11358
العقيدة الاسلامية - موضوعات مختلفة - الدرس (22): زكاة الفطر .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-12-30
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الغلو في الدين :

 أيها الأخوة الكرام، أنا في حيرة من الموضوع الذي ينبغي أن يعالج في هذا الدرس لكنه بدا لي أن مشكلة المسلمين في التطرف وفي الغلو في الدين، وقد قال الله عز وجل:

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾

[ سورة المائدة: 77 ]

 الغلو أنواع منوعة، وقد ألفت في هذا الموضوع كتب ومجلدات، ولو أردنا أن نخوض في هذا الموضوع لاحتجنا إلى سنوات ولكن سأعالج من موضوعات الغلو موضوعاً واحداً محدداً ولعلي أتابع هذه الموضوعات في دروس قادمة.
 الغلو؛ أن تأخذ قضية فرعية في الدين وأن تكبرها وأن تجعل منها أصلاً من أصول الدين، ثم أن تقيم الناس جميعاً في ضوء هذه النظرة التي تحملها أنت، من أولى سلبيات هذا الموقف شق صفوف المسلمين، وتفرقة جمعهم، وتشتيت شملهم، وإقامة موضوعات جزئية على أنها موضوعات كبيرة خلافية وعندئذٍ لعل الآية الكريمة تنطبق أحياناً على هذه الحالة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 159 ]

 في الإسلام عقائد كبيرة، حقائق خطيرة، وفي الإسلام فروع صغيرة، مثلاً صائم رمضان ينبغي أن يؤدي زكاة الفطر، هناك من يؤديها طعاماً، وهناك من يؤديها مالاً لو أخذنا هذا الموضوع الفرعي في الفقه وجعلناه موضوع هذا الدرس لرأينا كيف أنه يمكن أن تؤدى طعاماً وقد يكون الأولى في موطن، ويمكن أن تؤدى مالاً وقد يكون أولى في موطن، على كلٍ كمقدمة دقيقة جداً لهذا الموضوع مسألة فروع الشريعة ليست من مسائل الاعتقاد، ولا من قطعيات الدين، ولا من أصول الدين، إنما هي من مسائل الفروع، ومسائل الفروع أمرها قريب ويسير، فالخلاف في مسائل الفروع ليس فيه هدى وضلال، لا يمكن أن تتهم إنساناً اختلف معك في قضية فرعية في الدين أن تتهمه بأنه ضال، هذا انحراف خطير، مسائل الفروع ليس فيها هدى وضلال، وليس فيها إيمان وكفر، بل يصعب أن يكون في مسائل الفروع خطأ وصواب، إنما يكون فيها راجح ومرجوح، وقوي وأقوى، يقول بعض العارفين بالله:

وكلهم من رسول الله ملتمس  غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
* * *

النصوص القطعية الدلالة والنصوص الظنية الدلالة :

 كتعليق على هذه الفكرة في الدين نصوص قطعية الدلالة هذه تغطي ثوابت الإنسان، الإنسان فيه ثوابت مغطاة بنصوص قطعية الدلالة فالأشياء التي تتوقف عليها سعادتك فيها نصوص قطعية الدلالة لا تحتاج لا إلى فقيه ولا إلى مجتهد ولا إلى مفسر ولا إلى عالم.

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ﴾

[ سورة النساء: 103 ]

 إن الله لا يحب الكاذبين، لا يحب الخائنين، فيا أيها الأخوة الكرام:

وكلهم من رسول الله ملتمس  غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
* * *

 أي أن المسائل الأساسية في حياة المسلمين لا تحتاج إلى اجتهاد، مغطاة بنصوص قطعية الدلالة، لكن إن وجدت نصاً في القرآن الكريم ظني الدلالة، بالمناسبة لعل أحدكم إذا كان حديث عهد بدروس العلم لم يفهم معنى قطعي الدلالة أو ظني الدلالة، إن قلت لواحد من الناس: أعطي فلاناً ألفاً وخمسمئة درهم هذا النص قطعي الدلالة، هل يحتاج إلى تفسير؟ هل يحتاج إلى مجتهد؟ هل يختلف في معناه؟ مستحيل، أما إذا قلت: أعطه ألف درهم ونصفه، يا ترى ألفاً وخمسمئة، أم ألف ونصف هناك هاء، علامَ تعود؟ أتعود على الألف، وهو الأبعد، أما تعود على الدرهم وهو الأقرب؟ ألف ونصف درهم، أعطي فلان ألف درهم ونصفه، الهاء تعود على الدرهم ألف ونصف، تعود على الألف، ألف وخمسمئة، هذا النص اسمه نص ظني الدلالة، فإن وجدنا في القرآن الكريم نصوص ظنية الدلالة معنى ذلك أن هذه النصوص الظنية الدلالة تغطي كل تطورات الإنسان وكل المتغيرات فيه، تغطي تطور الحياة من بيئة إلى بيئة، من ريف إلى مدينة، من شدة إلى رخاء، من كذا إلى كذا، وأما النص القطعي الدلالة فيغطي ثوابت الإنسان.

لا يمكن أن ننسى مقاصد الشريعة وأن نكون حرفيين :

 ثم يعلق أحد العلماء الأجلاء على هذا الموضوع فيقول: لهؤلاء أدلة ولهؤلاء أدلة أخرى، وهؤلاء ينظرون إلى معنى وهؤلاء ينظرون إلى معنىً آخر، أوضح مثلاً: أنه قبل ألف عام لو أعطاك إنسان درهماً أو ديناراً ووكلك أن تنفقه صدقة عنه لا يجوز أن تبدله هكذا الحكم الشرعي، أما لو أعطاك الآن إنسان خمسمئة ليرة وكلفك أن تنفقها وهي قطعة واحدة لك أن تستعملها في شأنك الخاص، وأن تنفق بدل منها خمسمئة ليرة على أساس خمس قطع، كل واحد مئة ليرة، هذه التي أخذتها من يد المتصدق قطعة واحدة، استخدمتها أنت وأنفقت مكانها خمس قطع من فئة المئة ليرة، الآن الشيء حلال أم حرام؟ بحسب الحكم الشرعي حرام، لماذا؟ ما علة هذا الحكم؟ لأن الدينار قديماً له وزن خاص كل دينار له وزن، أنت حينما تبدل دينار بدينار لعل الذي أنفقته أنت أقل وزناً من الأول، أما الآن هل هناك فرق بين الخمسمئة ليرة من فئة الخمسمئة أم خمسمئة ليرة من فئة المئة؟ المبلغ واحد، إذاً هذه قضية فرعية، لا يمكن أن تكون محل خلاف، ولا محل خصومة، ولا محل تعصب، ولا محل تطرف، ولا محل اتهام، هذه كلها من فروع الدين، لذلك أناس نظروا إلى الشيء من زاوية وأناس من زاوية ثانية، هناك من نظر إلى لفظ الحديث، وهناك من انتبه إلى مقاصد الشريعة، مثلاً: حينما أمر الحاج أن يذبح الهدي ما مقصود الشرعية من هذا؟ أن يصل هذا اللحم إلى جوف الفقير، هل تصدقون أنه مر على الأمة الإسلامية أعوام تلو أعوام كان يذبح في منى ما يقارب مليون رأس غنم تذبح وتلقى في الطريق، مليون رأس غنم يذبح ليكون جيفاً، أقسم لي أحد الأخوة الكرام مقيم في حي قريب من منى، قال لي: والله أربعة أشهر ورائحة المدينة لا تحتمل من رائحة هذه الذبائح التي تفسخت بفعل الحر الشديد، هل من مقاصد الشريعة أن تهدر هذه اللحوم وهي مادة أساسية جداً هكذا تهدر لتكون جيفاً تلوث الجو؟ ألم يقل أحد كبار العلماء ـ والشرعية عدل كلها، وحكمة كلها، ومصلحة كلها، ورحمة كلها ـ ألم يقل هذا العالم الجليل ـ فكل قضية خرجت من الرحمة إلى القسوة ومن الحكمة إلى خلافها ومن المصلحة إلى المفسدة ومن العدل إلى الجور فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل ـ إذاً لا يمكن أن ننسى مقاصد الشريعة، لا يمكن، لا يمكن أن نكون حرفيين، لا أقول نصيين، حرفيين، الدين كله وحي، والدين في الأصل نص من السماء، وديننا كله كتاب وسنة ونصوص، لكن ينبغي ألا نكون حرفيين.

ديننا دين الفطرة لأن الأوامر فيه تعرفها الفطر السليمة والنواهي تنكرها الفطر السليمة:

 من أغرب ما قرأت في كتب الفقه أن الخاطب يجوز له أن يرى مخطوبته، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( انْظُرْ إِلَيْهَا))

[الترمذي عن المغيرة بن شعبة]

 فقال بعضهم: المطلق على إطلاقه، وما دام النبي أمر الخاطب أن ينظر إلى مخطوبته لم يقيد هذه النظرة بلباس معين، إذاً له أن يراها كما خلقها الله، بربكم هل تجدون في المليار والمئتي مسلم في الأرض من يقبل أن يظهر ابنته أمام خطيبها كما خلقها الله، أقول هذا الإنسان حرفي ضيق الأفق، محدود التفكير، في عرف، في ذوق، لماذا سمى الله المنكر منكراً؟ ما معنى منكر؟ أي أن الفطر تنكره في أصل تكوينها، لمَ سمى المعروف معروفاً؟ المعروف تعرفه النفوس السليمة، تعرفه بداهة من دون أن يردها شيء، النفوس السليمة الطاهرة تعرف المعروف بالبديهة، والنفوس السليمة تنكر المنكر بالبديهة، لذلك من أروع ما في هذا الدين هو دين الفطرة، أن الأوامر فيه تعرفها الفطر السليمة، وأن النواهي تنكرها الفطر السليمة، تنكر فعل النواهي أقصد، لذلك الله عز وجل حينما قال في كتابه العزيز:

﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾

[ سورة الرعد: 36 ]

 معنى ذلك أن هذه النصوص التي جاءت من السماء يفرح بها الصحابي الجليل لأنها تناسب فطرته، وأنا حينما أقول أن حقيقة الحق ما جاء به النقل الصحيح هذا هو الحق وقطعاً ينبغي أن يطابق العقل الصريح، وطبعاً يقتضي أن يوافق الفطرة السليمة، وطبعاً ينبغي أن يوافق الواقع الموضوعي، هذا هو الحق، هو الأصل، الحق ما جاء به الوحي من كتاب وسنة، ولكن هذا الوحي هو كلام الله، من خلق العقل؟ الله جل جلاله، إذاً الذي أنزل هذا الوحي هو الذي خلق العقل فلا بد من تطابق العقل مع الوحيين، من جبل النفوس جبلة معينة ففطرها فطرة معينة؟ الله جل جلاله، إذاً لا بد من أن يوافق الوحي الفطرة السليمة، هذا الواقع من خلقه؟ وهذا الكون من خلقه؟ قوانينه من خلقها؟ الله جل جلاله، إذاً ينبغي أن يطابق هذا الواقع وحي السماء، صار الحق دائري، لا بد من أن يمر فيها أربعة خطوط، خط العقل الصريح، وخط النقل الصحيح، وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي، هكذا أنا لا أرى أن الخطر على الدين يأتي من أعدائه، يأتي من أدعيائه، يأتي ممن يشتغلون بشؤون الدين، ممن ابتعد عن حقيقته.

كل أمر ونهي على الإطلاق محكوم بخمسة مقاصد :

 لذلك لا ينبغي أبداً أن تقفل مقاصد الشريعة بل إن كل أمر ونهي على الإطلاق محكوم بخمسة مقاصد، المقصد الأول الحفاظ على الدين، والمقصد الثاني الحفاظ على الحياة، والمقصد الثالث الحفاظ على العرض، والمقصد الرابع الحفاظ على العقل، والمقصد الخامس الحفاظ على المال، ولو درست كل أحكام الشريعة من أولها إلى أخرها لا تجد هذه الأحكام إلا تدور حول هذه المقاصد الخمسة، فلا يمكن أن نقفل أحد هذه المقاصد، أنا حينما قرأت في بعض الصحف خبراً مزعجاً جداً مفاده أنه تم إعدام عشرين مليون رأس غنم في استراليا، أعدموها بالرصاص، وحفرت لها حفر عظيمة ودفنت فيها، للحفاظ على أسعار اللحوم، أمم تموت من الجوع، شعوب تموت من الجوع، وهؤلاء هناك يعدمون عشرين مليون رأس غنم للحفاظ على أسعار الغنم المرتفعة في العالم.

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

[سورة العلق: 6-7 ]

 حتى في بعض البلاد الغربية يتلفون ما يساوي أهرامات مصر من الزبدة ومشتقات الحليب للحفاظ على أسعارها المرتفعة، في بعض البلاد يتلفون محاصيل الحمضيات، فإذا تسلل إلى هذه المحاصيل فقراء ليأكلوا منها سممت في العام القادم، فلذلك الشريعة مصلحة كلها، والشريعة رحمة كلها، والشريعة حكمة كلها، وأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، من العدل إلى الجور، من الحكمة إلى خلافها، من الرحمة إلى القسوة، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.

لا ينبغي أن يكون الاختلاف في الفرعيات سبباً للفرقة والتباغض :

 لكن أيها الأخوة، ترون أن الطرف الآخر يستهدف كل المسلمين بصرف النظر عن هوياتهم، وعن انتماءاتهم، وعن مذاهبهم، أن نكون مع بعضنا بعضاً، وأن نتعاون فيما اتفقنا، وأن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، أو أن ينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، هذا أصبح واجب ديني الآن، فلا ينبغي أن ندع لهذه الفرعيات في الدين أن تمزق وحدتنا، ولا أن تشق صفوفنا، ولا أن تجعلنا نتراشق التهم، ولا أن يكون بأسنا بيننا، هذا يتناقض مع مقاصد الشريعة، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 46 ]

 إذاً لا ينبغي أن يكون هذا الاختلاف في الفرعيات سبباً للفرقة والتباغض، ولا سبباً لنيل بعض المسلمين من بعض، ولا سبباً لسب بعضهم بعضاً، ولا سبباً في وقوع بعضهم في أعراض بعض، هنا المشكلة.

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

 حتى لو كان بينهم خلاف، الخلاف في قضية لا يفسد الود بين المؤمنين المؤمنون من صفاتهم أنهم بعضهم أولياء بعض، يتراحمون، يتناصحون، يتعاونون، ولأن الإنسان مخير، ولأن رؤيته متعددة، فقد يختلف اثنان ومقصدهما واحد، ألم يختلف الصحابة فيما بينهم؟ وكلهم يجتهد أنه يرضي الله بهذا الاختلاف، المشكلة أن هذه الأشياء الفرعية حينما نختلف فيها، ويتحزب بعضنا لجهة والبعض الآخر لجهة، ثم ينشأ هذا الخصام بين جهتين، ثم يكون لكل جهة أتباع، ومع الأتباع أبواق، ومع الأبواق أظافر، كل جهة لها أتباع ولها أبواق ولها أظافر وتنشب المعارك الداخلية ويكون بأس المسلمين فيما بينهم وهذه هي الطامة الكبرى، والطرف الآخر يدفع على هذا الاختلاف روحه من أجل ذلك، بالأضافة ذلك أنك حينما تبقى محدود في قضية فرعية وتجعلها قضية كبيرة وتتهم من خالفك في الرأي أنه منحرف العقيدة أو بأنه ضال، أنا أعني ما أقول، أو بأنه مبتدع، أو بأنه بعيد عن الإخلاص، حينما نتهم بعضنا بعضاً حول قضايا فرعية نكون قد حققنا الهدف الأول للشيطان.

((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))

[رواه مسلم عن جَابِرٍ ]

حينما نتهم بعضنا بعضاً حول قضايا فرعية نكون قد حققنا الهدف الأول للشيطان :

 كما هو معلوم لديكم أن الشيطان يأتي الإنسان ليوسوس له أن يكفر بالله، فإن رآه على إيمان وسوس له بالشرك، فإن رآه على توحيد وسوس له بالبدع، فإن رآه على سنة وسوس له بالكبائر، فإن رآه على طاعة وسوس له بالصغائر، فإن رآه على ورع - ماذا بقي؟ - وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، فإن رآه واعياً - بقي مع الشيطان ورقة رابحة - المباحات، يتوسع في المباحات حتى تشغله عن العمل في سبيل الله.
 أيها الأخوة الكرام، الطامة الكبرى أن تتحول هذه الفروع إلى تراشق تهم وإلى تكفير وإلى اتهام بالشرك وإلى اتهام بالبدع، وهذه هي الطامة الكبرى، بل إن بعض هؤلاء المتحزبين لزيد أو عبيد يحلون الولاء والبراء حول هذه الفرعيات، فمن أقر هذه الفرعيات هو صاحب الولاء للدين، ومن لم يقر بهذه الفرعيات كان الدين منه براء، وهذه هي الطامة الكبرى، لذلك العهد الأول من عهود أصحاب رسول الله كان عهداً ذهبياً متألقاً، فيه تعاون، فيه حب، ولا شيء يسعد الطرف الآخر - أعني به عدو الدين- لا شيء يسعد الطرف الآخر كهذه الخلافات حول أمور جزئية في الدين.
 أحد علماء مصر توفي رحمه الله كان في العمرة يبدو أنه أكرم هناك إكراماً منقطع النظير، له مكانة هناك، فنظم قصيدة يثني على من أكرمه، في بلده الأصلي في مصر الطرف المعادي للدين عد هذه القصيدة نفاقاً، فكال له الصاع أو صومعة كثيرة إن صح هذا الجمع، قال: أول مرة في مصر يقف جميع علماء مصر يدافعون عن هذا العالم مجتمعين، لأنه قضية الدين مستهدف، أخوانا الآن الدين مستهدف، أي فئة، أي مذهب، الدين مستهدف فينبغي أن نكون واعين وعياً شديداً، ينبغي ألا نسمح للطرف الآخر أن ينال منا، نحن في قارب واحد الآن، نحن في قارب واحد وما من مثل رائع مثله النبي عليه الصلاة والسلام كهذا الحديث الذي وصف فيه حال المؤمنين كأنهم في سفينة واقتسموا أماكنهم فيها، فمن أصابه أسفلها أراد أن يأتي بالماء من أعلاها، فكر أن يخرق مكاناً في أسفلها ليأخذ الماء منه لأجل ألا يزعج الذي في أعلاها، فقال النبي الكريم: إن أخذوا على يديه نجا ونجوا وإن تركوه هلك وهلكوا، كلمة نحن في قارب واحد كلمة دقيقة جداً، الآن مصالح المسلمين واحدة، طبعاً حينما يكون أخوك في معظم شؤونه على الحق قد يكون في هامش ضيق تختلف معه فيه.

أقوال العلماء في إخراج قيمة زكاة الفطر :

 أنا كنت أمثل هذا المثل وإن كان هذا المثل قد لا يأتي في الصوت هكذا، أي في خمس نقاط أربع نقاط في اتفاق بين اثنين، وفي نقطة خامسة لا يتفق معه فيها الطرف الآخر، وفي نقطة في الطرف الآخر لا يتفق معه الطرف الأول، ممكن، أن نختلف في موضوع فرعي هذا ينبغي ألا يفسد الود بيننا، هذا الكلام أيها الأخوة أقوله من أعماقي والله، أقوله ونحن في أصعب ظرف يمر به المسلمون، أقوله لئلا يكون بأسنا بيننا، أقوله لئلا نشغل أنفسنا بتراشق التهم، هذا يضعف همتنا وعزيمتنا جميعاً.
 مثلاً لو عدنا إلى أصل الدرس إخراج قيمة زكاة الفطر، أي أنت ينبغي أن تعطي زكاة الفطر صاع أو نصف صاع من تمر أو بر كما ورد في كتب الفقه أم خمسين ليرة، هنا الخلاف الذي أريد أن أؤكده مرة ثانية أن هذا الموضوع ليس من مسائل الاعتقاد، ولا من قطعيات الدين، ولا من أصول الدين، هذا الموضوع من فروع الدين، ومسائل الفروع الخلاف فيها ليس فيه هدى وضلال، وليس فيه إيمان وكفر، بل يصعب أن يكون فيه خطأ وصواب إنما فيه راجح ومرجح، وقوي وأقوى، فقط أمور الفقه أمور اجتهادية، نعم.
 جمهور العلماء يرون أن إخراج القيمة في صدقة الفطر لا يجزئ المزكي، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: طعمة للمسكين، أي الأولى أن نخرج طعاماً كصدقة فطر لهذا المسكين، وهذا مذهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد، ولما سئل الإمام أحمد عن إخراج المال: أخاف ألا يجزئه، أما الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يرى إخراج المال فقال: إتباع السنة أولى، الإمام أحمد قال: إتباع السنة أولى هذا كلام صح، ابن حزم لا يجيز إخراج غير هذه الأنصاف الأربعة، ابن حزم كان أشد من بعضهم، حينما قال النبي: الزكاة في القمح والشعير والتمر والزبيب، نعم، أبو حنيفة رحمه الله تعالى ذهب إلى جواز إخراج القيمة في صدقة الفطر، إذاً نحن أمام موضوع ماذا نسميه؟ موضوع خلافي؛ علماء أجلاء يرون إعطاء زكاة الفطر طعام، وعلماء آخرون يرون إعطاء زكاة الفطر مال، لعل الأولين معهم الحجة الأقوى، لكن أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى سبق إلى هذا الاجتهاد قبل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، قال بعض المؤرخين: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يقرأ لعدي بالبصرة وعدي هو والي البصرة: يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم كل إنسان نصف درهم أي عن صدقة الفطر، ليس هذا رأياً شخصياً لعمر بن عبد العزيز لكنه اجتهاد ملزم لرعيته جعله أمراً، إنما جعله أمراً عاماً، وأمر واليه أن يأخذ من أهل هذا البلد نصف درهم عن صدقة الفطر.
 عن الحسن البصري قال: لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر، أنا أضعكم أمام أقوال العلماء المختلفة فيما بينها، وسوف أبين لكم تحليل هذه الأقوال، وقال بعض العلماء: أدركت الناس وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام، وهذا مذهب الثوري وعطاء، فإن عطاء كان يعطي في صدقة الفطر الورق أي الفضة، وهؤلاء هم سادة التابعين، إذاً في تابعين أجلاء، في علماء كبار أجازوا إنفاق صدقة الفطر مالاً، وفي علماء أجلاء أيضاً ومعهم وجهة نظر ومعهم أدلتهم أجازوا إعطاء صدقة الفطر طعاماً.

تحليل العلماء في إخراج قيمة زكاة الفطر طعاماً أم مالاً :

 الآن لو حللنا ما الذي حمل بعض الفقهاء على أن يقول اجعلوا صدقة الفطر طعاماً وما الذي جعل بعض الفقهاء على أن يقول اجعلوا صدقة الفطر مالاً، قال: إن كثيراً من الفقهاء يرون أن تخرج زكاة الفطر من قوت البلد غير المنصوص عنه في الحديث، أي هذا البلد يأكل الرز، لنا أخوان أفارقة جزاهم الله خيراً طعامهم الأول هو الرز، إن لم يأكلوا الرز كأنهم لم يأكلوا شيئاً، فالحديث قمح لم يذكر الرز في الحديث، لكن الحديث قال: طعمة، معناها طعام أهل البلد، قال: فإذا تغير القوت جاز أن يخرج من القوت الموجود كالأرز أو القمح أو أي قوت ينتشر في بلد من البلدان، وإذا جاز إخراجها من قوت البلد حتى ولو لم يكن منصوصاً عليه ولا وارد في السنة فمن باب أولى أن تخرج من الدراهم لأنها قد تكون أفضل من القوت لكثير من الناس، وهذا منهم من فهم هذا الفهم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال بعضهم: إن كان هذا الفقير سيبيع هذا القوت بثمن بخس لأنه محتاج إلى شيء آخر، إلى أن يشتري لأولاده كسوة فالأولى أن تعطيه مالاً، أما إن أعطيته مالاً ليشتري به قوتاً الأولى أن تعطيه قوتاً، مثلاً أنت حينما تعطي قوتاً وتشتري بسعر الجملة رأسمالك قليل، أقل من سعر المفرق، فأنت حينما تشعر أن هذا الفقير سيأخذ هذه الزكاة ليشتري بها قوتاً الأولى أن تعطيه قوتاً، أما إن رأيت أن هذا الفقير سوف يبيع هذا القوت ليشتري به ثياباً فالأولى أن تعطيه ثياباً، أو أن تعطيه مالاً إذا قضية مصلحة، العبرة في ذلك مصلحة الفقير، كيف لا والزكاة في الأصل نصابها نصابان نصاب ذهب ونصاب فضة، نصاب الذهب الآن تقريباً أربعون ألف، ونصاب الفضة سبعة آلاف، وقد أجمع العلماء على أن الترجيح بين النصابين ينبغي أن يكون لصالح الفقراء، معك أربعين ألفاً وآخر معه سبعة آلاف، الذي يملك سبعة آلاف لو قال: أنا نصابي نصاب الذهب ما معي أربعين ألفاً، نقول له: صح، لكن لمصلحة الفقراء ينبغي أن تتخذ نصاب الفضة نصاب لك، لمصلحة الفقراء ينبغي أن تخرج على السبعة آلاف زكاة هذا المال، إذاً في هذه الأمور المصلحية، في هذه الأمور الفرعية، في هذه الأمور الاجتهادية، ينبغي أن نرجح مصلحة على مصلحة، عندنا معطي وعندنا آخذ، مصلحة المعطي أن يتخذ نصاب الذهب، ومصلحة الآخذ أن يتخذ نصاب الفضة، فالأولى أن يتخذ نصاب الفضة نصاباً كي ننفق على كل سبعة آلاف نملكها زكاة هذا المال.

زكاة الفطر ليست أمراً تعبدياً محضاً إنما هي أمر مصلحي واضح :

 هناك نقطة مهمة جداً، هذا الفقير جاءه تمر، تمِر، تمر، هو يريد في العيد كيلوان من التمر، صار عنده مئة كيلو تمر، لكنه بحاجة إلى كثير من الأشياء، فإذا كان سيبيع هذا القوت بثمن بخس نعطيه مالاً، أما إذا كان سيشتري بهذا المال قوتاً نعطيه قوتاً، هذا الرأي في هذا الموضوع.
 الوجه الثاني في هذا الموضوع: أن هذا الأمر ليس تعبدياً محضاً لا يجوز الخروج إلى غيره، إنما هو أمر مصلحي واضح، أي أن المقصود من صدقة الفطر منفعة المسلمين ومنفعة الآخذ والباذل أيضاً، ولا شك أن مصلحة الآخذ أولاً، وأن إخراج القيمة خصوصاً إذا طابت بها نفس المعطي ونفس الآخذ وأنه أحب إليهما معاً، يحقق مقصد الشريعة في التوسعة على الناس بما فيه تحقيق مصالحهم وليس في هذا ما يعارض نصاً ظاهراً.
 أيها الأخوة الكرام، أنا ما أردت أن أعالج هذا الموضوع وقد مضى رمضان لكن أردت أن نتخذ منه منطلقاً كي أوضح لكم أن في الدين أصولاً، في هذه الأصول كفر وإيمان، هدى وضلال، توحيد وشرك، استقامة وانحراف، وفي الدين فروع، أحكام جزئية، الاختلاف في الفروع ليس فيه هدى وضلال، وليس فيه إيمان وكفر، وليس فيه إتباع وابتداع، بل ليس في الفروع صواب ولا خطأ، في الفروع رأي راجح ورأي مرجوح، رأي قوي ورأي أقوى، هذا يجمعنا ويوحدنا، وتصح المقولة الرائعة نتعاون فيما اتفقنا ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، وأنا أرى أن الإنسان إذا كان إخلاصه عالياً وحمله لهمِّ المسلمين حقيقياً، هذا القضايا الفرعية لا يسمح لها أن تعيق العلاقة بينه وبين أخيه، اختلاف الفرعيات لا يسمح لها أبداً أن تصرفه عن أخيه، أو أن تنشأ بين الأخويين ضغينة أو بغضاً أو مشادة أو تهجماً أو سباباً أو قطيعة أو تحزباً أو تكتلاً، هذا كله لا يرضي الله عز وجل لأن الله جل جلاله يقول:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 10]

لغتنا العربية لغة دقيقة جداً :

 قصة لعلها طرفة، رجل لا يصلي دعاه أحد الصالحين إلى الصلاة، قال: والله أنا لا أصلي لأنني لا أستطيع أن أصلي الفجر في وقته، لذلك أنا أدع الصلاة كلها، هذا الداعية مرن، قال له: صلِ الأربعة أوقات ـ قصد هذا الداعية أنه إذا صلى هذه الأوقات الأربعة حملته هذه الصلوات إلى صلاة الفجر ـ يبدو أن هذا الإنسان عد أن هذه فتوى وأشاعها بين الناس، فأقام المسلمون على هذا الذي أفتى له النكير، وأقاموا الدنيا عليه ولم يقعدوها، كيف تفتي بأربع صلوات؟ فقال لهم: أنا أقنعته بأربع صلوات، أقنعوه بالخامسة أنتم.
 في تشدد أحياناً، يقول لك شخص: في الفاتحة إن لم تتقن أربع عشرة شدة فصلاتك باطلة، لا، هذا تطرف، وهذا غلو في الدين، والنبي ذكر الذي يتتعتع في القرآن أي لا يتقن تجويده ولاسيما الأخوة طلاب العلم الأجانب من بلاد أخرى لا يتقنون الألفاظ العربية لأن المدرج الصوتي العربي أوسع مدرج في اللغات على الإطلاق، يسموها لغة الضاد، الضاد تنفرد بها لغتنا العربية، سمعت البارحة أن لغتنا دقيقة جداً، قال له: في كلمة بحنن وفي كلمة بجنن، الفرق نقطة، أي كلمة بتجن وتطلق زوجتك، بتجن وتفك الشركة، بتجن وتترك البلد، كلمة، وكلمة أخرى تحننك إلى بلدك وإلى زوجك وإلى أولادك وإلى شريكك، فكلمة بتجنن وكلمة بتحنن، الفرق نقطة واحدة، فاللغة دقيقة جداً. مرة إنسان ضعيف باللغة أراد أن يتفاصح قال:

ولست أبالي حين أَقتُل مسلماً  على أي جنب كان في الله مصرعي
* * *

 هو في جنهم إلى أبد الآبدين، الفرق حركة واحدة، هو البيت كما يلي:

ولست أبالي حين أُقتَل مسلماً  على أي جنب كان في الله مصرعي
* * *

 هذا صحابي جليل قالها قبل أن يموت، صلى ركعتين وواجه الموت بجرأة ما بعدها جرأة، قال:

ولست أبالي حين أُقتَل مسلماً  على أي جنب كان في الله مصرعي
* * *

 جاء إنسان متفاصح قال:

ولست أبالي حين أَقتُل مسلماً  على أي جنب كان في الله مصرعي
* * *

 أيها الأخوة الكرام، نحن بحاجة إلى التعاون، والتحابب، والتناصر، وأن نكون صفاً واحداً، الآن ترون ما الذي خذل المسلمين في شرق آسيا؟ خيانات، أكثر القصد كان يأتي بإخباريات أرضية من مسلمين ولهم لحى طويلة، يوجهون الطائرات، كي يقصفوا المئات بل الألوف ألم تسمعوا بذلك؟ خيانات، فنحن لا ينقصنا خلافات في الدين، ينقصنا حب في الدين ينقصنا إخلاص في الدين.
 طرفة، أحد علماء الشام الكرام قال لي: كنت في الحج، قال: أنا شافعي أي لمس المرأة يفسد وضوئي، وأنا في الطواف، والطواف فيه ازدحام شديد جداً والخروج من الطواف إلى الوضوء يحتاج إلى ساعة ونصف تقريباً، قال لي أنا شافعي المذهب، لمستني امرأة خطأ فانقلبت إلى حنفي كي لا أتوضأ، فجاء إفريقي وداس على قدمي فسال الدم وانقلبت إلى مالكي، قال لي: دخلت شافعياً وأصبحت حنفياً وخرجت مالكياً، فأنا أقول: في الشدة لك أن تقلد وفي الرخاء لك أن تتخذ الأحوط، على كلٍ الاختلاف اختلاف غنىً وتنوع، والاختلاف في فروع الدين لا في أصوله، أصول الدين مغطاة بنصوص قطعية الدلالة، لا يختلف فيها اثنان ولا عالمان ولا مذهبان ولا اجتهادان ولا فقيهان، بينما فروع الدين فيها توسعة لأن فيها نصوص ظنية الدلالة، وكأن الله حينما أراد أن يكون نصه ظني الدلالة كي يسع هذا النص كل الحالات المتغيرة في المجتمعات الإسلامية في المستقبل.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS