14433
التفسير المطول - سورة الجن 072 - الدرس (1-8): المقدمة 1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-09-19
بسم الله الرحمن الرحيم

 الإيمان بالجن، وحدود قدراتهم
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الأول من سورة الجن.
 إن هذه السورة تتحدث عن نوعٍ من مخلوقات الله عزَّ وجل وهم الجن.
 تطرف بعض الناس في اعتقادهم بالجن:
 1- هناك من الناس من تطرف فنسب للجن كلَّ الخوارق والعلوم والأفعال، كما نسبوا إليهم كل نفعٍ و ضرٍ، بل إنهم قد وصلوا إلى أبعد من ذلك حينما زعموا في عهد النبي أن الجنَّ هي التي علّمت النبي علّيه الصلاة والسلام.
 2- وتطرَّف أناسٌ آخرون فأنكروا وجود الجن، مع أن الحقيقة تقول: إن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
 أين الحقيقة ؟
 إن الحقيقة إنما تكون من عند الله عزَّ وجل عن طريق الوحي، لذلك كان أولُّ ردٍ على الذين زعموا أن النبي عليه الصلاة والسلام تلَّقى علّمه من الجن الذين عاصروا النبي هو أنَّ الجن قد استمعوا إلى القرآن بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلوه والنبي لا علم له بذلك، فلولا أنَّ الله أخبره وأمره أن يخبر الناس أنَّ الجنَّ استمعت إليه لما علم ذلك.
 أيها الإخوة.. لا أريد في هذه العُجالة أن أبدأ بشرح الآيات بل أريد أن أضع بعض الحقائق عن الجن كما هي مستنبطة من الوحي السماوي.. قال الله جلَّ جلاله:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب: آية " 72 " )

 معنى هذه الآية أن الإنسان مخلوقٌ مكرَّم قَبِل حمل الأمانة، في حين أشفقت السماوات والأرض من حملها، وقد كان من أبرز المخلوقات الذين أشفقوا من حمل الأمانة الملائكة ؛ فقد ملّكوا أنفسهم لله عزَّ وجل وآثروا الإقبال عليه من دون مخاطرة التكليف والاختيار، فكانوا في بحر الأمان، وهم كائناتٌ تسبِّح الله عزَّ وجل وتمجده وتأتمر بأمره:

﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾

( سورة التحريم )

 بينما آثر صنف الحيوان النجاة من مخاطرة التكليف، كما أنه آثر الشهوة ؛ فهو يستمد سعادته من الشهوات التي أودعها الله فيه دون أن يكون مسؤولاً.
 الفرق بين ماهية الإنسان والحيوان والملك:
 إن الملك يسبِّح الله وهو ناجٍ من مسؤولية الاختيار فقد رُكِّبَ من عقلٍ بلا شهوة، أما الحيوان فقد رُكِّبَ من شهوةٍ بلا عقل، فالملك يسبِّح والحيوان يأكل ويسبِّح، لقوله تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾

( سورة الإسراء: آية " 44 " )

 إلا أن هناك آياتٍ كثيرة قرنت الجن بالإنس، فقد قال تعالى:

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾

( سورة الرحمن )

﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾

( سورة الإسراء )

 لقد استُنبط من هذه الآيات أن الجن أيضاً هم مخلوقاتٌ من نوعٍ خاص، كما هو الحال في الإنسان، فهو مخلوقٌ أول لأنه قَبل حمل أمانة التكليف كما أنه قبل أن يغامر، فأودعت فيه الشهوات وأُعطي عقلاً في وقتٍ واحد، فالملك رُكِّبَ من عقلٍ بلا شهوة، والحيوان ركب من شهوةٍ بلا عقل، لكن الإنسان ركب من كليهما، فعنده نوازع أرضية كما يمتلك تطلُّعاتٌ إلى السماء، وذلك لأن الإنسان مخلوقٌ متميز فهو ليس ملكاً ولا حيواناً، فالحيوان هو شهوة فقط، أما الملك فهو عقل فقط، أما الإنسان ففيه العقلٌ وفيه الشهوةٌ، فإن سمت شهوته على عقله كان دون الحيوان، و إن أحقر حيوان ترونه بأعينكم هو أفضل من الإنسان الشارد عن منهج الله:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾

( سورة البينة

 أي: إن هؤلاء هم شر ما برأ الله، ولكن الإنسان إذا سما بعقله على شهوته أصبح فوق الملائكة.
 أيها الأخ الكريم... إن هويتك الأساسية هي أنك المخلوق الذي قَبِلَ حمل الأمانة في حين أن السماوات والأرض أشفقتا من حملها، فإذا سما عقلك على شهوتك تفوَّقت على الملائكة، لأن الملائكة ليس عندها ما تغامر به، أما الإنسان ففيه نوازع أرضية وتطلعات سماوية، وفيه قبضة من تراب الأرض ونفخة من روح الله عزَّ وجل وهو بينهما، فحينما َقبل الإنسان حمل الأمانة كرَّمه الله أعظم تكريم ؛ ومن أعظم أنواع التكريم أنه سخَّر له ما في السماوات والأرض جميعاً منه تسخير تعريفٍ وتسخير تكريم، ويا ليت الإنسان يعرف من هو ؟ إنه إذا عرف ذاته فهم أنَّ كلَّ هذا الكون مسخرٌ له، كما أنه يفهم أن الله إذا أدَّبه إنما يؤدِّبَه من أجل أن يرجعه إليه وفي ذلك سعادته، فقد يظن الناس الجهلة أن موارد الأرض قليلة وأن هناك تفجُّراً سكَّانياً و مجاعات تنتظر أبناء الأرض، و هذا كلامٌ مضحك لأن الله عزَّ وجل إذا قنّن كان تقنينه تقنين تأديب لا تقنين عجز، فهو يؤدِّب هؤلاء الناس الذين خلقهم ليكونوا مخلوقات في الصف الأول فجعلوا أنفسهم في الصف الأخير، فقد سُخِّرت لهم السماوات والأرض فكانوا مسخَّرين لشهواتهم، أيها الأخ الكريم: إن الماء للتراب، والتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، وأنت لمن ؟ أنت لله الواحد الديان، و لا يليق بك أن تكون لغير الله، ولا يليق بك أن تُحْسَب لغير الله، كما لا يليق بك أن تُجيّر طاقاتِك وتفني شبابك وتنفق عمرك لغير الله، فأنت لله، وقد خُلِقت لسعادةٍ أبدية.
 مثال يوضح معنى ( الأبد ):
 أيها الإخوة الكرام... ما الأبد ؟ إننا قد لا نفهم هذه الكلمةٌ، لقد ذكرت مرة في جامع العثمان هذا المثل: لقد كان أمامي كتاباً أقرأ منه، فقدَّرت طوله بخمسة وعشرين سنتيمتراً، وقلت: إذا وضعنا واحداً في طرفه الأول وكان مكان كل ميليمتر صفر، أصبح لدينا مائتين وخمسين صفراً، فكم هذا الرقم ؟ إن أول ستة أصفار من هذا الرقم تعني مليون، وثاني ستة أصفار تعني مليوناً آخر، و ثالث ستة أصفار تعني مليوناً ثالثاً، فإذا قسمنا مائتين وخمسين صفراً على ستة لكان الناتج خمسين مليوناً، فلو أن الأصفار كانت إلى مدخل المسجد، فما هو هذا الرقم الناتج عندئذ ؟ لقد كنت أرى ساحة شمدين وأنا على كرسي التدريس، فقلت: تصوروا أن الأصفار ممتدة إلى ساحة شمدين مثلاً، أو أنها ممتدة إلى النبك، و إلى حمص أو حماه أو حلب أو إلى أنقرة أو موسكو أو القطب الشمالي، ولو أننا عُدنا إلى المحيط الهادي من القطب الجنوبي، ثم عُدنا صعوداً إلى جنوب إفريقيا ثم إلى مكة، ومعان وعمَّان، وبعد ذلك عدنا إلى الشام مرة ثانية، فكم يصبح هذا الرقم، إن الإنسان في هذه الحالة يكون أمام أربعين ألف كيلو متر من الأصفار، وكل ميليمتر من هذه الكيلو مترات هو عبارة عن صفر، فما هذا الرقم ؟ إنه رقم يصعب تصوره، فإذا كان أحدنا أمام أصفار تصل إلى الشمس، وإن المسافة بين الأرض والشمس هي مائة وستة وخمسين مليون كيلو متراً، وكل ميليمتر هو صفر، إن هذا الرقم ضخم جداً، لكنه إذا نُسب إلى اللانهاية كان الناتج صفراً، وقيمة الصفر هي: لا شيء، فأنت مخلوق للأبد، أنت مخلوق لجنةٍ لا ينفد نعيمها فيها من السعادةٍ مالا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، فمسكينٌ هو ذلك الإنسان الذي يضيِّع سعادة الأبد من أجل سنواتٍ معدودة مشحونة بالهموم والمتاعب، وكم هو خاسر ذلك الذي يضيع جنةً خلقه الله له من أجل دريهمات يكسبها حراماً في سنواتٍ معدودة،أو من أجل أن يمضي وقتاً مع نساءٍ ساقطات يعصي الله بهن، إن الإنسان مسكين إذا نسي لماذا خلقه الله، و ظن أن الدنيا و المال و المرأة و المكانة الاجتماعية كل شيء، وهو مسكين لأنه ما عرف قيمته و هويته، ولا عرف مكانته عند الله عزَّ وجل، و أنه مخلوقٌ أوَّل مكرَّم مميز مكلفٌ بالعبادة، إنه يغفل عن أخطر شيءٍ في حياته:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

( سورة الذاريات )

 من أنت ؟؟!
 أيها الأخ الكريم... يجب عليك أن تعرف من أنت، إن الله جلَّ جلاله في عليائه أنزل هذا القرآن ليعرِّفك من أنت، ثم يعرفك بمهمتك الخطيرة التي أنيطت بك، و يعرفك أن كلَّ سعادتك وسلامتك في طاعته، وكلَّ شقائك وعطبك في معصيته، و يعرفك أنك زمن، فما أنت إلا بضعة أيام، و إن كل واحد منا له عمر عند الله عز وجل، فالواحد منا مثلاً قد يبلغ من العمر ثلاثاً وستين سنة وخمسة أشهر وثلاثة أسابيع وخمسة أيام وسبع ساعات وثماني دقائق وأربع ثوان، وهذا هو الإنسان، كلّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، فهو أيامٌ معدودة، ومضي الزمن يستهلكه ويقضي عليه، و هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

( سورة العصر )

 إن مضي الزمن وحده يستهلكه وهذه خسارة كبرى لك، وإنك مخلوق سُخِّرَت لك السماوات والأرض، فهذه المجرة التي تبعد عنا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية مسخرةٌ لك وهناك مليون مليونِ مجرة وفي كل مجرة تقريباً مليونُ مليون نجم، وكل هذه المجرات مسخرةٌ لك بنص القرآن الكريم، وهو كلام خالق الكون:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾

( سورة الجاثية: آية " 13 " )

 ماذا تعمل ؟ كيف تمضي وقتك ؟ ماذا أعددت ليوم اللقاء مع الله عزَّ وجل ؟ و ماذا أعدت لهذه الحياة الأبدية التي لا تنقضي، فإما أن تكون فيها في جنةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفد عذابها، ماذا تقول إذا وقفت بين يدي الله عزَّ وجل الذي يقول لك:

(( عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعيني رغيفٌ أسوقه لك كلَّ حين؟؟ ))

 أي: أتعصيني من أجل الرغيف، فتغتصب ما ليس لك، و تغُش و تكذب و تحتال على الناس من أجل أن تربح ؟

(( لي عليك فريضة ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطنّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً ))

 أيها الإخوة... أريد منكم بعض التأمُّل و بعض التريث:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

( سورة الفرقان: آية " 63 " )

 لقد أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا مشى مَشى مسرعاً كأنه ينحط من صبب، وقالت السيدة عائشة عن سيدنا عمر: " رحم الله عمر ! ما رأيت أزهد منه ! كان إذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع ".
فما معنى قوله تعالى:

﴿ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

 معنى (يمشون هوناً) ؛ أي: لا يسمحون لهذه الدنيا الفانية أن تستهلكهم، و لا يسمحون لمشكلاتهم أن تشغلهم عن ربهم، و لا يسمحون لعرض الدنيا الزائل أن يصرفهم عن هدفهم الكبير، كما لا يسمحون لعملهم أن يقبرهم:

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾

( سورة فاطر)

 نحن نرى الناس الآن كل منهم في قبر ؛ فهذا غارق في قبر عمله، وهذا في قبر زوجته، وهذا في قبر أولاده، وهذا في قبر صنعته، وهذا في قبر أمله، أم عباد الرحمن فهم لا يسمحون للدنيا أن تستهلكهم ولا أن تصرفهم عن الهدف الكبير الذي خلقوا له، وإذا تأملنا بعض التأمل رأينا أن هؤلاء الذين هم من عمل إلى عمل، ومن لقاء إلى لقاء، ومن حفل إلى حفل، ومن نشاط إلى نشاط يأتيهم الموت فجأةً، فيقال لهم: " أم ماذا كنتم تعملون؟ " أيعقل أن يذهب إنسان إلى بلدٍ غربي لينال الدكتوراه و يعود إلى بلده وهو يحمل أعلى منصب، ثم ينسى سرَّ مجيئه إلى هذا البلد، وينسى أنه أرسل ليحصَّل هذه الشهادة العليا ؟ فيتلهى بالملهيات، ويغرق في الموبقات و النزهات والمسارح و المتاحف و النوادي الليلية، ثم تمضي الأيام ويعود صفر اليدين بعد ذلك.
 يا أيها الإخوة... إن هذه دعوةٌ إلى أن تعرفوا أنفسكم من خلال هذا الكتاب الذي هو كلام الله، فالإنسان مخلوق أول:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾

( سورة الإسراء )

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

( سورة الذاريات )

 أي: لتطيعه طاعةً طوعية مع حبٍ شديد على أساس معرفته، لكي تسعد بقربه، فهؤلاء الملائكة قد يذكرون الله دائماً من دون مسؤولية أو مغامرة، فهم ليس عليهم حساب، لأنهم لا يملكون شهوات يميلون إليها، أما هؤلاء الحيوانات على كثرة أنواعهم فهم ليسوا محاسبين ولا مكلَّفين، لأنهم يمارسون شهواتهم مسيَّرين لا مخيَّرين، فهم معفَون إذاً من المسؤولية، كما الملائكة قد أعفوا من المسؤولية أيضاً، لكن هذا الإنسان كائن ازدواجي، فيه قبضةٌ من تراب الأرض ونفخةٌ من روح الله، و فيه نوازع أرضية ؛ كحاجته للطعام والشراب والنساء، كما فيه نوازع سماوية ؛ كأن يكون كريماً و عفواً وجواداً و منصفاً ومحسناً، متصلاً بالله متعرفاً عليه متقرباً إليه، ليسعد به، و هنيئاً لمن ضبط شهواته وفق منهج الله.
 ضبط الشهوات:
 إن الله عزَّ وجل لم يحرم على الإنسان الشهوات التي أودعها فيه، ولكنه أمره بضبطها وفق منهجه فقط، فقد سُمِحَ له أن يأكل ما شاء إلا لحم الخنزير، وأن يشرب ما يشاء على إلا الخمر، وأن يختار أي امرأةً راقت له فيتزوجها على أن يدع الزنى وإطلاق البصر إلى الحرام، وقد سُمِحَ له أن يكسب المال الحلال على أن يدع المال الحرام، فمنهج افعل ولا تفعل هو منهج تفصيلي، فيا سبحان الله ! ما شأن هؤلاء المسلمين الذي ضغطوا الدين فجعلوه صوماً وصلاةً وحجاً وزكاةً فقط ؟ إن في الدين _إن صح التعبير_ مليون بند ؛ فالإسلام معك في بيتك حينما تغتسل، و حينما تلتقي مع أهلك، و حينما تربي أولادك، كما أنه معك حينما تخرج من بيتك و تدخل إلى دكانك، وهو معك في لهوك و جدّك، و في سفرك و إقامتك، و في حربك و سلمك، و في مسرَّاتك وأحزانك، و هناك منهج دقيقٌ دقيق يجب أن تسير عليه، فهذا الإنسان هو الكائن الأول الذي منحه الله شرف التكليف، وقد أعطاه الله مقومات، فسخر له كوناً ينطق كلُّه بوجود الله ووحدانيته وكماله، و أعطاه عقلاً وقوةً إدراكيةً يتميز بها على كل المخلوقات.
 الإنجازات المذهلة للعقل الإنساني:
 إن الطائرة التي تحمل سبعمائة راكب يجلسون على مقاعد وثيرة، ويأكلون أطيب الطعام الساخن، و يشربون أطيب الشرابات الباردة، ويحلقون على ارتفاع أربعين أوخمسين ألف قدم، هذه الطائرة قد صُنعت عن طريق هذا العقل الذي أودعه الله فينا، فما هذا العقل ؟ إنه شيء معجز، وإني لا أبالغ إن قلت: إن العقل البشري هو أعقد شيءٍ في الكون، فقد اخترع الإنسان أشياء مذهلة، وأنا هنا لا أمدح هذا الإنسان ولا أثني عليه، لكني أبين لكم هذه المخترعات، فهي شيء لا يصدق، ومنها أن يصور إنسان إنساناً آخر في أقاصي الأرض، فيلتقط حركاته وسكناته، فتُنْقَل هذه الصورة إلى كل بقاع الأرض في وقتٍ واحد، وإنك الآن تضرب كلمات بحروف، فتنقل هذه الكلمات خلال ثانية إلى أقصى المعمورة، وهذا عمل الفاكس أليس كذلك ؟ فهناك منجزات مذهلة للعقل، وقد صنع هذا العقل جهاز يقرأ أربعمائة وخمسين مليون حرف في الثانية.
 أيها الإخوة... إن الإنسان قد وصل إلى القمر، ثم أرسل مركبة إلى المريخ وهو يبعد عن الأرض ثلاثة وتسعين مليون كيلو متر، كما أنه أرسل مركبة إلى المشتري بقيت تسير ست سنوات بسرعة أربعين ألف ميل في الساعة، وقد اخترع الإنسان الحاسوب الذي يقرأ أربعمائة وخمسين مليون حرف في الثانية، كما اخترع وسائل للمعرفة، منها الأسطوانة التي دُوِّن فيها كتب تملأ أربع جدران، وقد وصل الإنسان إلى أعماق البحر، فحفر فيها آبار النفط، فوالله الذي لا إله إلا هو لو بذل هذا الإنسان من هذه الطاقة الفكرية التي أودعها الله فيه واحداً بالمليون لعرف الله ولسعد بقربه، فمسكين هذا الإنسان الذي يستخدم عقله لغير ما خلق له، لقد استخدمه من أجل السيطرة على الطبيعة فتم له ذلك، كما استخدمه لنقل الأشخاص و الصور و المعلومات بلمح البصر وتم له ذلك، واستخدم عقله لصنع مركبات فارهة و طائرات كبيرة وناقلات تزيد حمولتها عن مليون طن، فحمولة ناقلات النفط العملاقة هي مليون طن، فكأن هذه الناقلة مدينة مصغرة، فلو استخدم من عقله واحداً بالمليون لعرف الله وسعد بقربه في الدنيا والآخرة، لكنه يستخدم أثمن شيءٍ يملكه لغير ما خلقه الله عزَّ وجل:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً(104)﴾

( سورة الكهف )

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

( سورة الأنعام )

 حقيقة الدنيا:
 لقد أعطى الله الإنسانَ الشهواتِ ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات صابراً وشاكراً، كما أعطاه حرية اختيار ليثمَّن عمله، و أعطاه منهجاً تفصيلياً يسير عليه، و أعطاه شرعاً حنيفاً لا يخطئ، فالحسن ما حسَّنه الشرع والقبيح ما قبَّحه الشرع، فمن كونٍ إلى عقلٍ إلى فطرةٍ إلى شهوةٍ إلى حرية اختيارٍ إلى منهجٍ، وذلك لأنه قَبِل حمل الأمانة، أما الغافل عن ذكر الله و الغافل عن حقيقته و مهمته، والمفتون بهذه الدنيا الفانية القصيرة التي تنقضي بلمح البصر فإنه سيكون تحت أطباق الثرى ما بين طرفة عينٍ وانتباهتها، فقد يكون الإنسان ملء السمع والبصر، فإذا هو خبرٌ على الجدران، فيقال: انتقل إلى رحمة الله تعالى عميد الأسرة الفلانية وسيُشَيَّع إلى مثواه الأخير، ثم ينتهي بعد ذلك كل شيء، فإلى أين نحن ذاهبون ؟ إن هذا الذي يعيش يومه و لحظته، فلا يفكر من أين و إلى أين، ولا يفكر في سبب حياته يعيش على هامش الحياة، و هو إنسان يحتقر نفسه.

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

( سورة البقرة: آية "130 " )

 هناك أشياء كثيرة يرفضها الإنسان احتقاراً لها، إلا دين الله عزَّ وجل فإنك إذا رفضته احتقرت نفسك، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

 اعرف نفسك:
 أيها الإخوة الكرام... من عرف نفسه عرف ربه، فإذا عرفت نفسك وظفت كل شيء الله أعطاك إياه في الحق، و استخدمته فيما خُلِقْتَ له، فتستخدم عقلك لمعرفة الله، وعينك للنظر إلى آيات الله، وأذنك لسماع الحق، ولسانك لذكر الله عزَّ وجل، فإذا عرفت نفسك فهمت خطورة المهمة التي أناطها الله بك، وعرفت أن الله عزَّ وجل خلقك ليسعدك، قال تعالى:

(( إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم))

 فإذا عرفت هذه الحقيقة كنت إنساناً آخر، أما إذا شردت عن منهج الله فإنك ستكون من الذين لا يُقام لهم وزن يوم القيامة، و لهم صَغارٌ عند الله..

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) ﴾

( سورة الواقعة )

 أيها الإخوة الكرام... اكسبوا حياتكم، واعرفوا هويتكم، وافهموا لماذا خلقتم في الأرض، لقد خلقتم لمعرفة الله والعمل الصالح، وحينما تحققون هذين الهدفين، تأتيكم الدنيا وهي راغمة، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾

( سورة النساء )

 فماذا يفعل بعذابكم إن أردتم سعادة الدنيا والآخرة، فإذا أردتم ذلك فاعرفوا من أنتم، واطلبوا العلم، لتتعرفوا من خلاله إلى الله عزَّ وجل، فتفقهوا منهجه، وتميزوا أهل الحق، و تهتدوا إلى الطريق المستقيم وهو طريق سعادتكم.
من الجن ؟؟
 لقد أردت من هذه المقدمة أن أقول: إن الجن الذين هم موضوع هذه السورة مخلوقات كالإنس.

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾

( سورة الرحمن آية "33 " )

﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

( سورة الرحمن )

 و في درسٍ قادم إن شاء الله تعالى نشرع في تفسير هذه السورة التي تعطي الجن الحقيقة التي ينبغي أن نعرفها عنهم دون زيادةٍ أو انحرافٍ أو إسرافٍ أو إنكار، فالجن كائنات خلقها الله عزَّ وجل و أعطاها حرية الاختيار
الإيمان بالجن:
 إن الإيمان بالجن هو من العقائد التي تُعلم من الدين بالضرورة، وهو فرض عين، ففرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، لكن الإيمان بالله و أسمائه الحسنى، والإيمان بالملائكة و الجن، والرسل، والكتب، والقضاء والقدر، هذه كلها عقائد يجب أن تُعلم بالضرورة، فهي فرض عينٍ على كل مسلم.
 توضيحٌ دقيق:
 لو أن إنساناً اشترى سيارةً، وجب عليه أن يعرف أنه إذا تألق الضوء الأحمر في لوحة العدادات فلا بدَّ له من أن يقف فوراً ليضيف زيتاً إلى المحرك، وإلا احترق المحرك، فهذه معلومات يجب أن يعرفها كل من يقود السيارة، لكن معرفة نوع الخلائط التي استخدمت في صناعة المحرك ليست واجبة على كل من يركب السيارة، فهي للذين يتخصصون في صناعة السيارات، فهناك علوم يجب أن يعلمها كل إنسان مسلم ولا عذر له في جهلها، وإذا جهلها زاغت عقيدته فانحرف سلوكه و شقي في الدنيا والآخرة، وموضوع الجن من العقائد التي يجب تعلم بالضرورة، لأنك إذا توهَّمت، أن هذا فلان يعرف الغيب، وأن هذا الشيخ يتطلع على ما سيكون، فإنك في هذه الحالة تمشي في متاهاتٍ لا أساس لها من الصحة.
 وقد مَرَ معنا من قبل أن من الجن من هم مؤمنون ومنهم من هم كافرون، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾

( سورة الجن آية "11 " )

 مدى تأثير الجن على الإنس ؟
 إن كان لخبثاء الجن بعض التأثير الجسمي على أحد من الإنس، فهذا التأثير إنما يكون على من يستكينُ بأوهامه وتخيلاته إلى سلطانهم، فالجن لا يستطيعون أن يؤثروا على أحد إلا إذا استكان وخضع لهم واتبعهم واعتقد بهم وأشركهم مع الله عزَّ وجل، فكلُّ من يستكين بأوهامه لهم من ذكرٍ أو أنثى أو يتخيل أن بيدهم نفعه أو ضُرُّه و يخضع لسلطانهم، فإنه يتعرض لمسهم وتخبُّطاتهم، وسبب ذلك هو استعاذته بهم والتماسه نفعهم أو استخدامه لهم من أجل الإضرار بأعدائه من الإنس، و هذه الحالات محددة، فمن أراد أن يستخدم الجن ليضرَّ بهم إخوانه من الإنس، أو التمس النفع عندهم، أو استعاذ بهم، أو خضع لسلطانهم، أو اعتقد بهم، أو استكان بأوهامه لهم، دفع ثمن جهله و شركه و ضلاله، إذ قد يتعرَّضون له بالأذى، و قد علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نستعيذ بالله من همزات الشياطين ومن حضورهم، ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((إذا فَزِعَ أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامَّات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون فإنه لم تضره))

 فإذا رأى إنسان مثلاً ابنه يبكى في الليل بكاءً شديداً فجأةً فليستعذ بالله من همزات الشياطين، و هذا هو السلاح الفعَّال المجدي.
 ومنه ما رواه أبو داود وابن ماجة بإسنادٍ صحيح عن زيد بن الأرقم قال عليه الصلاة والسلام:

((إن هذه الحشوش ( أي مكان قضاء الحاجات ) محتضرة ( أي يحضرها الشياطين )، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبْثِ والخبائث ))

 و هذا دعاءٌ مأثورٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام..
  فالفكرة الأولى هي أن الشياطين ليس لهم سلطانٌ على الإنسان إلا إذا اعتقد بهم أو أشركهم مع الله، أو خضع لسلطانهم، أو توهَّم أنهم ينفعونه و يضرونه، أو ابتغى النفع عندهم، أو استعاذ بهم والتجأ بهم، أو أراد أن يكيد لإخوانه من الإنس عن طريقهم، فإذا فعل هذا مسَّه شرُّهُم ومسته همزاتهم، ودفع ثمن شركه وبغيه وعدوانه غالياً.
 هل يُلْقِي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟
 إن الجن قد يلقون العلوم والأخبار إلى قُرَنَائهم من الكُهَّان، و بالمناسبة: لا يمكن للإنسان الذي يتعاون مع الجن إلا أن يكون كافراً، و هذا قول واحد، لأن أدق التعريفات للساحر أنه الشخص الذي يتَّصل بالجن، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((من سحر فقد كفر ))

 فأي اتصالٍ بين الجن و الإنس، لا بد أن يكون هدفه إضلال البشر، ولو تزيَّا هذا الذي يتصل بالجن بألف زيٍ وزي، و قد يكون هذا زي دينياً في بعض الأحيان، فقد يلبس هذا الإنسان عمامةً خضراء، لكنه كافر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم فعله ذلك، لأن هدفه إيهام الناس أن بيد الجن النفع والضُر، ليحولهم بذلك من عبادة الله سبحانه وتعالى إلى عبادة خلقه.
 و السؤال الآن: هل يلقي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟ ونقول إجابة عن ذلك: أما العلوم والأخبار التي يمكن أن يلقيها الجن إلى قرنائهم من الكُهَّان فصدقها مرتبط بطبيعة مواضيع هذه العلوم التي يُلْقونها.
 1- العلوم المشهودة: فإن كانت من العلوم التي تتعلَّق بالأمور المشهودة، كأن يخبروا عن الأمطارٌ الغزيرة التي نزلت في حلب هذا اليوم، فنزول الأمطار في حلب هذا اليوم من الأشياء المشهودة التي وقعت، و ليس من الأشياء الغيبية، لكن نقل الخبر قد لا يكون متيسراً للإنس قبل وجود الاتصالات السلكية واللاسلكية، والسفر السريع إلى هذه البلاد، فالجن أحياناً يستطيعون أن ينقلوا هذه الأخبار التي وقعت، وليس التي ستقع، و هذا ليس من عالم الغيب بل هو من عالم الشهادة، فإن كانت هذه الأخبار التي ينقلها الجن من العلوم التي تتعلق بالأمور المشهودة أو الأخبار عن الوقائع الماضية، فإنها أخبارٌ تحتمل الصدق والكذب، وليس ببعيدٍ أن يكون في الجن كذَّابين، وقد أثبت الله تعالى أن منهم العصاة الكافرون، ومن جهة ثانية إننا لا يمكننا الثقة بأخبارهم لانعدام المقاييس بحوزتنا في معرفة صدقهم وكذبهم، و من الممكن أن يكون انتقال الجن سريع جداً، والدليل:

﴿ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾

( سورة النمل: آية "39 " )

 فقبل أن يقوم سيدنا سليمان من مقامه استطاع العِفْريت من الجن أن يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى القدس، فانتقاله سريع جداً، قال الله عزَّ وجل:

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾

( سورة الرحمن )

 فقد قدَّم الله سبحانه وتعالى الجن على الإنس لأنهم أقدر من الإنس على خرق السماوات والأرض لميزاتٍ أعطاه الله إياهم.
 قصة تبين كذب بعض الجن:
 سأذكر لكم هذه القصة وقد سمعتها بأذني من صاحبها الذي توفي الآن رحمه الله، فقد سُرِقت من بيته سجادة ثمينةٍ جداً، فدله بعضهم على من يضرب له (المندل)، فقال: ذهبت إلى (ضارب المندل) فجاء بوعاءٍ وضع فيه زيت، وجاء بغلام صغير، وصار يسأل هذا الغلام والغلام يجيب قائلاً: إن هذه السجادة موجودة الآن في بيت كذا، ثم حدد الحي، و(الدَخلة) و الحارة، وقال: أمام البيت هناك حجر كبير، و الباب لونه كذا، وهو يفتح على بهو واسع، ويوجد على اليمين غرفة تدخلونها، و في زاوية الغرفة مكان في الحائط يشبه هذا المكان، يوجد عليه فرش ولحف، فتنزعون الفرش و اللحف، فتجدون صندوقاً فيه قطن، و السجادة تحت القطن، فقال هذا الرجل: توجَّهت إلى هناك وأخذنا معنا المختار وقد كان له عمل في الدرك، واقتحمنا البيت، فكان كل شيءٍ قاله هذا الطفل في (المندل) صحيحاً، من أدقِّ التفصيلات إلى أكبرها، فقد دخلنا البيت و وجدنا الفسحة السماوية، ودخلنا إلى الغرفة و وجدنا في صدرها فراغاً يوجد عليه صندوق وفرش ودُسُر، ففتحنا الصندوق، و وجدنا القطن ولكننا لم نجد السجادة، فذهبوا إلى صاحب البيت، فكان بائع سجاد، فضربوه إلى أن قال: لقد أخذتها وبعتها، فانتقوا أحد السجادات وخذوها مكانها، قال هذا الرجل: ثم أخذنا سجادة بنفس القياس،و بعد أربعة أشهر قال لي رجل كان في السجن: أتدري من سرق من عندك السجادة ؟ قلت له: أعرف، وقد استرددتها... قال له: لا، فقد كنت في السجن فحدثني أحد السجناء أنه هو الذي دخل إلى بيتك وسرق السجادة.
 فأين كلام الجن؟ إنهم كذَّابون، لكنهم قد يعرفون معالم هذا البيت بلا شك، فأعطوه كلاماً صحيحاً عنه، لكنهم لا يعرفون من أخذ السجادة، فلذلك كان ضرب المندل خلط وكذب و دجل، و لكن قد يوجد في أثناء الكلام بعض الحقائق ليست الغيبية بل المشاهدة، فهذا الجني يعرف أن في هذا المكان يوجد الحي الفلاني، والبيت الفلاني، والمكان الفلاني، وقد أردت من هذه القصة الطويلة أن أقول: إن الجن في نقلهم للأخبار المشهودة يكذبون ويصدقون، فهم لا يعوَّل على كلامهم إذاً، لأننا لا نملك المقاييس للتفريق بين كذبهم وصدقهم.
 2- العلوم الغيبية: إن كانت الأخبار التي يخبرون بها من المغيبات فهي على نوعين:
 أ - إما أن تكون من المغيَّبات التي استأثر الله بعلمها، كعلم الساعة مثلاً،قال تعالى: " إن الله عنده علم الساعة" فهذه العلوم لا يمكن لإنس، ولا جن، ولا لنبي أو رسول أن يعرفها.
 وقد ألقى أحد العلماء غير المستنيرين محاضرةً في بعض عواصم الدول العربية، عن إعجاز القرآن الرياضي، واجتمع حوله علماءٌ كثيرون، فقد بدت لهم المحاضرة قيِّمة، وقد كان هذا المحاضر يعمل على الكمبيوتر، فلقَّم كلمات القرآن لهذا الجهاز فجاء بحقائق مدهشة، لكنه شطَّ به الطموح فعيَّن يوم القيامة، فانسحب عندئذٍ كل من في المحاضرة من العلماء، لأن هذا دجل، لأن الله عنده علم الساعة وحده.
 إذاً: إذا كانت المعلومات من الحقائق التي استأثر الله بها، فلا يمكن لإنس ولا جن ولا ملك ولا نبي ولا رسول أن يعرفها، و التحدُّث بها ضرب من الكذب والافتراء على الله، لكنه وارد على لسان أحد القرينين من الإنس والجن.. قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾

( سورة الأنعام: آية "59 " )

 فلو قال الله عزَّ وجل: (ومفاتح الغيب عنده)، لكان هناك فرقٌ كبيرٌ جداً في اللغة، فإذا قال الله عزَّ وجل: (ومفاتح الغيب عنده)، معنى ذلك أنها عنده، كما أنها قد تكون عند غيره، ولكن حينما قدَّم الظرف على المبتدأ فقال:

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾

 كان معنى ذلك أن الغيب محصورٌ ومقصورٌ على الله وحده، وليس لأحدٍ كائناً من كان أن يعلمه، فكل من قال لك: أنا أعلّم ما سيكون، فهو دجَّال و كذَّاب، فما بال هذه (الصَّرعة) التي ظهرت حديثاً بين الناس، فجعلت في كل عاصمة كبيرة كاهنة أو كاهن يأتيه رجالٌ من عَلِيَّة القوم فيسألونه عن المستقبل، فيقولون: هل سأبقى في هذا المكان ؟ هل سأبقى بهذه البحبوحة ؟ ماذا سيحصل لي في المستقبل ؟ وهذا كله سخفٌ في سخفٍ، و دجلٌ في دجلٍ، و كذبٌ في كذبٍ، و غباءٌ في غباء ٍ، فلا يعلّم الغيب إلا الله.
ب- قد تكون هذه المغيَّبات من الأمور التي قُضِيَت في السماء، وأصبحت معلومةً لذوي الاختصاص من الملائكة، كما أصبحت معدَّةً لتبليغها للملائكة، ومثال ذلك أن ترتئيَ الحكومة فجأةً أن تقدِّم الساعة أو أن تُؤخرها، فيتداول الأمر مَن في مجلس الوزراء، لكنه لا يذاع، فلو فرضنا أن أحد الأذنة (المستخدمين) دخل ليقدِّم لهم الشاي أو القهوة، فسمع أنهم يُزمعون تقديم الساعة، فهذا القرار في الحقيقة لا يزال طيَّ الكتمان، لكن هذا (الآذن) استطاع أن يأخذه بشكلٍ أو بآخر، فلما أذاعه في الناس بين أسرته وأقربائه، ظنُّوه أنه يعلم ما سيكون، وهذا غير صحيح، لأن هذا مما هو كائن، أما ما سيكون فلا يعلمه إلا الله، وقد يُتخذ هذا القرار، وكان هذا الآذن قد دخل ليقدم القهوة فسمع شيئاً عنه، فيأتي إلى أهله ويقول: لقد آتاني الله قدرة على كشف الغيب، ودليله على ذلك، أنهم في يوم الثلاثاء سوف يقدِّمون الساعة، وليس ثمة أحد ذكر هذا الكلام، فيصدق الناس ما يقول، و يعتقدون أنه ولي، والعملية في النهاية ما هي إلا استراق خبر بعد أن اتُخذ قراره، فأذاعه هذا المستخدم قبل أن يُذاع في الإعلام، و هذا هو الموضوع كله.
 و قد جاء حديثٌ لرسول الله ما يأتي:

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ ( اتخذ فيه قرار ) فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم ))

( صحيح البخاري )

﴿ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ(34)﴾

( سورة: الذاريات )

 فالقرية كانت لا تزال على حالها ؛ تعيش حياتها الطبيعية، لكن الملائكة أباحوا لسيدنا إبراهيم ما سيُصنع بها:

﴿ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ(34)﴾

( سورة: الذاريات )

 فهل هذا من قبيل علّم الغيب ؟ لا، إن هذا قرارٌ اتُخذ في السماء وبُلِّغ لأصحاب العلاقة لينفذوه، و من قبل أن ينفَّذ علمه سيدنا إبراهيم، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّ الْمَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ))

(صحيح البخاري: الرقم " 2971 )

 فقد يعطون الخبر الصحيح ويخلطون به مليون خبر كذب، "فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم"ْ، فهي عملية استراق أمر قضى الله به في السماء وبُلِّغَ للملائكة لتنفيذه، فيأتي الشيطان فيسترق هذا الخبر و يوحيه إلى لكاهن، فيقوله للناس، ثم يوهم الناس أنه يعلّم الغيب، و لا غيب في ذلك، إنما هو استراق الشياطين السمع من الملائكة، بعد نزولها إلى جو الأرض، وليس استراق السمع من السماء كما كان دأبهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه والسلم، فقد منعوا بعد العثة من ذلك بالشهب:

﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً(9)﴾

( سورة الجن )

 إثم المتصل بالجن من الإنس:
 إن من يلقي سمعه للشياطين عليه إثمه الكبير، فقد قال تعالى في سورة الشعراء:

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ(223)﴾

( سورة الشعراء )

 لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت، فهذا الذي يلقي أذنه للشيطان، هو أفَّاكٌ أثيم كاذب، ضالٌ مضل:

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ(223)﴾

( سورة الشعراء )

 فأي تعاونٍ بين إنسانٍ و شيطان هو دليلٌ قطعيٌ على أن هذا الإنسان أفَّاكٌ أثيمٌ كاذب، ولو لبس جبةً ووضع على رأسه عمامةً خضراء، وسمى نفسه الولي الفلاني، فإذا كان على علاقة مع الجن و الشياطين، فهو أفَّاكٌ أثيمٌ كذاب، مهما يكن زيه، قال عليه الصلاة والسلام:

((عالمٌ واحد أشد على الشيطان من ألف عابد))

 العلم سلاح يا إخوان.. قال عليه الصلاة والسلام:

(( العلم سلاحي ))

 يوجد عندنا آية أعظم وأدق وأوضح، تخبرنا أن الجن لا يعلمون الغيب أبداً، فسيدنا سليمان قد قبضه الله عزَّ وجل وهو مستندٌ إلى عكازه، و قيل إنه بقي مدةً طويلة- ولا أدري كم بقي- إلى أن جاءت دابة الأرض ( أي السوسة) ونخرت في هذه العكازة حتى أتت عليها كلُّها، فلما أتت عليها كلها انكسرت فوقع سيدنا سليمان، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾

( سورة سبأ )

 (منسأته) ؛ أي: عصاه، (فلما خرَّ)،أي: لما وقع،(ما لبسوا في العذاب المهين) ؛ أي: لقد كان سليمان عليه السلام قد كلفهم بأعمال شاقة جداً وكانوا يتحملونها خوفاً منه، فلو أنهم يعلمون الغيب لتخففوا من هذه الأعمال بمجرد أن قبضه الله عزَّ وجل، فربنا عزَّ وجل جاء بهذه القصة ليؤكِّد بشكلٍ قاطعٍ على أن الجن لا يعلمون الغيب:

﴿ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾

 فنقول قولاً واحداً: إن الجن لا تعلّم الغيب، كما أنهم ليس لهم تأثيرٌ جسماني على الإنسان، فإذا كان هناك إنسان يقع بـ(الساعة) فهذه الحالة يوجد لها سببان ؛ فإماأن يكون هناك مرض عصابي، أو أن يكون في الشخص نوع من تأثير الشياطين، و المرض العصابي كما قال لي بعض الأطباء: هو تخريشٌ في الدماغ، وهو قابل للعلاج، لكن بعض أنواع الصرع قد يكون فيه أثر الشيطان في الإنسان، فإذا اعتقد الإنسان به،أو استسلم له، أو ابتغى النفع من عنده، أو توهَّم أنه ينفعه أو يضره، أو أشركه مع الله عزَّ وجل، أو خنع له، عندئذٍ يقع تأثيره عليه، أما لو اعتقد بالواحد الديان، وقال: " أعوذ بالله من همزات الشياطين" فلا يمكن للجن ولا للشياطين ولا للإنس أن يؤذوه.
 فإذا وقع واحد في الساعة فقد يؤذِّنون أمامه، و بمجرد أن يؤَذَّن أمامه يذهب عنه الشيطان
والسؤال الثاني يقول: هل للشياطين سلطانٌ على الإنس في عقائدهم وإرادتهم وأعمالهم ؟ هذا ما سنتحدث عنه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS