر إلى التقليد، آخر شيء: يجب أن يكون البنطال مهترئاً، فيه ثقوب، فيه رقع أحدث موديل، يوجد رقع و ثقوب، أو كاحت، أو خيوط من البنطال تجر على الطريق، هكذا علمونا، هذه الموضة، نحن أمة ؟ لنا شخصية ؟
 نساؤنا المسلمات من يتحكم بثيابهن ؟ مصمم أزياء يهودي يعيش في فرنسا، يقصر يقصرون، يطول يطولون، يضيق يضيقون، نحن إمعة.
 أنا أتكلم بقسوة سامحوني لكني متألم جداً، الأمة لها شخصية، لها هوية، لا يسمح المسلم لا لمجلة، ولا لمصمم أزياء، أن يخترق قواعدنا الإسلامية، فأكبر كتلة، أكبر ركن، أكبر دعامة في هذا الدين أن تستقيم على أمر الله، فإن لم تستقم لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، ومظهرك لا يؤثر إطلاقاً.

على الإنسان ألا يبني مجده على أنقاض الآخرين و إلا خسر الدنيا و الآخرة:

 كيفما كان مظهرك، إن كان مظهراً دينياً صارخاً، أو مظهراً مدنياً عادياً، العبرة ألا تأكل المال الحرام، ألا تبني مجدك على أنقاض الآخرين، ألا تبني غناك على إفقارهم.
 والله مرة رجل من رواد المساجد جالس بسهرة ـ هو ساكن في بيت صاحبته تركية ـ قال: ثمن المنزل الذي أسكن به سبعة ملايين، وعدّ نفسه بطلاً عندما استطاع أن يخلصه بسبعمئة ألف، يتبجح، بيت مركزه المالي سبعة ملايين، صاحبته تركية تعيش من أجرته، استطاع أن يخلصه بأسلوبه الخاص بسبعمئة ألف وباعته إياه.
 أنا أقول كلمة اقبلوها ومعي دليل فيها: عندما تأكل مالاً حراماً، عندما تؤذي المسلمين، إذا بعتهم بضاعة سيئة جداً، تلغي صلاتك، وصومك، وحجك، وزكاتك طول عمرك، والدليل: السيدة عائشة رضي الله عنها حينما قالت لأحد الصحابة: قولوا لفلان إنه أبطل جهاده مع رسول الله.
 وفر وقتك إن جئت إلى مليون درس إن لم تستقم لن تنتفع من كل هذه الدروس، إن جئت إلى مليون درس إن لم تستقم لن تقطف ثمار الدين، إن استقمت هناك توفيق، هناك رزق طيب، إن استقمت هناك بيت إسلامي، و سعادة زوجية، و أولاد أبرار، إن استقمت تشعر بأنك في أعلى درجة.
 فأول كلية لن أسميها ركناً حتى لا تتداخل الأمور مع أركان الإيمان، سوف أسميها كلية كبيرة من كليات الدين، أن تستقيم على أمر الله.

واقع المسلمين و سبب تخلي الله عنهم:

 أيها الأخوة الكرام، هذه الفكرة لخصها عالم اسمه التستري، قال: " ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ". والدانق سدس الدرهم، إذا الدرهم ليرة سوري فالدانق عشرين قرشاً.
هل تحب أن أروي لك حكاية بأسطر تلخص واقع المسلمين كله، ولماذا تخلى الله عنهم ؟
 إمام سكن في لندن، نُقل إلى ظاهر لندن، إلى مانشستر، اضطر أن يركب مركبة كل يوم مع السائق نفسه، مرة صعد المركبة، وأعطى السائق ورقة نقدية كبيرة تقدر بعشرين جنيهاً، ردّ السائق له التتمة فعَدّها، فإذا هي تزيد عشرين بنساً على ما يستحق، فقال هذا الإمام في نفسه: سأردّ هذه الزيادة للسائق حينما أغادر المركبة، لكن بعد أن جلس جاءه خاطر شيطاني، قال: إنها شركة عملاقة، ودخلها فلكي، والمبلغ يسير جداً، وأنا في أمسّ الحاجة إليه، فلا عليّ أن آخذه، وجد فتوى، لكن يبدو أن ورعه غلب منطقه، لكن الذي حصل أنه قبل أن ينزل دون أن يشعر مدّ يده إلى جيبه، وأعطى السائق العشرين بنساً الزائدة، فابتسم السائق، وقال له: ألست إمام هذا المسجد ؟ قال: بلى، قال: والله حدثت نفسي قبل يومين أن أزورك في المسجد لأتعبد الله عندك، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك، وقع مغشياً عليه، لأنه تصور عظم الجريمة التي كاد يقترفها لو لم يدفع للسائق هذا المبلغ، فلما صحا من غفوته قال: يا رب، كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً.
 والآن هناك مئات ألوف المسلمين، ملايين المسلمين، يبيعون دينهم كله وآخرتهم كلها باحتيال، بأكل مال حرام، باغتصاب بيت، باغتصاب شركة، ماذا أقول لكم ؟
إنسان ليس له عمل يعطى راتباً شهرياً في العالم الغربي وبيتاً، والراتب بألمانيا ألف وثلاثمئة يورو، وإذا كان عنده ابن كل ابن ثلاثمئة وثلاثين يورو، ويقدمون له بيتاً مع ماء وكهرباء مجاناً، و بطاقة طائرة يزور أهله كل عام، وإذا ادعى أنه ضيّع راتبه يعطونه بدلاً عنه، وإن ادعى أن الثلاجة غير جيدة يزودونه بثمن ثلاجة، هكذا النظام، لكن لو طلق زوجته يعطونه بيتاً ثانياً، بيت له وبيت لها، معاش له ومعاش لها، تجد المسلم يعمل بشكل مخالف للنظام، يدعي أنه ليس له دخل، يأخذ معاشاً له و معاشاً عن كل ولد، وبيت، وماء، وكهرباء، ثم يكتشف أنه لو طلق زوجته يأخذ بيتاً ثانياً، فيطلق امرأته طلاقاً شكلياً ويأخذ البيت الثاني، والألمان يعلمون هذا الكذب كله لكنهم لا يتكلمون، يريدون يداً عاملة، أحضر لنا عشرة أولاد، رغم كذبك قبلنا بك، فهل تتصور أنه من الممكن أن يدخل الناس في ألمانيا بالإسلام بعد أن رأوا هذه الأخلاق ؟ مستحيل، كذب بكذب، احتيال باحتيال.

الاستقامة عين الكرامة:

 وفر وقتك ما لم تستقم على أمر الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، ولن يصغي أحد إلى كلامك، ما لم تستقم على أمر الله، الاستقامة عين الكرامة، تستقيم على العين والرأس، تستقيم تذوق طعم الصلاة، طعم الزكاة، طعم الحج، طعم الصيام، تستقيم سعيد في بيتك، تستقيم عندك أولاد أبرار، ربيتهم على طاعة الله، تستقيم موفق في حياتك، تستقيم والله أقول لكم هذا المقياس: إن لم تقل وأنت مستقيم أنا أسعد الناس ففي استقامتك شك، أنت مع خالق الأكوان، مع من بيده كل شيء، مع من إذا قال كن فيكون، زل فيزول، مع المطلق في قوته، وفي غناه، وفي علمه، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
فإذا لم تقل أنا أسعد إنسان في الأرض لأنني عرفت الله، واستقمت على أمره، ففي إيمانك خلل، هذه الاستقامة، حتى نوفر وقتنا وجهدنا ويكون عملنا محسوباً مع الإيجابيات لا بد من أن تستقيم على أمر الله:

(( ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ))

الاستقامة تفضي بالإنسان إلى السلامة لا إلى السعادة لأن السعادة ثمنها البذل والعطاء:

 لكن أيها الأخوة الكرام، بشكل صريح وواضح الاستقامة تورثك السلامة فقط، ما أكلت مالاً حراماً الله حفظ لك مالك، اخترت زوجتك وفق منهج الله، لا يوجد عندك شقاق زوجي، ربيت أولادك تربية إسلامية لا يوجد عندك ابن عاق، فالاستقامة تفضي بك إلى السلامة ولكن لا إلى السعادة، السعادة ثمنها البذل والعطاء.
 سأضرب لكم هذا المثل: مجنَّد غرّ، التحق بقطعة عسكرية، على رأسها لواء أركان حرب، لا يستطيع هذا المجند أن يقابل اللواء إلا عن طريق التسلسل، فأمامه عريف أو عريف أول، مساعد أو مساعد أول، ملازم أو ملازم أول، إلا بحالة واحدة إذا كان ابن هذا اللواء يسبح و أشرف على الغرق فأنقذه وعلم بذلك، تدخل من دون إذن، ويستقبلك، وتجلس إلى جانبه، ويأتي لك بالضيافة، يقول لك: بارك الله بك، ماذا يفهم من هذا المثل ؟ تحب أن تسعد بالله اعمل عملاً صالحاً:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

 والعمل الصالح هو ثمن الجنة.

2 ـ كلية العمل الصالح:

 لذلك:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا (100)﴾

( سورة المؤمنون الآية: 100 )

 بعد الإيمان لا يوجد عمل يفوق العمل الصالح، دعوة إلى الله، إطعام الفقير، رعاية اليتيم، تأليف كتاب، تأسيس جمعية خيرية، رعاية من حولك، بر الوالدين، الذي يرقى بك إلى الله، الذي يعد سبب سعادتك في الدنيا العمل الصالح.
 إذاً صار عندنا كلية الاستقامة، وكلية العمل الصالح، قبل أن تستقيم على أمر الله وقبل أن تعمل صالحاً، لا تفكر بشيء اسمه سلامة، ولا بشيء اسمه سعادة.

أيّ يوم لم تزدد فيه علماً و قرباً من الله فهو خسارة كبيرة لك:

 مرة ثانية: قبل أن تستقيم على أمر الله، وقبل أن تعمل صالحاً تتقرب به إلى الله، لا تفكر أن تقطف من ثمار الدين شيئاً، لا سلامة سببها الاستقامة، ولا سعادة سببها العمل الصالح، فصار عندنا كتلتان كبيرتان هما الاستقامة، والعمل الصالح:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (10) ﴾

(سورة فاطر)

 لذلك في بعض الأدعية النبوية:

(( لا بورك لي بطلوع شمس يوم لم أزدد فيه علماً يقربني إلى الله، و لا بورك لي بطلوع شمس لم أزدد فيه من الله قرباً ))

[ورد في الأثر]

 فكل يوم إن لم تزدد فيه علماً، ولم تزدد فيه قرباً، يعد هذا اليوم خسارة كبيرة منيت بها.
 لا تنسوا أيها الأخوة، أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يستيقظ ماذا يقول ؟ كان يقول:

((الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي ))

أي سمح لي أن أعيش يوماً جديداً، أشخاص كثيرون ينامون فلا يستيقظون، دخل لينام، و عند تفقده في الصباح على طعام الإفطار، فتحوا الباب فوجدوه ميتاً، فالإنسان عندما يستيقظ، يقف، حركته جيدة، يرى بعينه، يسمع، يحكي، يتوضأ، يصلي، أول شيء:
(( الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي وعافاني في بدني وأذن لي بذكره ))

 إذا أنت تستيقظ على صلاة الفجر هناك ملايين يأتون إلى البيت بعد الفجر لا من جامع بل من ملهى.
إذا أنت أكرمك الله بالاستقامة، وبالاستيقاظ على صلاة الفجر، هناك من يأتي إلى البيت بعد الفجر عائداً من الملهى:
" الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي وعافاني في بدني وأذن لي بذكره ".

أي عمل تبتغي به خدمة المسلمين أو الدفاع عنهم هو عمل صالح عظيم:

 إذاً: الكتل الكبيرة في الدين هي أربع كتل أو خمس، هذا الدرس مخصص لهذه الكتل، الكليات، كلية الاستقامة، هناك مليون موضوع فرعي، هناك جزئيات لا يعلمها إلا الله، أنا أريد كليات، الاستقامة أحد أكبر كليات الدين، والعمل الصالح أحد أكبر كليات الدين، لا بدّ من عمل صالح، لا بدّ من تقديم خدمة، إطعام جائع، إطعام قطة، معالجة حيوان، الأعمال الصالحة: كما قال ابن القيم: " الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ".
 كنت في دعوة للجزائر، دعتني هيئة الإعجاز العلمي العالمية، هذه الهيئة تسعى لنشر حقائق الإعجاز في الجامعات، طالب جامعي حينما يرى أن هذا القرآن الكريم فيه آيات قبل ألف وأربعمئة عام الآن كشف العلم حقيقتها، يشعر أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن الكريم، هذا عمل صالح كبير جداً.
 صدقوا ولا أبالغ هناك مليار عمل صالح الآن متاح لكم جميعاً، أي عمل تبتغي به خدمة المسلمين، أو الدفاع عن المسلمين، أو سلامة المسلمين، أو قوة المسلمين، عمل صالح، أطعمت يتيماً، عدت مريضاً، طيبت قلبه، أطعمت جائعاً، رحمت بائساً:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (10) ﴾

(سورة فاطر)

 والعمل الصالح له حديث دقيق جداً إن شاء الله، هذا نبدأ به بالدرس القادم، لأن كليات هذا الدين من أربع إلى ست كليات كبيرة جداً، إذا أتقناها.

الكليات و الجزئيات:

 الجزئيات قضية سهلة جداً إذا سألت عنها ستتعرف عليها، أما الكليات مثلاً هذه السيارات فيها محرك، هذا كلية، وفيها عجلات، وفيها وقود، وفيها سائق، السائق كلية كبيرة، والوقود كلية، والعجلات، والمحرك، وهناك قضيب مزدوج، هذا لو نزع تبقى السيارة سيارة تمشي، هناك آلاف الأشياء الصغيرة في السيارة قد تفتقدها وتبقى المركبة مركبة، أما إن لم يكن هناك محرك هذه وقافة ليست سيارة، أهم شيء الكليات.
 للتقريب المحرك كلية، العجلات كلية، البنزين كلية، السائق كلية، إن شاء الله في الدروس القادمة نقف عند هذه الكليات الكبيرة، حتى نضع أيدينا على حقائق الإيمان، وحتى نوفر أوقاتنا، وحتى نتحرك بشكل مكثف ومجدي.

الموضوع العلمي:

معرفة الله و معرفة أمره:

 بقي الموضوع العلمي، الموضوع العلمي له شرح مطول في دروس قادمة لأنه متعلق بالكليات.
بالدين أصول و فروع، أنت بالكون تعرف الله، و بالشرع تعبده، إذاً هناك معرفة الله، وهناك معرفة أمره، معرفة الله شيء، ومعرفة أمره شيء آخر، معرفة أمره تحتاج إلى دراسة، الحلال والحرام، الخير والشر، أحكام الإيجارات، أحكام الديون، أحكام الحوالة، أحكام الكفالة، أحكام الزواج، أحكام الطلاق، هذه كلها أحكام شرعية تحتاج إلى دراسة.
 لذلك أنا أقول دائماً: هناك علم بأمر الله، العلم بأمر الله اختصاص كليات الشريعة في الجامعات الإسلامية، كلية الشريعة تعطيك أمر الله، وهناك علم بخلقه الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، الفلك، الطب، الهندسة، علم التربية، علم الجيولوجيا، علم طبقات الأرض، علم النفس، علم الاجتماع، العلم بخلقه هذا اختصاص الجامعات في العالم، الجامعات تدرس العلم بخلقه، وكليات الشريعة تدرس العلم بأمره، أما العلم به فشيء آخر، العلم به عن طريق التفكر في خلق السماوات والأرض.

العلم بأمر الله و العلم بخلقه و العلم به:

 أيها الأخوة، هناك علم بخلقه اختصاص الجامعات بالأرض، وهناك علم بأمره اختصاص كليات الشريعة في الجامعات، العلم بخلقه وبأمره يحتاجان إلى مدارسة، ما المدارسة ؟ كتاب، معلم، قراءة، مراجعة، تلخيص، حفظ، امتحان، شهادة، أي دراسة يحتاج إلى مدارسة،إلى معلم، ومتعلم، و وقت، و مكان، و قراءة، و حفظ، و مراجعة، و أداء امتحان، ونجاح بالامتحان.
 العلم بأمره يحتاج إلى مدارسة، والعلم بخلقه يحتاج إلى مدارسة، لكن العلم بأمره معلومات مكانها في الدماغ، والعلم بخلقه معلومات مكانها في الدماغ، ولا علاقة لهذه المعلومات بالنفس.
 مثلاً: إنسان ليس مسلماً وهو أستاذ بالسوربون، وقد يكون يهودياً، يدرس الحديث الشريف ويدرسه، معلومات تحتاج إلى قراءة، وإلى حفظ، وإلى تحليل، وإلى شرح، فالعلم بخلقه والعلم بأمره متاح لكل إنسان، وقد يكون من أعداء الإسلام.
 أساساً أكبر المؤلفات في التاريخ العلمي من تأليف علماء ليسوا مسلمين، والحقيقة مؤلمة جداً، فالعلم بخلقه وبأمره يحتاجان إلى مدارسة، أي ذاكرة قوية، وقت انتساب لجامعة، حضور دروس، قراءة في البيت، مراجعة، تدقيق، أداء امتحان، شهادة، هذا اسمه مدارسة، فكما أن العلم بخلقه يحتاج إلى مدارسة، كذلك العلم بأمره يحتاج إلى مدارسة، أما العلم به يحتاج إلى مجاهدة، قال بعض العارفين: " جاهد تشاهد "، والآية الكريمة:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 69 )

 فعندما تتحرى الحلال، وتخاف من الواحد الديان، وتصلي بإتقان، وتقوم الليل، وتقرأ القرآن، وتغض بصرك عن الحرام، هذا ثمن معرفة الله، لكنك إذا عرفت الله هذه المعرفة ليست معلومات مكانها في الدماغ، لا، معلومات مقامها في القلب، والقلب يشع على الآخرين الأنس، والرضا، والحب، تجد المؤمن كوكباً:

(( خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم ))

[البيهقي عن عمر ]

 إنسان موصول كالمصباح المتألق، موصول بالكهرباء يشع على من حوله، فالعلم به يحتاج إلى مجاهدة لا يحتاج إلى مدارسة، يحتاج إلى استقامة، إلى عمل صالح، إلى ورع، إلى ذكر، إلى أداء صلوات، إلى قراءة قرآن، إلى بذل طويل للقرب منه، جاهد تشاهد، فإذا جمعنا بين المدارسة والمشاهدة نكون قد حصلنا المجد من طرفيه، عرفنا الله بالمجاهدة وأطعناه بالمدارسة، وفي درس آخر إن شاء الله نتابع هذا الموضوع الدقيق.


والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS