77684
العقيدة - الإيمان باليوم الآخر - الدرس (1-9) : أهمية الإيمان باليوم الآخر وأسبابه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-07-16
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لاعلم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا , وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً , وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً , وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

التعريف باليوم الآخر:

أيها الأخوة , أرجو الله أن أوفق لعرض سلسلة من الدروس عن اليوم الآخر. قبل يومين استوقفتني آية في كتاب الله ,وجدت فيها مفتاحاً لحل معظم مشكلاتنا، ألا وهي قول تعالى:

﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 74 )

هكذا الآية.

أركان الإيمان باليوم الآخر:

لو استعرضنا أركان الإيمان:

1. الإيمان بالله

2. الإيمان باليوم الآخر

3. الإيمان بالملائكة

4. الإيمان بالكتب

5. الإيمان بالرسل

6. الإيمان بالقدر خيره وشره من الله.

الترابط المتلازم بين الإيمان بالله واليوم الآخر وأثرهما على حياة المسلم:

هذه الأركان الستة هي أركان الإيمان, فما من ركنين تلازما في القرآن الكريم تلازما يثير الدهشة, كركني الإيمان بالله واليوم الآخر, لأن الإيمان بالله وحده لايحملك على طاعة الله, أما إذا آمنت أن الله موجود, ويعلم, وسيحاسب, فلا يمكن أن تعصيه.
حينما قال الله عز وجل:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾

( سورة الطلاق الآية: 12 )

أن خلق السموات والأرض علته ؛ أي سببه، أن تعلموا.

﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

( سورة الطلاق الآية:12)

العلاقة المتباينة بين اسم العليم واسم القدير:

اختار الله من كل أسمائه اسمين , اسم العليم , واسم القدير,علمه يطولك، وقدرته تطولك، وأنت والله الذي لا إله إلا هو، لو أيقنت أن إنساناً تحتقره , وهو أقوى منك فلا يمكن أن تعصيه، إذا كان هذا الإنسان قادراً على أن يضبط مخالفتك، وهو قادرٌ أيضاً أن يضعك في مكان صعب فلا يمكن أن تعصيه، ولا أنسى قول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يخاطب نفسه فيقول:

((يا نفس ,لو أن طبيباً حاذقاً حذرك من أكلة تحبينها لا شك أنكِ تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟))

الآن إنسان يقول له الطبيب: دع الملح، ومعلوم أنّ الطعام بلا ملح لا يؤكل ، فإنّه يدع الملح.

(( لو أن طبيباً حاذقاً حذّركِ من أكلة تحبينها لا شك أنكِ تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذاً ما أكفرك ! أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله ؟ إذاً ما أجهلك!))

العقوبات الإلهية التي تنال المسلم من فقر وقهر بسبب ارتكابه المعاصي والآثام:

إذاً ما من إنسانٍ يعصي الله عز وجل إلا وهو مدموغ بالكفر والجهل، والذي يحير أيها الأخوة, أن العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، يعلم من دروس العلم، أو من خلال خطب الجمعة، أو من خلال مادة التربية الإسلامية التي تلقاها في المدارس،
أو من خلال فطرته, أن السرقة حرام, والكذب حرام, والاحتيال حرام, والعدوان على الأعراض
حرام , وما هذا الذي نلقاه من الله عز وجل من تأديب, بعضه تأديب تقنين,وبعضه تأديب قهر وبعضه تأديب فقر ,إلا بسبب هذه المعاصي والآثام.

أين الخلل؟

ليس الاسلام هو بناء مساجد عملاقة فقط
هناك مساجد أنشئت , والذي أنشئ في هذه السنوات الأخيرة من ا لمساجد , لم ينشأ مثله في خمسمئة عام سابقة. هناك مصاحف لها طبعات تأخذ بالألباب , هناك مكتبة إسلامية رائعة
جدﴽ, هناك مكتبة صوتية , مكتبة مرئية , مؤتمرات , مساجد عملاقة , ومع ذلك الناس منحرفون
أشد الانحراف , يأكلون أموا لهم بينهم بالباطل , يعتدون على أعراض بعضهم بعضا , والذي استوقفني في هذه الآية البارحة في صلاة الفجر معناها الدقيق:

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُون﴾

(سورة المؤمنون الآية:74)

الإيمان باليوم الآخر:

لذلك أردت بتوفيق الله عز وجل أن أجعل سلسلة من الدروس حول الإيمان باليوم الآخر إذا آمنت باليوم الآخر، آمنت أنه لا بد أن تقف بين يدي الله عز وجل، لتُسأَل عن أي شيء فعلته، لمَ فعلته ؟ عن أي شيء لم تفعله لمَ لمْ تفعله ؟ عن أي طلاق تعسفي، عن أي زواج لا يرضي الله عز وجل، عن أيّ علاقة مشبوهة ,عن أي عطاء لغير الله، عن أي منع لغير الله، عن أي رضاً لغير الله، عن أي غضبٍ لغير الله.

حينما تعلم أن الله سيسأل، وسيحا سب، وسيعاقب، حينئذٍ لا بد أن تستقيم على أمر الله، لعل محور هذه الدروس كلها هو الإيمان باليوم الآخر.

عقيدة أهل الكفر:

أيها الأخوة الكرام , أعرض لكم عقيدة أهل الكفر, مبيناﹰماذا يعتقد هؤلاء في كتاب الله؟.

﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ* إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِين*﴾

( سورة المؤمنون الآية:35-37)

لا تكن ممن همه الدرهم والدينار
هذه عقيدة أهل الكفر، سواءً صرحوا بها أو لم يصرحوا، أعلنوها أو لم يعلنوها، الكافر يعتقد أن هذه الحياة الدنيا هي كل شيء، فمن كان بها غنياً كان بها سعيداً، ومن كان فيها فقيراً كان فيها شقياً، من كان فيها قوياً أخذ ما له وما ليس له، ومن كان فيها ضعيفاً أُخذ مما في يديه، هكذا لا يجرؤ مسلم أن يقول هذا الكلام.

لكن إذا دققت في أعمال المسلمين تجد أعمالهم تنطق بهذه العقيدة، فهو لا يرى إلا الدنيا، ولا يرى إلا المال، ولا يرى إلا المادة، ولا يرى إلا العز، لذلك إذا دعي من فقير ضعيف لا يلبي الدعوة، ويدَّعي أنّ وقته مزدحم، أما إنْ دعاه غني أو قوي يكن أول الحاضرين. يقول الله تعالى في كتابه العزيز مبيناﹰ عقيدة أهل الكفر:

﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِين*﴾

( سورة المؤمنون الآية:35-37)

فإن جعلت الدنيا أكبر همك، ومبلغ علمك، ومنتهى أملك، همك الأول الدرهم والدينار، والعلو في الأرض، فأنت مما يعتقد هذا، ولو لم تنطق به.

العبرة بالمعاني لابالألفاظ:

العبرة أيها الأخوة , الفعل الذي ينطلق من قناعة ومن رؤية، فلا قيمة للفظ إلا بالمعنى في هذا العصراختلطت المفاهيم قد تعبر عن أسوأ النوايا بأحلى الألفاظ، قد يكون بينك وبين إنسان عداوة عميقة، فتبتسم له، وتبش في وجهه، وتثني عليه، هكذا طبيعة العصر , طبيعة
أساسها النفاق، أساسها الازدواجية. موقف معلن، وموقف مبطن، شيء ظاهر، وشيء باطن، والعجيب أن سلوك بعض المسلمين ينطلق من هذه العقيدة، الدنيا هي كل شيء، رد الله على هذه العقيدة فقال:

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

( سورة القيامة الآية: 36 )

الاستشهاد بأمثلة لتوضيح المعنى:

أيعقل أن لا يكون هناك امتحان ؟؟
مثلاً جامعة كلَّفتْ عند إنشائها الملايين من الليرات مخابر , وقاعات تدريس، وبيوت طلبة، وحدائق، وملاعب، وقاعات محاضرات، ومكتبة ضخمة، فهل مِن المعقول ألاّ يكون في آخر العام امتحان ؟ أو يكون كل واحد دخل إلى هذه الجامعة متنزهاً ينال الشهادة من دون دراسة,يقول الله تعالى:

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

( سورة القيامة الآية:36)



تذكير البيان الإلهي الإنسان في أيامه الأولى بأنه كان نطفة لكي يعود إلى رشده:

هكذا.

﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾

( سورة القيامة الآية: 37 )

أنت مكوَّن من حوين، من خمسمئة مليون حوين، قذَفها الرجل، واختارت البويضة حويناً واحداً، دخل إليها، ولقحها، وانقسمت، ثم أصبحت إنساناً بعد تسعة أشهر وعشرة أيام، هذا الذي خلق الإنسان من حوين، من ماء مهين، تستحي به لو كان على ثيابك.
خرجت من عورة , ودخلت إلى عورة، ثم خرجت من عورة، ثلاث مرات، مرة خرجت، ثم دخلت، ثم خرجت، ثلاث عورات يستحي أشد الناس وقاحة أن يظهر عورته, وهذا معنى الآية يقول الله تعالى:

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى* أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى*﴾

( سورة القيامة الآية: 36 ـ 40 )

بلى، أعلى كتاب نأخذ منه عقيدتنا هو كتاب الله، بل هو أروع كتاب عقيدة، أن تأتي الأفكار مقتبسة من كتاب الله

الاستشهاد بأدلة من الكتاب على عناد أهل الكفر واستكبارهم على الحقيقة:

و هذه عقيدة أهل الكفر:

﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ﴾

رد الله عليهم:

﴿ أيحسب الإنسان أن يترك سدى، ألم يكن نطفة من مني يمنى، ثم كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾

وقالوا:

﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَد ِيداً* ﴾

( سورة اﻹسراء الآية: 49-50)

فالعظم مع الأيام يتلف، ويصبح كالرميم، أما قطعة حديد فمستحيل.

﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾

( سورة الإسراء الآية: 50 ـ 51 )

الموت أمر حتمي لاطارﺉ والبيان الإلهي يؤكد لنا هذه الحقيقة والرد على منكريه:

أخواننا الكرام , نحن جميعا، حكم علينا بالموت مع وقف التنفيذ. قبل أسابيع أحد أخواننا يجري كل يوم ساعة, ويسبح ساعة أينما وجد؟ ومع أي إنسان التقى, يحدثه عن الطعام القليل, وعن أكل الخضاروالفواكه، وعن أكل الخبز الأسمر، وعن الجري، والمشي والرياضة.

فهو إنسان يتمتع بلياقة جسمية عالية جداً، ويعتني بصحته عناية تفوق حد الخيال , في دقائق غادر الدنيا. معنى ذلك أنّ الإنسان لا يدري متى يغادر الدنيا، بلا مقدمات، بلا أمراض، بلا قصة مرضية، بلا شكوى.
هناك رجلان أعرفهما جيداً، غادرا الدنيا في وقت مبكر، ودون أي مرض. نحن جميعاً محكومون بالموت مع وقف التنفيذ، وكل واحد منا إذا استيقظ صباحاً يجب أن يعلم ,أن الله سمح له أن يعيش يوماً جديداً، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ صباحاً يقول:

((‏الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي رَدََّ عَلَيّ رُوحِي، وَعافانِي في جَسَدِي، وأذِن لي بذِكْرِهِ ))

[ رواه ‏ابن السني عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

يقول الله عز وجل و يرد على هذه العقيدة الساذجة الغبيَّة.

﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾

( سورة مريم الآية: 67)

﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

( سورة يس الآية:78- 79)

العبرة والعظة ماتفهمه من الكتاب و ا لسنة وأن تعمل بهما وإن قل العمل:

المؤمن الصحيح يتعظ بآيه
ما لم تعتقد أن الله سيبعثك ليوم لا ريب فيه، وسيسألك عن أي عمل مهما بدا لك صغيراً فأنت لست مؤمنا. أعرابي لا يحمل شهادةً عالية، وليس عنده مكتبة ضخمة، وما حضر مجالس علم، ولا حضر مؤتمرًا إسلامياﹰ، ولا عنده مكتبة صوتيه، أعرابي قال يا رسول الله - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عظني ولا تطل، قال:

ُ

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

( سورة الزلزلة الآية:6-8)

قال: كفيت. اكتفى بآية, والقرآن بين أيدينا، يعني ستة آلاف آية نقرأه، ونستمع إليه، ونستمع إلى تفسيره، ومع ذلك تجد أنّ معظم المسلمين غيرَ منضبطين.
أما هذا الأعرابي فقال: كفيت، قال عليه الصلاة والسلام: فَقُه الرجل. يقول الله عز وجل:

﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

( سورة الأعراف الآية: 57 )

هكذا، فكما أن الله يحيي الأرض الميتة بالمطر، كذلك يحيي هذه الأجساد الفانية بقدرته العظيمة.أيها الأخوة, ربنا يقسم ويقول:

﴿وَالطُّورِ* وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ* فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ* ﴾

( سورة الطور الآية: 1-8)

رأي ابن القيم عن دليل اليوم الآخر ورأي العلماء كذلك:

لا بد من يوم تسوى فيه الحسابات
هنا النقطة الفذّة، الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى انفرد من بين العلماء، وقال: إن دليل اليوم الآخر دليلٌ عقلي، بينما معظم العلماء يرون أن دليل اليوم الآخر دليل نقلي، فالله عز وجل أخبرنا أن هناك حياة بعد هذه الحياة، يُحاسَب فيها الإنسان عن أعماله.
إلا أن هذا العالم يرى وأنا معه، يرى أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، فهل يقبل هذا العقل السليم أن هذا الإله العظيم خَلَق قوياً، وخَلَق ضعيفاً، وأن الموت ينهي كل شيء، فالقوي استعلى , وتغطرس، واستكبر، وظلم، وأخذ ما ليس له، والضعيف أُخذ منه كل شيء، وانتهت الحياة على هذا؟
كمال الخلق يدل على كمال التصرف. العقل لا يرضى أن تنتهي الحياة هكذا , خَلَق غنيًا يكاد يتمزق من شدة التخمة، وخلق فقيراً يكاد يموت من الجوع، وتنتهي الحياة.
خلق إنسانًا وسيمًا ترنو إليه الأبصار، وخلق إنسانًا دميمًا تتفاداه الأبصار، وتنتهي الحياة هكذا، لا بد من يوم تسوى فيه الحسابات.

أساس تماسك المسلم من القلق والسقوط والانهيار بسبب إيمانه باليوم الآخر:


أيها الأخوة، لولا الإيمان بهذا اليوم لانهار الإنسان، لكن العبرة بوجود اليوم الآخر، الغنى والفقر بعد العرض على الله، والعز والذل بعد العرض على الله، العلو والدنو بعد العرض على الله.

هذه الدنيا دارُ امتحان، فلذلك

﴿ والطور، وكتاب مسطور، في رق منشور والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجورمِ﴾

الذي خلق هذه الأكوان لا يعقل أن يترك الإنسان سدى، بل لا بد أن يُحاسَب، ويقف بين يديه ليحقَّ الحق والعدلَ.

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾

( سورة المؤمنون الآية 115-116)

تعالى أن يخلق الناس عبثاً

﴿إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع ﴾

السنة الإلهية التي جرت عادتها بين العباد بأن قننت في الحياة الدنيا والآخرة مؤيدات قانونية تخص كل منهما:

 إن لم تؤمن أن هناك يوماً تُحاسَب فيه عن كل شيء فلن تستقيم
أيها الأخوة , لن تستطيع أن تستقيم على أمر الله إلا بكتاب الله، وهدي رسوله، لا تقل ضمير، فهذا كلام فارغ، ولا تقل: مراقبة ذاتية، فهذا كلام فجٌّ، لا تقل: فلان تربَّى تربية منزلية راقية، فهذا غير صحيح. إن لم تؤمن أن هناك يوماً تُحاسَب فيه عن كل شيء فلن تستقيم
أي قانون يصدر في أي بلد في العالم إلاّ وله مؤيد قانوني. تصور قانون السير بلا عقوبات عليك أن تمشي على اليمين، أن تقود مركبة مع إجازة، وليس هناك عقاب، فمَن يطبق ؟ لكن هناك مخالفة بخمسة آلاف ليرة، وبهذه المخالفة تُسحَب منك الإجازة، هذه المخالفة فيها حجز مركبة، وهذه المخالفة تؤدِّي إلى السجن، لا يمكن أن يطبق نظام على وجه الأرض إلا بمؤيد قانوني.كذلك الايمان بالله هو العقيدة والمؤيد القانوني لهذا الإيمان هو اليوم الآخر.

ينبغي على المسلم أن يتحقق من الكلام الذي يسمعه وذلك بعرضه على العلم المطابق للواقع مع الدليل:

لذلك عليكم بالكلام الواقعي، ودعونا من كلام غير واقعي، دعونا من كلام محالٍ. قولهم أنه يجب أنْ نربي الإنسان تربية يتحمل المسؤولية من غير دين، لكن ما وجدناها أبداً.

إذا لم يكن مؤمنًا باليوم الآخر، وأن الله يراقبه، وسيحاسبه، وسيعاقبه، لن يستقيم على أمره، فهذا هو الكلام الواقعي، والعلم ما طابق الواقع، العلم هو الوصف المطابق للواقع مع الدليل.

التربية الإيمانية في كيان المسلم تعينه على ضبط نفسه ونزوا ته وتحمله على مراقبة الله:

لن تستقيم على أمر الله إلا إذا آمنت أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب " ولتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما "، وأنت منضبط أشد الانضباط مع إنسان دونك، لكن علمه يطولك، وقدرته تطولك، قد يكون أقل منك بكثير، لكن آتاه الله قدرة عليك و يستطيع أن يكشف مخالفتك له ,وأنت تقود مركبة، والإشارة حمراء، والشرطي واقف وأنت مواطن عادي.

فهل مِن الممكن أنْ تتجاوز الإشارة الحمراء ؟ مستحيل مع إنسان، فمع شخص ربما لا تحبه، وربما لا تعتبره، ومع ذلك تطيعه، فكيف بخالق الأكوان، وواهب الحياة للإنسان.
الإيمان باليوم الآخر أساس عقيدتنا , بل إن الركنين المتلازمين من أركان الإيمان هما أن تؤمن بالله واليوم الآخر، تطرح على نفسك سؤالاً في أيِّ موقف: ماذا سأجيب الله يوم القيامة ؟
ذات مرة كان أحد الأشخاص يعمل في التموين، وكانت هناك موجة من المخالفات، وكان الضغط على التجار شديدًا. فجاء أحدُ موظفي التموين يستنصحني، قال: بماذا تنصحني ؟ فقلت له: وقد أردت أن أفاجئه بنصيحة غير متوقعة، قلت له: اكتب من الضبوط ما تشاء، وأدخل مِن الناس إلى السجن مَن تشاء، فاستغرب هذا الكلام.
قال هكذا تنصحني، قلت له:نعم، لكن بطولتك أن تهيئ جواباً لخالقك يوم القيامة، عن كل ضبط كتبته، وعن كل مخالفة سجلتها، وعن كل أذى سقتَه لإنسان، والله يحب كل خلقه، فبطولتك أن تكون معك حجةٌ لله عز وجل.

الاستشهاد بمواقف إيمانية من الصحابة والتابعين وارتباطهم بذلك اليوم وشدة الخوف منه:

دخلت زوجة سيدنا عمر بن عبد العزيز عليه في غرفته فرأته في مصلاه يبكي، سيدنا عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، قالت له ما يبكيك ؟ قال: دعيني وشأني، فألَّحتْ عليه ثانية وثالثة، فقال: دعيني وشأني، فلما ألحت عليه قال: فكرتُ في المريض، والفقير، والأرملة، والمسكين، والشيخ الفاني، وذي العيال الكثير، وذَكَر لها أكثر من ثلاثين نوعًا من حالات مأساوية اجتماعية، فعلمت أن الله سيحاسبني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي، ولهذا أبكي.
قال سيدنا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏:

((والله لو تعثرت بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟))

لأنه مؤمن باليوم الآخر، ولما قال سيدنا عمر لعبد الرحمن بن عوف رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما: امضِ بنا نحرس هذه القافلة، مَن هما ؟لأنه عمل صالح، له ثوابه عند الله تعالى. وحين بكى طفل صغير، قام عمر إلى أمه، وقال لها: أرضعيه، فأرضعته، وبعد حين بكى، فقال أرضعيه، فأرضعته،ثم بكى، فذهب وقال لها: يا أَمَةَ السوء أرضعيه، قالت: ما شأنك بنا ! إنني أفطمه، قال: ولمَ , قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام ـ تعويض العائلي ـ يروى أن عمر بن الخطاب ضرب جبهته، وقال: ويحك يا ابن الخطاب، كم قتلت مِن أطفال المسلمين ؟‍ لأنه جعل التعويض العائلي عقب الفطام، لا عقب الولادة.
فكل أم تتمنى أن تأخذ التعويض العائلي فتحمل ابنها على الفطام قبل أوانه، فقال: ويحك يا ابن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ وصلى الفجر بأصحابه، ولم يعرف أصحابه ماذا قرأ من شدة بكائه ؟ كان يقول عقِب صلاته: يا رب هل قَبلتَ توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها، لقد فعَل هذا كلَّه لأنه مؤمن باليوم الآخر .

إذا آمنت باليوم الآخر تسخر جميع ماتملك في خدمة الخلق أما إذا لم تؤمن تسخر جهود الآخرين لخدمتك:

فأنت عليك أنْ تؤمن باليوم الآخر إيمانًا حقيقيًّا، وحينئذٍ ستنعكس موازينك 180 درجة، إذا آمنت باليوم الآخر ترى كل سعادتك بالعطاء لا بالأخذ، كي يرضى الله عنك، وكي ترقى في جنة عرضها السموات والأرض، تعد للمليار قبل أن تؤذي قطة.
إذا آمنت باليوم الآخر تبحث عن عمل صالح، تبحث عن حرفة تخدم فيها عباد الله، تبحث عن شيءٍ ترضي الله به، تبذل وقتك، مالك، جهدك، ساعات قيلولتك، ساعات راحتك، في سبيل الله، وتسخِّر فكرك، ولسانك، ويدك، ووقتك، وجهدك وعضلاتك في سبيل الله. أما إذا لم تؤمن فإنّك تستخدم جهود الآخرين، وتعيش على أنقاضهم، وتتمنى أن تعيش وحدك، وأن تأكل وحدك، وأن تستمتع وحدك.

آثار الإيمان باليوم الآخر:

إذا آمنت باليوم الآخر تتغير كل المفاهيم والمقاييس لديك:

إذا آمنت باليوم الآخر تبحث عن عمل صالح يرضي الله
إن آمنت باليوم الآخر يجب أن تنعكس مقاييسك، فتصبح سعادتك بالعطاء لا بالأخذ، أما معظم الناس اليوم فسعادته بالأخذ لا بالعطاء، وسعادته أن يعيش على أنقاض الناس، أن يعيش وحده، أن يأكل وحده ما لذَّ وطاب، أن يسكن وحده في بيت فخم، أن يركب أجمل مركبة أن يستمتع بأية امرأة، دون أن يعبأ بالناس، ولا بمصير الشباب، ولا بمصير الفقراء.
فلذلك إن آمنت باليوم الآخر تنقلب كلَّ المفاهيم، تستيقظ صباحاً تبحث عن عمل صالح يرضي الله، يا رب هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. لأن الإيمان باليوم الآخر جزء من عقيدة المسلم.

الاستعداد لذلك اليوم:-2

الأمر الثاني في موضوع الإيمان باليوم الآخر.إذا آمنت باليوم الآخر هيأت نفسك لهذا اليوم، لأنّك آمنت بالامتحان فتدرس له، لأنه عندك يقين قطعي أن هناك امتحانًا، وعقب هذا الامتحان يعز المرء أو يهان، وإذا نجحت نلتَ شهادة عليا، وعيِّنتَ في منصب رفيع، بدخل كبير، فتزوجت، فإذا بنيت الدخل، والرزق، والزواج، والجاهَ، وعلو الشأن على هذا النجاح، وأنت موقن أن هذا الامتحان وا قع لا محالة تدرس بلا كلَلٍ وملَلٍ.
لماذا يجب أن نؤمن باليوم الآخر ؟ مِن أجل أن نعمل لهذا اليوم.

الأمثلة المطروحة لتوضيح الفهم:

سألوا مرة طالبًا نال الدرجة الأولى في امتحان الشهادة الثانوية، سألوه في صحيفة يومية بمَ نلت هذا التفوق ؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تغادر مخيلتي، ولا ساعة في أثناء العام الدراسي.
انظر لأيِّ إنسان لماذا المؤمن متوازن؟ لأنه منذ أنْ آمن فهذه حرام يتجنبُها، هذه ترضي الله فيقبِل عليها، ينفق ماله عن طيبِ نفسه، يترك الحرام رغم إغرائه، يغضب لله عز وجل، فهو يهيئ نفسه للموت قبل ثلاثين سنة، إذا جاء ملك الموت فهو جاهز، مِن ثلاثين أو أربعين سنة. كل دقيقة يحاسِب نفسه فيها حسابًا دقيقًا، هذه لا ترضي الله، هذه ترضي الله، هذا العمل يحبه الله، وذاك لا يحبه، فهو منسجم مع اليوم الآخر من ثلاثين سنة.
تصور إنسانًا ـ وهذا مثل افتراضي ـ فقيرًا جداً، قيل له: اذهب إلى بلد غربي، واحصل على الدكتوراه، وسوف تعود إلى بلدك، وتستلم أعلى منصب في وزارة الصحة، يُقدَّم لك أجمل بيت في أرقى أحياء دمشق، وتقترن بأجمل زوجة، وتركب أجمل مركبة، ولك أكبر دخل ـ افتراض ـ وهذا الإنسان فقير، فماذا يفعل ؟ يذهب إلى بلد غربي، ويعمل في جلي الصحون في مطعم، ويعمل حارسًا ليليًا، ويدرس ويثابر، وهو يعلق أهمية على هذه الشهادة لا حدود لها، نال هذه الشهادة، وأخذ وثيقة عنها، وصدقها من الجامعة , وصدقها من الخارجية والسفارة، واشترى بطاقة طائرة، وذهب إلى المطار، وأخذ بطاقة صعود للطائرة، ووضع رجله في أول سلم الطائرة. هل تعتقدون أن في الأرض من هو أسعد منه ؟انتهى عهد الحراسة، والعمل في المطعم، والدراسة حتى الساعة الثانية ليلاً، ودخول الامتحان كله انتهى.
ولما وضع رجله على الطائرة كان أسعدَ إنسان، هذا مَثَلٌ تقريبي. المؤمن الصادق حينما يأتيه ملك الموت، ووصل إلى الدار الآخرة فهو أسعد إنسان على الإطلاق, لذلك قالوا: الموت تحفة المؤمن.ثلاثين سنة يغض بصره، ويضبط لسانه، وينفق ماله، ويخدم الناس، يرجو رحمة الله في هذا اليوم، ثم جاء هذا اليوم ونفسه مطمئنة.

3- إذا آمنت باليوم الآخر وعملت عملا صالحا حققت الهدف من وجودك:

أيها الأخوة , الإيمان باليوم الآخر يحملك على الاستعداد له، و أن يكون لك هدف في الحياة. فما دمت قد آمنت باليوم الآخر منذ أن تستيقظ، وحتى تنام، كان همك أن تعمل أعمالاً صالحة ترضي الله عز وجل , حققت الهدف من وجودك.
الإيمان باليوم الآخر مريح للقلب وللنفس، بينما حالات قهر تصيب من لم يؤمن بهذا اليوم. ليس بيده شيء، وهناك إنسانٌ أمْره بيده، وهو لا يحبه.إذا لم تؤمن باليوم الآخر تشعر بخلل كبير في الحياة، وتشعر بحقد شديد، وبضغط نفسي لا يُحتمَل. أنا مهمتي أن أرضي هذا الإله، وأن الأمر كله بيده.
فالعمل الصالح يعود عليك بالسعادة الأبدية, ويريحك راحة كبرى فالمؤمن متوازن، والعبرة بعد الموت.

الفرق بين المؤمن وغيره هو دخوله ضمن العناية الإلهية المتمثلة في الوعد الرباني الذي قدره في علم الغيب:

وذات مرة أحبَّ شخصٌ أنْ يداعبني مداعبة فكرية، هو غير ملتزم كثيراً، قال لي: تقول إنّ المؤمن سعيد، وأنا أقول: لا، هو مثل الناس لا ميزة له عنهم. إذا كان ثمة غلاء أسعار يكتوي بغلاء الأسعار مثلهم، إذا اشتدّ الحر ناله منه نصيب ما ينال غيرَه، فهذا الشخص لا يرى للمؤمن ولا ميزة.
غير أنّ الله ألهمني مثلاً فضربتُه له، قلت: لو افترضنا فقيرًا دخله أربعة آلاف، وعنده ثمانية أولاد، فهذا المبلغ مع هذه الأسرة لا يكفي، وبيته بالأجرة، وعليه دعوى إخلاء، وأولاده مرضى، ودخله لا يكاد يكفيه، وهموم بعضها فوق بعض، له عم يملك خمسمئة مليون، وليس له أولاد، وتوفي في حادث، هذه الخمسمئة مليون لمن ؟ لهذا الفقير . لكنه لن يقبض منها درهمًا واحدًا قبل سنتين بحسب الإجراءات المالية.
لماذا هو أسعدُ الناس ؟ ما قبض شيئًا، وما أكل لقمة زائدة على عادته، وما سكن بيتًا جديدًا، وما ارتدى ثيابًا جديدة ، لكنه دَخَلَ في الوعد.
قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

( سورة القصص الآية:61)

وكون الله سبحانه وعدك بالجنة، فوعدُ الله حق، قال تعالى:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ ﴾

( سورة النحل الآية:1)

أتى هو لم يأتِ بعد، والدليل " فلا تستعجلوه " لكن " أتى " لأن الله وعدك بالجنة.إذا كنت مؤمنًا صادقاً مستقيماً مخلصاً، يغلب على ظنك أنك من أهل الجنة. فهذا الوعد بالجنة يمتص كل همومِك الدنيوية مِن دون أن يترك همًّا، فأنت موعود بالجنة.

الإيمان باليوم الآخر يملأ قلبك طمأنينة، ويملأ قلبك سعادة، ويملأ قلبك توازناً، فلا تحقد، ولا تنافق، ولا تخاف، ولا تتألم، الأمر بيد الله، وإلى الله المصير، وإليه المنتهى.

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

( سورة النجم الآية:42)

وإن شاء الله تعالى في دروس قادمة نصل إلى الموضوعات الدقيقة عن اليوم الآخر، وكل منطلقي في هذه السلسلة من قول الله عز وجل :

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾

( سورة المؤمنون الآية:74)

ولن تستقيم على أمر الله إلا إذا آمنت باليوم الآخر إيمانًا يقينيًا.

﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾

(سورة البقرة الآية 1-3)

الحصاد الخيري الذي توصل إليه المسلمون:

هذه الأعمال العظيمة التي جاء بها المسلمون كانت بسبب الإيمان باليوم الآخر, والعلماء الكبارالذين بذلوا الغالي والرخيص,والنفس والنفيس في سبيل الله ,لأنهم آمنوا باليوم الآخر.
أما هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالله، ولا باليوم الآخر، فماذا قدموا من بطولات ؟ وماذا فعلوا ؟ كل أعمالهم لترفيه أنفسهم، كل ما فعلوه أنهم انغمسوا في الموبقات، واللذائذ الحسية، والمعاصي والآثام، كل أموالهم صرفوها على متعهم الخاصة.
وازن بين أصحاب رسول الله الذين نشروا الحق في الخافقين، وبين الذين عارضوا الحق، وعاشوا لذواتهم، تجد الفرق كبيرًا بين أن يعيش الناس لك، وبين أن تعيش للناس، أن تعيش للناس فأنت في أعلى عليين، أما أن يعيش الناس لك فالمشكلة كبيرة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع الموضوعات في دروس قادمة كي يترسخ هذا الإيمان.

التحصيل الحاصل من الإيمان باليوم الآخر هو اليقين وا لشعور بلذة الإيمان وحسن الصلة مع الله:

فأنت إذا آمنت تنفق مالك، تنفق وقتك , تنفق خبرتك، تنفق علمك، تنفق كل ما تملك، لعل الله يرضى، الإيمان باليوم الآخر يقين، وله حلاوة يعكسها قولُ الشاعر:

فليتك تحلو والحياة مريــــرة و ليتك ترضى والأنام غضـاب
وليت الذي بيني وبينك عامـــر و بيني وبين العالمين خــراب
إذا صح منك الوصل فالكل هيِّـن وكل الذي فوق التراب تــراب

أنت حينما تؤمن بالله , فخالق الكون معك.
إذا كنتَ في كل حال معي فعن حملِ زادي أنا في غنى

***

إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان الله عليك فمن معك
إذا وصلت إلى الله وصلت إلى كل شيء، وإذا فاتك الله عز وجل فاتك كل شيء. الإيمان باليوم الآخر مِن أجل أن تنقل اهتماماتك كلها إلى الدار الآخرة، تعيش، تدرس، تتاجر، تتزوج، تنجب، لأن هدفك الأول إرضاء الله عز وجل، كلها وسائل.
أما غير المؤمن باليوم الآخر هدفه الدنيا، هدفه المتعة الرخيصة، هدفه الانغماس في ملاذ الحياة الدنيا، وشتان بين المؤمن، وبين غير المؤمن، المؤمن مقدس لأنه يحمل هموم الناس، لأنه يسعى لرضوان الله عز وجل، وإنّ أعلى مقام يطمح إليه المؤمن أن يرضى الله عنه
إذا كنت مع إنسان عادي فابتسم لك، أو صافحك، وصوَّركما مصور معًا تزهو بهذه الصورة. فكيف إذا كنت قريباً من الله عز وجل ؟ يقول تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

( سورة مريم الآية: 96 )

هل من السهل أن تكون لك مودة مع خالق الكون ؟ الوسيلة بيدك، مودة الله في متناول يديك خالق الكون يرضى عنك.الخلق كلهم عباده أخدمهم, أصدق معهم، كن عفيفًا، كن أمينًا، انصحهم. قدِّم لهم خدمات يرضى الله عنك، فاللهُ وفيٌّ، واللهُ عز وجل شكور حليم، فإذا أنفقت كل وقتك في خدمة عباده، منحك الله عز وجل ثوابًا وعطاءً لا ينتهي عند الموت، بل يستمر إلى ما بعد الموت.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS