7217
ندوة إذاعية - إذاعة دمشق - ندوات مختلفة - الندوة 10: من ثمار الإيمان : العين - استمرار الطاعة بعد رمضان
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-11-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 العين.
 المذيع: أيها الأخوة والأخوات - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته -أسعد الله أوقاتكم جميعاً بكل خير، ندعوكم لمتابعة هذه الحلقة الجديدة من برنامج من ثمار الإيمان.
 أيها الأخوة: يسعدنا أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، وخطيب جامع النابلسي بدمشق، فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
 الأستاذ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
 المذيع: فضيلة الشيخ الله عز وجل يقول:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

(سورة الذاريات)

 حبذ في هذه الليلة المباركة أن نعرّج وبشكل عميق تقريباً حول آيات الله عز وجل، وبديع صنعه في خلق الإنسان.
 الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، أستاذ جمال جزاكم الله خيراً.
 كما تفضلت في قوله تعالى:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

 أنا أقول دائماً أن آيات الله في الآفاق وفي النفس أقصر طريق إلى الله وأوسع باب ندخل منه على الله، والأصل في التفكر في خلق السماوات والأرض أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)﴾

(سورة آل عمران)

 يتفكرون ! فعل مضارع يفيد الاستمرار، الله عز وجل يخاطب هذا الإنسان الشارد يقول:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) ﴾

(سورة البلد)

 هذه العين وحدها من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله ! أولاً فيها ماء، ماء العين ثابت عند العلماء، لكن لو أن إنساناً سافر لبلاد الشمال حيث الحرارة سبعون تحت الصفر، يضع على رأسه قبعة من الصوف، ويرتدي ثياباً ثخينة، ويضع على يديه قفازين، ويرتدي حذاء سميكاً وجوارب صوفية، لكن هل يستطيع أن يغطي عينه ؟ كيف يرى ؟ لو أن ماء العين لامس السبعين تحت الصفر لتجمد ماء العين وفقد الإنسان بصره، لحكمة أرادها الله وضع الله في ماء العين مادة مضادة للتجمد !

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) ﴾

 في العين عدسة، هي من أعظم ما يدل على عظمة الله، عدسة مرنة يمكن أن يزداد تقعرها أو أن يزداد انبساطها، يحكم هذه الزيادة عضلات هدّية يزيد تقعرها واحد من ألف من ميليمتر ليقع خيال الجسم الذي أمام العدسة إلى محرق العدسة، ولو أن هذه العدسة صلبة لما أمكن أن نرى إلا لمسافة واحدة فقط، أما لأن هذا الجسم البلوري العدسة في العين مرنة يمكن أن يزداد احتدابها أو ينقص.
 إذاً هناك أجهزة بالغة التعقيد، تقيس المسافة بين العين وبين الشيء المنظور، ثم تضغط على الجسم البلوري ضغطاً يتناسب مع وقوع هذا الجسم على المحرق أي على الشبكة من منا يصدق أن في الشبكية مائة وثلاثون مليون عصية ومخروط في عشر طبقات كي تستقبل الصورة، والحقيقة أن استقبال الصورة ونقلها للدماغ كي تصبح مدركة شيئاً تعجز العقول عن إدراكه، إن في الشبكية مواد كيماوية تتأثر بالضوء، فإن تأثرت في الضوء نشأ عن هذا التأثر تيار كهربائي متباين الشدة، هذا إذا شحن إلى الدماغ انتقلت الصورة من خلال هذا التيار الكهربائي المتباين الشدة، وانقلب صورة في الدماغ.
 العين ترى الشيء بحجمه الحقيقي، بألوانه الدقيقة، يمكن أن تفرق العين البشرية درجتين من ثمانمائة ألف درجة بلون واحد، لو درجنا اللون الخضر ثمانمائة ألف درجة العين البشرية تفرق بين درجتين من ثمانمائة ألف درجة.

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) ﴾

 الحديث عن العين يطول، عن القرنية: قرنية العين شفافة شفافية تامة، كيف تتغذى ؟ كل جسم الإنسان يتغذى عن طريق الشعيرات الدموية إلا قرنية العين تتغذى عن طريق الحلول، الخلية الأولى تأخذ غذائها وغذاء جارتها، وهكذا ينتقل الغذاء من خلية أخرى من دون أوعية شعرية.
 القزحية هي هوية الإنسان، ليس في الستة آلاف مليون إنسان في الأرض إنسان واحد يشبه في قزحيته عين الآخر، حتى الآن عقب الحادي عشر من أيلول أصبح يؤخذ للإنسان المسافر في واشنطن رسم لقزحية العين تسجل على زواج سفره ولا يمكن أن يشتبه في هذا الشكل الآخر.
 فمن قرنية العين غلى قزحية العين إلى الجسم البلوري إلى ماء العين إلى شبكية العين إلى الأجفان إلى أن العين في محجر لو أن العين على الجبين لفقد معظم الناس بصرهم، هي في حصن حصين، ولأن الدماغ أخطر جهاز في الإنسان فهو في حصن حصين، ولأن النخاع الشوكي خطير جداً هو في حصن حصين، ولأن القلب خطير جداً فهو في حصن حصين، ولأن الجنين في بطن أمه لابد له من حصن يتحصن به فهو في حصن حصين.
 فالعين في المحجر، والدماغ في الجمجمة، والنخاع الشوكي في العمود الفقري، والقلب في القفص الصدري، والجنين في حوض المرأة.
 المذيع: كل ذلك يدل على الله.
 الأستاذ: قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً ﴾

 من منا يصدق أن كل حرف ينطق به الإنسان تصنعه سبعة عشرة عضلة تسهم في صنع حرف واحد ! فإذا ألقيت كلمة في ساعة وفي الكلمة تقريباً ثلاثين صفحة، وفي السطر تقريباً عشر كلمات في الصفحة مائتين كلمة، وكل كلمة خمس حروف، وكل حرف سبعة عشرة عضلة.

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9)﴾

(سورة البلد)

﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾

(سورة الرحمن)

 هذا البيان من تكريم الله له، بالبيان يتعلم ويعلم، ويعبر عن حاجاته ورغائبه ويفهم حاجات الإنسان ورغائبه، بالبيان يعبر عن فكره وعلمه ونفهم أفكاره وعلمه بالبيان، فالبيان من أعظم خصائص الإنسان.

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾

 حليب الأم لا يعدله حليب على وجه الأرض، بل إن أكثر الآفاق القلبية والوعائية المزمنة في الإنسان سببها الإرضاع الصناعي، لذلك الدول العظمى الآن تجبر مصنعو الحليب أن يكتبوا على عبلة الحليب لا شيء يعدل حليب الأم، حليب الأطفال الذي يشربونه نسب الحموض الأمينية عالية جداً، وهذا يتعب الكليتين في طرحهما، وإذا زادت النسب في الدم أجهدت العضوية، بل إن حليب الأم فيه من المواد الدسمة ما يتناسب مع الجهاز الهضمي، لذلك ورد في القرآن أن الإنسان إذا طلق زوجته من يرضع له ابنه ؟ قال تعالى:

﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6)﴾

(سورة الطلاق)

 لم يرد الإرضاع الصناعي، لأن حليب الأم لا يعدله حليب على وجه الأرض، من منا يصدق أن نسب الماء والدسم في الحليب تتبدل في أثناء الرضعة الواحدة ! يبدأ الطفل الحليب بستين بالمائة ماء وأربعين بالمائة مواد دسمة، تنتهي الرضعة بستين بالمائة مواد دسمة وأربعون بالمائة ماء، بل إن نسب الحليب تتبدل كل يوم بحسب نمو الطفل، فحليب الأم معه مناعة الأم، ومعه مواد تمنع التعفنات المعوية....
 الحديث عن حليب الأم لا ينتهي، لذلك الأمهات اللواتي لا يرضعن أمهن حفاظاً على رشاقتهن معرضن لسرطان الثدي ثمانية أضعاف، والأم التي ترضع ابنها من ثديها هذه تضمن له صحة جيدة وبنية قوية
 من أطرف ما قرأت عن دراسة جادة عميقة جرت في بعض البلاد الغربية أنهم امتحنوا ذكاء الأطفال في أكثر من مائة دولة في العالم، فكانت جزر الباسيفيك احتلت المرتبة الأولى ! لماذا ؟ لأنهم لا يعرفون الإرضاع الصناعي أبداً ! مع أنها بلاد متخلفة، لكن لأنها لا تعرف الحليب الصناعي تفوقت في الذكاء الطبيعي، من أخرط ما في هذا العصر تغير خلق الله، وقد قال الله تعالى:

﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾

(سورة النساء)

 دماغ الإنسان فيه أربعين مليار خلية استنادية لم تعرف وظيفتها بعد !
 المذيع: فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي كل ذلك يدل على الله، قال تعالى:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

 نشكركم فضيلة الشيخ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم

 استمرار الطاعة بعد رمضان.
 المذيع: أيها الأخوة والأخوات - السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حلقة جديدة من برنامج من ثمار الإيمان.
 أيها الأخوة: يسعدنا أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، وخطيب جامع النابلسي بدمشق، فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
 الأستاذ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
 المذيع: دكتور نودع شهر رمضان المبارك، أعاده الله على الجميع بالخير واليمن والبركة، المطلوب منا الكثير بعد شهر رمضان، بل مطلوب كمحطة مضيئة يجب أن تستمر كروحانية لدى الإنسان المؤمن الذي صام رمضان إيماناً واحتساباً.
 الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أستاذ جمال جزاكم الله خيراً.
 الحقيقة أن هناك عدة معاني لابد من أن يتمثلها الصائم في نهاية هذا الشهر الكريم، من هذه المعاني أن يوقن أنه ليس القصد أن ننتصر على أنفسنا في رمضان ثم ننخذل بقية العام، ولكن الصيام الحقيقي أن نحافظ على هذا النصر وعلى طول الدوران وتقلبات الزمان والمكان، كما أنه ليس القصد أن نضبط ألسنتنا في رمضان فننزهها عن الغيبة والنميمة وقول الزور، ثم نطلقها بعد رمضان إلى حيث الكذب والبهتان، ولكن الصيام الحقيقي أن تستقيم منا الألسنة، وأن تصلح فينا القلوب مادامت الأرواح في الأبدان.
 ليس القصد أن نغض أبصارنا عن محارم الله ونضبط شهواتنا غير المشروعة في رمضان ثم نعود لما كنا عليه في رمضان، فإنا إذا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، ولكن الصيام الحقيقي أن تصوم جوارحنا عن كل معصية في رمضان وبعده حتى نلقي الواحد الديان.
 ليس القصد أن نتحرى الحلال خوفاً من أن يرد علينا صومنا ثم نتهاون في تحريره على أنه عادة من عاداتنا ونمط شائع من سلوكنا، ولكن الصيام الحقيقي أن يكون الورع مبدءاً ثابتاً وسلوكاً مستمراً في حياتنا.
 كما أنه ليس القصد أن نبتعد عن المجالس والمشاهد التي لا ترضي الله إكراماً لهذا الشهر الكريم ثم نعود إليها وكأن الله ليس لنا بالمرصاد في بقية الشهور والأعوام.
 ليس القصد أن نراقب الله في أداء واجباتنا وأعمالنا مادمنا صائمين فإذا ودعنا هذا الشهر الكريم آثرنا حظوظ أنفسنا على أمانة أعمالنا وواجباتنا، مثل هذا الإنسان الذي لم يفقه حقيقة الصيام ولا جوهر الإسلام كالناقة حبسها أهلها ثم أطلقوها، فلا تدري لا لما عقلت ولا لما أطلقت.
 المذيع: فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي هناك مدرسة ثلاثون يوماً انقضت، وهناك أسس وقواعد و ثوابت يجب على المؤمن أن يتمثلها بعد رمضان حتى يكون مقبولاً على مدار العام.
 الأستاذ: إن هناك شيئاً آخر وهو: أنه ينبغي أن نستوعب أن الله لم يصطفي رمضان من بقية الشهور ليكون شهر الطاعة فحسب، بل أراده شهراً يتدرب فيه الإنسان على الطاعة حتى يذوق فيه حلاوة القرب وعندها تنسحب هذه الطاعة وذاك القرب على كل شهور العام، فيكون رمضان عندئذ قفزة نوعية مستمرة في مجال الطاعة والقرب.
 والحكمة من أن الله تعالى أمرنا بالإمساك عن سائر الطعام والشراب والمفطرات من طلوع الفجر لغياب الشمس، أي أن الإنسان حينما يدع ما هو مباح امتثالاً لأمر الله تعالى لا يستطيع ولا يتوازن مع نفسه أن يقترف ما هو محرم في هذا الشهر، فترك المحرمات أولى من ترك المباحات.
 فحينما يصطفي الله شهراً من هذه الشهور لتصفو فيه العلاقة بالله، يصطفيه من أجل أن يشيع هذا الصفاء مع الله في كل الشهور، لأن الله تعالى مع المؤمن في كل مكان وزمان، وحينما يصطفي الله مكاناً كبيته الحرام ويدعو المؤمنون إليه ليذوقوا حلاوة القرب فيه يريد أن ينسحب هذا القرب على كل الأمكنة لأن الله تعالى مع المؤمنين في كل مكان.
 حينما يصطفي الله إنساناً فيكشف له كل الحقائق إنما يصطفيه ليكشف من خلاله الحقائق لكل الناس، وحينما يصطفي إنساناً ليوحي إليه الأمر والنهي والمنهج القويم إنما يصطفيه ليكون هذا المنهج القويم مطبقاً لكل الناس.
 المذيع: دكتور نستشف من هذا الكلام الجميل الرائع من خلال توجهكم أن هناك عنوان بعد رمضان (فاستقم كما أمرت)
 الأستاذ: بعد رمضان كل الذي تركه المسلم في رمضان ينبغي أن يتابعه بعد رمضان، عدا الطعام والشراب، يفطر فمه ولا تفطر أعضائه وجوارحه.
 ثم إن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) ﴾

(سورة هود)

 في هذه الآية ملمح قوي هو: أن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، وحينما يصطفي الله إنساناً يسعده سعادة أبدية إنما يصطفيه ليسعد بدعوته كل الناس، هذا الدين لكل الناس.
 مجمل القول: أن الله سبحانه وتعالى يصطفي زماناً كرمضان ومكاناً كبيته الحرام، وإنساناً كسيد الأنام، إنما أراد من ذلك أن يشيع الصفاء في كل الناس وفي كل الأمكنة والأزمنة.
 المذيع: جاء الإسلام والإيمان ليسعد الناس في كل مكان وزمان.
 الأستاذ: نعم - بقي شيء دقيق: قد يعجب الإنسان أن آيات الصيام فيها آية تبدو للوهلة الأولى أنها مقحمة قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) ﴾

(سورة البقرة)

 ولكن في التأمل والنظر يتضح أنها ليست مقحمة، وهي ثمرة الصيام، الإنسان في رمضان توجه إلى الله وذاق من طعم القرب ومن معاني الحب، ثم استقام على أمره واصطفت سريرته، الآن ينبغي أن يتوصل لهذه الثمرة اليانعة الحقيقية هو أنه يدع التوجه إلى الخلق ويتوجه إلى الحق، كان يعلق الأمل على زيد أو عبيد وفلان وعلان، الآن عقد الأمل على الله وحده
 لذلك من ثمار الصيام العظيمة أن الإنسان يتوجه إذا صح صيامه إلى الله، بعد أن كان يعلق آماله على البشر، لذلك قال تعالى في آيات الصيام:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ﴾

 الشيء الذي يلفت النظر أنه في الآية استخدمت كلمة إذا، وإذا تفيد تحقق الوقوع، بينما إن تفيد على الوقوع، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾

(سورة الحجرات)

 قد يأتي وقد لا يأتي، احتمال وقوع، أما حينما قال الله تعالى:

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)﴾

(سورة النصر)

 فلابد من أن يأتي نصر الله سبحانه وتعالى، ذلك أن الذين كفروا سيغلبون.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

(سورة الأنفال)

 هذه الآية هي ثمرة الصيام.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾

 وقد ننتبه لكلمة عبادي، هي جمع عبد، وعباد والعبيد جمع عبد عبادي جمع عبد، والعبيد جمع عبد، فما الفرق بين العباد والعبيد ؟ قال بعض العلماء: العبيد هم عبيد القهر، فكل إنسان كان مؤمناً أو كافراً مسلم أو غير مسلم، عابد صنم أو عابد نار أو عابد شمس أو قمر هو في قبضة الله، في أية لحظة يفقد بعض حواسه أو قوته، مفتقر في وجوده لما يمده الله به من طعام وشراب، ومفتقر إلى الله لاستمرار وجوده، هو عبد القهر جمعه عبيد، قال تعالى: وحينما قال الله عز وجل:

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

(سورة فصلت)

 وحينما قال الله عز وجل:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

(سورة الحديد)

 يعين بعلمه، فقد يكون المرء كافراً أو ملحداً، لكن إذا قال الله عز وجل: إن الله مع المؤمنين - مع المتقين - قال العلماء: هذه معية خاصة، أي مع المؤمنين والمتقين والصادقين والتائبين بالحفظ والتأييد والرعاية والتوفيق.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) ﴾

 هناك ملمح آخر: العبيد جمع عبد القهر، إنما العباد جمع عبد الشكر، هذا العبد الذي عرف الله ابتداء وأحبه وفكر في خلقه واستقام على أمره وأحسن لخلقه، هذا العبد هو عبد الشكر يجمع على عباد.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ﴾

 الآن في القرآن الكريم عشر آيات أو تزيد كلها في صيغة متشابهة:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾

(سورة البقرة)

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾

(سورة البقرة)

﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾

(سورة البقرة)

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾

(سورة البقرة)

 إلا هذه الآية تنفرد من بين الآيات كلها:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

 لم تأت كلمة قل، استنبط من هذا أنه ليس بين العبد وربه حجاب ولا وسيط، فأنت بعد أن صمت رمضان أيها الأخ المسلم، وعرفت الواحد الديان، وأقبلت عليه بالطاعة والقرب وتلوت كتابه آناء الليل وأطراف النهار وأنفقت من مالك في سبيل الله وبعد أن غضضت بصرك وضبطت لسانك وصنت أذنك عن محارم الله، أول ثمرة من ثمار هذا الشهر العظيم أنك تركت الخلق وتوجهت إلى الحق، ولكن يمكن أن تتعامل معهم كوسائل لا كأهداف، هذا الفرق بين المشرك والموحد، الموحد يتعامل مع الناس على أنها وسائل، إنه يعلق الأمل على الله.
 لذلك يمكن أن يسمى الطريق الأمثل في السير إلى الله أنه طريق ضيق على يمينه وادي سحيق وعن يساره وادي سحيق فمن أخذ بالأسباب واعتمد عليها سقط في وادي الشرك.
 المذيع: فضيلة الشيخ في ختام هذا الموضوع التعامل مع الله سبحانه وتعالى، وصيام رمضان، والدخول في الحيز الواسع من الإيمان هي في الحد ذاتها تجارة رابحة مع الله.
 الأستاذ: من أخذ بالأسباب واعتمد عليها سقط في وادي الشرك، ومن لم يأخذ بها كبعض المسلمين المتخلفين عن حقيقة دينهم وقع في وادي المعصية.
 فما الحل ؟ الحل بعد رمضان أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء !
 المذيع: الله ! الله ! الشكر الجزيل لسماحة الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، وخطيب جامع النابلسي بدمشق، نشكركم فضيلة الشيخ والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
 الأستاذ: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وكل عام وأنتم بخير.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS