34466
الفقه الاسلامي - العبادات التعاملية - الربا - الدرس 11-15 : الأموال التي يقع فيها الربا
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-09-21
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم:
نتابع الموضوع الذي بدأناه في الأسبوع الماضي حول بعض المعاملات الربوية وقد ذكرت شيئاً عن ربا النسيئة أو ربا الفضل أو ربـا البيوع وربا القروض، واليوم ننتقل إلى الأموال التي يقع بها الربا، أرجو من الله تعالى أن يوفقني إلى توضيح دقائق هذا الموضوع وأعينوني أنتم بمتابعتي كلمة بكلمة.
إن الربا بقسميه أيها الأخوة ربـا الديون وربا البيوع لا يقتصر وقوعه على معاملات الذهب والفضة والنقود كما يتوهم كثير من الناس، ربا النسيئة وربـا الفضل، ربا القروض وربا البيوع لا يقع في النقود: الذهب والفضة والنقد فقط بل يصل إلى مواد كثيرة، فالربا يجري في الذهب والفضة والنقود وفي غيرها أيضاً وقد بين عليه الصلاة والسلام عدداً من الأشياء التي يجري فيها الربا وهذه الأشياء اختارها النبي عليه الصلاة والسلام لأنها كانت شائعة في عصره.
والعلماء لهم مقولة رائعة وهي أن: التـحريم أو الإيجاب يجب في علتها لا في عينها، فلو أن النبــي عليه الصلاة والسلام قال: تجب الزكاة في القمح والشعير والزبيب والتمر، فصار هناك مائة محصول في أيامنا هذه تدر أرباحاً كبيرة جداً، فالعلماء وصلوا إلى هذه الحقيقة، تجب الزكاة في علة هذه الأصناف لا في عينها، يعني في الحمص، والعدس مثلاً، والرز فكل محصول يلتقي مع القمح والشعير والزبيب والتمر تجب فيه الزكاة فقد قال عليه الصلاة والسلام:

((عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ))

(أخرجه الستة)

البرُ هو القمح وهاء وهاء أي يقول: كل واحد من المتبايعين للآخر هاء فيعطيه ما في يده يداً بيد، يعني المقابضة في المجلس، يعني هات وهات المقابضة في مجلس واحد يداً بيد.
يعني خذ مني وأعطني، بعد قليل نكتشف معكم حكمة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموضوع الخطير الذي يعود نفعه على الأمة بأكملها.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى إِلا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ))

معنى ألوانه أي أجناسه كالحنطة بالشعير، الشعير جنس والحنطة جنس إذا اختلفت ألوانه أي اختلفت أجناسه يجوز زيادة أحدهما عن الآخر ولكن يجب التقابض بالحال.

((عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ))

(أخرجه مسلم)

نستنبط من هذه الأحاديـث: أنه لا يجوز مبادلة نوع بمثله كالذهب بالذهب والبر بالبرُ، و القمح بالقمح لماذا ؟
أنت تعطي تمراً لتأخذ تمراً، فالمعنى أن فيه مشكلة، لعلك أعطيت التمر الرديء واشتريت بما يساويه التمر الجيد، أو أخذت لا أقول اشتريت، أعطيت التمر الرديء وأخذت التمر الجيد، أو أعطيت التمر الجيد وأخذت مقابله تمراً رديئاً ضعفاً، تأتي إلى إنسان لا يعلم أنواع التمر فتعطيه تمراً رديئاً بتمرٍ جيد صار فيه أكل مال حرام، إذا كان الصنف واحد يجب أن تكون المبادلة سواء بسواء، كيلو بكيلو، مائة كيلو بمائة كيلو، لأنهم كانوا في الجاهلية يبيعون التمر الجيد بضعفين أو ثلاثة من التمر الرديء، يأخذ هذا الإنسان التمر الرديء ليعطيه تمراً جيداً مع من لا يعرف أنواع التمر، فمادام هناك تبادل من جنس واحد يجب أن تكون الكميتان متساويتين لئلا يقع التدليس والاستغلال، فتأكل حينئذٍ مال أخيك بغير حق.
أول حكم يستنبط من هذه الأحاديث: لا يجوز مبادلة نوع بمثله كالذهب بالذهب ولا البر بالبر إلا بشرطين:
1 ـ المساواة لقوله صلى الله عليه وسلم:

((مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ))

وهو تأكيدٌ لقوله: "مثلاً بمثل"، مما يوجب الاحتياط في ذلك، كذلك قوله:
لا تزيدوا بعضها على بعض.

((فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى إِلا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ ))

كل هذا من أجل ألا يقع الاستغلال بين الناس، من أجل ألا يأكل بعض الناس أموال بعضهم الآخر بالباطل، من أجل ألا يُستغل جهل الإنسان، أحياناً يُستغل جهل الإنسان، أحياناً يأكل ماله بالباطل، تأخذ بضاعته بأبخس الأثمان. فمن أجل لا يقع هذا فلا يجـوز مبادلـة صنف بصنف من نوع واحد إلا مثلاً بمثل ويداً بيد وسواء بسواء وقابضةً مع التساوي في مجلس واحد.
2 ـ الشرط الثاني التقابض فلا يجوز أن يكون أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً،
لقوله صلى الله عليه وسلم:

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا تَبِيعــُوا الذَّهـَبَ بِالذَّهـَبِ إِلا مِثْلا بِمِثْلٍ ولا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ولا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلا مِثلاً بِمِثْلٍ وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ولا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ))

وقوله صلى الله عليه وسلم:

((إِلا هَاءَ وَهَاءَ ))

يعني خذ وأعطني أو يداً بيد، المساواة والتقابض في مجلس واحد.
الآن لا عبرة باختلاف البدليـن جودة ورداءةً، هنا المشكلة، إن أردت أن تلغي النقود كوسيط لا يجوز إلا أن تعطــي كمية بكمية متساويتين، سواء بسواء ومثلاً بمثل، وأن يجري التقابض في مجلس واحد يداً بيد، هاء وهاء خذ وأعطني فلا عبرة لاختلاف البدين جودة ورداءةً.
ذهب بذهب عيار أربعة وعشــرين وثمانية عشر، مادام ذهب بذهب لا عبرة باختلاف هذه المتسميات وإن كان لها أصل في سباكة الذهب، طبعاً يوجد حل دقيق بعد قليل، فلا يجوز بيع مائة كيل قمح جيد، بمائة وخمسةٍ رديئةً، لو فتحنا هذا الباب يدخل التدليس، يُستغل جهل الإنسان يمكن أن نبيعه مداً جيداً ونأخذ منه أربعة أمداد رديئة هذه الأمداد نأخذها ونعطيها لإنسان جاهل مقابل أربعة أمداد جيدة، هذه الحيل وهذه الأساليب الرخيصة في ابتزاز أموال الناس وبخسهم أموالهم بغير حق، فالشارع الحكيم حرمها.

((عَنْ أَبِي سعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصــَاعٍ وَلا صـَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ وَلا دِرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ ))

كيف درهم بدرهمين ؟ كانت سباكة الدراهم كيفية كل درهم له وزن فيقول لك هذا الوزن ضعف هذا، مثلاً يمثلاً إذا اتحد الصنف يجب أن تكون الكميتان متساويتين سواء بسواء لكي لا يقـع الغبـن الفاحش ولئلا يقـع أكل أموال الناس بالباطل ولئلا يفضي هذا إلى منازعة شديدة، لا درهم بدرهمين لأن الدراهم كانت في أيامهم تتفاوت جودة ورداءة.

((عن سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ بِلالٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا قَالَ بلالٌ كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عِنْدَ ذَلِكَ أَوَّهْ أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا لا تَفْعَلْ وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ ))

وهذا مثل قريب من حياتنا: أحياناً يكون تفاح صغير الحجم لكنه طيب جداً وإلى جانبـه تفاح كبير مُغذّى بأسمدة كيميائية، الحجم كبير واللــون زاهٍ بلا طعم، إذا أعطاك شـخص كيلواً من الحجم الكبير وأخذ خمسة من الحجم الصغير ألا يكون غبنك، فمادامت المادة جنسها واحد فسواء بسواء وانتهى الأمر.
يوجد عندي تمر رديء وتمر جيد، يوجد عندي ذهب عيار ثمانية عشر وذهب عيار أربعة وعشرين، عندي قمح يصلح لعمل معين قاسٍ جداً أريد أن أبيعه بثمن عالٍ وأريد ان اشتري قمحاً للخبز، فماذا أفعل ؟

((فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عِنْدَ ذَلِكَ أَوَّهْ أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا لا تَفْعَلْ وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ ))

دخل وسيط وهو المال، بع الذي عندك وهو له سعر في السوق قد يكون سعر الكيلو فرضاً ستين والرديء أربعيـن، عندما أنت أعطيت مد واحد صاعاً واحداً وأخذت صاعين فقد صار الفرق بالمائة خمسين، لو عرضت على أحد التمر الجيد الذي سعره ستون و أخذت بدلـه الرديء بخمس وأربعيـن، فماذا فعلت ؟ أعطيته صاعاً واحداً جيداً وأخذت مقابله صاعين من الرديء فقد حصل غبن، الحل إذاً بع التمر الذي عندك نقداً واشترِ بمالك تمراً آخر.
بع الذهب الذي عندك واشترِ به ذهباً آخر. هذا هو الحل والمقايضة والمبادلة لا تجوز إلا بحالات دقيقة جداً إن كانت من جنس واحد سواء بسواء يداً بيد هاء بهاء.
3 ـ الحكم الثالث إذا بيع صنف بصنف آخر، ليس الصنفان من نوع واحد كالقمح بالشعير حل التفاضل، ممكن تفاح بعنب، قمح بشعير، رز ببرغل، حل التفاضل بأن يكون أحدهما أكثر من الآخر، فستق عبيد وفستق حلبي فرق كبير بينهما، لكن حرم النّساء أي التأجيل بل يجب أن يقبض كل فريق ما ابتاعه من الآخر في المجلس الواحد والأحاديث صريحة جداً في هذا كقوله صلى الله عليه وسلم:

((فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ))

إذاً في موضوع التبادل حين اتحاد الصنف يجب أن يتـم التقابض في المجلس وأن تكون الكميــات متساوية، لكن إذا اشترى سلعة من السلع المذكورة غير الذهب والفضة فاشتراها بذهب أو فضة أو نقود يحل التأجيل لما أخرجه البخاري ومسلم:

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ))

طبعاً هذا الحديث له تفسير دقيق، تفسير تشريعي، يجوز التعامل مع أهل الكتاب ولا سيما النصارى، فالنبــي عليه الصـلاة والسلام كان بإمكانه أن يأخذ هذا من أصحابه ولكنه مشرع وهذه النقطة يجب أن تكون واضحة في أذهانكم، فالإنسان أحياناً لنقص علم عنده يقول: كيف هاجر عمر متحدياً المشركين ؟ وقال: من أراد أن تثكله أمه أو ييتم ولده فليلحق بي إلى هذا الوادي، خرج سيدنا عمر رافع الرأس عزيزاً شاهراً سيفه وهاجر، بينما النبي عليه الصلاة والسلام تخفّى وذهب مع أبي بكر إلى غار ثور وهيأ من يمحو آثارهما ومن يأتيهما بالأخبار ومن يأتيهما بالزاد ومن يهيئ الناقة للرحيل واستأجرا خبيراً.
أيعقل أن يكون عمر أشجع من رسول الله، عمر بن الخطاب يهاجر أمام الناس في وضح النهار متحدياً المشركين والنبي عليه الصلاة والسلام يتسلل من بيته إلى غار ثور كيف ؟ الجواب: النبي مشرع، بينما سيدنا عمر غير مشرع، سيدنا عمر لا يمثل أحداً آخر بل يمثل ذاته فقط، فإذا نجح نجح وإذا لم ينجح لم ينجح، أما النبي فهو مشرع لكل المسلمين.
لو أن النبي عليه الصلاة والسلام هاجر كما فعل عمر لكان من السنة المغامرة والاقتحام ولصار أخذ الاحتياط حراماً ولَعُدَّ اقتحام الأخطار واجباً وهلكت أمته من بعده، هذه نقطة دقيقة جداً أرجو أن تكون واضحة عندكم فالنبي مشرع، صلى الظهر ركعتين، قال ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت، قال: كل هذا لم يكن، قال ذو اليدين: بعضـه قد كان، فلما سـأل أصحابه الكرام وتأكد أنه صلى ركعتين

((فقـال عليه الصلاة والسلام: إنما نسيت كي أسن لكم سجود السهو))

ولو أنه في كل حياته لم ينس ولا مرة، كيف يسن لنا سجود السهو، فالنبي مشرع.
في معركة بدر لحكمة بالغة بالغة بالغة ثلاث مرات أرادها الله عز وجل حجب عنه الموقـع المناسب، حجبــه عنه وحياً وإلهاماً، لا وحياً ولا إلهاماً لا بالوحي عرف الموقع المناسب ولا بإلهام، اجتهد واختار موقعاً، جاء صحابي جليل اسمه الحباب بن المنذر بأدب يأخذ الألباب، قال: يا رسول الله هذا الموقع وحي أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمكيدة قال: بل هو الرأي والمكيدة، قال: يا رسول الله هذا ليس بموقع قال: أين الموقع فدله على موقع آخر، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا هو الصواب، فأعطى أمراً فأقام المسلمون في هذا الموقع الجديد.
هذا الفعـل أراده الله سبحانه وتعـالى، ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام اختار الموقع المناسب أول مرة ما عرفنا موقف النبي حينما ينصح، كل الأحداث الذي وقعت للنبـي أحداث مقصـودة لذاتها وتتضح من خلالهـا حكمة بالغة، أليس من الممكن أن يكون بيت رسول الله منتظماً وهادئاً وساكناً إلى أقصى الحدود ممكن، لماذا السيدة عائشة حينما رأت طبـق طعام جاء من عنـد ضرتها صفية أمسكته وكسرته فماذا كان موقف النبي عليه الصلاة والسلام ؟ كان بإمكانه أن يفعل كل شيء ولكن قدر أنها قد أصيبت بالغيرة فقال:

((غضبت أمكم غضبت أمكم))

لولا هذه المشكلة التي ظهرت في بيت النبي ما ظهر موقف النبي الكامل، والنبي مشرع لنا، ولما قال ربنا عز وجل :

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)﴾

(سورة النساء )

قال العلماء: ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منها، والنبي وقف موقفاً كاملاً.
هذا العقد الذي في صدر السيدة عائشة لماذا انقطع ؟ لو لم ينقطع لما ذهبت لتبحث عنه وبقيت في موقعها ولركبت هودجها، لما كان شيء اسمه حديث الإفك ولما وقعت مشكلة، لو أن هذا العقد لم ينفرط لما كان هناك حديث إفك، لو أنها بحثت عنه قريباً من موقعها فدعاها الصحابة إلى ركوب الهودج لما كان حديث الإفك، لو أنهم عندما حملوا الهودج رأوه خفيفاً لما كان حديث الإفك، لو أن الهودج حمل ولم ينتبه الصحابة أنه خال من السيدة عائشة ولم يأت مسطح وراءها لما كان حديث الإفك أكثر من عشرين حالة، لو أنها كانت على غير ما كانت لماذا كان هذا الحديث ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

(سورة النور )

حديث الإفك وقع لحكمـة بالغة بالغة وكأن الله أراد أن يكـون، وكان بتقدير عزيز حكيم.
الحباب بن المنذر حينما صحح الموقع للنبي عليه الصلاة والسلام عرفنا من النبي خُلُق الإصغاء للنصيحة والرجوع إلى الحق.
سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حينمـا هاجـر إلى المدينة وأخذ بكل الأسباب علّمنا تشريعاً، فالنبي مشرع لذلك الذي يفعله يجب أن يؤخذ على أنه حدث تشريع لا على أنه صدفةً، وبعد، فالذي تحدثنا عنه هو الذهب والفضة والقمح والشعير والملح.
4 ـ الحكم الرابع، لا تختص هذه الأحكام الذي أخذناها بهذه الأصناف الستة التي ذكرت في الأحاديث بل اجتهد الأئمة الأربعة وغيرهم أن أحكام الربا تجري فيها وفي غيرها وإن اختلفوا في غيرها، فعند الإمام الشافعي كل المطعومات حتى التفاح تجري فيها أحكام الربا، يعني رز برز وهناك رز ثمنه أربعة أضعاف ثمن غيره.
وعند المالكية تشمل هذه الأحكام كل مطعوم يكال ويقتات به ويدخر كالذرة والأرز.
أيها الأخوة الكرام:
الحكمة من تحريم ربا البيوع التي أشرنا إليها في الدرس الماضي هي سد ذريعة الربا، وإحكام الغلق أمام كل حيلة قد تسلك للتوصل إلى الربا، يعني أن الربا محرم بشكل واضح وجلي، لكن إذا باع إنسان قطعة أمامه أو أي شيء باعه ديناً بسعر ثم اشتراه نقداً بسعر آخر مثلاً لو باع إنسان سجادة ديناً بألف واشتراها نقداً بثمان مائة، يظن بعضهم أنه: ما فعل شيئاً محرماً باع واشترى، لكن هذا البيع والشراء هو بيع العينة وهو وسيلة إلى الربا، فالشارع الحكيم حينما يحرم شيئاً يسد كل المسارب إليه وهذا ما يسميه الفقهاء بسد الذرائع.
الزنا حرام والشرع الحكيم سد كل مسارب الزنا، سد النظر إلى المرأة الأجنبية وسد الخلوة و صحبة الأراذل وسد النظر إلى ما لا يُرضي الله عز وجل وسد كل طريق يوصل إلى الزنا، فلذلك عندما يحرم الشارع الحكيم شيئاً يسد المسارب عليه تطبيقاً لقاعدة سد الزرائع وهي مما امتازت به هذه الشريعة السمحة، لذلك تحريم ربا الفضل يشتمل على الحكم السابقة لتحريم الربا إضافة لأمور أخرى منها:
عندما يصبح كل شيء بغير سعره الحقيقي يختلط الحابل بالنابل، وكل شيء إذا دفعنا ثمنه مؤجلاً بسعر أعلى اختفى السعر الحقيقي للسلعة، إذا عم هذا النوع من البيوع اختفى سعر السلعة الحقيقي والإنسان أحياناً عنده مال، هذا المال قد يستطيع أن يستفيد منه استفادة كاملة لو اشترى به الحاجات نقداً أما حينما يشتريها نسيئة مؤجلة قد يذهب معظم دخله أو يذهب جزء كبير منه هدراً فالربا ذهب بمالهم دون أن يستفيدوا منه الاستفادة الكاملة، لأنهم يجهلون القيم الحقيقية للسلع أو يتجاهلونها شاءوا أم أبوا، و فيما يروي التاريخ، فقد كان اليهود يستغلون جهل الناس أبشع استغلال فقد يبيعون الأشياء الجيدة بأضعاف مضاعفة من الأشياء الرديئة ثم يأتون إلى هؤلاء الذين يجهلون قيم هذه الأشياء فيبيعونها بأسعار باهظة فهم يشترون ويبيعون من أجل أن يأكلوا أموال الناس بالباطل.
وعندنا حالات نادرة: إذا باع شخص شيئاً بجنسه مؤجلاً فهو بمثابة دين للمشتري، يعني باع قمحاً على أن يدفع ثمن القمح قمحاً بعد حين، اشترى قمحاً على أن يدفع ثمن القمح قمحاً بعد حين، هذا صار دين فقط وتجري عليه كل أحكام الدين بشرط ألا يشترط عليه أن يرد هذا القمح من نوع أجود، إذاً يقع ربا أو اشترط عليه أن يرده في وقت يغلو فيه السعر فكذلك صار ربا.
الحكم الثاني: إذا بيع جنسٌ بآخر نساءً أي مؤجل فإنه قد يلحق أحد الطرفين غبن كبير نتيجةً للتقلبات المفاجئة للأسعـار في هذه السلـع، يعني إذا الإنسان باع جنساً بآخر مساءً ما الذي يحدث أحياناً، الإنسان قد يشتري بضاعة بعملة أجنبية مساءً، وبعض التجار أفلسوا لأنهم اشتروا بضاعة بعملة أجنبية وارتفع سعرها فجأةً إلى ضعفين أو ثلاثة، فهو قد باع هذه البضاعة على أن ثمنَ هذه العملة سبعٌ وعشرون فصار ثمن هذه العملة خمسين مثلاً ففلّس، فهذه حكمة الشارع الحكيم أنه لا يجوز أن يكون البيع مساءً أو الدفع مساءً.
القصد من منع التفرق قبل التقابض و إنجاز التقابض في وقت واحد هو إنجاز هذه العملية بالسرعة التي تؤمن للطرفين مغبة تقلبات الأسعار،و في حالات كثيرة جداً تأخير الدفع سبب الإفلاس.
وللعلماء اجتهاد في حقيقة النقد، النقد له وظيفتان رئيسيتان ووظيفتان ثانويتان.
1 ـ الوظيفة الأولى الرئيسية أو الرئيسة هو وسيط للمبادلة، ونحن قبل قليل تحدثنا عن ربا الفضل وربا النسيئة، ربا الفضل ربا في مبادلة، إذا دخل المال بينهما وسيطاً فلا يوجد مشكلة، بعت هذا التمر بثمن واشتريت ذاك التمر بثمن، فالمال وسيط للمبادلة، أما الآن فالناس عادوا للمبادلة ترى الآن الصحف فيها إعلانات كلها مقايضة بيع بيت بأرض وأرض بمحل، سوف نرجع إلى ما كنا عليه قبل وجود النقد لقلة النقد بين أيدي الناس.
2 ـ النقد له وظيفة ثانية هي مقياس للقيمة، تقول سعر هذا القمح مائة ليرة فهذا قمح قاسٍ يصـلح للصناعـة، سعر هذا القمـح ستـون ليرة يصلح للخبز، للاستعمال اليومي، المال صار أحد وسائل التقييم، هذا البيت قِبليّ ثمنه ثلاثة ملايين وثمن الشمالي مليونين، صار المال أحد وسائل التقييم وأحد وسائل المبادلة أولاً، والتقييم ثانياً.
3 ـ المال مستودع للقيمة والجهد، شخص واحد اشتغل فاعلاً فأخذ مساءً ثلاث مائة ليرة هذه الثمن مائة جهد إنسان لمدة ثماني ساعات، طبيب في مستشفى أخذ في الشهر عشرة آلاف، هذه العشر آلاف جهد إنسان داوم كل يوم ثماني ساعات لست وعشرين يوماً، فـصار المال له وظيفـة ثانويـة لعـلاج المرضى مستودع للقيمة والجهد، الوقت له قيمة ترجم إلى مال والعلم له قيمة ترجم إلى مال، الجهد العضلي له قيمة ترجم إلى مال.
للإمام الغزالي لفتة لطيفة جداً قال: الأطعمـة خلقت ليتغذى بها فلا ينبغي أن تصرف عن جهتها فإن فُتح بابُ المعاملة فيها يجب تقييدها بالأيدي ويؤخر عنها الأكل الذي أريدت له، فما خلق الله الطعام إلا ليأكل والحاجة للأطعمة شديدة فينبغي أن تخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج، هذا يسمونه المضاربة، أنا أشتري بيتاً ليس في حاجة إليه أنا لا أبتغـي السكن أبتغي التجارة واشتراه إنسان وباعه واشتراه إنسان آخر وباعه، فهذا الأمر كان قبل خمس سنوات أو عشر سنوات فكل إنسان باعه بأغلى من سابقه فالبيت بيع عشر مرات كان بمائة ألف صار بخمس مائة ألف جاء الساكن الحقيقي صار السعر فوق طاقته، هؤلاء الذين ربحوا ماذا قدموا للأمة ؟ ما قدموا شيئاً. بيت على العظم بيع عشر مرات أرض بور لم تزرع بيعت عشر مرات، هذه التجارة الجوفاء هذه التجارة الإسفنجية، هذه التجارة التي تقوم على المضاربة ولا تبني اقتصاد أمة، لكي لا يقع هذا في الشرع نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أشياء كثيرة تفضي إلى هذه المضاربة، يعني لا ينبغي أن يخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج هناك بين الناس مستغنٍ وبينهم محتاج، يعني ينبغي أن يشتري البيت الذي يسكنه وينبغي أن يشتري المركبة الذي يركبها وينبغي أن يشتري الأرض الذي يزرعها، ألغينا المضاربة وألغينا التضخم النقدي وألغينا التجارة الإسفنجية وألغينا كل شيء يوهم أننا في بحبوحة ونحـن في الحقيقة نعاني ضوائق لا ضائقة واحدة.
إنسان مثلاً عنده تمر يبيعه ليشتري سمناً فهذا معقول، أما أن يبيع التمر بتمر معنى هذا أنه وقعت مشكلة، يريد أن يخدع الناس بأن يبيعهم تمراً رديئاً ليأخذ مكانه تمراً جيداً يستغل جهلهم لذلك حرم الشارع الحكيم ربا الفضل، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأحكام التشريعية قيد نطاق البيع بالمقايضة لأن البيع بالمقايضة كثيراً ما يدخل فيه الغبن الفاحش وكثيراً ما يقع به الضرر، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمرك أن تبيع تمرك بأي ثمن تشاء وأن تشتري بالذي معك من المال أي تمر تشاء، وبهذا نكون خرجنا من موضوع ربا الفضل بهذه الطريقة، وإن شاء الله تعالى بقي في هذا البحث موضوعان آخران، الموضوع الأول: هل يمكن أن يكون هناك مصرف إسلامي ؟ هذا سؤال كبير يمكن تحقيقه بكل بساطة ولكن الأمر منوط بإرادة الإنسان بأن يطيع الله عز وجل في كل تصرفاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS