3077
موضوعات متنوعة - دورات للطلاب الأجانب - دورة عام 1999 - عقيدة - الدرس ( 04 - 17 ) : الحكيم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-07-28
بسم الله الرحمن الرحيم

حكمته سبحانه وتعالى نوعان:

أحدهما:

الله أعطى كل مخلوق خلقه اللائق به
الحكمة في خلقه ؛ فإنه خلق الخلق بالحق، ومشتملاً على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته وهيأته، فلا يرى أحد في خلقه خللاً ولا نقصاً ولا فطوراً الله تحدى العباد أن يجدوا أي خلل أو نقص في خلقه
فلو اجتمعت عقول الخلق من أولهم إلى آخرهم ليقترحوا مثل خلق الرحمن، أو ما يقارب ما أودعه في الكائنات من الحسن والانتظام والإتقان لم يقدروا، وأنّى لهم القدرة على شيء من ذلك ؟ وحسب العقلاء الحكماء منهم أن يعرفوا كثيراً من حِكمه ويطلعوا على بعض ما فيها من الحسن والإتقان، وهذا أمرٌ معلومٌ قطعاً، بما يعلم من عظمته، وكمال صفاته، وتتبع حكمه في الخلق والأمر.
وقد تحدى عباده أن ينظروا ويكرروا النظر والتأمُّل، هل يجدون في خلقه خللاً أو نقصاً، وأنه لا بد أن ترجع الأبصار كليلة عاجزة عن الانتقاد على شيء من مخلوقاته. قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4)﴾

( سورة الملك )

النوع الثاني:

هل هناك كرم أعظم من القرآن أنزله الله للبشر؟
الحكمة في شرعه وأمره ؛ فإنه تعالى شرع الشرائع وأنزل الكتب، فهل هناك كرم أعظم من هذا ؟ فإن معرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له، وحمده وشكره، والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق، وأجل الفضائل لمن يمنّ الله عليه بها، وأكمل سعادة وسرور للقلوب والأرواح، كما أنها هي السبب الوحيد للوصول إلى السعادة الأبدية والنعيم الدائم، فلو لم يكن في شرعه وأمره إلا هذه الحكمة العظيمة التي هي أصل الخيرات وأكمل اللذات، ولأجلها خلقت الخليقة وحق الجزاء، وخلقت الجنة والنار لكانت كافية شافية.
هذا وقد اشتمل شرعه ودينه على كل خير، فأخباره تملأ القلوب علماً ويقيناً وإيماناً وعقائد صحيحة، وتستقيم بها القلوب ويزول انحرافها، وتثمر كل خلق جميل، وعمل صالح وهدى ورشد، وأوامره ونواهيه محتوية على غاية الحكمة والصلاح والإصلاح للدين والدنيا، فإنه لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مضرته خالصة أو راجحة.
الأمم التي امتلكت الحضارة والقوة وخلت من الروح ضرت البشرية
ومن حكمة الشرع الإسلامي، أنه كما أنه الغاية لصلاح القلوب والأخلاق والأعمال والاستقامة على الصراط المستقيم، فهو الغاية لصلاح الدنيا، فلا تصلح أمور الدنيا صلاحاً حقيقياً إلا بالدين الحق، الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا مُشاهد محسوس لكل عاقل، فإن أمة محمد لما كانوا قائمين بهذا الدين أصوله وفروعه وجميع ما يهدي ويرشد إليه، كانت أحوالهم في غاية الاستقامة والصلاح.
ولما انحرفوا عنه وتركوا كثيراً من هداه، ولم يسترشدوا بتعاليمه العالية انحرفت دنياهم كما انحرف دينهم.
وكذلك انظر إلى الأمم الأخرى التي بلغت في القوة والحضارة والمدنية مبلغاً هائلاً، لكن لما كانت خالية من روح الدين ورحمته وعدله كان ضررها أعظم من نفعها، وشرها أكبر من خيرها، وعَجِزَ علماؤها وحكماؤها وساسَتُها عن تلافي الشرور الناشئة عنها، ولن يقدروا على ذلك ما داموا على حالهم ؛ ولهذا كان من حكمته تعالى أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والقرآن أكبر البراهين على صدقه.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع