47229
العقيدة - حقائق الإيمان والإعجاز - الدرس (11-30) : تقوية الإيمان بالله - تدبر القرآن الكريم يقوي الإيمان - غدة التايموس
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-02-15
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه:

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الحادي عشر من دروس حقائق الإيمان والإعجاز العلمي، ننتقل إلى موضوع جديد أحد أكبر موضوعات تقوية الإيمان، الموضوع الأول: الخوف من الله أحد الموضوعات التي تقوي الإيمان، الموضوع الثاني: تدبر القرآن الكريم أحد الموضوعات الكبرى التي تقوي الإيمان.
أول كلمة أيها الأخوة، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، القرآن الكريم كتاب ليس كأي كتاب، كتب الأرض من تأليف البشر، لكن القرآن الكريم كلام خالق البشر، و فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، ما الدليل على أن تدبر القرآن الكريم يزيد الإيمان ؟ قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا (2) ﴾

( سورة الأنفال)

الدين توقيفي عقائده وعباداته منتهية:

بالمناسبة هذا الدين يتعلق به مصير الإنسان، مصير أبدي، لذلك لا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يدلي برأي خاص في الدين، الدين دين الله، وسيد الخلق وحبيب الحق قال: إنما أنا متبع وليس بمبتدع، بالدين لا يوجد رأي خاص، بالدين لا يوجد اتجاه خاص، هذا الدين توقيفي بمعنى أن عقائده وعباداته منتهية:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

( سورة المائدة الآية: 3 )

رأي شخصي في الدين لا يوجد، لأنه قضية مصيرية، تتعلق بالدين نتيجة خطيرة جداً، إما إلى جنة يدوم نعيمها أو إلى نار لا ينفذ عذابها.

تدبر القرآن الكريم يقوي الإيمان:

تدبر القرآن يزيد الايمان
لذلك أنا قلت في البداية تدبر القرآن الكريم يقوي الإيمان الدليل:

﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا (2) ﴾

( سورة الأنفال)

مما يزيد الإيمان ومما يقوي الإيمان ومما يقرب من الواحد الديان أن تتلو القرآن الكريم، كلنا نمرض، هناك أمراض تصيب الجلد، أمراض تصيب العين، تصيب الشم، الأنف، المعدة، الأمعاء، الكبد، العظام، أمراض عضالة تنتهي بالموت، هذه الأمراض لها أدوية كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لكل داء دواء ))

[ مسلم و أحمد عن جابر]

أمراض الجسم تنتهي بموت الإنسان وأمراض القلوب تبدأ بموت الإنسان:

التكبر من أمراض القلوب
هناك أمراض تصيب القلوب، الحقد مرض، الجشع مرض، الكبر مرض، الاستعلاء مرض، الانغماس في المعاصي والآثام مرض خطير، طول الأمل مرض، الغفلة عن الله مرض، أيها الأخوة الكرام، أمراض الجسم تنتهي عند الموت مهما يكن مرض عضال، ورم خبيث منتشر، انتهى هذا المرض بموت الإنسان، مع موت الإنسان انتهى المرض، أمراض الجسم تنتهي بموت الإنسان ولكن أمراض القلوب تبدأ بموت الإنسان، وتنتهي به إلى جهنم وبئس المصير، شيء خطير جداً أمراض القلوب، حقد، استكبار، استعلاء، إفساد المجتمع، إضلال الناس، أن تبني مجدك على أنقاض الآخرين ، أن تبني حياتك على موتهم، أن تبني عزك على إذلالهم، هذه أمراض مهلكة متى تبدأ ؟ بعد الموت، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.

قراءة القرآن الكريم شفاء لما في الصدور:

لذلك ما الذي يشفي من أمراض القلوب ؟ بالدليل القرآن الكريم ؟

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ (57) ﴾

( سورة يونس)

شفاء لما في الصدور، مؤمن يصلي يقرأ القرآن الكريم، يحقد ؟ مستحيل، مؤمن يصلي يقرأ القرآن الكريم، يأخذ ما ليس له ؟ مستحيل، مؤمن يصلي يقرأ القرآن الكريم، يتكبر ؟ مستحيل، مؤمن يصلي يقرأ القرآن الكريم، يفسد الناس ؟ مستحيل، يأخذ ما ليس له ؟ مستحيل:

﴿ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ (57) ﴾

( سورة يونس)

وإن لم تشعر أيها الأخ الكريم أنك إذا تلوت القرآن شفيت نفسك من الغل، من الحسد، من العداوة، من البغضاء، من الحقد، من رغبة عند بعض الناس لإفساد المجتمع، من رغبة عند بعض الناس لبناء المجد على أنقاض الآخرين، إن لم تشعر بحالة الشفاء فأنت لم تقرأ القرآن الكريم:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57 ) ﴾

( سورة يونس)

تقسيم الأمراض إلى زمرتين ؛ الشهوات و الشبهات:

أيها الأخوة، الأمراض كثيرة جداً لكن العلماء جمعوها في زمرتين، الشبهات والشهوات، الشبهات مرض يصيب العقيدة، لماذا الأمراض في البشر ؟ لماذا الحروب ؟ لماذا العمر القصير ؟ لماذا هناك فقر ؟ لماذا هناك مجاعات ؟ شبهة، أين رحمة الله ؟ أين عدله ؟ شبهة، لماذا الغرب غني جداً ؟ بلاده جميلة جداً ؟ قوي جداً مسيطر ؟ غارق في المعاصي والآثام وكلمته هي العليا ؟ هذه شبهة، القرآن الكريم شفاء من الشبهات، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 44 )

هذه الآية تريح، قوتهم وانغماسهم بالمعاصي والآثام هذا استدراج لهم لا تكريم لهم، يعني إنسان معه ورم خبيث منتشر فسأل الطبيب ماذا آكل ؟ قال له: كُلْ ما شئت، بربك هل تعد هذا الإطلاق كُلْ ما شئت تكريماً لهذا الإنسان ؟ أعوذ بالله، الذي معه التهاب معدة حاد وأكل المريض أكلة تؤذي هذه المعدة يقيم عليه الطبيب الدنيا ولا يقعدها، ألم آمرك بالحمية الشديدة ؟ هنا في أمل للشفاء، هذا مرض قابل للشفاء، أنت حينما تقرأ القرآن الكريم ترى أن المسلمين في العناية المشددة، الله يعتني بهم، يؤدبهم، يسوق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة:

(( أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

القرآن الكريم شفاء لأمراض من نوعين ؛ أمراض الشبهات وأمراض الشهوات:

القرآن الكريم فيه شفاء:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِف طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

( سورة القصص )

دقق الآن:

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

(سورة القصص )

هذه الآية شفاء لما في الصدور:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً (44) ﴾

(سورة الأنعام )

شفاء لما في الصدور، إذاً القرآن الكريم شفاء لأمراض من نوعين، لأمراض الشبهات وأمراض الشهوات.

القلب السليم:

قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

(سورة الشعراء)

قال بعض العلماء: القلب السليم القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، والقلب السليم القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، والقلب السليم القلب الذي لا يحكم شرعاً غير شرع الله، والقلب السليم القلب الذي لا يعبد إلا الله، أقسم لكم بالله أنك إذا داومت على قراءة القرآن تشفى قطعاً من كل الشبهات ومن كل الشهوات:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( سورة طه )

لا يضل عقله ولا تشقى نفسه:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة البقرة )

من اتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله و لا تشقى نفسه:

هاتان الكلمتان خطتا المستقبل والماضي معاً:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة البقرة )

لا خوف عليهم في المستقبل ولا هم يحزنون:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ﴾

( سورة التوبة الآية: 51 )

لنا، أنت مؤمن:

﴿ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص )

عدم الاستواء بين المؤمن و الفاسق:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) ﴾

( سورة السجدة)

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾

( سورة القلم )

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية )

من آمن بالله و تدبر آيات القرآن الكريم جعل الله له مخرجاً من حيث لا يعلم:

إذا قرأت القرآن:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

( سورة الطلاق )

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾

( سورة الحجر الآية: 42 ).

إذا قرأت القرآن الكريم:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) ﴾

( سورة فصلت )

القرآن الكريم شفاء لما في الصدور، شفاء للشبهات وشفاء للشهوات.

قراءة القرآن الكريم توصل الإنسان إلى سبيل الاستقامة الذي يوصله إلى الله:

الآن من أراد السير إلى الله:

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ (50) ﴾

( سورة الذاريات)

﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي (99) ﴾

( سورة الصافات)

بالقرآن آيات تبين أنه يمكن أن تفر إلى الله، يمكن أن تسير إلى الله، يمكن أن تسلك طريقاً يوصلك إلى الله الدليل:

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) ﴾

( سورة التكوير)

من أراد أن يسلك سبيل الاستقامة الذي يوصله إلى الله فليقرأ القرآن:

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) ﴾

( سورة التكوير)

عدم وصول الإنسان إلى الله عز وجل إلا بذكره و الاستقامة على أمره:

كثرة الذكر توصلك إلى الله
بربك تمشي أنت في الطريق في الليل، والطريق ضمن غابة، والطريق موحش، وهناك حفر و أكمات و أفاعٍ وعقارب و وحوش و مكان منزلق، إن لم يكن معك مصباح الحادث حتمي، إن كان معك مصباح ترى الحفرة فتحيد عنها، ترى الأكمة تتجاوزها، ترى الشيء الضار فتقتله، أفعى أو عقرب، الآن الذي يمشي في طريق في الليل موحش فيه وحوش وأفاعٍ وعقارب و حفر و أكمات ومعه مصباح كمن يقرأ القرآن الكريم:

﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾

( سورة المائدة)

سبل السلام، لي درس من فضل الله عز وجل في جامع الحمد عنوانه سبل الوصول وعلامات القبول، كيف تصل إلى الله ؟ بعد مئتي درس من دروس أسماء الله الحسنى الآن هناك منظومة دروس جديدة سبل الوصول، ما الذي يوصلك إلى الله ؟ كثرة ذكره، ما الذي يوصلك إلى الله ؟ الاستقامة على أمره، ما الذي يوصلك إلى الله ؟ الخوف منه، سبل الوصول وعلامات القبول.
حينما تُسأل السيدة عائشة عن خُلُق النبي كانت تقول:

(( كان خلقه القرآن ))

[ مسلم عن عائشة ]

الفرق الواضح بين قراءة الصحابة للقرآن وبين قراءتنا نحن للقرآن:

الآن أريد أن أبين لكم الفرق الواضح بين قراءة الصحابة للقرآن وبين قراءتنا نحن للقرآن.
معظم المسلمين يقرأ القرآن ليطلع على كتاب الله هذا، يقرأ للاطلاع، ليزداد ثقافة، ليزداد علماً، ليستمتع بنظمه العظيم، ببلاغته، إلى آخره، لكن الصحابة الكرام قرؤوا القرآن الكريم بطريقة أخرى، هذا كلام الخالق ماذا يريد مني أن أفعل ؟ يقرأ ليطبق، يقرأ لينفذ، يقرأ لينصاع إلى كلام الله، هذا الفرق بيننا وبينهم، بين أن نتثقف بالقرآن، يقول لك ثقافته القرآنية جيدة، بين أن نتثقف به وبين أن نأخذه كمنهج تطبيقي لحياتنا، لذلك لا يوجد بالإسلام إعجاب سلبي يا أخي كتاب عظيم:

(( ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ))

[ الترمذي عن صهيب ]

(( رب تال للقرآن و القرآن يلعنه ))

[ ورد في الأثر]

المؤمن الصادق يقرأ ليطبق، يقرأ لينصاع إلى كلام الله، يقرأ ليسير على الطريق إلى الله، يعني أنت حينما تقرأ هذه الآية يا أيها الذين آمنوا، ما الذي يخطر في بالك ؟ يا من آمنت بي، يا من آمنت بعظمتي، يا من آمنت بقدرتي، يا من آمنت بي رباً وخالقاً ومسيراً، يا من آمنت بي موجوداً وواحداً وكاملاً، يا من آمنت بأسمائي الحسنى وصفاتي الفضلى افعل كذا،

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

من قرأ آية و لم يشعر أنه معني بها ففي إيمانه خلل:


أنت حينما تقرأ هذه الآية ولا تشعر أنك معني بها ففي الإيمان خلل، كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يكتفون بعشر آيات يحفظونها ويعملون بها، فإذا عملوا بها انتقلوا إلى عشر آيات أخرى، أنت حينما تقرأ قراءة تطبيق، قراءة انصياع، قراءة طاعة، تكون قد تعاملت مع القرآن الكريم كما كان الصحابة الكرام يتعاملون مع القرآن الكريم، أنت حينما لا سمح الله ولا قدر دون أن تشعر أنت في مجلس تغتاب ما قيمة قراءتك لهذه الآية:

﴿ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ﴾

( سورة الحجرات الآية: 12 )

ما قيمة قراءتك لهذه الآية ؟ لذلك:

(( ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ))

[ الترمذي عن صهيب ]

(( ورب تال للقرآن و القرآن يلعنه ))

[ ورد في الأثر]

القرآن الكريم منهج إلهي خاص يصنع المؤمن المعجزة:

القرآن الكريم ليس كتاب متعة عقلية، ولا كتاب أدب وفن، ولا كتاب قصة وتاريخ، مع أن هذا كله من محتوياته، ولكنه منهج حياة، ولكنه منهج إلهي خاص، يعني أجمل كلمة مرة قرأتها " القرآن الكريم يصنع المعجزات " فإذا قرأ المؤمن القرآن الكريم أصبح هو معجزة كيف ؟ كان إنساناً خاملاً فالقرآن رفعه، كان إنساناً جباناً فالقرآن جعله شجاعاً، كان إنساناً بخيلاً القرآن جعله جواداً، كان إنساناً جاهلاً القرآن جعله عالماً، إن لم يصنع منك القرآن الكريم معجزة فأنت لم تنتفع به، فمن إعجاز القرآن الكريم أنه يصنع المؤمن المعجزة، المؤمن منضبط يعني مليون، عشر ملايين، مئة مليون، ألف مليون فيها شبهة يركلها بقدمه، والله يا أخوان قصة أقرأها أتأثر بها كثيراً:
وقع خبيب بن عدي في أسر قريش عقب معركة بدر، فأرادوا صلبه انتقاماً لقتلى بدر، صلى ركعتين فلما وضعوه على مكان ليقذفوه بالسهام حتى يموت قال له أبو سفيان: يا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ فقال: والله ما أحب أن أكون في أهلي، زوجته أمامه، أولاده أمامه، قال: والله ما أحبّ أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها، يعني بالمقاييس المعاصرة بيت أربعمئة متر، له إطلالة رائعة، مكيف صيفاً مدفئ شتاءً، الأرض رخام، تزيينات، فرشه غالٍ جداً، جميع الأجهزة الكهربائية موجودة، الزهور، الفواكه، العصير، سيارات على الباب، ما أحب أن أكون في أهلي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة. هكذا ربى القرآن الكريم المؤمنين، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً.
والله إن لم يصنع منك القرآن الكريم معجزة لم تنتفع به، المليار كالدرهم، مليار فيها شبهة تركلها بقدمك، مؤمن تقول لا بملء فمك، ولا تعبأ بالنتائج، هذا الشيء لا يرضي الله لن أفعله، المؤمن الذي قرأ القرآن الكريم لا يتأثر ولا يتضعضع لا بسياط الجلادين اللاذعة ولا بسبائك الذهب اللامعة، رقم صعب، ما في عنده أنصاف حلول رجل مبدأ لا يساوم على دينه أبداً، كلمة لا يقولها بملء فمه ومهما تكن النتائج.

الطاغية إنسان يقتل الآخرين بلا سبب:

تصور ما معنى طاغية ؟ طاغية بكلمة يُقتل الإنسان، اقتلوه، ماذا قال سحرة فرعون للطاغية الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

( سورة النازعات ).

للطاغية الذي قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

( سورة القصص الآية: 38 ).

﴿ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ (71) ﴾

( سورة طه )

إلى آخر الآية، قالوا:

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾

( سورة طه)

من الذي يستطيع أن يقول لمساعد في فرع معين لن أفعل هذا، لأكبر طاغية:

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾

( سورة طه)

المؤمن رجل مبدأ و قيم لا يتنازل عن دينه و مبادئه أبداً:

أيها الأخوة الكرام، إن لم يصنع منك القرآن الكريم معجزة لن تنتفع به، مؤمن تقرأ القرآن الكريم أنت رجل مبدأ، رجل موقف، رجل قيم، رجل تحمل رسالة، هكذا صنع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، سيدنا خالد طلب خمسين ألف جندي مدداً ليواجه عدواً، الصديق رضي الله عنه أرسل له رجلاً واحداً، اسمه القعقاع بن عمرو، فلما وصل إليه قال أين المدد ؟ قال له: أنا المدد، قال له: أنت ؟ قال له: أنا، معه كتاب، قرأ الكتاب، يقول سيدنا أبو بكر: فو الذي بعث محمداً بالحق، إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم.
كان الواحد بمليون، الآن المليار بأف، مليار وخمسمئة مليون ليس لهم وزن، ليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، فلذلك أيها الأخوة، هذا القرآن الكريم يصنع من المؤمن معجزة، دليل أنه كلام الله الإعجاز العلمي، لكن من الإعجاز العلمي أنه يصنع من المؤمن معجزة، لذلك أحد أكبر أسباب تقوية الإيمان تدبر القرآن الكريم.

موضوع الإعجاز العلمي:

غدة التايموس:

غدة التايموس
ننتقل إلى موضوع في الإعجاز العلمي، أيها الأخوة، بالإنسان غدة صغيرة إلى جانب القلب اسمها التايموس، هذه الغدة بعد سنتين تضمر بالمصطلح الطبي، لذلك لو فتحت كتب الطب من مئة عام إلى عقد من الزمن لرأيت أنه ليس لهذه الغدة أية وظيفة إطلاقاً:

﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

مرة سافرت إلى أمريكا وأحد طلابي كان طبيباً هناك، أعطاني بحثاً عن هذه الغدة، فإذا هي أخطر غدة في جسم الإنسان، إنها بمثابة مدرسة حربية، تدخل إليها الكريات البيضاء، كلكم يعلم أن في جهاز المناعة جيشاً بكل معاني هذه الكلمة، فيه خمس فرق، فرقة استطلاع تأخذ المعلومات، مهمتها معلوماتية استخباراتية، الآن يقابلها قيادة الاستطلاع، وهناك فرقة ثانية من الكريات البيضاء مهمتها تصنيع السلاح، وفرقة ثالثة من الكريات البيضاء مهمتها القتال، مشاة البحرية، و فرقة رابعة مهمتها الخدمات، نصب الجسور، إزالة الجثث، تنظيف أرض المعركة، خدمات أي سلاح الهندسة، و هناك فرقة خامسة في هذا الجيش العرمرم فرقة المغاوير، فرقة المهمات الخاصة، أقول لكم كلام دقيق جيش بكل معاني هذه الكلمة.

وظيفة غدة التايموس في الجسم:

الذي يعنينا من هذه الفرق الخمس فرقة المقاتلين، عنصر معه سلاح قوي لكنه جاهل لا يعرف الصديق من العدو، فالعلماء سموا هذه الكرية البيضاء المقاتلة الخلية التائية الهمجية، الكريات البيضاء تدخل لهذه الغدة لمدة عامين، كبروها أربعين ألف مرة ووجدوها عبارة عن مدرج روماني، وكل كرية بيضاء جالسة على مكان في هذا المدرج، تتلقى تعليمات من هو الصديق ومن هو العدو، الآن هناك تخرج وقبل التخرج هناك امتحان تعطى هذه الكرية البيضاء عنصراً صديقاً، فإذا قتلته ترسب وتقتل، تعطى عنصراً عدواً إن لم تقتله ترسب وتقتل، لها امتحانان امتحان مع الأصدقاء، وامتحان مع الأعداء.
إن قتلت العدو تنجح وإن سالمت الصديق تنجح، يتخرج هؤلاء الطلاب من هذه الكلية الحربية بعد سنتين وتنتهي مهمة هذه الكلية وتضمر، فتوهم الأطباء أن هذه الغدة لا وظيفة لها، الآن من يتولى تعليم الكريات البيضاء من فرقة المقاتلين إلى نهاية الحياة ؟ قال في الستين أو السبعين يضعف التعليم، يصاب الجهاز التعليمي بترهل، إما أن ترى الأستاذ مالل، يعني علّم خمسين سنة لم يعد يشرح الدرس إلا بملل، اكتبوا الأسئلة، ارسموا تفاحة، ضاق خلقه، بعد سن معين يمل المعلم، يصبح عندنا حالة اسمها خرف مناعي، هذا عنصر معه سلاح فتاك لكن ما تعلم تعليماً جيداً، جاهل فقد يقتل الصديق ويدع العدو، يجري في الجسم ما يسمى بالحرب الأهلية، العنصر المقاتل الكرية البيضاء المقاتلة معها سلاح لكن جاهلة، من آثار هذه الحرب الأهلية مرض التهاب المفاصل، التهاب المفاصل: كريات الدم البيضاء المقاتلة تقتل العناصر الصديقة، هناك سبعة أمراض لكن أخطر هذه الأمراض وهو مرض منتشر في العالم التهاب المفاصل الرثوي بالضبط.

غدة التايموس أخطر غدة في جسم الإنسان:

أيها الأخوة:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 11 ).

غدة صغيرة إلى جانب القلب تضمر وتتلاشى بعد عامين ، فتوهم الأطباء أنه ليس لهذه الغدة أية وظيفة فإذا بها أخطر غدة في الإنسان:

﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

لذلك:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

( سورة فاطر الآية: 28 ).

العلماء وحدهم وليس أحد سواهم، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS