29754
التربية الإسلامية – موضوعات مختلفة في التربية - دروس حوارية - الدرس (27-28) : الإخلاص ، قيمة العلم والعمل بالإخلاص
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-11-18
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

الخطاب القرآني للناس :

1 – خطاب العامة بأصول الدين :

 أيها الإخوة الكرام ، أحياناً تتجه الدروس إلى عامة الناس ، ومن أساليب القرآن الكريم أن الله حينما يخاطب الناس عامة يخاطبهم بأصول الدين ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾

[ سورة البقرة : 21]

2 – خطاب الخاصة من المؤمنين بفروع الدين :

 أما إذا خاطب الخاصة منهم ، أما إذا خاطب المؤمنين يخاطبهم بفروع الدين ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾

[ سورة المائدة : 1]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾

[ سورة آل عمران : 102]

ضرورة تخصيص الدروس لطلاب العلم :

1 ـ خطورة الإخلاص :

 لكن أجد أحياناً ضرورة قصوى إلى توجيه الدرس إلى طلاب العلم ، إلى رواد المساجد ، إلى المؤمنين ، إلى السالكين إلى الله ، السبب أنه في باب الإخلاص قد تعمل عملاً كثيراً ، وقد يتسرب الرياء إليك ، فقد تكون كنت في خندق النفاق وأنت لا تشعر ، لذلك أحد التابعين التقى بأربعين صحابياً فقال : " ما منهم واحداً إلا ويظن نفسه منافقاً من شدة خوفه من الله " .

2 ـ أهمية بيان النفاق :

وأقول لكم أيها الإخوة ، إن المنافق يعيش في حال واحد أربعين عاماً ، بينما المؤمن يتقلب في اليوم الواحد في أربعين حالاً من شدة خوفه وحرصه .
 اخترت لكم في هذا اللقاء ، وفي هذا الدرس المبارك إن شاء الله موضوع الإخلاص ، لأن قيمة العمل بالإخلاص فقط ، والله عز وجل أغنى الأغنياء عن الشرك ، أنا حينما أتحدث عن الشرك لا أقصد الشرك الجلي ، الشرك الجلي والفضل لله عز وجل غير موجود إطلاقاً في العالم الإسلامي ، نحن ما عندنا آلهة ، وما عندنا أصنام كبوذا نعبدها من دون الله ، نعبد إلهاً واحداً ، لكن الخطورة ليست في الشرك الجلي ، بل هي في الشرك الخفي ، الإنسان أحياناً يتقن صلاته أمام الإخوة الكرام ، ولا يتقنها في بيته ، دخلنا في باب من أبواب الرياء والنفاق ، أحياناً إذا مدح يعمل عملاً صالحاً ، فإن لم يمدح لم يعمل شيئاً ، فيربط عمله بثناء الناس عليه ، فقد وقع حينئذ في الشرك ، وأشرك نفسه مع الله ، فلذلك أيها الإخوة ما من كتاب في الفقه أو في الحديث ومعظم الكتب الدينية تبدأ باب الإخلاص ، وقد يقول واحد منكم : هذا الموضوع طرح كثيراً ، والجواب :

﴿ وَذَكِّرْ فَإِنّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾

أحاديث عظيمة أصل في النيات :

الحديث الأول : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ

 أيها الأخوة الكرام ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ متفق عليه ]

 وفي رواية :

(( بِالنِّيّةِ ))

 إخوتنا الكرام ، أحدُ الصالحين ما تخلف عن صلاة الفجر أربعين عاماً ، وأدرك في هذه الأعوام الأربعين مع الإمام تكبيرة الإحرام ، مرة أخذته سِنة من النوم ، فاستيقظ بعد الشمس ، وقال : ماذا يقول الناس عني اليوم ؟ أربعون سنة من أجل أن ينتزع إعجاب الناس ، أنه رجل ملازم للمساجد ، لا تفوته تكبيرة الإحرام في الصف الأول مع الإمام .
 أنا ما اخترت هذا الدرس عبثاً ، لأنه ضمن الحلقات الدينية ضمن المساجد هناك دنيا ، هناك إنسان يحب السيطرة ، خصمه يسحقه ، وهو من رواد المساجد ، وحينما لا يكون الإنسان مخلصاً تبدو منه صفات غريبة وعجيبة .
 هذا الدرس ليس موجهاً إلى عامة الناس ، الإنسان خارج المدرسة كلياً ما له علاقة بالوظائف والمذاكرات ، والمناهج والتفوق والأطروحة والبحث الخاص ، هذه شؤون تتعلق بطلاب المدارس ، لذلك أنا حينما أخاطب رواد المساجد طلاب العلم ، أنا أخاطبهم بخصوصيات الدين ، الإخلاصَ الإخْلاصَ .

مؤشرات عدم الإخلاص :

 أيها الإخوة الكرام ، قبل أن نمضي في الحديث عن الإخلاص أعطيكم بعض المؤشرات :
 ـ إذا اختلف العمل في جلوتك عن خلوتك فهذا مؤشر سلبي ليس في صالحك ، فإن اختلف العمل بين خلوتك وبين جلوتك ، يعني خلوتك وحدك جلوتك مع الناس ، هذا مؤشر ليس في صالحك ، معنى ذلك أن هناك خللاً في الإخلاص .
 ـ إذا اختلف العمل مع مديح الناس لك أو مع ذمهم لك ، لك أعمال طيبة مع أختك ـ وتقول دائماً : أنا أبتغي وجه الله بهذا العمل ، صدر من هذه الأخت موقف غير مناسب ، فتقسم بالأيمان المغلظة لن أساعدها بعد اليوم ، معنى ذلك أنك حينما تساعدها تريد أن تستجدي مديحها وثناءها ، والسمعة الطيبة ، فلما واجهتك بموقف لم تكن تتوقعه حلفت الأيمان المغلظة ألا تمد إليها يد المساعدة .
 إذاً : الإخلاص يعني ألا يتغير العمل مع المديح أو مع الذم ، قال تعالى :

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾

[ سورة الإنسان : 9]

 هذه علامة ثانية .
 ـ العلامة الثالثة : ما من عمل يرفع إلى الله خالصاً لوجهه إلا عاد عليك منه سكينة .

العمل الصالح صحة نفسية وجسمية :

 التقينا مع طبيب ـ جزاه الله خيراً ـ أنبأني بحقيقة رائعة ، أن الإنسان لما يخاف من خطر ، من شبح مصيبة ، من شبح مرض ، من شبح بطالة ، لما يكون له عدو يتربص به تتبدل كيمياء دمه ، الخطر يدرك بالدماغ ، والدماغ ملك الجهاز العصبي ، والدماغ يلتمس من ملكة الجهاز الهرموني الغدة النخامية أن تواجه الخطر ، والغدة النخامية ملكة عندها وزراء ، أهم وزرائها الكظر ، غدة فوق الكلية تعطي أمراً لوزير داخليتها أن يواجه الخطر ، الكظر معه أسلحة ، أول سلاح يرسله يرفع نبض القلب ، فالخائف يزداد نبض قلبه ، السلاح الثاني يرسل أمرا إلى الرئتين يزداد الوجيب ، سلاح ثالث يرسل أمرا إلى الكبد بإفراز كمية سكر إضافية ، الأمر الرابع إلى الأوعية المحيطية ، فتضيق لمعتها ليتوافر الدم للعضلات لا إلى الجلد ، والأمر الخامس يرسل أمرا إلى الكبد لإطلاق هرمون التجلط سميكاً ، بالتعبير الآخر لزجاً ، لذلك هذا الهرمون يقرب من الجلطة ، الدم لزج ، والضغط مرتفع ، ضربات القلب عالية ، لو أنك عملت عملاً صالحاً ، لو أنك خدمت الإنسان ، خدمت من حولك ، لو كنت صادقاً ، لو كنت شهماً ، لو كنت عطوفاً ، لو كنت رحيماً ، لو بذلت من مالك ، بذلت من وقتك ، بذلت من خبرتك ، ما الذي يحصل ؟ هناك هرمون آخر معاكس يوسع الأوعية ، ويخفض الضغط ، وينزل ضربات القلب ، ويخفض وجيب الرئتين ، لا يطرح سكراً زائداً ، الإنسان يشعر براحة ، وبطمأنينة ، وبسعادة ، لذلك إذا أردت أن تسعد ، أو أن تصح فأسعد الناس .
 الشيء المدهش أن العمل الصالح له وزن كبير في الآخرة ، لكن من يصدق أن العمل الصالح صحة ، العمل الصالح ضغط منخفض ، العمل الصالح نبض قلب منخفض ، العمل الصالح أوعية واسعة ، العمل الصالح دم سيال ما في جلطات ، فلذلك هذه الهرمونات شيء عجيب هرمون التجلط هرمون التمييع ، هرمون توسيع الأوعية هرمون تضيقها ، هرمون رفع الضغط ، هرمون تخفيض الضغط ، هرمون رفع وجيب الرئتين ، هرمون تخفيض وجيب الرئتين .
 لذلك أيها الإخوة ، لمجرد أن تعمل عملاً صالحاً خالصاً لله فأنت أسعد الناس ، إذا أردت أن تكون أسعد الناس فأسعدهم .
 أيها الإخوة الكرام ، حدثني طبيب آخر أن عندنا طريق الآلام ، طريق الآلام يبدأ من المحيط ، من الحواس الخمس ، ويتجمع في العمود الفقري في النخاع الشوكي ، وينتقل إلى الدماغ ، الآلام التي لا تحتمل موجودة في الدماغ ، في قشرة الدماغ ، لما يضطر الطبيب أن يقلع لإنسان أحد أسنانه ولا يستطيع المريض أن يتحمل المخدر ، ففي أثناء نتش السن يصيب المريض ألم لا يصدق ، يكاد يخرج من جلده ، فإذا أطلع الطبيب مريضه على السن يجد العصب الذي قطع أرفع من الشعرة ، كل هذه الآلام من هذا العصب .

هل تعلم أن في جسمك بوّاباتٍ للألم ؟!

 على طريق الآلام بوابات ، إن أغلقت انخفض الألم إلى العشر ، وإن فتحت تضاعف الألم إلى عشرة أمثال ، إنها بوابات الألم ، من الذي يتحكم في هذه البوابات ؟ الحالة النفسية للمريض ، إذا كان مؤمناً كانت آلامه خفيفة جداً .
حدثني أخ طبيب هذه القصة ، لعلي رويتها لكم ، لكن الآن هي مناسبة أن يعاد سماعها ، طبيب من إخواننا الكرام بمستشفى حكومي ، جاءهم مريض مصاب بالسرطان في الأمعاء ، شيء يلفت النظر ، مبتسم ، كلما دخل مَن يعوده يقول له : أهلاً وسهلاً ، اشهد أنني راض عن الله ، يا رب ، لك الحمد ، وجهه منير ، نفسه طيبة ، مرح ، متفائل ، والمرض خبيث ، والمرض مميت ، كلما دخل إنسان يزوره يشهده أنه راض عن الله ، ويتبع هذا الكلام بكلمة الحمد لله رب العالمين ، بقي أياما معدودة وتوفاه الله ، لكن في هذه الغرفة سر وسحر وجذب ، إن ضغط على المنبه يتنافس الممرضون على الدخول إلى غرفته ، والأطباء يسرعون إليه ، ويرتاحون عنده ، نفسه راضية عن الله ، نفسه مستسلمة لله ، كلما دخل عليه إنسان قال : اشهد أنني راض عن الله ، يا رب ، لك الحمد .
 والله أيها الإخوة ، لي صديق حميم أصيب بهذا المرض ، وبقي سنتين ، تقسم بالله زوجته إنه خلال السنتين ما سمعت منه إلا الحمد لله ، يا رب ، لك الحمد ، يا رب أنا راض ، الإيمان درجة عالية جداً ، سبحان الله ، توفي ، وجاء مريض آخر إلى الغرفة نفسها ، والأطباء نفسهم ، والممرضون نفسهم ، ما مِن نبي ما سبّه هذا المريض الثاني ، سبّ الدين كأنه استغفار ، صوت لا يحتمل ، رائحة كريهة ، تشاؤم ، سباب ، أصبحت هذه الغرفة قطعة من الجحيم ، يقرع الجرس فلا يجيبه أحد ، الكل يتهرب منه ، أقسم بالله هذا الطبيب وقال لي : درّس للمستشفى المرض نفسه ، الآلام نفسها ، قال لي : كأن المريض الأول لا يتألم ، هذه بوابات الألم .
 هذا الموضوع أنا أخذته من مجلة ، لكن الموضوع ليس له علاقة بالدين إطلاقاً ، إنها قضية علمية محضة ، هناك بوابات ألم ، فكلما ارتفعت معنويات المريض أغلقت هذه البوابات ، فوصل من الألم العشر ، وهو محتمل ، وكلما ابتعد المريض عن الله عز وجل فتحت البوابات على مصارعها ، وانهمر الألم بشكل لا يحتمل .
 لذلك أيها الإخوة ، المؤمن عنده هرمون آخر غير هرمون الكظر ، هرمون يوسع الأوعية ، هرمون يخفض الضغط ، هرمون يخفض ضربات القلب ، هرمون يبعث السرور والمرح ، فلذلك إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين ، النصوص .
 عبدي ، كن لي كما تريد أكن لك كما تريد ، عبدي ، كن لي كما أريد ، ولا تعلمني بما يصلحك ، من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين .

الحديث الثاني : إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ...

 أيها الإخوة الكرام ، حديث آخر متعلق بالإخلاص عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ))

[ مسلم ]

 مرة كنت في مؤتمر إسلامي كبير في المغرب ، الأيسيسكو ، عام ثلاثة وتسعين ، ونزلنا في أضخم فندق هناك ، كان هذا الفندق مقراً لمؤتمرات القمة ، وصلنا الساعة الثانية عشر ليلاً يوم الأحد ، نمت في صبيحة اليوم الأول استمعت إلى قرآن كريم مع أذان الفجر رائع جداً ، أطللت من النافذة فإذا بعاملِ الحديقة يصلي الفجر في وقته بصوت رائع ، وبخشوع ، وبقراءة مؤثِّرة ، والله أبكاني ، وقلت : لعل هذا العامل أفضل عند الله مِن كل رؤساء الوفود في هذا المؤتمر ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[ الترمذي ]

 قد يكون الإنسان في الدرجة الاجتماعية الدنيا ، قد يكون حاجباً ، لكنه موصول بالله ، وهو عند الله كبير ، لذلك :

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ* خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾

[ سورة الواقعة ]

 الذين كانوا في القمم قد يأتي يوم هُم في الحضيض ، والذين كانوا في الحضيض قد يأتي يوم هم في القمم ، خافضة رافعة ، فالبطولة أن تتفوق لا بمقاييس البشر ، بل بمقاييس رب البشر ، أن تكون عند الله محبوباً ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾

[ سورة القمر]

 إذاً :

(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ))

[ مسلم ]

 قال بعض الشعراء :

جمال الجسم مع قبح النفوس  كقنديل على قبر المجوس
***

 أحيانا يكون عند الرجل جَمال ، لكن كلامه بذيء .
 مرة شخص أنيق جداً يبدو غنياً وألبسته غالية جداً ، وتكلم كلاماً بذيئاً جداً ، أحد الوجهاء قال له كلمة رائعة ، قال له : إما أن تلبس مثل كلامك ، أو تتكلم مثل لبْسِك .

التأدب في الكلام حليةٌ نفيسةٌ :

 المؤمن عفيف ، والله لا أدري ماذا أقول ، أنا لا أصدق أن ينطق المؤمن بكلمة فاحشة ، هناك كلمات كثيرة ، هذا الذي تجري على لسانه هذه الكلمات والله ما أستطيع أن ألفظها في حياتي كلها ، هذا إنسان فاحش متفحش ، ليس المؤمن بالفاحش ولا المتفحش ، كلمات العورات ، كلمات فضلات الإنسان ، كلمات السباب الرخيص ، كلمات سباب أهل الأزقة المنحرفين ، هل هذا يكون في المسجد ؟ من مؤمن ؟ والله الذي لا إله إلا هو مستحيل وألف ألف مستحيل أن ينطق المؤمن بكلمة فاحشة ، أو أن يكني عن العورات ، أو أن ينطق بكلام ملغوم ، أو مغشوش ، أو مزاح جنسي ، هذه كلها صفات المنافقين ، صفات السفلة ، صفات المنحرفين ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))

[ أحمد ]

 تعلموا الأدب من الصحابة ، قالت امرأة لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين ، إن زوجي صوّام قوام ، ما انتبه سيدنا عمر ، قال : بارك الله لك بزوجك ، قال سيدنا علي : إنها تشكو زوجها ، ليس هذا موضوع مديح هنا ، ماذا اختارت هذه المرأة : صوام قوام ، في النهار صائم ، في الليل قائم ، لا علاقة له معي إطلاقاً ، وأنا محرومة منه ، اقرأ القرآن الكريم :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾

[ سورة المؤمنون]

 دخل الجنس ، ودخل السحاق واللواط ، وتبادل الزوجات ، والأفعال المنحرفة ، وزنا البهائم ، وزنا المحارم ، كل هذه الانحرافات تضمنتها كلمة :

﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾

[ سورة المؤمنون : 7]

 اقرأ القرآن :

﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾

[ سورة الأعراف : 189]

 كلمة تغشاها لا تجرح الحياء إطلاقاً .
 قال تعالى :

﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ﴾

[ سورة النساء : 43]

 هناك كلمات قرآنية كلها أدب ، تعلموا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأدب ، تعلموا من القرآن الأدب ، تعلموا من أصحاب رسول الله الأدب .

ثلاث نقطٍ ملخص الإخلاص :

 أيها الإخوة الكرام ، موضوع الإخلاص باب كبير ، لكن أتمنى أن يكون التركيز على النقاط التالية الثلاث :
 ـ المخلص لا يختلف عمله مع الناس أو وحده ، لا في خلوته ولا في جلوته ، عمل واحد ، عبادة واحدة ، انضباط واحد .
 ـ المخلص لا يتأثر لا بالمديح ولا بالذم .
 ـ المخلص يشعر بالسكينة ، لأن السكينة شيء يلقى في قلبه يشعره بالسعادة ، وإن لم تقل : أنا أسعد الناس فالإيمان في خلل .

الحديث الثالث : مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ ...

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً ، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ ))

[ مسلم ]

 لكن هنا سؤال : من همّ بحسنة فلم يستطع أن يعملها ، ما له أجر إطلاقاً ، ما استطاع أن يسرق ، وجد في البيت أشخاصا ، فلم يستطع أن يسرق ، من هم بحسنة بنهي ذاتي ، بندم ما عمِلها .
 القضية في النية ، طبعاً أضرب مثلاً مشهوراً لشخص يملك آلاف الدنمات ، جاء من يهمس في أذنه أن هذه الأرض كلها مشاع ، وأسعارها رخيصة جداً ، أنت حينما تتبرع لبناء مسجد تضطر البلدية أن تنظم هذه الأرض إلى محاضر ، فإذا فرزت إلى محاضر ارتفع سعرها ، هو في الأصل لا يصلي ، فقدم لبناء مسجد خمسة دنمات ، فالبلدية اضطرت أن تنظم هذه الأرض أن تفرزها إلى محاضر ، وارتفع السعر ، هو عند الناس محسن كبير .

إيّاك والوقوفَ في خندق مُعادٍ للدين !!!

 مرة أحد إخوتنا الكرام له زوجة مدرسة في ثانوية ، والمديرة يبدو أنها حاقدة على كل فتاة محجبة ، فتتفنن في إذلالها ، في إيلامها ، في فصلها ، في تحقيرها ، وكثير من المدرسات تركوا الثانوية خوفاً من بطشها ، شوهدت بعد بضع سنوات على رأسها الحجاب ، ما الذي حصل ؟ لعلها تابت ، لا ، أصيبت بمرض عضال في جلدة رأسها ، فنصحها الطبيب أن تضع خمارا على رأسها ، قالت له : هل يمكن أن أضع الباروكة ( الشعر الاصطناعي ) ، قال : لا ، تسبِّب لكِ حساسية ، يجب أن تضعي خمارا فقهرها الله بالحجاب .
 أشقى الناس من كان في خندق معادٍ للدين ، هذا أشقى إنسان ، لأنه في الآية ملمحًا دقيقًا ، لما قال الله عز وجل :

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾

[ سورة التحريم : 4]

 هل من المعقول لعائشة ، وأختها استنفار :

﴿ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِِنِينَ وَالمَلاَئِكُةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

 إذا انتقدت فتاة النظام يحدث استنفار القوى الجوية والبحرية ، وقوى الأمن والإعلام ، إنها امرأة انتقدت بكلمتين .
 في الآية شيء ليس واضحاً ، لكن بعض المفسرين قال : إذا كنت معادياً للحق فاعلم من هو الطرف الآخر ، لذلك الله عز وجل توعد بالحرب لشخصين فقط في القرآن والسنة ﴾

توعد بحرب المرابي ، قال تعالى :

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[ سورة البقرة : 279]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ :

(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ))

[ البخاري ]

 سبحان الله !!! بعض الأشخاص أحياناً يتلذذ بقهر الضعيف ، قد يكون مؤمنًا ضعيفًا ، لكنه بريء ، فيلصق به تهمة هو بريء منها ، فيتفنن في إذلاله .
 والله أعرف رجلاً هو من علماء الشام الأجلاء ، عنده مركبة ، في أثناء رجوعه يبدو أن مركبته مست مركبة أخرى ، من أدبه وورعه كتب رسالة أن هذا تلفوني ، وأنا مستعد لإصلاح الخلل مهما بلغ ، الخلل ضربة خفيفة جداً ، يمكن أن تصلح في دقائق ، مع ذلك كتبها ، في أثناء كتابة الورقة جاء صاحب السيارة ، وله عمامة وجبة ، لم يترك كلمة بذيئة ما نعته بها ، الله يسامحك ، مهما ترِد أعطك ، خذ عشرة أضعاف ، هذا صاحب السيارة السفيه عنده ثاني يوم حفلة خارج دمشق ، عنده مزرعة ، فأحد أصدقائه ما عرف المزرعة ، فقال له : أنا سآتي وآخذك ، فوقع في حادث صدام فقطع عموده الفقري ، عمره ست وعشرون سنة ، وهو يقضي عمره كله مشلول .

(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ))

[ البخاري ]

 إياك أن تقترب من إنسان ولي لله عز وجل ، تجلس فتنصب له فخًا أو سؤالا محرجًا ، أو تتهمه بتهمة باطلة ، أو أنه لا تقدّر ، هذا ولي لله عز وجل ، فالله يحارب اثنين ، يحارب المرابي ، و :

(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ))

الإخلاصَ الإِخلاصَ :

 أيها الإخوة الكرام ، الموضوع يتعلق بالإخلاص ، ومع الإخلاص ينفع قليل العمل وكثيره ، ومن دون إخلاص لا ينفع قليل العمل ولا كثيره ، والإخلاص عبادة القلب ، ولا يعلم به أحد ، لا ملَك ، ولا نبي ، فلذلك الإخلاصَ الإخْلاصَ ، وهناك إخلاص يحتاج إلى إخلاص .
 وراقب قلبك ، هل تبتغي وجه الله ، أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء .
 هل يمكن أن تسمع مشي نملة في الليل على صخرة صماء ؟ هل تسمع صوت مشيها ؟ مستحيل ، فالشرك أخفى من ذلك ، وأدناه أن تحب على جور ، إنسان جائر تحبه ، غني قوي ، يبرك فتتعامى عن خطأه ، لا تنصحه أبداً ، يباع بالعزاء ، أنا لي مصلحة معه الآن ، أو أن إنساناً نصحك بأدب فلا تقبل ، مَن أنت حتى تنصحني ؟ أخذته العزة بالإثم .

عليكم بالتواضع وإيّاكم والعلوّ :

 فيا أيها الإخوة الكرام ، تواضعوا لله ، باب العلو في الأرض عليه ازدحام شديد ، أما باب الانكسار إلى الله فليس عليه ازدحام أبداً .
 بالمناسبة ، أيها الإخوة الكرام ، هناك ست جهات ، شرق ، غرب ، شمال ، جنوب ، فوق ، تحت ، أليس كذلك ؟ أربع جهات احتلها إبليس ، قال تعالى :

﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾

[ سورة الأعراف : 17]

 لكن ما تكلم عن فوق وتحت ، الطريق إلى الله محروس من الشيطان ، وطريق الانكسار أيضاً محروس ، فتحت هناك حراسة ، وفوق هناك حراسة ، أما الأربع اتجاهات فللشيطان ، قال تعالى :

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS