10672
ندوة إذاعية - إذاعة دمشق - من نور الإيمان - الحلقة ( 1 - 8 ) : قراءة في سورة العصر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-10-23
بسم الله الرحمن الرحيم

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة، وأتمها على حبيب الله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم، ورحمة الله تعالى، وبركاته، نحييكم أجمل تحية، من خلال برنامج من نور الإيمان، نسأل الله عز وجل، أن نقدم مادة مفيدة؛ فيها من نور الإيمان الشيء الكثير.
يسعدنا في هذا اللقاء، أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، وخطيب مسجد النابلسي بدمشق، سماحة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الدكتور:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أستاذ جمال.
المذيع:
 فضيلة الشيخ، شهر رمضان المبارك، كاد أن ينتهي لكنه باق في النفوس ألقاً متوهجاً، وعطاء استزاد الإنسان فيه من عطاء الله؛ إيمانياً وروحياً، كيف نتحدث وهناك بضعة أيام، ويختتم شهر رمضان لهذا العام.
الدكتور:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أستاذ جمال، جزاك الله خيراً، ما من حديث أبلغ من كلام الله عزوجل، ففي القرآن الكريم سورة قصيرة؛ كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا التقيا؛ لم يفترقا حتى يتلو أحدهما على الآخر هذه السورة، وكان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، يقول:
<< لو تفكر الناس في هذه السورة؛ لكفتهم>>
 إنها سورة العصر؛ هذه السورة ترسم حدود منهج كامل لحياة البشرية، كما يريدها خالق البشرية، فعلى امتداد الزمان في جميع العصور؛ وعلى امتداد المكان في جميع الدهور، ليس أمام الإنسان؛ إلا منهج واحد رابح، وطريق واحد سالك، إلى جنة الخلد، وكل ما وراء ذلك؛ ضياع وخسارة وشقاء.
السورة تقول:

﴿وَالْعَصْر*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[سورة العصر: 1و2]

 قد أقسم الله جل جلاله بمطلق الزمن لهذا الإنسان المكرم، الذي هو في حقيقته زمن، في أدق تعريفات الإنسان:
<< إنه بضعة أيام، كلما انقضى يوم؛ انقضى بضع منه>>
وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي:
<<يا ابن آدم؛ أنا فجر جديد، وعلى عملك شهيد؛ فتزود مني؛ فإني لا أعود إلى يوم القيامة.>>
 لقد أقسم الله بالزمن للإنسان؛ أنه في خسر؛ بمعنى أن مضي الزمن وحده، يستهلك عمر الإنسان؛ الذي هو رأس ماله، ووعاء عمله الصالح، الذي هو ثمن الجنة، التي وعد بها، وهل الخسارة في العرف التجاري؛ إلا أن تضيع رأس مالك، من دون تحقيق الربح المطلوب؟! لكن الإنسان إذا استثمر الوقت فيما خلق؛ يستطيع أن يتلافى هذه الخسارة، وذلك بالإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، و التواصي بالصبر، فقد قال الإمام الشافعي:
<< هذه أركان النجاة>>
قال تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ* ِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[سورة العصر]

المذيع:
 إذاً؛ هناك فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، موضوع الإيمان، الذي تتحدث عنه.
الدكتور:
 أحد فقرات أركان النجاة، أربع فقرات؛ إيمان وعمل صالح ودعوة وصبر.
يعني؛ ينبغي أن تعلم، وينبغي أن تعمل بما تعلم، وينبغي أن تخلص في دعوتك إلى الله عز وجل، وينبغي أن تصبر على كل شيء.
 الإيمان؛ هو اتصال هذا الكائن الإنساني الصغير، الضعيف، الفاني، المحدود، بالأصل المطلق، الأزلي، الباقي، الذي صدر عنه هذا الوجود، وعندئذ ينطلق هذا الإنسان من حدود ذاته الصغيرة، إلى رحابة الكون الكبير، ومن حدود قوته الهزيلة، إلى عظمة الطاقات الكونية المخبوءة، ومن حدود عمره القصير، إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله، هذا الاتصال؛ فضلاً على أنه يمنح الإنسان القوة والامتداد والانطلاق، فإنه يمنحه السعادة الحقيقية، التي يلهث وراءها الإنسان، وهي سعادة رفيعة، وفرح نفيس، وأنس بالحياة، كأنس الحبيب بحبيبه، وهو كسب لا يعدله كسب، وفقدانه خسران لا يعدله خسران، وعبادة إله واحد؛ يرفع الإنسان عن العبودية لسواه، فلا يذل لأحد ولا ينحني رأسه لغير الواحد القهار، فليس هناك إلا قوة واحدة، ومعبود واحد، وعندئذ؛ تنتفي من حياة الإنسان المصلحة، و الهوى ليحل محلها الشريعة، و العدل، والاعتقاد بكرامة الإنسان من لوازم الإيمان.
المذيع:
 دكتور، هذا الموضوع الذي تتفضل به جنابك، هو يلخص حقيقة وجودنا في هذه الحياة، يعني هناك موضوع لوازم الإيمان، كيف نطل على هذا الجانب.
الدكتور:
الاعتقاد ـ أستاذ جمال ـ بالله عز وجل؛ اعتقاد يحقق كرامة الإنسان، فيرفع الله من قيمته، في نظر نفسه، ويثير في نفسه الحياء، من التدني عن المرتبة، التي رفعه الله إليها.
 البند الثاني ـ أستاذ جمال ـ (وعملوا الصالحات) ولأن الإيمان حقيقة إيجابية متحركة؛ كان العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان، فما إن تستقر حقيقة الإيمان في ضمير المؤمن؛ حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها، في صورة عمل صالح، فلا يمكن أن يظل الإيمان في نفس المؤمن خامداً، لا يتحرك، كامناً لا يتبدل، فإن لم يتحرك الإيمان هذه الحركة الطبيعية؛ فهو مزيف أو ميت، شأنه شأن الزهرة؛ ينبعث أريجها منها، انبعاثاً طبيعياً، فإن لم ينبعث منها أريج؛ فهو غير موجود، والعمل الصالح، ليس فلتة عارضة، ولا نزوة طارئة، ولا حادثة منقطعة، إنما ينبعث عن دوافع، ويتجه إلى هدف؛ يتعاون عليه المؤمنون، فالإيمان ليس انكماشاً، ولا سلبية، ولا انزواء، ولا تقوقعاً، بل هو حركة خيرة نظيفة، وعمل إيجابي هادف، وإعمار متوازن للأرض، وبناء شامخ للأجيال؛ يتجه إلى الله، ويليق بمنهج يصدر عن الله.
المذيع:
ما المقصود دكتور ب(وتواصوا بالحق)
الدكتور:
هو البند الثالث. (إلا الذين آمنوا) البند الأول، (وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق)
 أستاذ جمال، لأن النهوض بالحق؛ عسير، والمعوقات كثيرة، والصوارف عديدة، فهناك هوى النفس، ومنطق المصلحة، وظروف البيئة، وضغوط العمل، والتقاليد، والعادات، والطمع، عندئذ يأتي التواصي بالحق، ليكون مذكراً، ومشجعاً، ومحصناً للمؤمن، الذي يجد أخاه معه يوصيه، ويشجعه، ويقف معه، ويحرص على سلامته، وسعادته، ولا يخذله، ولا يسلبه، وفضلاً عن ذلك؛ فإن التواصي بالحق؛ ينقي الاتجاهات الفردية، ويلقيها، فالحق لا يستقر ولا يستمر إلا في مجتمع مؤمن، متواص، متعاون، متكافل، متضامن، فالمرء بالإيمان، والعمل الصالح؛ يكمل نفسه، وبالتواصي بالحق؛ يكمل غيره، وبما أن كيان الأمة مبني على الدين الحق؛ الذي جاء بالنقد الصحيح، وأكده العقل الصريح، وأيده الواقع الموضوعي، وتوافق مع الفطرة السليمة، فلابد من أن يستمر هذا الحق، ويستقر؛ حتى تشعر الأمة بكيانها، ورسالتها، فالتواصي بالحق؛ قضية مصيرية، فما لم تتنامى دوائر الحق في الأرض؛ تنامت دوائر الباطل، وحاصرته، فالتواصي بالحق؛ يعني الحفاظ على وجوده وأداء رسالته.
المذيع:
التواصي بالصبر والصبر له أهمية متميزة في ديننا الحنيف.
الدكتور:
 نعم،( الذين آمنوا) البند الأول، (وعملوا الصالحات) البند الثاني (وتواصوا بالحق) البند الثالث، و(تواصوا بالصبر) البند الرابع.
 وقد شاءت حكمة الله جل جلاله، أن تكون الدنيا دار ابتلاء بالشر والخير، ودار صراع بين الحق والباطل، لذلك كان التواصي بالصبر ضرورة؛ للفوز بالابتلاء، والغلبة في الصراع، إذاً لابد من التواصي بالصبر على مغالبة هوى النفس، وعناد الباطل’ وتحمل الأذى، وتكبد المشقة، لذلك، يعد الصبر وسيلة فعالة لتذليل العقبات، ومضاعفة القدرات، وبلوغ الغايات:

*ِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ*

[سورة النساء: الآية: 104]

 هذه بعض بنود أركان النجاة التي وردت في هذه السورة الكريمة، سورة العصر.
المذيع:
 فضيلة الشيخ، نتحدث دائماً عن نور الإيمان؛ هذا النور، ما إن دخل في القلب؛ إلا صنع المعجزات، وهناك التفكر بآلاء الله عز وجل،بآيات الله؛ التي فيها أيضاً الشيء الكثير، إفادة ومعرفة لقلب المؤمن.
الدكتور:
 أصل الدين؛ معرفة الله، المسلم إذا عرف الله، ثم عرف أمره؛ تفانى في طاعته، أما إذا عرف الأمر، ولم يعرف الآمر؛ تفنن في التفلت من أمره، فلذلك حينما يعرف المسلم ربه، حق المعرفة؛ يتفانى في طاعته، وأي منهج إسلامي، لا يقدم معرفة الله، على معرفة الأمر؛ منهج لا ينجح؛ ذلك لأن الله تعالى حينما قال:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[سورة آل عمران: 190و191]

 قد يسأل سائل: كيف نعرف الله؟ الله عز وجل بقول فصل:

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَار﴾

[سورة الأنعام:103]

 لكن العقول تصل إليه، فالله سبحانه وتعالى؛ خلق الكون بسمواته وأرضه، بجباله، وبحاره، بأسماكه، وأطياره، بالنباتات بكل ما في هذا الكون يدل على الله عز وجل، فالإنسان إذا تفكر في خلق السموات والأرض؛ عرف الله؛ لذلك الله عز وجل، جعل الكون تجسيداً لأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، أو جعل الكون مظهراً لأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى،
فالإنسان حينما يتفكر في طعامه قال تعالى:

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾

[سورة عبس:24]

 الإنسان حينما يتفكر فيما خلق:

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾

[سورة الطارق: 5]

 الإنسان حينما يتفكر فيمن حوله، قال:

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ*وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾

[سورة الغاشية:17و18و19]

المذيع:
 أًهلاً وسهلاً بسماحة الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كليات الشريعة، وأصول الدين، أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، فضيلة الشيخ لقاء طيب وجميل ورائع، أهلاً وسهلاً بك، يا مئة مرحباً.
الدكتور:
 بكم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS