5216
محاضرات وندوات خارجية - لبنان - المحاضرة 31 : محاضرة في مدارس الإيمان في صيدا - إضاءة قرآنية للأحداث في ظل مولد الرسول عليه الصلاة والسلام .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-05-29
بسم الله الرحمن الرحيم

 عالم اجتمعت به خصال الأدب والمودة والمعرفة والتجدد، عالم شامي ومربي أجيال الدكتور محمد راتب النابلسي في مدارس الإيمان نترككم مع كلمته أهلاً وسهلاً به مجدداً.
 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
 أشكر لكم أيها الأخوة ترحيبكم وأشكر القائمين على هذه المؤسسة التعليمية العتيدة دعوتها الكريمة، وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم، وأبدأ كلمتي هذه بمقدمة دقيقة أرجو أن تكون واضحة لكم.
 أيها الأخوة الكرام:
 الأحداث التي وقعت رآها كل إنسان على وجه الأرض، ووصلت إلى علمه لكن البطولة ليس في أخذ العلم بما حدث، ولكن في تحللي ما حدث، وهناك تحليلات كثيرة الأصوب والأعقل أن نأخذ التحليل القرآني، لأن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

 هل نحن مستخلفون ؟ ولاسيما في هذه الظروف الصعبة:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 هل نحن ممكنون في الأرض:

﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 هل نحن آمنون ؟ أيها الأخوة الكرام:
 قبل أن أجيب عن هذه الأسئلة هناك مسلمات في الإيمان، من هذه المسلمات أن كل شيء وقع أراده الله، لأنه لا يقبل ولا يعقل أن يقع في ملك الله ما لا يريد، كل شيء وقع مع أنه مؤلم ألماً لا حدود له، كل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به، لحكمة قد تغيب عن أنظارنا، وكل شيء أراده الله وقع، سيان أن تقول كل شيء أراده الله وقع أو أن كل شيء وقع أراده الله.
 أيها الأخوة:
 إذا كان الذي وقع شراً لا يعني أن الله رضي به، ولا يعني أن الله أمر به لكنه سمح به، ويبقى العدل مطلقاً في الكون.
 أيها الأخوة:
 إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، فالذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله والذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً يوم القيامة.

﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)﴾

( سورة طه )

 وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، هذه من مسلمات الإيمان، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
 أيها الأخوة الكرام:
 هناك فرق بين القضاء والمقضي، إذا قضى الله أمراً أي سمح به وكان بخلاف منهجه عدواناً أو طغياناً لا بد من أن يقاوم، الذي أتمنى أن يكون واضحاً هو أن التوحيد هو ألزم ما يلزم المسلمين في هذه الأيام.

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

( سورة هود الآية: 123 )

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

( سورة الفتح الآية: 10 )

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾

( سورة الكهف )

 أيها الأخوة:
 ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، لا شك أن السلبيات من هذا الذي وقع لا تخفى عن أحد، السلبيات المؤلمة الساحقة لما وقع لا تخفى عن أحد، ولكن البطولة أن تكشف الإيجابيات في هذه السلبيات.
 أيها الأخوة:
 الغرب بقيم طرحها في العالم قيم السلام والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وغناه الذي لا حدود له وقوته خطفت أبصار أهل الأرض، فأصبح هذا القطب قبلة لأهل الأرض، ما الذي حدث بعد سقوط بغداد ؟ أن مجموع هذه القيم سقطت في الوحل، وهذا أكبر إنجاز تم لصالح المسلمين، كانت في الساحة قيم دينية وقيم غربية، والقيم الغربية يطرب لها عامة الناس، فإذا بهذه القيم سراب بسراب، وإذا بهذه القيم تسقط، وإذا بهذه القيم في الوحل، فالعقبة الكئود التي كانت في الطريق إلى الله ذهبت، يعني ساحة القيم لم يبقَ بها إلا قيم الإسلام، وساحة المبادئ لم يبقَ بها إلا مبادئ الدين، وهذا الشيء الإيجابي في ضمن الأحداث المؤلمة.
 أيها الأخوة:
 لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾

( سورة البقرة الآية: 256 )

 أي لن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت، وقد أعانون على أن نكفر بهم، كان من قبل قلة قليلة من كبار العلماء والمثقفين يعلمون حقيقة الغرب ولكن الخط العريض في المجتمع مغرر به، أما الآن بعد هذه الأحداث الأليمة أطفالنا وعوام المسلمين يمقتون الغرب أشد المقت، لا طريق إلى الله إذا كان للكافر شأن في نظر المسلم، لا طريق إلى الله إذا عظم المسلم كافراً معتدياً هذا أول إنجاز أيها الأخوة.
 الإنجاز الثاني في هذا الذي حدث مع أنه مؤلم ألماً لا حدود له أن المسلمين تقاربوا، وهذا لم نكن لنحلم به، هناك تقارب بين المسلمين، لأن خطراً واحداً يتهددهم لأنهم مستهدفون جميعاً، لان الطرف الآخر لا يفرق بين ملة وملة، وطائفةٍ وطائفة، واتجاهٍ واتجاه كلنا مستهدفون، فلعل هذه الأحداث الأليمة توقظ فينا توحدنا، توقظ فينا غيرتنا على ديننا هذا هو الشيء الإيجابي الثاني.
 والشيء الثالث أيها الأخوة: أن هذه الأحداث كشفت حقيقة كل شيء.

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

( سورة آل عمران الآية: 179 )

 الله عز وجل يقول:

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

( سورة السجدة )

 والشيء الرابع وهو مهم جداً، أنم هذه الفريضة التي عطلت مئة عام وزيادة وتعطيلها سبب تخلفنا، وسبب ضياع أرضنا، وسبب نهب ممتلكاتنا وثرواتنا، عادت هذه الفريضة المعطلة لتحتل مكانة في خططنا، وقد آمن بها المسلمون، بل أصبحت الطريقة الوحيدة لنصرهم ونيل أهدافهم.
 أيها الأخوة الكرام:
 ولكن من الخطأ الفاحش أن نتوهم أن الجهاد هو سلوك مرتجل لمواجهة خطر داهم، والخطأ الثاني أن الجهاد ليس يعني فقط جهاداً قتالياً، الجهاد عمل مستمر يومي، واعٍ ومخلص، ويبدأ المسلم بالجهاد الأساسي، جهاد النفس والهوى، فالمهزوم أمام نفسه لا يمكن أن يقاوم نملة، فضلاً عن عدو مدجج بالسلاح، فما لم ننتصر على أنفسنا حتى ننتصر لله عز وجل، حتى نستحق أن ينصرنا الله على أعدائنا فالطريق ليس سالكاً، كنت أدعو وأقول الله انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعداءنا، هذا الجهاد الأساسي سلوك يومي واعٍ ومخلص، إذا تحقق الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى ننتقل إلى الجهاد الدعوي، فالإنسان الشارد الغافل الذي لا يعلم من هو ولماذا خلق، وما سر وجوده وما غاية وجوده، وما المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه، وماذا ينتظره بعد الموت، الإنسان الغافل عن هذه الحقائق لا يستطيع أن يقاوم عدواً، إذاً نضيف إلى الجهاد الأول الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى الجهاد الدعوي بدليل أن الله عز وجل يقول:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) ﴾

( سورة الفرقان )

 أي وضحوا معاني القرآن الكريم، وضحوا سنة النبي الكريم، بينوا منهج الإسلام الأمثل، بينوا الطريق إلى الله هذا هو الجهاد الدعوي تغطيه الآية الكريمة.

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

 ثم يضاف إلى الجهاد الدعوي والذي قبله الجهاد الأكبر الجهاد الأكبر الجهاد البنائي، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 هذا أمر إلهي، وكل أمر إلهي يقتضي الوجوب، الإعداد من قوة، قوة جاءت نكرة، والتنكير هنا تنكير شمول ليشمل كل أنواع القوى، ومن التي سبقت قوة لاستغراق أفراد النوع، كل أنواع القوة، العَدد والعُدد، والتدريب، والإمداد، والتموين والإعلام، والمعلومات، كل أنواع القوى ينبغي أن يعدها المسلم، لكن رحمة الله به كلفته أن يعد المتاح من القوة وليس القوة المكافئة، لأن الله عز وجل يتكفل بترميم ما تبقى، شرطا النصر الذي يعد كل واحد منهما شرط لازماً غير كافٍ الإيمان الذي يحمل على طاعة الله والإعداد بالقوة المتاحة، بعدئذٍ يأتي نصر الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام:
 شيء آخر في الجهاد: إذا نجحنا في الجهاد الأساسي جهاد النفس والهوى ونجحنا في الجهاد الدعوي تعريف الإنسان بربه وبهويته، وبحقيقة الحياة الدنيا، وبحقيقة الآخرة، إذا أضفنا إلى الجهاد الدعوي الجهاد البنائي عندئذٍ يمكن أن ننجح بالجهاد القتالي.
 أيها الأخوة الكرام:
 عوداً على بدء:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

 لسنا مستخلفين، وهذه حقيقة مرة، وهي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، لسنا مستخلفين في الأرض، ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين، مع أن الآية تقول إن كنا كما يرد الله عز وجل فنحن مستخلفون، ونحن ممكنون، ونحن آمنون ومعلوم لديكم وهذا من بديهيات العقيدة أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، فإن لم تحقق:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ ﴾

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) ﴾

( سورة الصافات )

 لم تكن الغلبة.

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141) ﴾

( سورة النساء )

 لهم علينا ألف سبيلٍ وسبيل.

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة غافر الآية: 51 )

 لم يحصل هذا النصر في هذه الآونة الأخيرة، فما السبب ؟ ما هذا التناقض المريع بين وعود الله في القرآن وبين واقع المسلمين، أليس هذا سؤالاً كبيراً، أليس هذا سؤالاً مقلقاً، كيف نوفق بين هذه الوعود من قبل خالق الأكوان ؟ من قبل من بيده كل شيء من قبل من إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، وبين واقع المسلمين الذي لا يحتمل، بين واقع المسلمين الذي أصابهم بإحباط فتك بهم، كيف نفسر المفارقة الحادة، التناقض المريع بين الوعود القرآنية، وبين واقع المسلمين، نتلمس من كتاب الله الجواب، قال تعالى ودققوا في هذه الآية:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

( سورة مريم )

 وقد أجمعوا علماء الأمة على أن إضاعة الصلاة لا يعني تركها، ولكن يعني تفريغها من مضمونها.

(( ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولا يتغير حالها ))

[ أخرجه الديلمي عن حارثه بن وهب ]

 إذاً:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾

 أضاعوا الصلاة ؛ فرغوها من مضمونها، أصبحت شكلاً بلا مضمون، أصبحت حركات بلا خشوع، أصبحت شعيرة تؤدى بلا استقامة قبلها وبعدها، فرغت من مضمونها.

﴿ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾

 وقد قال الله عز وجل:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

( سورة الشعراء )

 ومن أدق تعريفات القلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله وسلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، وسلم من عبادة غير الله، وسلم من تحكيم غير شرع الله.
 أيها الأخوة الكرام:
 هذا سبب وجيه لتفسير التناقض المريع بين واقع المسلمين وبين وعود الله الكريم.
 استنباط آخر: حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

 أي دين وعد بتمكينه ؟ قال:

﴿ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 هذا الدين الذي وعد بتمكينه مقيد بصفة هي:

﴿ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 والاستنباط القطعي فإن لم يمكنهم معنى ذلك أن فهمهم لدينهم، وأن تطبيقهم له وأن عرضه للناس لم يرضي الله عز وجل إذاً فالله في حل من وعده.

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 أيها الأخوة الكرام:
 استنباط ثالث الله عز وجل يقول:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

( سورة إبراهيم )

 بإمكان أهل الأرض مجتمعين أن ينقلوا جبلاً من مكان إلى مكان، هذا كلام خالق الأكوان ,.

﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

 الآن دققوا في هذه الآية القصيرة، قال:

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

( سورة آل عمران )

 أسلحتهم الفتاكة قنابلهم الانشطارية العنقودية، القنابل الساحقة الماحقة، القنابل النيترونية، أسلحتهم، طائراتهم، بوارجهم.

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾

 ومرةً ثانية زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، الملمح الثالث في قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد الآية: 11 )

 ما دام المسلمون لا يفكرون بالتغيير فإن يغير الله بهم من سابع المستحيلات وهذه حقيقة مرة وهي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، إن لم نغير لا يغير، إن لم نراجع حساباتنا، إن لم نضبط بيتنا، إن لم نضبط أعمالنا، إن لم نضبط حجاب بناتنا، إن لم نضبط تربيتنا لأولادنا، إن لم نغير فالله لا يغير، ومعلوم لديكم أن مشروعات للتغير طرحت على الساحة الإسلامية في المئة عام الأخيرة، لم تنجح واحدة، لأنها غفلت عن كلمة في آية.

﴿ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 إن لم يبدأ التغيير من الداخل فالله عز وجل لا يغير.
 لذلك سيدنا عمر رضي الله عنه مر بأعرابي معه جمل أجرب، فقال يا أخا العرب ما تفعل بهذا الجمل ؟ قال أدعو الله أن يشفيه، فقال له: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً يعني الدعاء وحده لا يكفي، ما من مسجد في بلاد المسلمين إلا وقنت عشرين يوماً، والله لم يستجب، هذه حقيقة، إن لم نحكم توبتنا، وإخلاصنا، وإنابتنا، وإن لم نجاهد أنفسنا، وإن لم نجاهد جهاداً دعوياً، وإن لم نجاهد جهاداً بنائياً فإن النصر في الجهاد القتالي لا يكون متاحاً كأنها قوانين تحكم كل حرب بين فئتين.
 أيها الأخوة:
 بالمناسبة حرب بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، وبين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي، هناك نصر استحقاقي، وهناك نصر تفضلي وهناك نصر كوني، فالاستحقاقي كما انتصر المسلمون في بدر، والتفضلي كما انتصر الروم على الفرس بوعد الله عز وجل، وأما الكوني فالأقوى ينتصر، والذي يملك السلاح الأشد ينتصر.
 أيها الأخوة الكرام:
 إن لم نغير فالله سبحانه وتعالى لا يغير، هذه حقيقة دقيقة جداً، ولنبدأ بأنفسنا لم يبقَ في أيدينا شيء، أيضاً هذه حقيقة، بقي التوبة النصوح والدعاء اللحوح، بقي أولادنا الذين هم الورقة الرابحة الوحيدة في أيدينا، لم يبقَ في أيدي المسلمين إلا أولادهم، هم الورقة الرابحة بأيديهم، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( خير كسب الرجل ولده ))

 الجهاد البنائي لا نرى ثماره سريعاً، نرى ثماره على مدى عقود من الزمان ذلك أن دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان، علينا أن نبني لأجيالنا الصاعدة مستقبلاً ملئه الإيمان والانضباط والوعي.
 أيها الأخوة الكرام:
 ونحن في ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيب أن أقول كلمة هذه الكلمة أننا حينما نقرأ القرآن الكريم فيقول الله عز وجل:

﴿وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

( سورة الحشر الآية: 7 )

 عندنا قاعدة أصولية وهي ما لا يتم الفرض به فهو فرض، وما لا يتم الواجب به فهو واجب، وما لا تتم السنة به فهو سنة، طيب كيف نأخذ ما آتانا رسول الله، إن لم نعرف ماذا آتانا، إذاً معرفة سنة النبي القولية فرض عبن، ومعرفة سنة النبي العملية فرض عين لأن الله عز وجل يقول في الآية الأولى:

﴿ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

 وفي الآية الثانية:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 21 )

 كي نأخذ ما آتانا، وكي ننتهي عما عنه نهانا، وكي يكون أسوة حسنة، لا بد من معرفة أقوال النبي وأفعاله حتى نهتدي بها، وإن لم نفكر في ذلك فنحن قطعاً لا نحب الله بدليل قول الله عز وجل:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾

( سورة آل عمران )

 أيها الأخوة الكرام:
 يقول الله عز وجل:

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

( سورة هود الآية: 120 )


 إذا كان قلب سيد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه، فلأن ننتعش، ولئن ننطلق إلى طاعة الله يعد سماع قصة سيد الخلق وحبيب الحق من باب أولى إذاً بمناسبة عيد المولد، وذكرى المولد ينبغي أن نذكر أقواله وأفعاله وأخلاقه وشمائله فإن أطعناه فقد أطعنا الله عز وجل، لكن لو أن إنساناً مدح سيد الخلق مدحاً لا حدود له ولم يكن مطبقاً لسنته لا ينتفع أبداً، لئلا تذهب طاقاتنا هدراً، لئلا يضيع وقتنا، ينبغي أن نصحو هذا النبي الكريم معصوم، وسنته منهج، فإن أردنا أن نطبقها نسعد بها، وعظمة هذا الدين لو تنكر له أهل الأرض أجمعين، لو تنكر له أهل الأرض جميعاً يمكن أن تطبقه وحدك، ومن تلبيس إبليس على المؤمنين، دققوا في هذه الكلمة، من تلبيس إبليس على المؤمنين أن الشيء الذي نقدر عليه وبإمكاننا أن نفعله من دون حرج ومن دون مسائلة، ومن دون قلق لا نفعله والذي لا نستطيعه يدفعنا إليه، من منا لا يستطيع أن يكون صادقاً، أميناً، عفيفاً، يأمر أهله بالصلاة، يحجب بناته، يربي أولاده، يكون في عمله صادقاً مخلصاً، هذه أشياء بمتناول كل مسلم، فإبليس اللعين من تلبيسه على المسلمين يصرفهم عما هم عليه قادرون، ويدفعهم إلى ما لا يستطيعون، ففي النهاية لا الذي هم عليه قادرون فعلوه، ولا الذي لا يستطيعونه فعلوه، حكماً، إذاً في النهاية لن يفعلوا شيئاً، ماذا بقي الإسلام ظاهرة صوتية، فإذا قطعت الكهرباء انتهى الصوت، وانتهى كل شيء، فليكون الإسلام قوياً موجوداً في حياتنا ينبغي أن نبدأ من الفرد، يعني فكرة دقيقة جداً، إن لم تستطع أن تقنع أحداً بهذا الدين طبقه أنت وانتهى الأمر.
 أيها الأخوة الأحباب:
 أسلم في عهد عمر ملك من ملوك الغساسنة اسمه جبلة بن الأيهم، فجاء هذا الملك ورحب به عمر أشد الترحيب، وفي أثناء طوافه حول الكعبة داس بدوي من فزاره طرف رداءه، فانخلع رداءه من كتفه، فالتفت هذا الملك إلى هذا الأعرابي، فضربه ضربةً هشمت أنفه، فشكاه إلى عمر ـ أسوق هذه القصة من أجل أن نعرف كم هي عظيمة المبادئ عند خليفة المسلمين وكم هي عظيمة المصالح الآن، مجتمع الصحابة والتابعين وتابعي التابعين كان مجتمع مبادئ ومجتمع قيم، ومجتمعات اليوم مجتمعات مصالح، الإنسان يبيع دينه وأخرته بعرض من الدنيا قليل.
 فقال له عمر: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح.
 فقال جبلة وهو ملك: لست ممن ينكر شيا أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيديا
 فقال عمر لجبلة: أرضِ الفتى لابد من إرضاءه ما زال ظفرك عالق بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلت كفك.
 فقال جبلة: كيف ذاك يا أمير هو سوقة ـ من عامة الناس ـ وأنا عرش وتاج كيف ترضا أن يخر النجم أرضا.
 فقال عمر: نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديدا وتساوى الناس لدينا أحراراً وعبيدا.
 فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز أنا مرتد إذا أكرهتني.
 فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 تعليق على هذه القصة أن عمر ضحا بملك ولم يضحِ بمبدأ، بينما المسلمون اليوم يضحون بدينهم من أجل بقاءهم كما رأيتم في المسرحية، يضحون بدينهم، يضحون بأممهم من أجل مصالحهم.
 فيا أيها الأخوة الكرام:
 لا بد من صحوة، لابد من صحوة نراجع فيها كل حساباتنا، نراجع فيها كل أنماط سلوكنا، نراجع فيها كل أساليب تربية أولادنا، لا بد من صلح مع الله، لابد من تطبيق لشرعه، مظاهر الدين لا تكفي، مظاهر الدين رائعة لكنها لا تحقق نصراً، أما حينما نلتزم فالله عز وجل وعوده ثابتة، وأعود إلى أول آية تلوتها في هذه الكلمة.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي ﴾

 والعبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
 أشكر لكم دعوتكم الكريمة، وأشكر لكم اهتمامكم وإصغاءكم وأرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون عند حسن ظنكم.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS