9491
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 001: حكمة سكوت النبي والقرآن عن أمر ما ..
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-01-06
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون:
 بينــت لكم في درسين سابقين حالات الضرورة التي يمكن من خلالها أن تغير الأحكام، تحدثنا في درس سابق عن علة الجهل، وبينا أن حالات نادرة من الجهل تعد عذراً، أما بالنسبة لإنسان نشأ في بلاد المسلمين فلا يعد الجهل عذراً إطلاقاً، وبينت في درس بعده كيف أن عموم البلوى تعد أيضاً نوعاً من الضرورات التي تتغير بها الأحكام.
 واليوم ننتقل إلى موضوع آخر متعلق بالضرورات ألا وهو موضوع العرف، فالعرف ما اعتاده الناس وساروا عليه من كل فعل شاع بينهم، أو لفظ تعارفوا على إطلاقه على معنىً خاص لا تألفه اللغة ولا يتبادر غيره عند سماعه، يعني مجموعة أفعال ومجموعة أقوال ألفها الناس فيما بينهم، تعارفوا عليها، فعلوها جميعاً.
 وقد شمل هذا التعريف الذي ذكرته قبل قليل العرفَ العملي والعرفَ القولي، وكل منهما عرف عام وعرف خاص، العرف العملي: أفعال، ما اعتاده الناس في أفعالهم العادية أو معاملاتهم المدنية، مثلاً الناس يأكلون في العيد اللحم، في رمضان لهم أكلات خاصة، بالعيد معايدة، عند الموت تعزية، هذه أفعال اعتادها الناس في معظم البلاد، في الأفراح والأتراح والمناسبات والأعياد، هناك ألبسة خاصة بالزفاف، ولديهم ألبسة خاصة ببعض الأحزان.
 فالأفعال التي اعتادها الناس وألفوها وتعارفوا عليها وفعلوها جميعاً هذا من العرف، المهر في الزواج معجل ومؤجل هذا من العرف أيضاً، بيع المعاطاة خلاف الشرع، يعني مثلاً كؤوس الشراب، تشرب كأساً وتضع ليرة ولا تتكلم ولا كلمة فأين الإيجاب والقبول ؟ أتبيعني هذه الكأس بليرتين ؟ يقول لك بعتك هذه الكأس بليرتين، أين الشهود، القضية سريعة جداً وتافهة جداً، فبيع الخسيس لا يحتاج إلى إيجاب وقبول وشهود، فبيع المعاطاة خلاف حكم الشرع، لكن العرف أنه بالطرقات يكون بائعو العصير فتدفع وتمشي ولا كلمة، فهذا عرف عملي.
 والعرف القولي، اللحم يعني: لحم الضأن، والسمك سمك مع أن السمك لحم، فكلنا نقول: أكلنا سمكاً وأكلنا لحماً، إذا قلنا أكلنا لحماً يعني لحم ضأن وما أكلنا سمكاً، فكلمة السمك هي لحم لكن تعني السمك فقط. وكلمة اللحم تعني لحم الخراف فقط أو لحم البقر، فمثلاً كلمة ولد تعني الذكر يقول عندي ولدان، أما: ووالد وما ولد، فالولد تعني في اللغة الذكر والأنثى، أما في العرف الولد الذكر.
 إذاً: عندنا أعراف قولية ( الولد تعني الذكر ) يقول لك عندي ولدان وبنت، وهم كلهم أولاد، وهكذا عندنا عرف عملي وعرف قولي، والعرف العام ما تعارف عليه أغلبية أهل البلدان، يعني يوم عيد الأضحى بالعالم الإسلامي كله عطلة، وللمسلمين زيارات فيه، وألبسة جديدة، وطعام طيب وحلويات، هذا عرف عام، وكل بلد لها أعراف، لها أكلات معينة، تقاليد معينة حركات معينة، وأساليب في التهنئة معينة.
 تذهب إلى مصر فتجد عند الولادة أشياء مضحكة، هنا لا نعرفها نحن، تذهب إلى قرية فترى أعرافاً غير أعراف المدينة، فالعرف عام أو خاص، عملي أو قولي.
 وبعد، فالعرف نوعان: عرف صحيح يؤخذ به، وعرف فاسد لا يؤخذ به، ما تعريف العرف الصحيح ؟ ما تعارف الناس عليه دون أن يحرم حلالاً أو يحل حراماً، مادام العرف لا يتصادم مع الشرع فهو صحيح، المرأة لها مهر في القرآن الكريم ولها مهر في السنة ولها مهر في أحكام الفقه لكن نحن تعارفنا أن المهر يقسم إلى قسمين: معجل ومؤخر، هذا من الأعراف، ونحن ما صادمنا نصاً شرعياً ولا خالفنا فيه حكماً شرعياً، ولا حرمنا به حلالاً ولا أحللنا به حراماً، إذاً العرف الصحيح هو الذي لم يصادم أمراً محرماً أو نهياً محرماً.
 مثلاً إنسان في بيته دعامتان بينهما فراغ، يعني أراد أن ينشئ في هذا الفراغ مكتبة، لو دار أقطار الدنيا لا يجد مكتبة عرضها أربعون سنتيمتراً وطولها مترين، لكن في بيته دعامتان بينهما فراغ فأراد أن يستغل هذا الفراغ فيجعله مكتبة، يأتي بنجار يساومه على صناعة مكتبة في هذا الفراغ، العرض أربعون سنتيمتراً والطول متران، هذا اسمه بيع الاستصناع، هذا بيع المعدوم خلاف الشرع لكن العرف أقره لأنه ليس هناك حلّ آخر، لا بدّ من أن تأتي بنجار وأن يصنع لك خزانة في هذا العرض النادر وهذا الطول الطويل، فبيع الاستصناع عرف لكنه لا يتأذى منه أحد، نطالب النجار أن الخشب من نوع كذا والفورمايكا من نوع كذا والمسكات من نوع كذا، ونضع سعراً ونساوم ونتفق ونكتب عقداً فيصنعها، هذا أيضاً من العرف.
 يعني الزوجة أحياناً لا يُسمح للزوج أن يخرج معها خارج البيت إلا بعد العرس، مع أنها من يوم العقد أصبحت زوجته، زوجته بكل معاني الكلمة ولو خلا بها، ولو ذهب بها إلى بيت فارغ، هذه زوجته، العقد أبرم وهناك إيجاب وقبول ومهر وشاهدان، لكن العرف لا يسمح للزوج أن يسافر بزوجته قبل الدخول، هذا عرف، كل ما يقدم للزوجة أثناء الخطبـة هذه هدايا وليست من المهــر، هذا عرف، المهر يدفع دفعة واحدة أو يدفع على شكل أثاث، أما إن جاءها بقطعة ذهب أو بثياب أو عطورات فهذه هدايا، العرف ما تعارف الناس عليه ولا يتصادم مع نصوص الشرع.
 قلت قبل قليل هناك أعراف عملية، وأعراف قولية، وأعراف عامة وأعراف خاصة، وها أنا ذا أقول لكم لكل أسرة أعراف خاصة، هناك أكلات خاصة بالأسرة، وللأب طريقة خاصة في تربية أبنائه، هذه أعراف خاصة، لكل قرية عرف خاص، لكل مدينة عرف خاص، والأعراف منها عامة، ومنها أعراف عملية، ومنها أعراف قولية.
 إذا ولد للأسرة مولود فيصنعون حبوباً، وسليقه وهذا من الأعراف، يعني كل حركة من حركات المولود كأن تظهر أسنانه فلديهم أكله معينة وهكذا، هذا كله من الأعراف.
 لكن نحن ما علاقتنا بهذا الدرس، علاقة الأعراف بالضرورات، بعد قليل تتضح الأمور، فلقد تعارف الناس الآن على أن التصوير من لوازم الأعراس، تأتي بعض النساء كاسيات عاريات بأبهى زينة، يأتي رجل يصور هذا العرس، وهذا صار عرفاً الآن، لكنّ هذا العرف يجب أن يكون تحت أقدامنا فهو عرف فاسد، إيداع المال في البنوك و أخذ الفوائد هذا عرف فاسد.
 يقولون إذا كان المطعم ( خمس نجوم ) لابد أن يكون فيه خمر، من قال هذا ؟ هذه أعراف، مطعم خمس نجوم لا بد أن يقدم فيه الخمر وإلا لا يُعطى الترخيص بخمس نجوم، يعطى بثلاث نجوم.
 من الأعراف مثلاً التصوير في الحفلات، الاختلاط، الربا، الفوائد هذه كلها أعراف فاسدة ينبغي أن تسحق تحت أقدامنا، نحن إذا تحدثنا عن العرف تحدثنا عن عرف يتوافق مع الشرع لا يصادم نصاً، أما حينما يتعارض العرف مع أحكام ديننا لا نعبأ به ولا نقيم له وزناً، وأكثر شيء واضح موضوع الأزياء، فالأزياء أعراف، إذا أظهرت الأزياء مفاتن المرأة وحجم أعضائها، وأظهرت لون أعضائها، أظهرت مفاتنها الخفية، هذه أزياء أعراف لكنها تحت أقدامنا، فهي أعراف فاسدة.
 فالمؤمن الصادق، وها نحن دخلنا رحاب الدرس، أجل المؤمن الصادق لا يأخذ بالعرف إلا إذا كان وفق منهج الله، يعني من أعرافنا إذا تم زواج تقام حفلة فهذا جيد، وليس فيها منكرات، رجال - مديح رسول الله - تقدم ضيافة - تلقى كلمات، هذا عرف على العين والرأس ولا معصية فيه نلبي هذه الدعوة، لا اختلاط، ولا خمور، ولا غناء، بل مديح لرسول الله وضيافة وكلمة تلقى حول عقد القران أو سنة النبي في الزواج، هذه أعراف لكنها مقبولة، أما لو كان عقد قران مختلط في فندق خمس نجوم توزع فيه الخمور ويؤتى بالراقصات فهذا عرف أيضاً، لكن هذا العرف نركله بأقدامنا.
 إذاً الأعراف موجودة، وما اعتاد الناس أن يفعلوه في كل البلاد سواء أكان عرفاً عاماً أو خاصاً من قول أو عمل، فهذا العرف إن وافق منهج الله فعلى العين والرأس، وما خالف منهج الله عز وجل لا نعبأ به ولا نأخذ به ولا نقيم له وزناً بل نحاربه أشد المحاربة.
 ثم أذكركم أن الأخ الكريم الذي يسمح لزوجته أن تذهب إلى عرس فيه تصوير فهذا الأخ يرتكب أكبر معصية، لأن هذه الزوجة لا بدّ من أن ترتدي أجمل ثيابها ولا بدّ من أن تُدعى في هذا العرس لأن تخلع ثيابها الخارجية، ويأتي المصور فيصور، وقد يطبع من هذا الفيلم المئات وكل رجل في البيت يرى هذا الفيلم ويقول من هذه ؟ هي في الطريق محجبة لكنها انعتقت من الحجاب في العرس وظهرت في الفيلم ! أعوذ بالله، هذه الأعراف تحت أقدامنا، لذلك في العرس تجد شاباً مؤمناً مسلماً طاهراً مستقيماً تربية المسجد فينصمد إلى جانب العروس مع المدعوات جميعاً، وأمامه مائتا امرأة كاسيات عاريات ينظر إليهن، وكل واحدة شكل وزي، وهو شاب مؤمن طاهر حافظ لكتاب الله، أيصح هذا الحال ؟ لا. ثم لا.
 فنحن مقياسنا الشرع، كل من ترك ميزان الشريعة لحظة هلك، أما إن كان العرس نسائياً واجتمعت النساء وذكرن مولد رسول الله ووزعت الحلوى وألقيت كلمة فهذا عرس إسلامي راقٍ جداً ولا حرج عليهن، الإسلام ليس ضد الحفلات ولكن ضد المعاصي والآثام.
 العلماء قالوا العرف الذي يمكن أن يؤخذ به في الشرع له شروط، الشرط الأول ألا يعارض نصاً شرعياً في القرآن أو في السنة، والشرط الثاني أن يكون مضطرداً غالباً مستمراً العمل فيه في كل الحوادث أو يجري العمل فيه في أغلب الوقائع، ولذلك فالعرف شيء والإجماع شيء آخر، إن الإجماع أن يجتمع علماء الأمة ويجمعوا على أمر، أما العرف فهو عمل عفوي مشترك من دون اجتماع، الإجماع غير العرف، الإجماع أقوى بكثير، الإجماع مجتهدو الأمة اجتمعوا وقرروا، أما العرف مجموعة من الناس فعلوا شيئاً مشتركاً فصار عرفاً لهم.
 أيها الإخوة:
 طبعاً الأعراف في بعض التشريعات الوضعية لها قيمة كبيرة وهنا الخطأ الكبير، يعني إذا شاع الشذوذ في بريطانيا فهذا عرف سيئ يصدر قانون بإباحته، وإذا شاعت المخدرات في هولندا تأتي الدولة وتوزع المخدرات على المدمنين، هذه مشكلة كبيرة جداً، مشكلة خطيرة أن التشريع تابع للواقع، ما تعارف الناس عليه ولو أنه خطير ولو أنه انحراف شديد يأتي التشريع الوضعي فيقره، معنى ذلك أن التشريع الوضعي تابع للواقع المنحرف، الإسلام ليس كذلك، إذا اتفق الناس على شيء وفـق منهج الله لا شيء عليهم، لكنهم إذا اتفقوا على شيء خلاف منهج الله فهذا شيء مرفوض.
 فعظمة هذا الدين أنْ ليس العرف دليلاً شرعياً مستقلاً، هو دليل شرعي إذا اتكأ على دليل فقهي نقبله، إذا وافق حكماً فقهياً أو أمراً شرعياً نقبله، أما إذا خالف نرفضه وانتهى الأمر.
 سيدنا ابن مسعود يقول: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ، أخذ هذا من الأثر:

((لا تجتمع أمتي على ضلالة.))

 يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده بينما أمته معصومة بمجموعها، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة لذلك ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ، لكني أقف عند كلمة ( ما رآه المسلمون الملتزمون الصادقون ) لكن بين المسلمين حالياً من يرون أن ارتياد الفنادق في أعياد الميلاد شيء مقبول، يرونه حسناً، المقصود المسلم الصادق الملتزم نظرته سليمة، أما المسلم المتفلت فرؤيته معكوسة ونظره سقيم.
 العلماء قالوا الثابت بالعرف كالثابت بالنص، يعني حالياً تجد عرفاً بالحقل التجاري خلاصته أنّ إنساناً عنده موظف يريد أن ينهي عمله فهناك عرف أن يعطيه عن كل سنة راتب شهر تعويضاً، هذا عرف جيد لا شيء فيه، وهناك من يعترض على هذا العرف أحياناً، لكن الحق أنه عرف جيد لأن ذاك العامل يحتاج إلى فترة من الزمن حتى يجد عملاً فلا بدّ له من مبلغ يعيش به وهذا المبلغ هو التعويض.
 الثابت بالعرف كالثابت بالنص، والعادة محكّمة أي معمول بها، لكن واحداً قرأ العادة مَحْكَمة والصواب العادة محكّمة أي تُحَكَّم في التشريع الوضعي وهي العادة التي تتوافق مع الشرع.
 وبعد، عندنا مشكلة وهي أنك قد تقرأ عن حكم شرعي قبل مائتي عام ولم تقبله الآن لأن الأعراف تغيرت، فأحياناً تبنى الأحكام الشرعية على الأعراف التي لا تخالف التشريعات الإلهية، فحينما تتبدل هذه الأعراف تتبدل معها الأحكام، يعني كان قديماً العم والد، والشرع الحكيم لم يعط الأولاد نصيب أبيهم المتوفى في حياة أبيه، لكن حينما أخذ العم نصيب أخيه فهو ملزم بتربية أولاد أخيه ما امتدّ به العمر حتى يكبروا، أما حينما تقاطع الناس وتدابروا وقلت العاطفة بين الأعمام وبين أولاد الأخ جاء التشريع الوضعي فألزم الناس بالوصية الواجبة وهي إذا مات الأب في حياة أبيه يأخذ أولاده حصته من الإرث كما لو كان حياً،فمن الأعراف أن أولاد الأخ كالأخ تماماً، يعني يربي أولاد أخيه إذا مات كأنهم أولاده تماماً، لكن هناك أعمام يملكون مئات الملايين وأولاد أخيهم لا يملكون ثمن الطعام ولا يلتفت الأعمام إليهم، فاختلت معايير الأعراف.
 الآن أضع بين أيديكم بعض الأحكام الشرعية التي لها علاقة بالأعراف، الفواكه والخضراوات تنضج تباعاً، واحد مثلاً ضمن حقلاً من البطيخ، البطيخ ينضج خلال تسعين يوماً، وكل يوم يستطيع الإنسان أن يجني ما يملأ سيارة، فكيف يبيع هذا البطيخ، النبي اشترط ألا تبيع الثمر إلا إذا بدا صلاحه، هناك ثمار يتلاحق نضجها، وبعض الخضراوات يتلاحق نضجها، العرف يقتضي أن تباع دفعة واحدة فتُضَمَّن، إذاً هذا استثناء من القاعدة، العرف يقتضي ذلك، وقد علمنا أن الفواكه والخضراوات تنضج تباعاً، فإذا حكمنا النص الشرعي أنه لا يجوز أن تبيع شيئاً حتى يبدو صلاحه فممنوع أن تبيع هذا الحقل، حقل البندورة مثلاً لأنه ينضج تباعاً، هذه حالة.
 النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أن تباع ثمرة حتى تنضج، طيب، عقود الاستصناع عقود على أشياء معدومة، عقود الإيجار.. الإيجار تملكت منفعته لكنك ما تملكت رقبة، أعطيت الأجرة سلفاً مقابل أي شيء، المعاطــاة عقد بيع من دون إيجاب وقبول، بيع السلم تشتري شيئاً ما ظهر بعد، تشتري قمحاً لم ينبت، تشتري صوفاً لم ينبت على ظهر الماشية، فبيع المسلم وعقد الإيجار وعقد الاستصناع وبيع المعاطاة، مثلاً إنسان دخل الحمام دفع الأجرة خمسين ليرة يا ترى كم له أن يبقى في الحمام ؟ ما في شرط، كم له أن يستهلك من الماء ؟ ما في شرط، هنا تجد جهالة في الشروط، قد يجلس الإنسان في مكان يا ترى أيجلس ساعة أو أقل أو أكثر ؟ ليس هناك تحديـد، هذا كله خلاف قواعد الشرع الصارمة، هذا أيضاً من العرف.
 أحياناً تستأجر إنساناً بطعامه، طيب الطعام فيه جهالة، ماذا سوف تطعمه ؟ يعني هذا عرف الطعام وله وجبة لا تقل عن حدّ معين ولا تزيد، وأوضح مثل بيع المعاطاة كما قلت قبل قليل ليس فيه إيجاب وقبول وليس هناك شاهدان، ليس فيه بعتك وبعتني، تدفع المبلغ وتأخذ الحاجة وتأكلها وتمشي، تدفع المبلغ وتشرب الكأس وتمشي.
 قد تشتري حاجة ويقال لك معها كفالة سنة، النبي يقول لا بيع وشرط، يشترط في بيع هذه الحالة أن تضمن الشركة المقدمة أن تقدم كفالة سنة، فمثلاً بالسيارات يعطون كفالة سنة أو خمسين ألف كيلومتر، دون خمسين ألف كيلو متر مضمون تصليحها على حساب الشركة أو سنتين، هذا صار بيع وشرط، لكن صار في منافسة في البيع، فهذه الشركة تقدم ضمانة للمشتري أن أي عطب يصيب المركبة دون الخمسين ألف كيلـومتر أو قبل سنتين فالتصليح على حساب الشركة، هذا عرف جرى العمل به وهو مقبول.
 أحياناً تشتري قماشاً ليخيطه لك الخياط، صار بيع وشرط، تشتري قمحاً ليطحنه لك الطحان، تشتري طحيناً ليخبزه لك الخباز، فإذا اشتريت شيئاً وشرط خبزه أو خياطته هذا صار بيعاً وشرطاً، فهذه الأعراف تجيز مخالفة الأحكام الفقهية.
 نحن عندنا قاعدة أساسية في الفقه: لا يجوز أن تأخذ أجراً على طاعة ولا على واجب، فأنت حينما تقرأ القرآن أو تعلم القرآن فهذا واجب لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ.))

(صحيح البخاري 4639)

 أما عمليا نحن عندنا مليون ونصف طالب في القطر في التعليم الإعدادي والثانوي أو مليونا طالب، فإذا كان كل خمسين طالباً يحتاجون إلى أستاذ فإذاً تحتاج إلى خمسمائة أستاذ ديانة، أفمعقول أن نلزم خمسمائة إنسان أن يعملوا في الأسبوع ستة أيام وكل يوم ست ساعات لوجه الله تعالى ؟ هذا غير معقول، فكل منهم يحتاج إلى أن يأكل، يحتاج إلى أن يتزوج وأن يسكن في بيت، لذلك ينصرف عن التعليم إلى صنعة، ويبقى الطلاب بلا دين وبلا قرآن وبلا فقه، لذلك فالعرف حالياً يقتضي أن تعطي راتباً لكل من يعلم القرآن، نحن عندنا شيء اسمه مدرس مادة تربية إسلامية يحمل شهادة في الشريعة ويتعين ويتقاضى راتباً طوال حياته، أما بحسب الأحكام الفقهية فلا يجوز أن تتقاضى أجراً على أداء عمل أمرك به الشرع، قد أمرك الله أن تعلم القرآن.
 وكذلك المؤذن ؛ فَرَّغنا إنساناً خمسة أوقات ليؤذن، لو قلت له لا يجوز أن تأخذ على الأذان أجراً يقول لك من أين آكل ؟ إذاً يجوز أن نعطي الإمام والمؤذن وكل من يعمل في الحقل الدعوي راتباً يكفي مؤونة التفرغ.
 كذلك تجهيز الميت ودفنه عمل تطوعي يفعله المسلمون وهو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، ممكن الآن أن تكفل إنساناً ينتقل من بيت إلى بيت، وعندنا في الشام ثمانون جنازة كل يوم يتنقل من بيت إلى بيت يغسل ويجهز ويكفن ويدفن لوجه الله، ليست مقبولة حالياً، لا بدّ من موظف في دفن الموتى، موظف يغسل، وموظف يؤذن، وهكذا.
 بيع العربون منهي عنه، لكن أحياناً يكون في ضرر ثابت فأنت يمكن أن تحصل الضرر من هذا العربون، أما أن تأخذه بلا ضرر فلا يجوز، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ.))

(سنن ابن ماجة 2331)

 يمكن أن يحصل خلاف في أسعار المحاصيل الكبيرة، يحددون يوماً في هذا اليوم على أي سعر استقر هذا المحصول يكون أساس الحساب، أيضاً هذا وفق العرف، أنا آتيكم بأمثلة كثيرة كيف أن مصلحة المسلمين استقرت على هذه الأعراف، مادامت المصلحة استقرت والناس يفعلونه حلاً لمشكلة قائمة إذاً يمكن أن تستنبط الأحكام الشرعية الاستثنائية من الأعراف.
 إنّ محور الدرس وأساس الدرس أن كل شيء يؤخذ من العرف يجب أن يكون موافقاً للشرع، يعني إذا لم يكن موافقاً فعلى الأقل ألا يصدم نصاً، يعني هناك أشياء الشرع ما ذكرها لا إيجاباً ولا سلباً، فالأصل في الأشياء الإباحة، أو الأصل في الأقوال والأفعال الإباحة، الناس أحياناً يجتمعون وكل إنسان يدفع ألف ليرة في الشهر، وهم عشرة، فعشرة آلاف ليرة يعطونها لواحد، كل شهر يأخذها واحد بالقرعة، الشرع ما ذكر هذا لا إيجاباً ولا سلباً لكن لا شيء فيها مخالف للشرع فهذا عرف ما أحد دفع شيئاً زيادة ولا خسر، ليس فيها يانصيب، دفع ألفاً كل شهر وأخذها دفعة واحدة.
 لذلك الأصل في الأشياء الإباحة، ونضيف على الأشياء الأفعال، فأفعال كثيرة الأصل فيها الإباحة، لا يحرم شيء إلا بنص، عندنا البيع والشراء وقطف الثمار، عندنا عرف بتضمين الثمار، عندنا حالات كثيرة والأعراف هي في الحقيقة حل لكل مشكلة، حلّ جماعي مقبول، مادام لا يصادم نصاً ولا يعارض أمراً ولا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً إذاً فالعرف مقبول، فصار العرف نوع من الضرورات التي تبيح المحظورات، يعني ضرورة جماعية والمجتمع حلها على نحو لا يخالف الشرع، إذاً تؤخذ هذه حجة في مخالفة المحظورات.
 أحياناً الإنسان يبيع سيارة ويُتفق على الثمن، ويقبض ثمن السيارة ويشترط أن تبقى معه شهراً في الصيف إلى أن ينتهي شهر الصيف فهذا ممكن، فهو لا بيع ولا شرط لكن تقتضي المصالح ذلك، هذا إنسان يريد أن يسافر بعد شهر ويريد أن يبيع سيارته، فإنسان أعجبته السيارة واشتراها بثمن معقول قال له بشرط أن تبقى معي حتى أسافر، ليس من مانع، أشياء كثيرة يفعلها الناس بحكم العادة والعرف، وهذه الأشياء لا تصادم نصاً ولا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، تعد هذه في حكم الضرورات التي تبيح المحظورات، والعادة محكّمة، والمسلمون عند شروطهم، والعرف: إذا رأى الناس شيئاً حسناً أقرهم الله عليه، وفي القرآن آيات كثيرة تؤكد العمل بالعرف، بالمعروف يعني بما تعارف الناس عليه، يقول لك يا ترى هل على الحلي زكاة ؟ الجواب: الحلي المُعدّة للاستعمال وما تعارف الناس على قدره لا زكاة فيه عند بعض المذاهب، يعني امرأة يكون عندها أسوارة وقرط وعقد مثلاً فهذا معروف، أما أن يكون عندها عشرون أسوارة فهذه ليس حلياً، هذا صار مالاً، فالحلي التي تعارف الناس ما كان بحجم معتدل يصلح للاستعمال فهذا معفى من الزكاة عند بعض المذاهب.
 أرجو الله سبحانه و تعالى أن نكون قد أفدنا من هذا الدرس فكلنا جميعاً محاطون بأعراف وتقاليد، والإنسان أحياناً يضعف أمام قوة المجتمع، وأمام ضغط الأعراف و التقاليد، فالمؤمن عنده ميزان، فأيّ عرف أو أيّ تقليد خالف منهج الله عز وجل يرفضه ولا يعبأ به، والنبي دعي إلى حلف الفضول وأثنى عليه ثناءً كبيراً، وهو اتفاق ينص على أن ينصر المظلوم وأن يُعطى كل ذي حق حقه وهذا كان في الجاهلية، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت.))

 يعني أنت لا تكن بعيداً عن المجتمع، إذا كان هناك اتفاقُ تعاونٍ سكني ليس فيه ربا وليس هناك مانع شرعي، وإذا كان اتفاق لحل مشكلة والناس اجتمعوا وقرروا فلا عليك، وكل شيء لا يعارض نصاً شرعياً ولا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً فليس فيه مانع فلا بأس، فدائماً مقياسك الشرع، كل من ترك ميزان الشرع من يده لحظة هلك، اجعل الشرع ميزاناً، سواء كان في الزواج، أو في الولادة فالأعراف كثيرة لازم كأن يقدم الناس كراوية عند الولادة ليس هناك مانع وهذه لا تحل حراماً، مادة مسموحة والضيافة واردة، وإطعام الطعام وارد، إذاً الأعراف في الولادة وفي الزواج والطلاق والحياة والموت، والسفر، هذه الأعراف مقياسها الشرع، فلا نخالف الشرع ولا نحل حراماً ولا نحرم حراماً وليس هناك مانع، أما إن كانت تصادم الشرع فيجب أن نقف موقفاً شديداً إزاءها.
 أساس الأعراف حل لمشكلة حلاً جماعياً، فالشرع عدّ العرف مصدراً تشريعياً، العادة محكَّمة والمسلمون إذا استحسنوا شيئاً فالشرع حسنه.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS