16674
الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 25 - 25 ) : معاملة المشركين ، سورة التوبة الآية 6)
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-07-27
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقًّاً و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الدعوة إلى الله فرضُ عين على كل مسلم :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع الدرس الخامس و العشرين من دروس: "آيات الأحكام"، و الآية اليوم من سورة التوبة، و هي قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة التوبة: 6]

 أول حقيقة هو أنه من مات و لم يحدِّث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من نفاق، و أعلى أنواع الجهاد: الجهاد الدعوي، وهذا متاح لكل مسلم في كل بلاد المسلمين، أعلى جهاد الجهاد الجهاد الدعوي، و هذا متاح لكل مسلم، و لا شكَّ أنكم تعلمون علم اليقين أن الدعوة إلى الله فرضُ عين، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 108 ]

 و لا شك أنكم تعلمون علم اليقين أن التواصي بالحق أحد أركان النجاة قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

خطورة الدعوة أنها ينبغي ألا تتَّجه لمن هو متمسِّك بالإسلام بل للطرف الآخر :

 الحقيقة الثانية؛ هؤلاء الأخوة المؤمنون في المساجد، هؤلاء طرف واحد، كلنا طرف واحد، بطولتنا أن تدخل من الطرف الآخر إلى حيِّز المؤمنين عناصر جديدة، لا أنسى مرة كنا في أحد المساجد في احتفال بعيد المولد، و قام أحد الخطباء و ألقى كلمة قيِّمة، ثم قام خطيب آخر وعقَّب على الأول فقال: كلُّنا طرف واحد، المهم الطرف الآخر، هؤلاء عباد لله شردوا أو غابت عنهم الحقائق، أو وصلهم الإسلامُ مشوَّها، مهمة المسلم أن يوضِّح الحقيقة، و أن يجليَ الأمر، و أن يصحِّح الغلط، فلذلك خطورة الدعوة أنها ينبغي ألا تتَّجه لمن هو متمسِّك بالإسلام، ينبغي أن تتَّجه للطرف الآخر، هؤلاء عباد لله، و الله عز وجل حريص على هدايتهم، فإذا خاطبتهم بالعقل وكنت صادقاً، وواضحاً، و معك الحجَّة القوية، ينضمون إليك، و تتوسع دائرة المسلمين، جاء إنسان من أمريكا عند الحج و حجَّ بيت الله الحرام، و في أيام منى ألقى محاضرة وصلني بعضُ فقراتها محاضرة رائعة، قال: نحن أقوى قوة في العالم، لكننا بشر، فإذا أقنعتمونا بإسلامكم كنا بجانبكم، و كانت قوتُنا لكم، هذا الطرف الآخر إنسان له عقل، و عنده عاطفة، و عنده فطرة، و عنده متطلَّبات، و عنده أساسيات، و عنده حاجات أساسية، فإذا وُفِّق المسلمُ لمخاطبته بمنطق سليم، و حجة قوية، و بدليل ناصع، و كان مخلصاً و كان موفَّقاً في عمله، هذا الإنسان أصبح مؤمناً، و أصبح منضمًّاً إلى صفوف المؤمنين.

الجهاد الدعوي أفضل أنواع الجهاد وهو متاح لكل المسلمين :

 لذلك درسنا اليوم هذه الآية، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾

[سورة التوبة: 6]

 الآن كيف يستجيرك؟ يطلب العلم، يريد أن يفهم عن الإسلام شيئاً، و يريد أن يفهم عن هذا الكتاب شيئاً، فكل إنسان يتجفجف و يتقلًّص و ينكمش، لا يحتمل أن يجلس مع إنسان شارد، مع إنسان من الطرف الآخر، هذا ليس فقيهاً في الدين، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾

[سورة التوبة: 6]

 هناك نقطة دقيقة جداً، لمكانة الدين الإسلامي من مكارم الأخلاق، و للإشارة إلى أنه ليس الغرضُ من فرض الجهاد سفكُ الدماء، إنما المهمُّ أن تأخذ بيد هؤلاء إلى الإيمان، هذا هو المطلوب، لذلك الجهاد الدعوي أفضل أنواع الجهاد وهو متاح لكل المسلمين، من يمنعك أن تفهم كلام الله؟ من يمنعك أن تحدَّث أخًا صديقاً زائراً زميلاً جاراً عن هذه الآية؟ من يمنعك أن تتخلَّق بأخلاق الإسلام؟ من يمنعك أن تكون مخلصاً للآخرين؟ شيء بيدك، فهذه الآية على خلاف ما يفهمها معظمُ الناس أن هذا مشرك، هذا إنسان، انتماؤه لإنسانيته أقوى من أيِّ انتماء، فأنت إذا أيقظت عقله و تلطفت معه و كنت ليِّناً معه جمعت الحسنيين، يقول الله عز وجل:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[سورة المائدة: 8]

العدل مع المؤمن و الكافر :

 من هم الطرف الآخر بالنسبة للمؤمنين؟ الكفار، المؤمن من الذي يبغض؟ الكافر على الرغم من هذا الشنآن - البغضاء - ينبغي ألا يحملكم بغضُكم للطرف الآخر ألا تكونوا عادلين معهم، قال تعالى:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[سورة المائدة: 8]

 إذا كنت مكلَّفاً أن تكون منصفاً مع مسلم، فأنت مكلَّف أن تكون منصفاً مع غير المسلم ألفَ مرة، لأنك إذا أخطأت مع مسلم عزا الخطأ إليك، أما إذا أخطأت مع كافر فيعزو الخطأ إلى دينك، لذلك أنت على ثغرة من ثُغر الإسلام فلا يُؤتين من قِبَلك.
 ورد أنه جاء رجل إلى سيدنا عليٍّ كرم الله وجهه، هذا الرجل من المشركين فأتى محمداً صلى الله عليه و سلم بعد انقضاء الأجل لسماع كلام الله، فسيدنا علي سأل النبيَ عليه الصلاة و السلام ماذا نفعل؟ قال: اقرأ قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾

[سورة التوبة: 6]

ما يستنبط من الآية السابقة :

 يُستنبط من هذه الآية أمور: أولاً: قد يكون هذا المستجير طالباً لسماع القرآن، هناك مسلمون لا يحبِّون أن تعطي مصحفاً لغير المسلمين، لعل هذا المستجير يطلب سماع القرآن، أو يطلب سماعَ أدلة على أحقِّية الإسلام، إما أن يطلب سماعَ القرآن، أو أن يطلب سماعَ أدلة على أحقية الإسلام، و أنا سمعت من شخص أثق بإيمانه أن عشرين ألف بريطاني أعلنوا إسلامهم بسبب قراءة كتاب سلمان رشدي، طبعاً لا لأنهم قرؤوا الكتاب، بسبب هذا الكتاب، لأنهم وجدوا في الكتاب تزويراً لا يُحتمَل، لا يُعقل أن يكون نبيُّ المسلمين بهذا المستوى، فبحثوا عن مصادر صحيحة لهذا الدين فلما قرؤوا أسلموا، و ذكرت لكم كثيراً أن الإنسان أحياناً بمناسبات عديدة يكون عقله منفتحاً، معه منطق، و معه حجة، و معه دليل، أخلاقه دمثة، هذا عنصر جذب، و مرة ثانية و ثالثة نحن جميعاً طرف واحد، بطولتنا أن نقنع الطرف الآخر، بلغني أن طالباً جامعياً متمسِّكاً بدينه، له أبٌ يؤمن بأنه لا إله- أي ملحد - والده أستاذ جامعي، و له زملاء على شاكلته، ففي مناسبة عيد المولد أقام هذا الابنُ حفلاً في البيت، و توسَّل إلى أبيه أن يحضر هذا الحفل هو و زملاؤه، الابن برجاءٍ حارٍّ و الأبُ استجاب لابنه و دعا زملاءه، و هذا الابن دعا عدداً من علماء دمشق الكبار، و كلَّفهم بإلقاء بعض الكلمات عن أحقِّية هذا الدين، و عن أحقية هذا القرآن، و الذي حصل أن عدداً من هؤلاء استجاب و انضمَّ إلى صف المؤمنين، طبعاً دعوة ذكية جدا، و لي قريب جاءه مولودٌ، و اقترحتُ عليه أن يقيم حفلاً، بدل أن يأتي هؤلاء ليهنِّئوه، و يقدموا الهدايا و أحاديث في شؤون تافهة، اقترحت عليه أن يقيم حفلاً بمناسبة عيد المولد، و أن يدعو من يثق بعلمه، و يلقي كلمة أقسم لي بالله، و أنا ألقيت هذه الكلمة أنه في الأسبوع القادم ثلاثة من الحاضرين جاؤوا من أقصى مكان في دمشق لحضور خطبة الجمعة في النابلسي.

الموقف العفيف والصدق و الأمانة دعوة صارخة و لو لم ينبت الإنسان ببنت شفة :

 درسنا اليوم هذه مهمته، عليك بالطرف الآخر، الطرف الآخر عبد لله، و اللهُ يحبهم و يحرص على إيمانهم، و على توبتهم، فكلما كنت ذكياً، و كلما كنت حصيفاً، و كلما كنت أخلاقياً، و كلما كنت واعياً، و كلما كنت واضحاً، كلما كانت حجَّتك أقوى استطعت أن تكسب الطرف الآخر.
 أنا أذكر أخًا من إخواننا قدَّم إجازة إلى المدير العام لستة أيام، قال له: لا يوجد مجال، عندنا ازدحام عمل، قال له: هذه استهلكتها، قال له: كيف تستهلكها؟ قال: استهلكتها في صلاة الظهر، يحضر كل يوم ربع ساعة صلاة و درس صغير، فجمَّعهم فكانوا ستة أيام، فقدم إجازة شُده هذا المدير، أقسم لي بالله - و أنا لا أعرفه - في الدرس القادم حضر درس الجمعة، لفت نظره هذا الموظَّف، الموظف ورِع، صلاة الظهر مع ربع ساعة للدرس جمَّعها فصاروا ستة أيام، قدَّم فيها إجازة فالاستقامة تلفت النظر، و ذكرت لكم سابقاً قول النبي عليه الصلاة و السلام:

(( استقيموا يُستقم بكم ))

[ الطبراني عن سمرة ]

 الموقف العفيف دعوة، و الموقف الأخلاقي دعوة، و الصدق دعوة، و الأمانة دعوة، هذه دعوة صارخة و لو لم تنبت ببنت شفة، قال تعالى:

﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾

[سورة التوبة: 6]

 بعض العلماء قال: حتى يسمع جميع كلام الله، و قيل: حتى يسمع بعض سور القرآن الكريم، إنسان سألك فصار لزاماً عليك أن تجيبه.

الطلاب الأجانب على الإنسان أن يؤمنهم و يحترمهم :

 حينما قال الله عز وجل:

﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾

[سورة التوبة: 6]

 يجب أن يكون مطمئناً مرتاحاً، هناك من يحاوره بهدوء من دون ضغط، هناك من يفهِّمه، و لو طال به الأمدُ، حتى يسمع كلام الله، هناك رأي حتى يسمع كلام الله كله، يأتي طلاّبٌ أجانب أحياناً يجلسون و يحضرون الدروس، شيء جيِّد جداً، يجب أن تعدَّهم ضيوفاً، أن تحترمهم، و أن تؤمِّنهم.

من دخل دار الإسلام لغرض شرعي وجب تأمينه :

 يُؤخذ من هذه الآية، هناك استنباط ثالث عند الفقهاء الحنفية أنه إذا دخل دارَ الإسلام رجلٌ مستجير لغرض شرعي، كسماع كلام الله، أو دخل بأمان التجارة وجب تأمينه، بحيث يكون محروساً من نفسه و ماله إلى أن يبلغ دارَه التي يأمن فيها، ممكن أن يمكث حتى يسمع كلام الله كله، و يمكن أن يطلب أدلةً على أحقية الدين، و يجب أن يكون آمناً في بلاد المسلمين، و لا يخفى عليكم أن هذه البلدة - و الحمد لله - يقصدها طلاب كثيرون من أنحاء العالم، لِما يرون من رعاية طلاب العلم رعاية فائقة، و الحمد لله.

تأمين الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدلُّ على صحة الإسلام :

 يؤخذ من هذه الآية التي أُدرجت في آيات الأحكام أنه يجوز تأمينُ الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدلُّ على صحة الإسلام، أحياناً الإنسان يكون في حرب مع المسلمين، يجوز أن يكون غيرَ مقتنع فينضمُّ إلى المسلمين، ليفهم الإسلام، حتى لو كان حربياً يجب أن تكون يقظاً معه، لكن لا بدَّ من أن تسمعه كلام الله و أن تؤمِّنه، الآن يُعبَّر عن هذا باللجوء السياسي، في العصر الحديث، و لكن هنا اللجوء ديني، سمعت طُرفة أنه لما قرَّروا إحراقَ البقر في بريطانيا، إحراق البقر المصاب بالجنون بسبب أنهم أطعموها طحين اللحم، طحين لحم الجيف، و طبعا لحم الميتة محرَّم، فلما أطعموه للبقر جُنَّ البقر، و كان هذا الجنون من جنون البشر، سمعت طرفة أنه في بلاد في شرق آسيا يعبدون البقر، أعطوا بقر بريطانيا حقَّ اللجوء الديني، لأنهم يعبدون البقر فلا بدَّ من أن يعطوهم حقَّ اللجوء الديني إلى بلاد الهند، لكن هذا الخطأ الكبير في إطعام البقر طحين اللحم سبَّب خسارة تقدر بثلاثة و ثلاثين مليار جنيه إسترليني، و لا بدَّ من إحراق ثلاثة عشر مليون بقرة، و أول إنتاج في بريطانيا إنتاج لحوم البقر، إذًا جوازُ تأمين الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدلُّ على صحة الإسلام، هذا استنباط أول.

تعليمُ كل من التمس أن نعلِّمه شيئاً من أمور الدين :

 الاستنباط الثاني؛ يجب تعليمُ كل من التمس منا أن نعلِّمه شيئاً من أمور الدين، إنسان طلب أن يتعلم، لذلك لا يمكن أن يؤخذ على التعليم الديني أجر، لأنه فريضة، إلى أي مكان تذهب لا بد لك من مبلغ يكون في جيبك، إلى طبيب، إلى محام، إلى مهندس، إلى خبير، إلى مستشار، لكنك تدخل إلى بيوت الله لتأخذ كل أنواع العلوم الدينية بلا مقابل، قال: و يجب على الإمام أن يحفظ هذا المستجير، و أن يمنع الناسَ من أن ينالوه بشيء من الأذى، لأن هذا هو المقصود.
 الآن ماذا يحصل؟ يحصل أن شاباً يذهب إلى بلد و يأتي بزوجة، هناك أهل يرفضون هذه المرأة الأجنبية رفضاً كلياً، و يسيئون معاملتها، هؤلاء ماذا يفعلون؟ هي امرأة ليست مسلمة، رأت من المسلمين قسوة و رفض، و في بعض الأحيان كانوا يضربونهم ضرباً مبرَّحاً لأنها ليست مسلمة، هذا جهل كبير، هذه التي أتت إلى بلاد المسلمين هي تمتحن هؤلاء المسلمين، تنظر ماذا يفعلون معها، فإذا وجدت منهم الرِّقة و العطف، و بالمناسبة سيدنا زيد بن حارثة كان عند النبي عليه الصلاة و السلام، فلما علم أبوه أنه عند النبي جاء و معه مالٌ كثير ، أبوه و عمه قالا للنبي الكريم: اطلُب ما تشاء فداءً لهذا الغلام، قال: أنا لا آخذ منكم شيئاً، خيِّروه، فلما سألوه قال: و اللهِ لا أرضى، أريد أن أبقى عند النبي- عند محمد- لم تكن قد جاءته البعثة بعد، فقالوا: ويحك يا زيد، أتؤثر هذا الرجل على أبيك و عمك و أمك؟ قال: لقد رأيت منه ما أنساني أبي و أمي، هكذا الإيمان، فإذا الإنسان مثلاً معه زوجة غير مسلمة، وجدت لطفاً و مودة و احتراماً، طبعاً تُسلم،الدخولُ في الإسلام ليس صعباً، و لكنه يحتاج إلى أدب، و إلى معاملة لطيفة، يقولون: إن أهل سمرقند بلغهم أن هناك خطأ في فتح بلادهم، فتح البلاد ينبغي أن يتدرج بالخطوات التالية:
 أولا: يُعرض عليهم الإسلام، فإن قبلوه فلا حرب، و إن لم يقبلوه تُعرض عليهم الجزية، فإن دفعوها فلا حرب، فإن أبوا أن يدفعوها يُحاربون، يبدو أن سمرقند فُتحت بغير هذا التدرج، حوربت مباشرة و فُتحت، ذهب وفد سرًّاً من أهالي سمرقند إلى مركز الخلافة في دمشق، لعند سيدنا عمر بن عبد العزيز، أعلموه بالأمر، فأرسل معهم قصاصة ورق إلى قائد الجيش هناك:" اخرُج من سمرقند، و اعرِض عليهم الإسلام، فإن أبوا فأعرض عليهم الجزية، فإن أبوا فحاربهم " قصاصة ورق، أيُعقل أن يخرج جيش من بلدة كبيرة بقصاصة ورق؟ الناس كانوا بين مصدِّق و مكذِّب فلما عرضوا على قائد الجيش هذا الكتاب أعطى الأوامر لينسحب، فلما رأوهم بهذه الأخلاق قالوا: ابقوا نحن راضون بكم، و أُلغي الموضوع، الإسلام فيه قواعد دقيقة صارمة.

أيّ إنسان من الطرف الآخر طلب أن يعرف عن الإسلام شيئاً فيجب أن تعرِّفه :

 قال: يجب على الإمام أن يبلِّغه مأمنه بعد قضاء حاجته، طبعاً هذه الآية لها نصٌّ و لها مفهوم، لها معنى دقيق، و لها معنى واسع، المعنى الواسع، أي إنسان من الطرف الآخر طلب أن يعرف عن الإسلام شيئاً يجب أن تعرِّفه، و أن تطمئنه، هناك أخ من يومين أرسل لي صفحة من قصة نادرة، شاب سوري ذهب إلى بريطانيا، استأجر غرفة في بيت، صاحبة هذا البيت يبدو أنها محافظة على دينها، قالت له: يا بني لا أسمح لك أن تشرب الخمرَ و لا أن تأتي بالفتيات لهذا البيت، قال لها: أنا هكذا بالأساس، هو شاب مسلم، فعاش عندها أربع سنوات رأت منه العجب باستقامته و عفَّته، وصدقه و أمانته، حتى أنها أرادت أن تزور أهله في الصيف، فجاءت إلى الشام في الصيف، و أُكرمت إكراماً شديداً، وعادت، فلما أنهى دراسته ذهب أخوه إلى بريطانيا فدلَّه على البيت، و لما علمت أنه أخوه رحَّبت به و سكن عندها أربع سنوات أخرى، و انتهت الدراسة، و عاد الشابان إلى دمشق، بعد سبع أو ثمان سنوات تأتي رسالة من السفارة البريطانية لهذا البيت، أن هناك أمراً هاماً فقابلونا، ذهبا إلى السفارة، فإذا بهذه المرأة قد وافتها المنيةُ، و قبل أن توافيها أوصت بكل ما تملك لهذين الشابين، و المبلغ ضخم جداً، هذان الشابان اشتريا مزرعة، أعتقد نحو صيدنايا السهل، مزرعة كبيرة، مزروعة بالزيتون و كتبا على مدخل هذه المزرعة: هذه المزرعة إنتاجها وقفٌ للمحسنة البريطانية فلانة، و يبدو أن السفارة علمت بذلك فجاء السفير بنفسه و زار هذه المزرعة، كذلك الطرف الثاني فيه وفاء، فهذه المزرعة كل إنتاجها يُنفق على روح هذه المحسنة، طبعاً القضية تحتاج إلى تفصيل و لأحكام شرعية لسنا في صددها الآن، و لكن يعنيني من هذه القصة أن شابين مسلمين لأنهما كانا مستقيمين عفيفين صادقين نشأ تعاون، و أوصت بكل ما تملك لهذين الشابين.
 أنا كنتُ في الحج مرة رأيت رجلاً هيئته تدل على أنه من أوروبا، سألت عنه فقالوا: إنه ألماني غربي، سبب إسلامه أنه سكن عنده طالب سوري، و عنده فتاة جميلة جداً، حاول صاحب هذا البيت والد هذه الفتاة جاهداً أن يرى هذا الشاب ينظر إلى ابنته، دون جدوى، كان يغضُ بصره، فجلس و حاوره حواراً طويلاً فأسلم على يديه، و صار مسلماً، الإنسان إذا استقام صار داعية، الدعوة سهلة جداً، كن صادقاً و كن أخلاقياً، عندك بيض؟ عندي، جديد؟ لا و الله ليس جديداً، جاري عنده جديد، من يفعل هذا الآن؟ كان السلف الصالح إذا باع استفتح وجاءه زبون يقول له: أنا استفتحت، زر جاري، اشتر من عند جاري أنا استفتحت.

كلمة حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ المقصود منها حتى يسمع تأويل القرآن وتفسيره وتوضيحه :

 أيها الأخوة؛ هذه الآية:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة التوبة: 6]

 هنا استنباط ثان، يا تُرى حتى يسمع كلام الله فقط؟ نسمعه الكلام فقط أم يحتاج هذا الكلام إلى شرح و إلى تبيين؟ و الحقيقة يمكن أن يسمع كلام الله بمسجِّلة و بشريط، من قارئ، و بصوت شجيٍّ، العبرة أن نشرح هذا الكلام، ففضلُ المفسِّر كبير جداً، أنت أمام آية قد تفهمها فهماً غير صحيح، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾

[سورة السجدة: 13]

 على ظاهر الآية المعنى منفِّرٌ، اللهُ عز وجل قادرٌ أن يهدي الناس جميعاً، و لكن لم يشأ ذلك

﴿ وَلَوْ شِئْنَا ﴾

 والمعنى الدقيق أننا لو شئنا أن نلغي اختياركم، و أن نجبركم على شيء ما لما أجبرناكم إلا على الهدى، أنتم مخيِّرون، تقتضي أمانةُ التكليف أن تكونوا مخيَّرين، معنى الجبر معنى نقيض، و معنى مزعِج، و معنى يشب اضطراباً في العقيدة، أما معنى التخيير فشيء آخر، قال تعالى:

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

[سورة الإنسان: 30]

 بالمعنى الظاهري غير العميق أن مشيئة الإنسان مربوطة بمشيئة الله عز وجل، فهذا الإنسان إن لم يشأ الله له الهدى لا يهتدي، هي على ظاهرها تحتاج إلى شرح، لولا أن شاء الله لكم لما شئتم، و مشيئتكم من فضل الله عز وجل، فالمعنى معنى شكر و ليس معنى جبر، قال تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 7-8 ]

 ليس معنى ألهمها أنه خلق فيها الفجور، لا، فطرها فطرة عالية بحيث إذا فجرت تعلم أنها فجرت، معنى رائع جداً، فأنت بحاجة إلى تأويل هذا الكتاب، و لماذا في الكتاب آيات تحتاج إلى تأويل؟ ليتلقَّى الناسُ العلم عن المعلِّمين، من لم يأخذ هذا العلم عن الرجال فهو ينتقل من محال إلى محال، و كلمة يسمع كلام الله المقصود حتى يسمع تأويله، و حتى يسمع تفسيره، و حتى يسمع توضيحه و تبيينه، فالبطولة في التفسير، و في التأويل و الشرح، و في التعليق.

من اعتمد على ما سوى الله فقد أشرك :

 هناك ملاحظة ثانية، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ﴾

[سورة التوبة: 6]

 ليس شرطاً أن يكون مشركاً بالمعنى الضيق للكلمة، أن يعبد بوذا مثلاً، لا، الشرط واسع جداً، و له معنى واسع جداً، إنسان معتمد على ماله ينبغي أن تبيِّن له أنه من اعتمد على ماله ضلّ، وإنسان معتمد على قوته يجب أن تبيِّن له أنه من اعتمد على قوته زلَّ، يجب أن تبين له أنه إذا اعتمدت على سوى الله فقد أشركت، حتى لو اعتمدت على ذاكرتك، قد تفقد الذاكرة، الذاكرة لا ضمان لها أبداً، الضمان حفظ الله لك، و الإنسان تحت ألطاف الله عز وجل، و لشدة تعقيد الإنسان، تعقيد خلقه بمعنى إعجاز الله في خلقه، الله عز وجل خلق خلقاً معجِزاً، جسم الإنسان فيه آيات باهرات، فهذا الخلق المعجز الذي خلقه الله عز وجل يحتاج إلى فهم دقيق، فالإنسان فيه عقل، و فيه فطرة، فالشرك أن تعتمد على ما سوى الله، فأنت بيِّن، و الدين كلُّه توحيد، و ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد و ليس شرطاً أن يكون غير مسلم، قد يكون مسلماً واقعاً في شرك خفي، اعتمد على ماله، إنسان قال مرة كلمة، قال: المال يحلُّ كل مشكلة، و الدراهم مراهم، الله بعث له مشكلة لا تُحل بالمال أبداً، فالإنسان تحت ألطاف الله عز وجل، و الإنسان شروط معقدة جداً تجعله سليماً، إذا اختلَّ شرط واحد، نسب دقيقة جداً، نسب في الدم، نسب في الهرمونات، نسب في الفيتامينات، إذا اختلَّت نسبة تصبح حياته جحيماً، فالإنسان أحيانا يشرك وهو لا يشعر، فلا بد أن تبيِّن له، و دائما الآيات لها معنى ضيِّق و لها معنى واسع، و أوضح مَثلٍ قولُه تعالى:

﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾

[سورة يوسف: 19]

 في قصة سيدنا يوسف، كل شيء يسير فهو سيارة، فالجمل سيارة، و الدابة سيارة، والقافلة سيارة، فالمعنى الضيق هذه المركبة المبنية على محرك انفجاري، وقود سائل، أما السيارة بالمعنى الواسع فهو كل شيء يسير، هذا معنى الشرك هنا قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ﴾

[سورة التوبة: 6]

 إنسان خائف من جهة قوية، أو معتمد على قوته، أو معتمد على ماله، معتمد على ما سوى الله عز وجل، هذا مشرك، يجب أن تبيِّن له، بهذا التوسيع للآية صار كلُّ إنسان عنده ضعف في الإيمان، و عنده إشراك بيِّن، أنت مكلَّف أن تصبر عليه، هناك كثير من الدعاة ضيِّقو الخلق فإذا سألته سؤالا: من خلق الله؟ يكفِّرك و يخرجك، هو سؤال طُرح عليك لا بد له من جواب، فكل إنسان يضيق ذرعاً بسؤال قد يجده محرِجاً، هذا ليس عالماً، لا بد من أن يتَّسع صدرُه لأيِّ سؤال.

كلمة التوحيد هي الأصل في القرآن الكريم :

 قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة التوبة: 6]

 الإنسان ليس عاراً ألا يعلم و لكن العار أن يبقى جاهلاً، ليس عاراً أن يجهل و لكن العار أن يبقى جاهلاً، و ليس العار أن يخطئ و لكن العار أن يبقى مخطئاً، و الإنسان يتنامى، و أما الشرك بالله عز وجل فهو على العلل، لو قرأت القرآن كله تجد كلمة التوحيد هي الأصل في القرآن الكريم، قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً :

 القرآن كله ملخَّصه، قال تعالى:

﴿ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

 و قال تعالى

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

 هذه فحوى دعوة الأنبياء جميعاً، لذلك الإيمان بالله فقط قد لا ينجي، إبليس قال:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[ سورة ص: 82 ]

 أما الإيمان فـهو لا إله إلا الله، و الدليل قال تعالى:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾

[سورة محمد: 19]

 ما قال: فقل، أما قول النبي عليه الصلاة و السلام في بعض الأحاديث:

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

 الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله ليس إيماناً منجِّياً، و لا قيمة له و لا يُعبأ به، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

إذا تفيد تحقُّق الوقوع بينما إنْ تفيد احتمال الوقوع :

 أما كلمة " إنْ " في قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾

[سورة التوبة: 6]

 إن تفيد احتمال الوقوع، أي هذا المشرك قد يأتي و قد لا يأتي، لو استخدمنا إذا، قال تعالى:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ*وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾

[سورة النصر: 1-3]

 إذا تفيد تحقُّق الوقوع، بينما إن تفيد احتمال الوقوع، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

[سورة الحجرات: 6]

 إن جاءكم: يأتيكم أو لا يأتيكم، قال تعالى:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾

[سورة النصر: 1]

 لا بد من أن يأتي نصر الله، لأن إذا تفيد تحقق الوقوع.

كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب :

 هنا قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾

[سورة التوبة: 6]

 أجره، أمر، و كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، هنا الاستجارة قد تكون علمية، هنا يسأل السائل، العالم أمانة علمه أن يبيِّن للناس، و لا يكتم علمه عن أحد، فكل إنسان طلب منك الإجابة عن سؤال يجب أن تجيب، و هذه أمانة العلم، و العالم الذي لا يجيب أو يترفَّع عن الإجابة خان أمانة العلم:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾

[سورة التوبة: 6]

 يسمعه مقروءاً قراءة صحيحة، و يسمعه مفسَّراً، أقوى من ذلك حين يراه مطبَّقاً.

أيُّ دعوة إلى الإسلام إن لم تكن مطبَّقة في المجتمع لا تنجح :

 الآن هناك مشكلة، الطرف الآخر لا يصدِّقون أيّ فكر ما لم يروا واقعاً يطبِّق هذا الفكر، إنسان مثلاً أتى بنظرية في البناء نادرة، بناء بلا حديد، كلام على ورق مكتوب، فلابد من أن يبني بناء وفق هذه النظرية، فإن نجح البناءُ نجحت النظرية، هذا كلام دقيق، أيُّ دعوة إلى الإسلام إن لم تكن مطبَّقة في المجتمع، و إن لم يقطف المجتمعُ ثمارها هذه الدعوة لا تنجح، لذلك الطرف الآخر عنده حجة قوية، أنه أروني مجتمعاً طُبِّق فيه الإسلام، و حُلَّت كلّ مشكلاته، بالعكس المجتمعات الإسلامية فيها مشكلات كثيرة جداً، بسبب وجود تخلُّفيْن في هذه المجتمعات، تخلف عن روح العصر، و تخلُّف عن قواعد الدين، تخلف ديني و حضاري بآنٍ واحد، فالأمور غير واضحة، متشابكة، فلذلك قال تعالى:

﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾

[سورة التوبة: 6]

 حتى يسمعه و يفهمه و يتدبَّره و حتى يراه مطبَّقاً، أحياناً موقف خطأ يلغي ألف محاضرة، و الدليل واضح، إنسان ألقى على ابنه عشرات المحاضرات في الصدق، لو طُرق الباب، و قال: بابا فلان، فقال له: قل له ليس هنا، هذه تهدم ألف محاضرة، ألف محاضرة تُهدَم بهذه الكلمة، الموقف العملي أبلغ من الموقف النظري، لذلك يتعلَّمون بعيونهم لا بآذانهم.

ملاحظة هامة :

 أخواننا الكرام؛ هناك مشكلة في هذا المسجد مشكلة الإذاعة، أخٌ كريم جزاه الله خيراً جاءني من طرف المسجد و قال لي: لم نسمع شيئاً و الأخوات المؤمنات في السُّدة لا يسمعن شيئاً، و مرة جلس إمام المسجد هنا و قال لي: لم أسمع شيئاً، و الأجهزة مكلفة تسعون ألف، و خطيب المسجد قال: هل تسمعون حتى ندفع الأموال؟ فقالوا: سمعنا، دفعوا المال، فالأجهزة غير صحيحة، فلا بدَّ أن ننتقل إلى جامع النابلسي لأسبوعين فقط، ريثما تتم إصلاحها، و كثير من الأخوة تركوا الدرس لأنه لا يسمع شيئاً، ما استفدنا شيئاً، و مبالغ مدفوعة كبيرة جداً على هذه الأجهزة، و غير صحيحة، غشٌّ حتى في المساجد، فإن شاء الله نحن نقيم الدرس القادم في النابلسي، أسبوعان فقط ريثما نعطي الأخوة الكرام فرصة لتصليح الأجهزة، و أنا سمعت الشكوى منذ شهر، الإمام جلس هنا و قال لي: لم أسمع شيئاً، و أخواننا هناك لم يسمعوا شيئاً، و فوق السدة لم يسمعوا شيئاً، غير معقول، الإنسان إذا لم يسمع لا يتمُّ الدرس، أنا ألاحظ انصرافاً عن الدرس، السبب هو الصوت و بذلنا محاولات، و ما نجحت الآن، إن شاء الله في هذين الأسبوعين تصلح.
إذًا درسنا القادم لأسبوعين فقط إن شاء الله، و سيكون هناك إعلان في جامع النابلسي، درس الاثنين في جامع النابلسي لمدة أسبوعين أو ثلاثة ريثما تُصلَّح الأجهزة هنا تصليحاً جيداً.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS