45835
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 078: حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-04-01
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الاحتفال بالمولد النبوي بين آراء المسلمين والقول الوسط:

أيها الإخوة الكرام، هناك لغط كبير حول حكم الاحتفال بذكرى المولد، هناك من يرى أن الاحتفال بذكرى المولد بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، صاحبنا هذا أوصلنا بالاحتفال إلى النار، وهناك من يرى أنه لابد من أن نحتفل بذكرى المولد، فهو عبادة من العبادات، وكلا الرأيين خاطئ، والحق وسط بين طرفين.

الأدلة القرآنية على الاحتفال بالمولد:

الآية الأولى:

أولاً: يقول الله عز وجل:

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

( سورة هود )

معرفة سير الأنبياء والمرسلين يزيد إيمان المؤمنين يقيناً
هذا قرآن كريم، إذا كان قلب سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم، المخلوق الأول، الذي أقسم الله بعمره الثمين، إذا كان قلب النبي يزداد ثبوتاً وإيماناً وتألقاً بسماع قصة نبي دونه، فكيف حالنا ونحن المقصرون إذا استمعنا إلى سيرة سيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم ؟ كيف حالنا إذا قرأنا شمائله وفضائله وأخلاقه، ورحمته وحكمته وعلمه وتواضعه ؟ كيف بنا ؟
الدليل الأول من القرآن الكريم يعدّ هذا الدليل أن معرفة سير الأنبياء والمرسلين من شأنه أن يزيد إيمان المؤمن يقيناً، ذلك أن الفضائل لا قيمة لها إلا إذا تجسدت بأشخاص، والمثالية من دون مثَل حي لا قيمة لها، الأفكار الأخلاقية لمجرد أن تكون أفكاراً لا قيمة لها، لكن هذه القيم الأخلاقية حينما نراها بأعيننا في إنسان متحرك، صادق، أمين، عفيف، أخلاقي، عنده حياء، عنده وفاء، عنده كرم، نحن نتأثر، لذلك الآية الأولى:

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

( سورة هود )

الآية الثانية:

كأن الله سبحانه وتعالى يدعونا إلى معرفة رسوله، بل إن معرفة رسول الله جزء من الدين، لأن كلمة الإسلام الأولى: " لا إله إلا الله محمد رسول الله ":

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

( سورة المؤمنون)

الآية الثالثة:

كل أمرٍ إلهي في القرآن الكريم يقتضي الوجوب

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

( سورة سبأ )

أن نجتمع مثنى وفرادى ؛ وأن نتداول في هذه الرسالة التي جاء بها النبي، في منهج النبي، في أخلاق النبي، في حكمة النبي، هذا جزء من الدين، بل أمرٌ إلهي، وكل أمرٍ إلهي في القرآن الكريم يقتضي الوجوب.

معنى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ

لكن أيها الإخوة، أنا مضطر أن أربط ما يعانيه العالم الإسلامي من حالات لا ترضي، ولا تسرّ الصديق، بل تشمت العدو، أربط هذه الحالات بضعف اهتمامنا بمنهج رسول الله، كيف ؟ الله عز وجل يقول:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

( سورة الأنفال)

من طبق منهج رسول الله في حياته فهو في مأمن من عذاب الله
أنت فيهم في حياته المعنى واضح، لكن وأنت فيهم بعد مماته المعنى يحتاج إلى إعمال نظر.
قال علماء التفسير: " مادامت سنة النبي عليه الصلاة والسلام، مادام منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم مطبقاً في حياتنا، مطبقاً في زواجنا، في تربية أولادنا، مطبقاً في كسب أموالنا، في إنفاق أموالنا، مطبقاً في مسراتنا، في أحزاننا، مطبقاً في حلنا، في ترحالنا، إذا كان منهج رسول الله الذي جاء به مطبقاً في حياتنا فنحن في مأمن من عذاب الله، فإذا كنا نُعذب كل يوم، و نُقتل كل يوم، و تُستباح دماؤنا كل يوم، و تنتهك أعراضنا كل يوم، و يُستولى على ثرواتنا كل يوم، و تأتينا الجيوش من بقاع الأرض تحتل أرضنا، خمس أو ست دول أرضها محتلة، إذا كان هذا الوضع فالذي يعنينا من هذا الوضع أننا لسنا مطبقين لمنهج رسول الله.

ماهية الاحتفال بالمولد النبوي:

هذا ينقلنا إلى فكرتين، هناك احتفال فولكلوري كما ألِفه المسلمون من سنوات طويلة، ترفع الزينات، تلقى الخطابات التي تتحدث عن رسول الله، لكن حياتنا في واد ومنهجه في واد آخر.
من السهل جداً أن تمدح أباك، مثلاً: لك أب عالم كبير يحمل أعلى الشهادات، له مؤلفات، و الابن أمي لا يقرأ، ولا يكتب، يمكن لهذا الابن أن يمدح أباه ما شاء له أن يمدح، لكن يبقى الابن جاهلاً، والأب عالماً، لا قيمة لهذا المديح إطلاقاً.
الاحتفال الحقيقي بذكرى مولد النبي تكون باقتفاء أثره
أقول لكم من القلب إلى القلب: مهما مدحنا النبي، ومهما صلينا على النبي، إن لم نقتف منهج النبي فهذا الاحتفال يبقى احتفالاً فولكلورياً يضاف إلى تراثنا وتقاليدنا وعاداتنا، أما إذا عكفنا على سنة النبي، كيف عامل زوجته ؟ كيف عامل أولاده ؟ كيف عامل جيرانه، كيف كان حليماً ؟ كيف كان رحيماً ؟ كيف كان صادقاً ؟ كيف كان وفياً ؟ كيف كان متواضعاً ؟ نحن حينما نحتفل بذكرى المولد حقيقة ينبغي أن نقتفي أثره.
أيها الإخوة الكرام، سامحوني إن كنت قاسياً في هذا الموضوع، مقام النبي عليه الصلاة والسلام لا يليق به أن نذكره يوماً في العام، معاذ الله !!! يجب أن نذكره كل يوم، يجب أن تدور سنته معنا في كل شؤون حياتنا، أيعقل أن نذكره في العام مرة ؟ مقام النبي الكريم يقتضي أن نذكره كل يوم، لذلك لا يتناسب مقامه وهدايته مع أن نذكره في العام مرة، لذلك معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم جزء من الدين، لأن كلمة الإسلام الأولى شطرها: " محمد رسول الله "، ولأن الله عز وجل يقول:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

( سورة المؤمنون)

ولأن الله عز وجل يقول:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

( سورة سبأ )

معرفةُ سيرة النبي جزءٌ من الدين، وفرضُ عين على المسلمين:

أيها الإخوة الكرام، بذكر الصالحين تتنزل الرحمات، فكيف إذا ذكر سيد المرسلين ؟ معرفة سيرة النبي جزء من الدين
وبذكر اللؤماء تتعكر المجالس، لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً ))

[ أبو داود ]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

[ أبو داود ]

الدليل على وجوب معرفة سيرة النبي:

إذاً: أن نتعرف إلى رسول الله جزء أساسي من الدين، أن نقرأ سنته القولية جزء أساسي من الدين، أن نطلع على سيرته العملية جزء أساسي من الدين، بل إن معرفة سنة النبي القولية فرض عين، و طالبوني بالدليل، و لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، بل لا يستطيع إنسان تحت قبة السماء أن يقول في الدين برأيه.

القاعدة الأولى:

أول قاعدة: كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك:

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

( سورة الكهف)

أوامر القرآن الكريم قطعية لا جدل فيها
هذا أمر تهديد، من شاء فليكفر، هذا أمر تهديد وليس أمر وجوب.

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾

( سورة البقرة)

هذا أمر إباحة.

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾

( سورة النور)

هذا أمر ندب.
ما لم تقم قرينة على خلاف الوجوب فكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، هذه قاعدة أصولية.
الآن الآية:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

( سورة الحشر )

هذا أمر إلهي.

القاعدة الثانية:

عندنا قاعدة أخرى: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، و ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، أرأيت إلى الوضوء لا تتم الصلاة إلا به، و الصلاة فرض، إذاً الوضوء فرض، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، الآن إذا قال الله عز وجل:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾

( سورة الحشر )

معرفة سنة رسول الله فرض عين على كل مسلم
هذا أمر يقتضي الوجوب، لكن هذا الأمر لا يتم إلا بأمر آخر، ما هو ؟ أن نعرف أوامر النبي و نواهيه، كما أن تنفيذ هذا الأمر يقتضي الوجوب من لوازم تنفيذ هذا الأمر أن نعرف أمره و نهيه.
إذاً: معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم، كيف أنك تصلي يجب أن تطلع على سيرة النبي و على سنته، فعن مالك بن أنس رحمه الله بَلَغَهُ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( تَركْتُ فيكُمْ أَمْرَيْنِ لنْ تَضِلُّوا ما تَمسَّكْتُمْ بهما: كتابَ الله، وسنّة رسولِهِ ))

[ أخرجه مالك في الموطأ ]

أيها الإخوة الكرام، إذاً: أن نجتمع في المسجد، أو أن نجتمع في البيت، وإن تحدث أحدنا عن رسول الله، عن شمائله، عن أخلاقه، عن محبته لأمته، عن ورعه، عن معرفته بربه، عن صبره، عن جهاده، عن حكمته، هذا فرض عين على كل مسلم، لا يوماً في العام، بل في كل أيام العام، فرض عين على كل مسلم، أن تطلع على سنة النبي القولية.

لابد من مرجع في السيرة والحديث لكل مسلمٍ:

إن هذا الأمر يقتضي أن يكون عند كل أخ منا كتاب حديث شريف صحيح، أو قرص مدمج فيه أحاديث رسول الله، لابد من مرجع في بيتك عن حديث رسول الله.
حينما يقول الله عز وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

( سورة الأحزاب)

كيف يكون النبي أسوة حسنة لنا إن لم نعرف سيرته
كيف يكون النبي عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة لنا إن لم نعرف سيرته ؟ إذاً: لابد من كتاب سيرة في كل بيت، سبحان الله ! لما اقتنى الإنسان هذه الأجهزة، و أصبحت عيون من في البيت مسمرة فيها ألغي دور الأب، ألغي دور الأم، ألغيت الأسرة، ألغي التناصح، ألغي التوجيه.
هناك مشكلة كبيرة، أيّ أبٍ هذا الذي يجلس مع أولاده مساء على الطعام ويقول: يا بني، ماذا تعلمت في المدرسة ؟ ماذا قال لكم أستاذ التربية الإسلامية ؟ هل حدثكم عن هذه المناسبة ؟ ماذا تعرفون عن رسول الله ؟ هذا النبي الكريم يعني:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

( سورة المؤمنون)

إذاً: معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم لأن الأمر الإلهي الذي يقتضي الوجوب:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

( سورة الحشر )

لا يتم إلا بمعرفة أمر النبي و نهيه، ولأن القرآن الكريم حينما قال:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

( سورة الأحزاب)

كيف يكون النبي أسوة حسنة إن لم نعرف سيرته ؟ إذاً: علينا أن نعكف على قراءة سنته القولية و سيرته العملية كي ننفذ آيتين:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

( سورة الحشر )

وكي ننفذ قوله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

( سورة الأحزاب)

وعلى مدى العام، لا داعي ليوم بالسنة، في كل أيام العام، هذا كلام مؤصّل، هذا كلام مدلّل، أي أثبت بالأدلة القرآنية و النبوية.

ليس الاحتفال بالمولد عبادة:

أما إذا تجرأت، وقلت: إن الاحتفال بذكرى المولد عبادة فأقول لك: لا، قولك هذا بدعة ليست من الدين، يندرج الاحتفال بذكرى المولد تحت بند الدعوة إلى الله، تحت بند تعريف الناس برسول الله، تحت بند: " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، تحت بند:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

( سورة المؤمنون)

تحت بند:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

( سورة سبأ)

المؤمن يتخذ من النبي الكريم قدوة في أقواله وأفعاله
أما أن تقول: إنه عبادة، فلا، ليس الاحتفال بالمولد عبادة، لأن العبادات الأصل فيها الحظر، ولا تشرع عبادة إلا بالدليل القطعي والثابت، بينما الأشياء الأصل فيها الإباحة، ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي الثابت.
إذاً: نلتقي في المسجد، وفي البيت، و نتحدث عن رسول الله، عن دعوته، وعن شمائله، وعن أخلاقه، وعن فضائله، وعن خصائصه، وعن حزنه على أمته من بعده، هذا مما يملأ القلب إيماناً، ويملأ النفس سكينة.
أيها الإخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، لكن لحكمة بالغة تُرك للنبي هامش اجتهاد ضيق، هذا الهامش الاجتهادي الضيق حكمته أن يكون هناك فرق بين مقام الألوهية المطلق ومقام النبوة، هذا الهامش الاجتهادي النبي يجتهد فيه، فإن أصاب أقره الوحي على إصابته، وإن لم يصب صحح له الوحي، في النهاية النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم في أقواله وأفعاله وإقراره، لذلك أمرنا أن نأخذ منه كل شيء، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

النبي معصوم يجب أن نأخذ عنه كل شيء:

الحقيقة الدقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، بينما أمته معصومة بمجموعها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ... ))

[ ابن ماجه عن أنس]

ولأن أي كتاب، أو أي كلمة تلقى، أو أي بحث يطرح إذا خالف الكتاب والسنة تقوم الدنيا ولا تقعد في العالم الإسلامي، فإذا ألفت كتاباً، وتلقاه الناس بالقبول فهذا عند علماء الأصول إجماع سكوتي، فسكوت الناس عن كتاب ليس فيه مخالفة للقرآن والسنة إجماع سكوتي، إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، بينما أمته معصومة بمجموعها.

الشخصيات الثلاث وتمنيات كل إنسان نحوها:

إخواننا الكرام، كلكم يتمتع بهذه الخاصة، كل واحد منا له شخصية يكونها، وله شخصية يكره أن يكونها، وله شخصية يتمنى أن يكونها، فقل لي ما الشخصية التي تتمنى أن تكونها أقل لك من أنت.
أهل الدنيا يتمنون أن يكونوا كالأغنياء، أهل القوة يتمنون أن يكونوا كالأقوياء، أهل المتع الرخيصة يتمنون أن يغرقوا في المتع إلى قمة رؤوسهم، وأهل الإيمان يتمنون أن يكونوا على منهج سيد الأنام لذلك الآية الكريمة:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾

( سورة الأحزاب)

إنْ كنتَ مؤمنا حقًّا فقدوتك رسول الله والصالحون:

حينما ترجو الله واليوم الآخر فقدوتك النبي عليه الصلاة والسلام.
المؤمن الحق قدوته رسول الله عليه الصلاة والسلام
مرة كنت في سفر بعيد، وطلب مني أن ألتقي مع امرأة محجبة حجاباً كاملاً، ذُكر لي اسمها، أنا لا أعرف الاسم إطلاقاً، ثم تبين أنها من كبار الفنانات في مصر، وهي محجبة، وتابت إلى الله عز وجل، تروي قصتها في محاضرة ألقتها على النساء في مؤتمر إسلامي، استمعت إلى الشريط، فلفت نظري أنها حينما كانت تأتي إلى العمرة تُستقبل من علية القوم، وتقطن في أفخر الفنادق، وينفق عليها الألوف المؤلفة، لكن بعد أن تابت إلى الله تزوجت الذي كان سبب هدايتها، وكان مهندساً فقيراً، فذهبت معه في شهر العسل إلى العمرة، فإذا هو يسكنها في غرفة صغيرة أُجرتها متواضعة جداً، فتألمت أشد الألم، وكادت تنتكس، ماذا فعلت بنفسي ؟ كنت فنانة كبيرة، فإذا أنا في هذه الغرفة، فذهبت إلى بيت الله الحرام، وسجدت، وقالت بالحرف الواحد: يا الله، أعطني رسالة، ماذا فعلت بنفسي ؟ ففي أثناء عودتها إلى الفندق وجدت لها رسالة فقرأتها فبكت، الرسالة تقول: أنت يوم كنت فنانة كبيرة كان أهل الفن قدوتك، أما الآن فأنت مؤمنة كبيرة فقدوتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكت، وقبلت بالرجل زوجها لأنه أكرمها.
عندما تؤمن فلك منظومة قيم خاصة، عندما تؤمن حقيقة قدوتك الصِّدّيق، سيدنا عمر، سيدنا علي، سيدنا عثمان، دخل عمر بن الخطاب على النبي الكريم، وقد اضطجع على حصير، فأثر في خده الشريف، فبكى عمر، قال له مالك تبكي يا عمر ؟ قال: كسرى مَلِك الفرس ينام على الحرير، ورسول الله ينام على الحصير ؟! فقال النبي الكريم: يا عمر، إنما هي نبوة، و ليس ملكاً ـ أنا لست ملكاً ـ يا عمر، أفي شك أنت من هذا ؟
أقول لكم بصراحة: إذا كنت مؤمنا حقيقة فقدوتك الأنبياء، الصحابة الكرام، العلماء الأفاضل، أهل الزهد في الدنيا، الأبطال، الرحماء، المنصفون، العفيفون، هؤلاء قدوتك، أما إذا طمحت إلى الأغنياء، ولو كانوا فسقة، طمحت إلى الأقوياء، ولو كانوا قتلة، فاعلم أنك بعيد بُعْدَ الأرض عن السماء عن أن تكون مؤمناً.
هل يعجبكم هذا الذي يتصدر في بلاد بعيدة، ويقول: جئنا من أجل الديمقراطية ؟ وقد استخدم مئة طن من اليورانيوم المخضب في العراق، ولن يطهر تراب العراق قبل آلاف السنين، هل هذا يعجبكم ؟ إن كنت مؤمناً حقاً فقدوتك الصالحون، أصحاب النبي الورعون الرحماء الفضلاء الأعفة الصادقون الأمناء هؤلاء قدوتك.
دقق في الآية:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

( سورة الأحزاب)

على الإنسان أن يختار الشخصية التي يتمنى أن يكونها
والله زرت مرةً أحد الإخوة الكرام، كان بيته صغيرا جداً، في غرفة الضيوف طاولة في الوسط، وبين الطاولة والكرسي، والطاولة والكرسي المقابل مكان لرِجْل واحدة فقط، تجلس بصعوبة، فخجل مني خجلاً شديداً، فقلت له: لا، لا تخجل، سيد الخلق، وحبيب الحق غرفته التي كان ينام فيها لا تتسع لصلاته ونوم زوجته، لابد من أن تتحرك من مكانها حتى يصلي رسول الله، وهو سيد الخلق فبكى.
أحد الإخوة الكرام بخطأ هو بريء منه قبْل قيد نفوس، وقيد النفوس كان مزوراً، وأصبح إفراغ منشأة بمئات الملايين، فوضع في السجن بشكل مؤقت احترازاً، فزرته فبكى، قلت: لا تبكِ، لقد أدخل الله نبياً كريماً السجن من أجلك، قد يأتي مؤمن بريء مئة بالمئة، و يدخل السجن لحكمة بالغة، الله عز وجل جعل نبياً كريماً سيدنا يوسف يدخل السجن، وهو نبي كريم، فأنت عندما تؤمن فقدوتك الأنبياء والمرسلون، قدوتك المؤمنون، قدوتك الصالحون، قدوتك أهل الإيمان، و لو كانوا فقراء، و لو كانوا فقراء، أما إذا كنت من أهل الدنيا قدوتك الأقوياء و الأغنياء، لذلك تلبية دعوة الأغنياء والأقوياء من الدنيا، وتلبية دعوة الفقراء من الآخرة.
أيها الإخوة الكرام، يجب أن تكون واضحاً تماماً، ما الشخصية التي تتمنى أن تكون على منهجها، ما لم يكن رسول الله هو الشخصية التي تتمنى أن تكون على منهجها ففي الإيمان خلل:

﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾

( سورة القصص )

هذا كلام أهل الدنيا.

﴿ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

( سورة القصص )

المؤمن الحق قدوته أهل الإيمان
فإذا كنت مؤمنا إيماناً حقيقياً فقدوتك أهل الإيمان، قدوتك العلماء الأطهار المخلصون الأعفة، قدوتك الأنبياء، هؤلاء قوتك أما حينما تقلد أهل الدنيا فأنت منهم، ومن هوي الكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً، ومن غاب عن معصية فأقرها كان كمن شهدها، ومن شهد معصية فأنكرها كان كمن غاب عنها، إنها قضية خطيرة جداً، هذا هو الولاء والبراء، أن توالي المؤمنين، ولو كانوا فقراء و ضعفاء، وأن تتبرأ من الكفار والمشركين، ولو كانوا أقوياء وأغنياء، لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له، لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، كن مع المؤمنين:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾

[ سورة التوبة ]

حقيقة مهمة: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ

أيها الإخوة الكرام، أختم هذا الموضوع بهذه الحقيقة، يقول الله عز وجل:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

( سورة آل عمران )

الداعي عليه أن يتمثل بخلق رسول الله ليحبب الناس بدينهم
أي أن الله عز وجل آتاه القرآن، آتاه وحي السماء، آتاه المعجزات، آتاه الفطانة، آتاه طلاقة اللسان، آتاه الفصاحة والبيان، آتاه النسب الشريف، آتاه جمال الخلق، ومع ذلك يقول الله له: أنتَ أنت يا محمد، مع أنك نبي بل سيد الأنبياء، ومع أنك رسول بل سيد الرسل، ومع أنك أوتيت القرآن، وهو شرف عظيم، ومع أنك أوتيت وحي السماء، وقد أوتيت المعجزات، ومع أنك معصوم، ومع أنك أوتيت الفصاحة والبيان، أوتيت جمال الصورة، أوتيت حدة الذكاء، أوتيت الحكمة و فصل الخطاب، أنتَ أنت يا محمد، على كل هذه الخصائص:

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

( سورة آل عمران )

فإذا كان الشخص ليس نبياً، ولا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا معه القرآن، وليس معه فصاحة ولا بيان، و لا معه جمال الصورة، وهو غليظ، و كلامه قاس، و دعوته ثقيلة وحشري، هذا ليس معقولا، يخاطب الله نبيه:

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

( سورة آل عمران )

قانون عام في المعاملات:

1 – توطئة: اتصال ـ رحمة ـ لين ـ التفاف:

2 – توطئة: انقطاع ـ قسوة ـ غلظة ـ انفضاض:

وكأن الله سبحانه تعالى أعطانا قانون اتصال رحمة لين التفاف، انقطاع قسوة غلظة انفضاض، إنها معادلة رياضية:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

( سورة آل عمران )

من تقرب من الله عز وجل امتلئ قلبه رحمة
فالتفوا نحوك، ولو كنت بعيداً عنا لامتلأ القلب قسوة، فانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك، هذه معادلة رياضية، تتصل فيمتلئ القلب رحمة، فتكون ليناً بهذه الرحمة، فيلتف الناس حولك.
إن تبتعد يمتلئ القلب قسوة، فتنعكس القسوة غلظة، فينفض الناس من حولك:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

( سورة آل عمران )

الأشياء والأشخاص والمبادئ:

أيها الإخوة الكرام، الآن هناك تعليق لطيف، وهو: عندنا أشياء، أي بيوت، بيوت فخمة جداً، مركبات فارهة، مزارع جميلة جداً، أموال طائلة، هذه أشياء، وعندنا أشخاص:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾

( سورة التوبة )

هذه الأشخاص.
والأشياء:

﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾

( سورة التوبة )

الآن هناك مبادئ:

﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ﴾

( سورة التوبة )

إذا كانت الأشياء والأشخاص في خدمة المبادئ فنحن في أرقى حال.
سيدنا عمر جاءه ملك الغساسنة جبلة بن الأيهم، في أثناء طوافه حول الكعبة داس بدويٌّ من فزارة طرف ردائه، فانخلع رداؤه عن كتفه، فالتفت إلى هذا الأعرابي من فزارة، و ضربه ضربة هشمت أنفه، هذا الأعرابي ليس له إلا عمر يشتكي إليه، وذهب إليه، واشتكاه، سيدنا عمر جاء بهذا الملك جبلة، وقف أمامه نداً لند، وقال له:
أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟
قال جبلة: لست ممن ينكر شياً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي.
فقال عمر: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك ـ لأنه عصر مبادئ ـ و تنال ما فعلته كفك، صعق جبلة.
قال: كيف ذلك يا أمير ؟ هو سوقة، وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟
قال عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً.
فقال جبلة: كان وهماً ما جرى خلدي أنني عندك أقوى و أعز، أنا مرتد إذا أكرهتني.
فقال عمر: عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى، هذا عصر مبادئ.
أحياناً يأتي عصر أشخاص، هتلر في ألمانيا تسبب بموت خمسين مليون إنسان، وطغاة الأرض تاريخهم بين أيديهم، الأمة كلها تعيش لواحد هكذا، هذا عصر خاص، الأشياء والمبادئ في خدمة الأشخاص.

بين خدمة المبادئ وخدمة الأشخاص:

الحالة الأولى: الأشخاص و الأشياء في خدمة المبدأ هذا أرقى عصر، أما إذا كانت الأشياء و المبادئ في خدمة الأشخاص هذا مرض خطير، أخطر منه أن تكون المبادئ والأشخاص في خدمة الأشياء، أي الآن كل قيمتك تستمدها من مساحة بيتك، موقع البيت، هناك منزل سعره مئة وعشرة ملايين.
قيمة الإنسان بأخلاقه ودينه لا بما يملك
خطب إنسانٌ من عند جماعة فقيل له: أين تريد أن تسكن ؟ قال: في حيّ المالكي، انتهى كل شيء، سلموا له، ولم يعد هناك سؤال، ولا تحقيق، ولا تقصي، انتهى كل شيء، المنزل بالمالكي سعره مئة مليون، بعدما عقدوا العقد، وبدؤوا بالخطوات العملية ظهر أن هناك شارع المالكي بمنطقة باببيلا الريفية، فإما أن نكون في عصر مبادئ كسيدنا عمر، أو عصر أشخاص، أو عصر أشياء، قيمة المرء متاعه الآن، ماركة مركبته، قيمتك تستمدها من رقم على سعر سيارتك فقط، قيمتك من بذلتك، ( بيار كاردان ) شيء كبير، الحذاء ( ريد شوز )، والبذلة ( بيار كاردان )، والقميص حرير صاف، انتهى كل شيء، إذا كانت الأمة هذه مقاييسها فقد انتهت:

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾

( سورة الكهف)

إما أن يكون الأشخاص هم الأصل، والمبادئ والأشياء في خدمة الأشخاص، هذه حالة مرضية، أما معنى انتهينا إذا كانت المبادئ و الأشخاص في خدمة الأشياء، إنسان خطب له، عم عنده خبرات متراكمة، قال له: يا بني بشكل واضح، هل عندك بيت ؟ قال له: طبعاً، قال له: أحضر لي الوثيقة الرسمية، الورقة الخضراء، ثاني يوم أحضرها له، ماذا تعمل ؟ قال له: عندي معمل، أحضر لي الرخصة الخاصة بالمعمل، ويجب أن تكون باسمك، أحضرها، عندك مركبة، أحضر ورقة الميكانيك ؟ أحضره، فوافق، أصبح الآن خاطباً، زار عمه بالمحل التجاري، يُعرف الناس على صهره، فإذا بشخص عنده يتلوّن، وجهه تلون، أخذه على جنب، قال له: هذا ليس مسلماً، صعق، أنت لست مسلماً ؟ قال: لا، أنت لم تسألني عن ديني أبداً، نحن في عصر أشياء، كل قيمتك من سيارتك، و كل قيمتك من هاتفك أحياناً، وكل قيمتك من بيتك فقط، ومن ساعتك، أين تقضي الإجازة ؟ في منتجع شرم الشيخ، انتهى، كله فسق و فجور.
أنا أتمنى أن ننتبه أن نعتمد قيم القرآن:

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

( سورة الزمر )

ما لم نعتمد قيم السنة النبوية فلن نبرح، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ، لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ... ))

[ الترمذي ]

إنه رسول الله وأفضل الخلق، ومع ذلك فقد قال الله له:

ما لم نعتمد قيم القرآن، ما لم نعتمد قيم المبادئ لا قيم الأشياء، ولا قيم الأشخاص، فلن ننجح:

الآية الأولى:

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) ﴾

( سورة الأنعام)

هل هناك شخص أعظم منه ؟ هل هناك على وجه الأرض في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة إنسان أعظم من رسول الله ؟

الآية الثانية:

ومع ذلك لا أعلم الغيب:

﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾

( سورة الأعراف )

الآية الثالثة:

ومع ذلك:

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) ﴾

( سورة الأنعام)

الآية الرابعة:

ومع ذلك:

﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾

( سورة الأعراف )

الآية الخامسة:

ومع ذلك:

﴿لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً (21)﴾

( سورة الجن)

الآية السادسة:

في عصر المبادئ مقياس التفاضل بين الناس الدين فقط
ومع ذلك:

﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى﴾

( سورة الأنعام)

هذا مقام النبوة، نطمح إلى عصر المبادئ، إلى تحكيم قيم القرآن، إلى أن نحتفي بإنسان مؤمن طاهر مستقيم، و لو كان فقيراً، إلى أن نَزْور عن إنسان و لو كان غنياً.

العبرة بالمضامين لا بالشكليات والفولكلورات:

أيها الإخوة الكرام: من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، ابتغوا المكانة بعزة الأنفس، ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير.
من سار على نهج رسول الله ربح الدنيا والآخرة
أيها الإخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن نتعرف إليه، كان فقيراً، وكان متواضعاً، و كان رحيماً، و كان منصفاً، و كان محباً لمن حوله، نحن بحاجة إلى أخلاقه كي نتعاون، بحاجة أن نحيي ذكراه لا بشكل فولكلوري.
بصراحة إذا كان للعالم الكبير حوالي مئتا مؤلف، ومعه خمس ست شهادات عليا، وفي أثناء غيابه عنده مستخدم أميّ جلس مكانه، هل يرقى ؟ لا يرقى أبداً، لا تتبرك، لا تقتصر على المديح، طبق سنته، أما هذا المستخدم لو أخذ ابتدائية، ومشى على طريق أستاذه، لو أخذ المتوسطة، والتعليم الأساسي، لو أخذ الثانوية، البطولة أن تقتفي أثره، لا أن تحتفل بذكراه احتفالاً فولكلورياً، هذا الذي لم ننتفع به سابقاً.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS