20104
الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 20 - 25 ) : الولاء والبراء ، سورة آل عمران : الآية 28
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-05-11
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الولاء والبراء أخطر شيء في حياة المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العشرين من دروس: " آيات الأحكام "، والآية اليوم قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة آل عمران: 28 ]

 أخطر شيء في حياة المؤمن ما يسمى بالولاء والبراء، فحينما يوالي الكافرين يجر إلى دينهم، أو إلى أخلاقهم، أو إلى تصوراتهم، أو إلى سلوكهم، فهذه آية خطيرة جداً، بعد الإيمان بالله لا بدّ أن تراجع كل العلاقات السابقة، كل العلاقات الاجتماعية يجب أن تدرس، وأن تصنف، وأن تراجع وفق مناهج الدين، لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، علاقات العمل لا شيء عليها، أي علاقة مع أي إنسان إن لم تؤذ أحداً ولم تدفع ثمن هذه العلاقة من دينك لا شيء عليها، أما أي علاقة يكون ثمنها على حساب دينك فهذه علاقة خطيرة.

على المؤمن ألا يوالي أعداء الله عز وجل :

 آية اليوم:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة آل عمران: 28 ]

 هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 26 ]

 بعد أن بين الله جلّ جلاله أنه واهب الملك ونازع الملك، المعز والمذل، القادر على كل شيء، بعد أن بيّن لك أنه وحده العزيز الحكيم، ولا منجى ولا ملجأ لك منه إلا إليه قدم لك هذا التوجيه وهذا الأمر:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة آل عمران: 28 ]

 نبه الله المؤمنين إلى أنه لا ينبغي لهم أن يوالوا أعداءه، كيف توالي عدو الله؟ كيف تميل معه؟ كيف تقف إلى جانبه؟ كيف تحبه وهو لا يحب الله؟ كيف تحترمه وهو يعصي الله؟ كيف تمنحه ودك وهو يجافي دين الله عز وجل؟
فقضية خطيرة جداً أن توالي أعداء الله، العلاقات علاقات العمل هذا موضوع آخر، أي إنسان كنت تحت إمرته تقوم بواجبك خير قيام وتحترمه بحكم منصبه، هذا شيء آخر، حديثنا ليس عن علاقات العمل التي لا تؤثر في دين الإنسان، حديثنا عن الولاء، عن الحب الداخلي، عن الولاء النفسي، عن العلاقات الحميمة التي تجعل من هذين الإنسانين يشتبكان نفسياً، يؤثر كل منهما بالآخر، فالعلاقات الحميمة علاقات خطيرة والآية عن هذه العلاقات.

من استعان بأعداء الله فقد نقص دينه :

 إذاً لا ينبغي للمؤمنين أن يوالوا أعداء الله، أو أن يستظهروا بهم، أن يستعينوا بهم، أن يتكلوا عليهم، أن يعتدّوا بهم، أن يفتخروا بهم، وهذا منزلق خطير للمؤمنين، قد يكون لمؤمن قريب من أهل الدنيا من الأقوياء، من الأغنياء، من المتفلتين، لمجرد أن تعتز به، وأن تتكئ عليه، وأن تجعله مع الاحتياطي الذي يدعمك في وقت الشدة فقد نقص إيمانك، وقد نقص دينك، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 28 ]

 لا تستظهر به، ولا تعتمد عليه، ولا تفخر به، ولا تركن إليه، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾

[سورة هود : 113]

أسباب نزول الآية التالية :

 لحكمة بالغة بالغة ولأسلوب تربوي رفيع ربنا جلّ جلاله حينما يرى مؤمناً يعتز بغير المؤمن، ويركن إليه، و يفتخر به، يخيب ظنه به، يلهم هذا القوي أن يتخلى عنه، أو أن يقف موقفاً منكراً منه تأديباً من الله له، ينبغي أن تكون الرغبة فيما عند الله تعالى وعند أوليائه دون أعدائه.
 قال بعض علماء التفسير: نزلت هذه الآية في قوم من المؤمنين يوالون رجالاً من أهل الكتاب، فقال لهم بعض أصحاب رسول الله: اجتنبوا هؤلاء واحذروا مصاحبتهم لئلا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا النصيحة فنزل قول الله تعالى:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 28 ]

 وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت فقد كان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي يوم الأحزاب قال له عبادة: يا رسول الله إن معي خمسمئة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله قوله:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 28 ]

 وللنبي عليه الصلاة والسلام مقولة شهيرة: "لا نستعين بمشرك على مشرك". والمسلمون ماداموا يعلقون الآمال على الكفار، ماداموا ينتظرون من الكفار أن ينصفوهم، ماداموا ينتظرون الفرج والمدد وتحريك الأمور من غير المسلمين فقد ضلّوا سواء السبيل.

لا يتخذ المؤمنون الكافرين هذه اللام الناهية أم النافية ؟

 الآن السؤال: لا يتخذ المؤمنون الكافرين هذه اللام الناهية أم النافية؟ هو ينهاهم أم ينفي عنهم؟ قال علماء التفسير: يصح الوجهان، يصح أن تكون الآية على النحو التالي إن الله ينهى المؤمنين عن أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وقد يقول قائل: وقد تصح نافية، أي شأن المؤمنين لا يتخذوا الكافرين أولياء، قال بعضهم هذه أبلغ كقوله تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾

[ سورة البقرة: 233]

 لم يقل يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكم، شأن الوالدة أن ترضع ابنها، قال تعالى

﴿ وَلَا يَزْنُونَ﴾

 نفى الله عن المؤمنين الزنى، هذا أبلغ من أن ينهاهم فيقول: لا تزنوا، هذا شأنهم، النهي فيه تصور المخالفة، لو أنك قلت لابنك: اشتر بهذه الدراهم لبناً وإياك أن تأخذ من هذا المبلغ شيئاً وكان خالي الذهن من أن يأخذ فلما نهيته أصبح في باله أن يأخذ، قال: النهي عن الشيء فيه تصور وقوعه، لذلك الآيات التي تخبر ولا تنهى أبلغ، أي ومن دخله كان آمناً، أي اجعلوه آمناً، الطيبون للطيبات أي ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، آيات كثيرة جاءت في أسلوب الخبر وهي في الحقيقة أسلوب الإنشاء، هي في الحقيقة أمر أو نهي، جاء على صيغة الخبر، قال: هذا أبلغ، يا بني إياك أن تأتي بعد الساعة التاسعة، لم يكن يخطر في باله أن يتأخر فلما جاء النهي تصور النهي، أما إذا قلت له: ليس عندي ولد يأتي بعد الساعة التاسعة إطلاقاً هذا خبر يفيد النهي لكن يمنع تصور العكس.
 لذلك قال بعض المفسرين: لا يتخذ المؤمنون هذه لا نافية، أي ليس من شأن المؤمنين أن يتخذوا أولياء لهم من دون المؤمنين.

أخوك الحقيقي هو المؤمن ولو كان أخاً نسبياً :

 أما الأولياء فهي جمع ولي، من هو الولي في اللغة وفي هذه الآية؟ الناصر والمعين، لا تستعن بمشرك، لا تأخذ برأي مشرك، لا تستنصح بمشرك، يعطيك الخلط والشرك وحب الدنيا والمعصية، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 إياك أن تطع من أغلفنا قلبه عن ذكرنا، لا تستنصر بهم أي المشركين، لا تستعن بهم، لا تركن إليهم، لا تعبأ بالقرابة التي بينك وبينهم، أخوك الحقيقي هو المؤمن ولو كان أخاً نسبياً.

﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾

[سورة المجادلة: 22]

 لا قرابة، ولا زمالة، ولا جوار، ولا معرفة سابقة مادام كافراً.. مادام منكراً منهج الله عز وجل، لا يعبأ بكل تعليمات الله عز وجل، هذا ينبغي أن تحدد علاقتك معه علاقة عمل، علاقة سلام، أما سهرات ونزهات وعلاقات وشراكات فهذه علاقات حميمة لا يتضرر منها إلا المؤمن، كأس ماء نظيف وكأس ماء قذر اخلطهما من الذي يتضرر؟ كأس الماء النظيف فقط أما الكأس الثاني فلا يتأذى.
 إنسان يرتدي ثوباً كله أقذار وشحم وزيت أسود، عانق إنساناً يرتدي ثوباً أبيضاً ناصعاً من الذي يتأذى؟ صاحب الثوب الأبيض أما الثاني فلا يتأثر، غير المؤمن مستعد أن يسمعك أقبح نكتة وأحقر نكتة، أنت تستحي وهو مرتاح، هو يريد أن يستفزك، تعليقاته لاذعة، ونظراته وقحة، ووصفه قذر، وعلاقاته مصلحية، فليس لك مصلحة أن تقيم علاقة ودّ بينك وبين كافر، فإن فعلت فهذه علامة خطيرة جداً، ومن يتولهم فإنه منهم، لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم، في آية: ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم، لذلك أخوك المؤمن أقرب إليك من أي إنسان كائناً من كان.

على المؤمن أن يعيش في مجتمع الطهر والعفة والصدق وعدم الاختلاط :

 قال: لأن العلاقة بين المؤمنين والكفار إذا استحكمت وتمتنت ربما استحسنت أعمالهم، عش مع أهل الدنيا شيئاً فشيئاً تقنع بأعمالهم: تقول: هم فرحون نحن متزمتون، شيئاً فشيئاً تستمرق معاصيهم وتقنع بانحرافهم، لأن الإنسان ابن بيئته، أخطر شيء البيئة فإذا اختار بيئة صالحة ارتقى بها، وإذا اختار بيئة سيئة هبط بها، لذلك الإنسان حينما يعيش كل يوم وراء أعمال فنية ساقطة فيها انحرافات لو أدمن عليها صار هذا العمل طبيعي عنده، إذا عاش يومياً يتابع المسلسلات، والخيانات، والعلاقات الآثمة كلها، والأساليب الملتوية، والذكاء موظف في الشر، والإنسان أناني مصلحته فوق كل شيء، وهذا البطل الذي يعطى كل أسباب الرفعة، يشرب الخمر، ولا يعبأ بحلال أو حرام، فالإنسان حينما يعيش هذه الأجواء كل يوم يرى أن هذه الأجواء طبيعية، أي كيف يمكن أن تقنع ابنتك بالدين وبالعفة وبالطهارة إذا مدمنة على مسلسلات ملخصها أن الفتاة تفعل ما تشاء وتلتقي مع من تشاء وتقيم علاقة مع من تشاء ولا يستطيع أبوها ولا أخوها أن يحاسبها؟ إذا كان هذا هو النموذج فكيف تطلب من ابنتك أن تكون منضبطة؟ أن تكون صاحبة حياء؟ أن تكون عفيفة؟ أن تكون وفية؟ فمشكلة كبيرة جداً، لا بدّ أن يعيش المؤمن مع المؤمنين، لا بدّ من أن يعيش قيمهم، لا بدّ من أنه يعيش سنة النبي عليه الصلاة والسلام، مجتمع الطهر والعفة والصدق وعدم الاختلاط، مجتمع تعظيم حرمات الله، إن عشت مع هذا المجتمع كنت منهم لأن المرء مع من أحب، وهؤلاء القوم لا يشقى بهم جليسهم، والصاحب ساحب.

إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق :

 أخواننا الكرام، هذا المعنى خطير، لذلك وردت فيه آيات كثيرة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾

[سورة آل عمران: 118]

 لا يكن لك إنسان قريب منك جداً غير مستقيم، هذا يثبط عزيمتك، يوغر صدرك، يقلل من أعمالك الصالحة، يغريك بالدنيا.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾

[سورة آل عمران: 118]

﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾

[سورة المجادلة: 22]

 مستحيل أن تمنحه ودك، هو يحارب الله ورسوله، يسفه دين الله، يزدري الأنبياء والمرسلين، وتقول: فلان لبق ناضج، فكره مفتوح، أخلاقي، تمدحه، إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، أما إذا واليته فلست مؤمناً، إذا مدحته أغضب الله عز وجل.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[سورة المائدة 51]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾

[سورة الممتحنة 1]

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[سورة التوبة 71]

﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾

[سورة التوبة 67]

على المؤمن ألا يتخذ الكافر ولياً:

 إلا أن الآية دقيقة جداً في الاستثناء الذي سيأتي بعد قليل قال تعالى:

﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾

[سورة آل عمران: 28]

 إلا أداة استثناء، والمعنى بالضبط: لا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا في حالة واحدة حينما تتقون منهم ما ينبغي أن يتقى، فلو أن هذا الطرف قوي، وجاحد، وتوعد بالقتل، أو بسلب المال كله، يتقي أن يهدر دمه رخيصاً، ويتقي أن يؤخذ ماله كله:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾

[سورة آل عمران: 28]

 أي لا تتخذوهم أولياء في أي حالة إلا في حالة واحدة حينما تتقوا منهم ما ينبغي أن يتقى كالقتل، وسلب المال كله، عندئذ أنتم معذورون، أحياناً تجامله لكي لا يظن أنك متديناً، تجامله لكي لا يأخذ عنك فكرة أنك محافظ مع التقاليد، أما حينما يصل الأمر إلى القتل، أو إلى أخذ المال كله، وفي أخذ المال كله، فهلاك الإنسان هذه حالة واحدة ونادرة فيها استثناء.
 أي إلا أن تتقوا شيئاً يتقى في الأصل، أخذ عنك فكرة سيئة وماذا يحصل؟ أخذ عنك فكرة أنك صاحب دين وماذا يحصل؟ أما إلا أن تتقوا منهم ما ينبغي أن يتقى من إيذاء لا يحتمل، أو قتل، أو سلب للمال، قال: كالقتل أو سلب المال كله.

الله سبحانه وتعالى يتولى بنفسه معالجة من يوالي الكفار و يمنحهم وده :

 أما هنا فالآية:

﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾

[سورة آل عمران: 28]

 أحياناً الله عز وجل يسوق لهذا الإنسان معالجة عن طريق أحد الأشخاص، وأحياناً يتولى الله سبحانه وتعالى بنفسه معالجة الإنسان، تأتي الأحداث من فعل الله مباشرة، قال: هذا الذنب أن توالي الكفار، وأن تمنحهم ودك، وأن تقيم معهم علاقات حميمة، وأن تثني عليهم، وأن تحبهم إذا أعطوك، أو منحوك، أو رفعوا قدرك، أن تصبح مدافعاً عنهم، أن تتعامى عن أخطائهم، أن تبرز محاسنهم، أن توقع الناس في حيرة، قال: هذه حالة تستوجب أن يعاقب الله صاحبه مباشرة.

موالاة الكفار من أسوأ الأعمال :

﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾

[سورة آل عمران: 28]

 قال: هذا تهديد عظيم مشعر بأن هذا العمل من أسوأ الأعمال، ومن أقبحها، ومن أبعدها عن روح الإيمان، أي يحذركم الله عقاباً يتولاه بنفسه لا عن طريق الإنسان، أي يحذركم الله عقاباً لا يرفعه عنكم أحد، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردّ له.

﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾

[سورة آل عمران: 28]

 ولم يقل وإليه المصير بل قال: وإلى الله المصير، وذكر لفظ الجلالة تعظيماً لله عز وجل، مصيرك إلى الله فكيف توالي أعداءه؟ مصيرك إلى الله فكيف تمحضهم ودك؟ كيف تعينهم على المؤمنين؟ أقول لكم هذه الكلمة: أي مؤمن يعين كافراً على مؤمن ليس فيه من الإيمان ولا ذرة.

﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾

[سورة آل عمران: 28]

 سيعاقبكم، وعنده نار إلى أبد الآبدين، فالإظهار إظهار لفظ الجلالة لزرع الروعة والمهابة في نفوس المؤمنين.
 طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام ردّ مشركاً ذات جرأة ونجدة أراد أن يحارب مع رسول الله يوم بدر، فقال: "ارجع فلن أستعين بمشرك".

من منع من ممارسة شعائر دينه لا بدّ له من أن يبحث عن مكان يعبد الله فيه :

 إلا أن المحافظة على النفس والعرض والمال مطلوب في الحالات النادرة جداً لك أن تتقي منهم ما ينبغي أن يتقى، إلا أن العلماء فصلوا قال: العداوة مردها إلى سببين اثنين: عداوة أساسها الاختلاف في الدين، وعداوة أساسها الأغراض الدنيوية الكمال والمتاع والإمارة، إذا كان الموضوع دنيوياً ففيه حكم، وإذا كان الموضوع دينياً ففيه حكم.
 إذا كان العدو يحارب دينك، ولم يسمح لك أن تؤدي فرائضك، ولا أن تحفظ نساءك، فلا بدّ من أن تهاجر، ومن لم يهاجر وقع في إثم كبير، إذا كان العداء دينياً، والعدو قوياً، ومنعك من أن تصلي، أو من أن تحجب امرأتك، أو من أن تقيم شعائر الله، فيجب أن تفر بدينك، ويجب أن تعبد الله في أرض وأنت مرتاح، الآية الكريمة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾

[سورة النساء: 97]

 شيء مخيف، إلا:

﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾

[سورة النساء: 98]

 إذا منعت أن تصلي، منعت أن تقوم بشعائر دينك، منعت أن تكون مستقلاً في بيتك، هذا حصل في إسبانيا، حصل في بعض البلاد قديماً، أي قد لا يستطيع مسلم أن يصلي، ولا أن يغلق بابه، إذا ضبط يغتسل يوم الجمعة يقتل، إذا ضبط في العيد يصنع حلويات يقتل، فحينما تمنع أن تمارس شعائر دينك لا بدّ أن تبحث عن مكان تعبد الله فيه، وإلا فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً.
الاستثناء النساء والأطفال هؤلاء لا يستطيعون الهجرة فهؤلاء معفو عنهم ولهم رخصة.

كل شيء له ثمن أما الدين فواقعي و لكل الناس :

 أخواننا الكرام، كل شيء له ثمن أما الدين فواقعي، الدين لكل الناس، وفيه حد أدنى وحد أعلى، إليكم هذه القصة: مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم نعم نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فتركه، طبعاً السيف فوق رأسه، وقال للثاني: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا، قال إني أصم ما سمعت قالها ثلاثاً فضرب عنقه، بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال: "أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلته فهنيئاً له، وأما الآخر الذي قال أشهد أنك رسول الله لمسيلمة فقد قبل رخصة الله فلا تبعة عليه".
 سيدنا عمار بن ياسر مجبر على أن يقول كلمة في حق النبي فقالها فنجا، فجاء إلى النبي خائفاً فقال له: كيف قلبك؟ قال، مطمئن، فقال: وإن عادوا فعد لا عليك.
 أما سيدنا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت في أهلك ومالك؟ قال: والله لا أحب أن أكون في أهلي ومالي وعافيتي عندي ويصاب رسول الله بشوكة فصلبوه.
 الإسلام فيه حد أدنى وحد أعلى، الأدنى معذور رخصة، انظر كلام النبي ما أجمله؛ أما الأول فمضى على صدقه ويقينه فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه، كلاهما ناج، لكن أحدهما بمكانة أعلى من الآخر، أما من كانت عداوته مع العدو القوي على مال، أو دنيا، أو أمارة، فاختلف العلماء في وجوب الهجرة فقال بعضهم تجب لقوله تعالى:

﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

[سورة البقرة 195]

 وبدليل النهي عن إضاعة المال: "من قتل دون ماله فهو شهيد"، وقال آخرون: "لا تجب لأنها مصلحة دنيوية، ولا يعود على من تركها نقصان في الدين"، أي أنت ساكن في بلد أخذ منك شيء لكن دينك لم يتأثر، مادام الدين سليماً ليس هناك مشكلة، سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبة قال: "الحمد لله ثلاثاً؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها".

مداراة الناس تكون بإظهار المحبة :

 الآن هناك نقطة دقيقة جداً ينبغي أن أقولها لكم وهي: مداراة الناس بإظهار المحبة والود والموافقة، و عدم ضرر الغير، و عدم مخالفة أصول الدين، هذه من الحكمة، لك جار غير مسلم، تلقي عليه تحية الصباح أو المساء، المسلم لطيف ودود مؤنس ليس فيه مشكلة أبداً مادام أنك لم تجامله، لكن المجاملة والمداراة إذا أدت إلى إيقاع الأذى بمسلم لا تجوز إطلاقاً، أما إذا ليس فيها أي مشكلة فليس منها مانع، وهذه ليست التي نهى الله عنها، الله نهى عن أن تؤذي المسلم، نهى أن تنجذب إلى الكفار، أن تسلك سلوكهم، أن تحبهم، فينقلك حبك لهم إلى معصية هذا الذي نهى الله عنه.
 ملخص الدرس لعبة شدّ الحبل، إذا أمكن أن تشدهم ليس هناك مانع، اجلس معهم، إذا أمكنك أن تشدهم إلى الله، أن تقنعهم بالدين، أن تحببهم بالإسلام اجلس، أما إذا خشيت أن يسحبوك إلى ما هم فيه، أن يسحبوك إلى سهرة مختلطة، إلى منكرات، أن يقنعوك أن هذا الإسلام لا يصلح لهذا الزمان، وليس معك حجة قوية، فإياك أن تجلس معهم.
 أما إذا كانت هذه المودة:

(( من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه : آيس من رحمة الله ))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

(( من أعان ظالماً سلطه الله عليه ))

[الديلمي في الفردوس بلا سند عن ابن مسعود]

 أول ضحايا من أعانه، فإذا أدت المودة إلى إيقاع الأذى بالناس لا يجوز، أدت إلى أن تنجر إليهم لا يجوز، أما لم توقع أذى بأحد، وأنت في حصن حصين، وأنت قوي، وأقوى منهم بحجتك، وبنائك النفسي، فليس هناك مانع، كن لطيفاً، أطلق وجهك تجاههم.

أخطر شيء علينا أن نقلد أهل الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام، هذه آية من أدق الآيات في حياة الناس، الولاء والبراء، يجب أن توالي المؤمنين وأن تتبرأ من الكفار و المنحرفين، من أجل أن يسلم دينك يجب أن تحيط نفسك ببيئة مسلمة، بيئة مؤمنة، لا بدّ لك من مرجع ديني، لا بدّ لك من منهل تستقي منه، لابدّ لك من مسجد تأوي إليه، لا بدّ لك من تغذية دورية في العلم والخلق، هذا الذي ينبغي أن نكون عليه، ولن نستطيع أن نتفلت من مغريات الحياة الدنيا إلا إذا عشنا في مجتمع نقي صاف، أي إنسان مسلم، وزوجته محجبة، وبيته إسلامي، يقوم بنزهة في مقهى، المقهى ليس لك، غناء، وطاولة، ونساء كاسيات عاريات، هذا المكان ليس لك، لا تختلط لأن لك مكانك الخاص، لك سهراتك الخاصة، لك حفلاتك الخاصة، لا يصح أن المؤمن ينشئ عرساً فيه غناء ورقص، نحن العرس الإسلامي له ترتيب آخر، فيه كلمة ومديح لرسول الله، لا تقلد الكفار وتنجذب إليهم فيسحبوك وبعد حين تقنع بما هم عليه، إذا قنعت بما هم عليه كما قال عليه الصلاة والسلام:

((...يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا قَلِيلٍ ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 أخطر شيء علينا أن نقلد أهل الدنيا، أن نكون معهم في حفلاتهم، في اختلاطهم، في متعهم، في مسلسلاتهم، هذه كلها قيم منحطة، أما أنت بما أنك مؤمن قيمك الصحابة، المرأة قدوتها وقيمها الصحابيات الجليلات، أنت قيمتك القرآن والسنة وتاريخ الصحابة الكرام، وليس الممثلين والممثلات، ليس هؤلاء الذين ينبغي أن تقتدي بهم، فلا بدّ أن تكون بعيداً عن كل بؤرة نتنة، عن كل بؤرة سيئة، هذا هو مضمون الآية:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة آل عمران: 28 ]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS