15296
المناسبات الدينية 09 : ليلة النصف من شعبان - السكينة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-08-02
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

السيد وزير الأوقاف ، الدكتور محمد عبد الستار السيد حفظه الله ورعاه ، سماحة المفتي العام للجمهورية ، وصحبهما الكرام ، السادة العلماء الأجلاء ، الأخوة المؤمنون حضوراً ومستمعين ومشاهدين ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

تطبيق سنة النبي الكريم تبعث السكينة في قلوب المؤمنين الصادقين :

نحن في ذكرى الخامس عشر من شعبان ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت :

(( وما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قطُّ إِلا شهر رمضان ، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان ))

[ رواه البخاري ومسلم عن عائشة ]

السكينة من ثمار العبادات
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( ذاك شهر يَغْفُلُ الناسُ عنه بين رجب ورمضانَ ، وهو شهر تُرفَع فيه الأعمال إِلى ربِّ العالمين ، فأحبُّ أن يرفع عملي ، وأنا صائم ))

[ أحمد و النسائي عن أسامة بن زيد والإسناد جيد ]

ومن القواعد الأصولية في العبادات أن الأصل فيها الحظر ، فلا تشرع عبادة إلا بالدليل القطعي والثابت ، بينما الأصل في الأشياء المباحة أنه لا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي والثابت ، ونحن جميعاً حينما نطبق سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ونتأسى بسيرته ، ونؤدي العبادات كما ينبغي ، ومنها الصيام نقطف الثمار اليانعة التي قطفها أصحابه الكرام ، وإحدى أكبر هذه الثمار تلك السكينة التي تتنزل على قلوب المؤمنين الصادقين ، فتجعل الواحد منهم وهو في الناس رجلاً ، وهو بين الرجال بطلاً ، وهو مع الأبطال مثلاً ، وشخصية المؤمن الفذة ذات الجانب العلمي ، والجانب الأخلاقي ، والجانب الجمالي ، إحدى دلائل إعجاز القرآن الكريم .

السلامة والسعادة مطلبان أساسيان لكل إنسان على وجه الأرض :

لاسكينة بلا إيمان
ذلك أن المؤمن استجاب لنداء الفطرة ، واهتدى إلى سرِّ وجوده ، وغاية وجوده ، فتوضحت لدية الغاية والطريق ، وعاش في معية الله ، ومعية رسله ، وأنبيائه ، ومعية المتقين ، ونجا من عذاب الحيرة والشك ، إن السكينة وردت في القرآن الكريم في عدة آيات من أبرزها قوله تعالى :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾

( سورة الفتح الآية : 4 )

أيها الأخوة الكرام ، لا سعادة بلا سكينة ، ولا سكينة بلا إيمان ، سكينة النفس هي الينبوع الأول للسعادة ، والسلامة والسعادة مطلبان أساسيان لكل إنسان على وجه الأرض ، لأن الله يعطي الصحة ، والقوة ، والذكاء ، والمال ، والجمال للكثير من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين ، والسكينة هي السمة الأولى للمؤمن ، هذه السكينة تزدهر بغير عون من المال ، بل بغير مدد من الصحة ، يسعد بها الإنسان ولو فقد كل شيء ، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء ، هذه السكينة ليست ملك أحد يمسكها أو يرسلها ، ولكنها في متناول كل واحد من البشر إذا دفع ثمنها .

الإيمان بالله و اليوم الآخر المصدر الوحيد للسكينة :

إن للسكينة مصدراً واحداً لا ثانياً له ، هو الإيمان بالله الذي يحمل على طاعته ، والإيمان باليوم الآخر الذي يمنع أن تؤذي مخلوقاً على وجه الأرض ، هذا الإيمان العميق الذي لا يكدره شك ، ولا يفسده نفاق ، والعمل بمقتضى هذا الإيمان ، لقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس قلقاً وضيقاً ، واضطرباً ، وشعوراً بالتفاهة والضياع هم المحرومون من نعمة الإيمان ، وبرد اليقين .
الإيمان بالله وباليوم الآخر مصدر السكينة
إن هذه السكينة نفحة من السماء ، ينزلها الله على قلوب المؤمنين من الأرض ، ليثبتوا إذا اضطرب الناس ، وليرضوا إذا سخط الناس ، وليوقنوا إذا شكّ الناس ، وليصبروا إذا جزع الناس ، وليحلموا إذا طاش الناس ، هذه السكينة نور من الله ، وروح منه ، يسكن إليها الخائف ، يطمئن عندها القلق ، ويتسلى بها الحزين ، ويستروح بها المتعب ، ويقوى بها الضعيف، ويهتدي بها الحيران ، هذه السكينة نافذة على الجنة يفتحها الله للمؤمنين من عباده ، منه تهب عليهم نسماتها ، وتشرق عليهم أنوارها ، يفوح عليهم شذاها وعطرها ، ليذيقهم الله جزاء ما قدموا من خير ، وليرهم نموذجاً لما ينتظرهم من نعيد ، فينعموا بهذه النسمات بالروح والريحان ، والأمن والأمان ، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة ، إنها جنة القرب ، إنها جنة السكينة ، قال تعالى :

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

( سورة محمد )

أي ذاقوا طعمها في الدنيا .

ما من نعمة تحجب معها السكينة إلا وتنقلب بذاتها إلى نقمة :

وجد الأنبياء السكينة في محنهم
ما من نعمة تحجب معها السكينة إلا وتنقلب بذاتها إلى نقمة ، وما من محنة تحفها السكينة إلا وتكون هي بذاتها نعمة ، ينام الإنسان على الشوك مع السكينة فإذا هو مهاد وثير ، وينام على الحرير وقد أمسكت عنه السكينة فإذا هو شوك القتاد ، يعالج المرء أعسر الأمور ومعه السكينة فإذا هي هوادة ويسر ، ويعالج أيسر الأمور وقد تخلت عنه السكينة فإذا هي مشقة وعسر ، ويخوض المخاوف والأخطار ومعه السكينة فإذا هي أمن وسلام ، ويعبر المناهج والسبل وقد أُمسكت عنه السكينة فإذا هي مهلكة وبوار .
القوة والجاه بلا سكينة ينقلبان إلى بغي
هذه السكينة لا تعز على طالب كائناً من كان في أي وزمان ومكان ، وفي أي حال ومآل ، وجدها إبراهيم عليه السلام في النار ، ووجدها يوسف عليه السلام في الجب ، ووجدها يونس عليه السلام في بطن الحوت ، ووجدها موسى عليه السلام في اليم ، ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حينما افتقدوها في الدور والقصور ، ووجدها نبينا عليه الصلاة والسلام وصاحبه في الغار ، والأعداء يتعقبونه ليقتلوه ، ويجدها كل مؤمن آوى إلى ربه ، يائساً ممن سواه ، قاصداً بابه وحده من دون كل الأبواب ، يبسط الله الرزق مع السكينة ، فإذا هو متاع طيب ورخاء وفير ، وإذا هو رغد في الدنيا وزاد إلى الآخرة ، ويمسك السكينة مع الرزق فإذا هو مثار قلق وخوف ، وإذا هو مثار حسد وبغض ، وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض ، وقد يكون التلف بإفراط واستهتار .
يمنح الله الذرية مع السكينة فإذا هي زينة الحياة الدنيا ، ومصدر فرح واستمتاع بالخلف الصالح ، ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء ، ونكد ، وعنت ، وشقاء ، وسهر بالليل ، وتعب بالنهار .
يهب الله الصحة والعافية مع السكينة فإذا هي نعمة وحياة طيبة ، ويمسك سكينته فإذا الصحة والعافية بلاء ، يسلطه الله على الصحيح المعافى ، فينفق الصحة والعافية ، فيما يحطم الجسم ويفسد الروح ، ويزخر السوء إلى يوم الحساب .
ويعطي الله الجاه والقوة مع السكينة ، فإذا هي أداة إصلاح ، ومصدر أمن ، ووسيلة لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر ، يمسك السكينة فإذا الجاه والقوة مصدرا قلق على فوته ، ومصدرا طغيان وبغي ، ومصدرا حقد وكراهية ، لا يقر لصاحبها قرار ، ويدخر بها للآخرة رصيداً ضخماً من النار .

أسباب السكينة لدى المؤمن :

فطرة الإنسان السليمة أحد أسباب السكينة
أول أسباب السكينة لدى المؤمن أنه هُدي إلى فطرته التي فُطر عليها ، وهي فطرة متسقة ، ومنسجمة ، ومتجاوبة مع نواميس الوجود الكبير كله ، ومع منهج الخالق العظيم ، فعاش المؤمن مع فطرته في سلام ووئام ، لا في حرب وخصام ، ومع من حوله في شفافية ومشاركة ، لا في وحشة وعداوة .
ذلك لأن في القلب شعثاً لا يلمُّه إلا الإقبال على الله ، وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله ، وفي القلب حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله ، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاستماع عليه والفرار إليه ، وفي القلب نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ، ونهيه ، وقضائه ، وقدره ، والصبر على ذلك إلى يوم لقائه ، وفي القلب فاقة لا تسدها إلا محبته ، والإنابة إليه ، وصدق الإخلاص له .

الأقوياء بإيمانهم واستقامتهم هم السعداء والضعفاء بشركهم وانحرافهم هم التعساء :

أيها الأخوة الكرام ، هذا ما ينبغي أن يكون عليه مجتمع المؤمنين الصادقين من سعادة، ووئام ، وحب ، وسلام ، هذا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون وهم على مشارف ثاني أكبر عبادة في الإسلام ، ولكن واقع المسلمين يدمي القلب . أيها الأخوة الكرام ، القوة سمة أساسية في شخص المؤمن ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

الأقوياء بإيمانهم هم السعداء والضعفاء بانحرافهم هم التعساء
لذلك ينبغي أن نخاطب المؤمن وهو على مشارف شهر الصيام ، فنقول له : كن عضواً في جمعية الأقوياء ، ولا تكن رأساً في قطيع النعاج ، قد تبدو ضعيفاً لأنك قبلت أن تكون ضعيفاً فعش كما تريد ، ولكن لا بدّ من أن تعلم أنه بإمكانك أن تصبح قوياً بإيمانك بالله ، وثقتك به ، وأن تتعافى من شعورك بالضعف الذي سببه الشرك الخفي .
إن الأقوياء بإيمانهم واستقامتهم هم السعداء ، والضعفاء بشركهم وانحرافهم هم التعساء .
واعلم أيها الأخ يقيناً أن الشيء الذي لا تستطيعه هو الشيء الذي لا تريد أن تكونه ، قوة الإيمان مطلب أساسي ، و إلا فلا قيمة للحياة من دون قوة في الدين ، وإن القوة مصدر للثقة، والثقة لا توجد إلا في قلوب المؤمنين ، وإذا أردت القوة الحقيقية فابحث وأنت في شهر الصيام عن قوة لا تحتاج إلى غيرها ، إنها قوة الله عز وجل .
إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ، ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك ؟

لغة الشكوى والاستجداء والتوسل لن تحقق لنا شيئاً لأننا نعيش في عالم الأقوياء :

إن الجبن ، والخورة ، والاستكانة ، والاستسلام ، والانهزامية ، والذل ، وجميع المفردات في قاموس الضعف مرفوضة في حياة المؤمنين الصادقين ، فأنت كائن لم تخلق لتكون مسلوب الإرادة ، بارد الهمة ، تأمل دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( اللهم وأعوذُ بك من العجْزِ والكَسَلِ ، وأَعوذُ بك من البخْلِ والجُبْنِ ، وأعوذ بك من غَلَبَةِ الدَّيْنِ وقَهرِ الرجال ))

[أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري ]

كيف نبحث عن القوة ونحن ضعفاء ؟؟؟

قوة الضعف تهد الجبال
ولكن أيها الأخوة ، كيف نبحث عن القوة ونحن ضعفاء ؟ إن الحديث عن القوة النابعة من الضعف ليس دعوة إلى الرضا بالضعف ، أو إلى السكوت عليه ، بل هو دعوة للاستشعار القوة حتى في حالة الضعف .
إذاً يجب أن نبحث في كل مظنة ضعف عن سبب قوة كامنة فيه ، ولو أخلص المسلمون في طلب ذلك لوجدوه ، ولصار الضعف قوة ، لأن الضعف ينطوي على قوة مستورة يؤيدها الله في حفظه ورعايته ، فإذا قوة الضعف تهد الجبال ، وتدك الحصون ، كما ترون وتسمعون ، أنت قوي ، هذا سرّ ضعفك ، وأنت ضعيف هذا سرّ ضعفك .
لذلك نستطيع أن نقابل القنبلة الذَرية بقنبلة الذُرية ، أي بتربية جيل ، واعٍ ، ملتزم ، ينهض بأمته ، ويعيد لها دورها القيادي في الأمم .
يقول أحد علماء الغرب الذين اهتدوا إلى الإسلام : " أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور ، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين ، لا لأنهم أقوياء ، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام ، ولكن بشرط أن يحسنوا فهم دينهم ، وأن يحسنوا تطبيقه ، وأن يحسنوا عرضه على الطرف الآخر" .

توظيف الله عز وجل طغيان الطغاة في الأرض لخدمة المسلمين و دينهم :

لو أنفقنا المليارات لما استطعنا تعرية العدو كما عرى نفسه في غزة
وإذا عرجنا على الموضوع الساخن ؛ موضوع فلسطين نقول لهؤلاء الذين يحاولون تهويد مقدساتنا : ولو علمتم أيها الطغاة ماذا قدمتم لدين الله ، وللمؤمنين من خير لم تريدوه ، لندمتم أشد الندم ، فنحن بسبب طغيانكم أكثر وعياً ، وأكثر تماسكاً ، وأكثر وحدة ، وأكثر تمسكاً بديننا ، وأكثر قرباً من ربنا ، وأكثر مقاومة لكم أيها الأعداء. ولو أنفقنا المليارات الممليرة لما استطعنا أن نعريكم كما عريتم أنفسكم في حرب غزة فشكراً لكم ، لقد أعنتم شعوب الأرض على أن تكفر بكم ، لقد أحييتم فينا مفهوم الجهاد ، فكسرنا عصاكم الغليظة مرات ومرات ، ولا تنسوا أيها الطغاة أن لكل أجل كتاباً ، وأنكم قد اقترب أجلكم ، وأن تقريراً من حلفائكم يؤكد أنكم لن تستطيعوا أن تبقوا في فلسطين أكثر من عشرين عاماً قادمة .
فاسمعوا قول الله عز وجل خالق السماوات والأرض :

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة القصص )

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS