115149
الفقه الاسلامي - العبادات التعاملية - الربا - الدرس 10-15 : ربا النسيئة وربا الفضل
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-09-14
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمــين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم:
كما تعلمـــــون في الإنسان نقطتا ضعف خطيرتان، موضوع المال وموضوع المرأة، لذلك تجد في التشريع الإسلامي أحكاماً كثيرةً تتعلق بكسب المال وإنفاقه وبالعلاقة بالمرأة ؛ وأردت بالدرس الماضي أن أبدأ موضوعاً تشتد الحاجة إليه، وهي حالات تخفى على معظم الناس فيها شبهة الربا، والإنسان حينما يحرر دخله من الحرام يكون طعامه طيباً وإذا كان طعامه طيباً كان مستجاب الدعوة وإذا كان مستجاب الدعوة كان أقوى الناس على الإطلاق.

((يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))

وطيب الطعام يكون بأن تشتريه بمال حلال والمال الحلال هو المال الذي برأ من شبهة الكسب الحرام ومن أبرز أنواع الكسب الحرام الكسب الربوي.
أيها الأخوة الكرام:
ينقسم الربا إلى نوعــين كبيرين أوضحهما علماء المسلمين، وفصّلوا أحكامهما: فالأول ربا النسيئة من النسيء وهو التأجيل، والثاني ربا الفضل أي الزيادة ولو من دون تأخير.
الزيادة مع التأجيل ربا النسيئة، والزيادة من دون تأجيل ربا الفضل ونحا علماء الاقتصاد هذا النحو في تقسيم الربا لكنهم استعملوا أسماء جديدة من هذه الأسماء ربا الديون وهو ربا النسيئة، وربا البيوع وهو ربا الفضل، إذاً عندنا نوعان من الربا:
ربا النسيئة وربا الفضل، الزيادة مقابل الأجل ربا النسيئة، الزيادة من دون أجل ولكن في البيع هو ربا الفضل.
أيها الأخوة:
النوع الأول كان شائعاً في الجاهلية يمكن أن نسميه ربا الديون: وهو فضل العين على الدين، يعني أقرضت مائة ليرة تستردها مائة وعشرين، فضل العين على الدين، وفضل الحلول على الأجل، يعني إذا أعطيته المبلغ و في وقته أديته مائة، فإن أخرته أديته مائة وعشرين، وهو ينطبق على المعاملات المصرفية الربوية التي ذكرناها.
يعني أي قرض بفائدة قلّت أو كثُرت هو ربا الديون وهو ربا النسيئة وهو ربا الجاهلية وهو ربا القرآن، كلها أسماء لمسمى واحد.
قوام هذا الربا أو قوام هذه المعصية الكبيرة الزيادة على الدين مقابل الأجل وهذا يتناول صوراً كثيرة بعضها ظاهر جلي، وبعضها خفي طبعاً الظاهر الجلي كلكم تعرفونه إنسان استقرض قرضاً ربوياً، يعني أخذ الألف ليردها ألفاً وثلاث مائة هذا ظاهر جلي، ولكن الذي يخفى على الناس أنواع أخرى منها مثلاً:
1 ـ النوع الأول والمعروف والمشهور الذي لا يختلف فيها اثنان الزيادة المشروطة على القرض مقابل الأجل وهو معروف.
2 ـ الزيادة على الدَّيْن الذي ثبت في الذمة ثمناً لسلعةٍ بأن يتأخر المشتري عن الدفع فيلزم بدفع زيادة مقابل هذا التأخير، اشتريت حاجة على أن تؤدي ثمنها في الوقت المناسب فلم تستطع أن تؤدي ثمنها في هذا الوقت فتأخرت في الأداء فزاد عليك البائع في الثمن، زيادة في ثمن الشـيء مقابل الأجل هذا نوع يخفى على معظم الناس.
3 ـ مبادلة صـك بنقد يدفع حالاً أقل من قيمة الصك، معك سند، معك إيصال، شك، يستحق بعد شهرين تأتي إلى جهة أو إلى مصرف تحسم هذا الشك أو تحسم هذا السند أو تحسم هذا الصك، تأخذ أقل من قيمته حالاً على أن يأخذه المصرف بعد شهرين مؤجلاً، هذا أيضاً نوع من أنواع الربا ويفعله معظم الناس، معه سندات بضاعة باعها بمائة ألف تستحق بعد ستة أشهر يأتي إلى المصرف يضعها بين يديه ويعطيه المصرف قيمتها محسوماً منها ستة بالمائة مقابل أنه قبضها حالاً والمصرف يأخذها بعد ستة أشهر هذا أيضاً نوعٌ من أنواع الربا.
إذاً الزيادة المشروطة على القرض مقابل الأجل هذا نوع واضح صارخٌ لا يختلف فيه اثنان وهو ربا القروض، ربا القرآن، ربا الجاهلية وهو الذي نص عليه القرآن وحرمه أشد التحريم.
وهناك أنواع خفية زيادة على الدَّيْن الذي ثبت في الذمة ثمناً لسلعة بأن يتأخر المشتري عن الدفع فيلزم بدفع زيادة مقابل هذا التأخير، فلو أن إنساناً اشترى سلعة بثمن على أن يؤدي الثمن بعد ستة أشهر دون زيادة في الثمن فلا يوجد مشكلة أبداً ولا شيء عليه، أما إذا اشترى سلعة بثمن فتأخر عن دفع الثمن فزاد البائع مبلغاً من المال مقابل هذا التأخير، مقابل هذا الأجل، فقد وقع في ربا ولكن بشكل آخر ليس ربا القروض ولكن ربا البيوع.
4 ـ وإليكم شكلاً آخر من أشكال الربا، اشتراط منفعة مادية ولو باسم هدية زيادة على مبلغ الدَيْن وهذا طبق القاعدة الشهيرة كل قرضٍ جرَ نفعاً فهو ربا إنسان أقرض إنساناً مائة ألف على أن يسكن بيته لشهرين، على أن يأخذ مركبته لشهرين، أية منفعة مادية أو معنوية، منفعة رقبة، منفعة إيجار أية منفعة وصلت إليك عن طريق هذا الدين طبعاً هذه المنفعة مشروطة، فهو نوع من الربا لكنه يخفى على كثير من الناس، وقد تسمعون أن إنساناً أحياناً يقترض مليون ليرة على أن يعطي المقرض بيته لسنة يسكنه، وبعد عام يؤدي له المليون، مليون دون زيادة، لكن هناك منفعة جاءت هذا المقرض عندما سكن هذا البيت لسنة إذاً أية منفعة مشروطة على الدين فهو نوع من الربا ليس جلياً ولكنه نوع خفي.

((حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي أَسْلَفْتُ رَجُلاً سَلَفًا وَاشْتَرَطْتُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَذَلِكَ الرِّبَا، قَالَ: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: السَّلَفُ عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ قَالَ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَكَ وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ))

القرض بشتى أنواعه أو البيع لأجل في شتى أنواعه هو عمل تبتغي به وجه الله، هـو عمل فيه مساعدة للفقراء، إن أقرضته أو بعته حاجة إلى أجل فابتغ بذلك وجه الله.

((فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: السَّلَفُ عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ ))

أي: إنسان أقرض مائة ألف وابتغى بها وجه الله، على طريقة الحسابات المادية فهذه المائة ألف ترد له بعد حين أقل بفعل التضخم النقدي، فلو أديتها بعد عام مائة ألف فهي في الحقيقة ثمانون ألفاً، تضخّم كل سنة تقريباً سبعة عشر بالمائة، يعني إذا أنت كسبت وجه الله تعالى هل تعلم ماذا كسبت ؟ إذا كسبت رضوان الله تعالى، إذا كسبت أن الله راض عنك إذا كسبت أن الله سوف يكافئك أضعافاً مضاعفة، فالله ماذا عنده ؟ عنده كل شيء، عنده السعادة عنده التوفيق عنده رفع الذكر، عنده الطمأنينة، عنده الأمن، عنده الغنى، عنده القوة، إذا ابتغيت به وجه الله سبحانه وتعالى هذا المعنى يرد في آية قرآنية قال تعالى:

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾

(سورة الشورى )

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾

(سورة الشورى )

يعني إذا كان لك مع مواطن مبلغٌ من المال وقال لك مَلِكُ هذا البلد مثلاً: دعه له ولك عندي أجر، فماذا يعطي الملك ؛ يعطي بيتاً، فأقلُّ عطائه بيت أقل عطائه مركبة، وأنت لك معه عشرة آلاف قال لك: دعها ولك عندي مكافأة، يجب أن تعلم ماذا يعني عندما يقول الملك لك عندي مكافاة، فكيف إذا قال لك ملك الملوك:

﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾

(سورة الشورى )

إخواننا الكرام:
ألا ينبغي أن تفعل شيئاً لوجه الله، أحياناً بإمكانك أن تأخذ حقك من الطرف الآخر بقوة القانون أو بقوة العرف أو بقوتك أنت، لكنك عفوت عنه ابتغاء وجه الله.
قال لي أخ ذكر اسم تاجر كبير توفي رحمه الله فصار يبكي، قلت له: لماذا تبكي، قال: والله ما ذكرته مرة إلا بكيت، قلت له: ما قصتك قال أنا في مقتبل حياتي، اشتريت بضاعةً وأصبت في أزمة في العمل التجاري فلم أستطع سداد ثمنها فجاء صاحب البضاعة من الشام وهو في بلد آخر، ومعه السندات وبإمكانه أن يحجز على بيتي وعلى أثاث بيتي وعلى محلي بإمكانه أن يفعل ما يشاء، فلما رآني صادقاً ورآني في ضيق شديد أمسك هذه السندات ومزقها لوجه الله وقال له: تعال وخذ بضاعة من جديد، وإذا أردت بضاعة من عند غيري قل لي لآخذها لك، سبحان الله بهذه النية الطيبة فإن هذا التاجر المكسور والذي على وشك الإفلاس بهذه البضاعة الثانية التي أخذها ديناً نهض وباع وربح وسدد كل الديون، قال لي: لولا هذا الموقف الأخلاقي إذ مزق هذه السندات لوجه الله، ودعاني أن أشتري بضاعة أخرى بدين من عنده أو من عند غيره، لما وجدتني بما أنا عليه الآن، طبعاً كنا في زيارته في بيته، فله بيت واسع وأموره ميسرة، قال لي: كل هذه البحبوحة وهذا الفضل من هذا الذي أعانني حينما وقعت.
أنت حينما تفعل خيراً تبتغي به وجه الله، هل تعلم ماذا عند الله، الله إذا أعطى أدهش.

((فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: السَّلَفُ عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ ))

أردتَ أن تخدم إنساناً بذاته فقد يكون هذا الإنسان قريباً و قد يكون جاراً و قال: لك وجه صاحبك، فلا مانع يمنع من ذلك. أما النوع الثالث من السلف فهو:

((وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ فَذَلِكَ الرِّبَا))

يعني أقرضت قرضاً واشترطت على المدين أن يؤديه إليك بزيادة.

((قَالَ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَكَ وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ ))

لك معه مائة ألف أعطاك ثمانين ألفاً وأنت قبلت وخفضت له هذا الدين، فلك ثوابك عند الله تعالى واحد اقترض قرضاً وهذه حالة نادرة، صعبة جداً، حالة شائكة والخيط رفيع، إنسان أقرض قرضاً حسناً لوجه الله تعالى ولا يريد إلا المبلغ بالذات، فالذي اقترض المبلـغ قدم له هدية لم تخطر على باله ولم يشترطها، هذا اسمه أداء حسن فعله النبي عليه الصلاة والسلام.ولم ينتظرها ولم تطلبها نفسه.
يعني يمكن لإنسان أن يتدين دينةً ويستفيد منها، وتحل له مشكلة كبيرة والذي أقرضه إنسان طيب صالح مؤمن ورع، فلما أداها له أداها مع كلمة شكر أو مع هدية صغيرة أو مع شيء يسعد قلبه، الثاني رفض وتورع وخاف فقال له: هذا أداء حسن فعله النبي عليه الصلاة والسلام، هذا لا شيء فيه، وأنا ذكرت كلمة الفائدة المشروطة على القرض، الذي إن أقرضك اشترط عليك فهذا هو المحرم.
العلة في ذلك أن عقد القرض يوجب على المقترض أن يرد مثل ما أخذ دون أي زيادة، فإن أُلزم بزيادة على مقدار القرض بصورة ظاهرة أو خفية كانت هذه الزيادة ربا، عقد القرض يجب أن يؤدى كما أخذ، إن أُدي زيادة فهذه الزيادة المشروطة ربا واضح لاشك فيه.
قال بعض العلماء:
أجمع العلماء أن المسلف، المقرض، إذا اشترط على المستلف زيادة أو هدية، فقال له: أعطني هدية فهي ربا، أي هدية يشترطها المقرض ربا.

((وقد روى ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس أنهم نهوا عن قرض جر منفعةً))

الآن عندنا حالات:
إن شرط أن يؤجره داره أو أن يبيعه شيئاً لم يجز، أنا سوف أقرضك قرضاً لكن أجرني بيتك بالشهر بمائة ليرة وهو يساوي عشرة آلاف، أو أنا سوف أقرضك هذا القرض على أن تأجرني بيتك هذا لمدة ستة أشهر وبالشهر ألف ليرة وأجرة البيت حقيقة عشرة آلاف ليرة، استأجر البيت ولكن هذه الأجرة ليست طبيعية وهي مخفضة جداً بسبب هذا القرض فهي إذاً منفعة.
أو أقرضه مليونين على أن تبيعني هذا البيت بمليونين والبيت ثمنه أربعة ملايين أو ثلاثة ملايين، فهذه كلها حالات قروض مشروطة.
الآن في الإسلام بيع السلم أيضاً يشتري الصوف ولكن بسعر بخس، الصوف ثمن الكيلو خمسون ليرة يشتريه بعشر ليرات فهذا الراعي باع صوف غنمه بخُمس ثمنه مقابل هذا السلم.
لهذا منع السلف رضي الله عنهم قبول هدية المقترض إلا أن يحسبها المقترض من الدين، يوجد استثناء بسيط واحد اقترض مائة ألف وقدم لك هدية وأنت بحاجة إلى هذه الهدية، وعدها دفعة أولى من هذا القرض هذه الهدية ثمنها ألف كتبت على ظهر الإيصال ألف ليرة دفعة أولى من القرض فليس في هذا مشكلة.

((روي عن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم فأهدى إليه أبي من ثمرة أرضه، قدم له سلة تفاح مثلاً، من ثمرة أرضه فردها عليه ولم يقبلها فأتاه أبي فقال: لقد علم أهل المدينة أني من أطيبها ثمرة وأنه لا حاجة لنا فبما منعت هديتنا))

هنا يوجد حكم جديد، أخوان أو صديقان أو جاران أو شريكان بينهما تعامل وهدايا بين الحين والحين وعنده بعض الفواكه الناضجة وقدم لجاره هدية من هذه المزرعة وجرى قرض بينهما، مادامت هذه الهدية مألوفة قبل القرض وبعد القرض فليس من مشكلة.
كذلك: أشخاص عندهم مزارع ولهم أصدقاء أو أقارب ومن عادتهم مع قدوم محصول الكرز أن يقدم لصديقه صندوق كرزٍ ومع قدوم محصول العنب يقدم صندوقاً كذلك، هذان الصديقان أو الجاران الهدية بينهما شائعة، فإذا جرى بينهما قرض فهذه الهدية لا علاقة لها بالقرض إطلاقاً، لأنها كانت قبل القرض واستمرت بعد القرض، إذاً لا علاقة لها بالقرض.
إذاً عنـدما قـال له: أنا من عـادتي أن أقدم لك من هذه الثمرة اليانعة وعندي من أطيب ثمر المدينة ومن عادتي أن أقدمها لك فلم رددتها ؟ عندئذ قبلها سيدنا عمر منه.
هذا حكم آخر: لما توهم عمر رضي الله عنه أن هذه الهدية بسبب القرض رفضها، فلما تيقن أنها لا علاقة لها بالقرض قبلها، فالحكم الشرعي إذا كان هذا التهادي وارد قبل القرض وهو من شأن هذين الشخصين الصديقين، الجارين فلا شيء عليهما في هذا القرض.

((عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ سَلامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَلا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا))

الهدية المشروطة تعد ربا.
لازلت أؤكد أن الربا الجلي يعرفه جميع المسلمين ولكنني ألح على هذه الحالات من البيع التي يدخلها الربا وظاهرها بيع حلال، هنـاك بيوع يفعلها كثير من الناس نهى عنهـا النبي صلى الله عليه وسلم لما فيها من الربا الخفي كما في هذا الحديث الشريف، الآن دققوا في هذا الحديث:

((عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ))

هذه الأنواع الخمسة يدخلها الربا الخفي، هذا الحديث أيها الأخوة أصل من أصول المعاملات المالية، وهو نص في تحريم الحيل الربوية وقد اجتمع على أربعة أحكام:
1 ـ تحريم السلف والبيع، وهذا من ذرائع الربا، الإمام أحمد بن حنبل يقول: هو أن يقرضه قرضاً ثم يبايعه عليه بيعاً يزاد عليه.
مثلاً: أنا أقرضت إنساناً مائة ألف على أن أبيعه حاجة ثمنها سبع مائة ألف فبعته إياها بمليون، أو ثمنها سبعون ألفاً فبعتها بمائة ألف، وأنا أقرضته مائة ألف وسوف أستردها مائة ألف قرض حسن لكن اشترط هذا القرض أن أبيعه حاجة بمائة ألف ثمنها سبعون ألفاً فالأمر واضح أن هذا سلف وبيع، ذريعة للربا، ربا خفي، يقول لك هذا قرض حسن وهذا بيع مشروع لم نفعل شيئاً، لكن هذا الذي باعك إياه لا يساوي أكثر من سبعين ألفاً ورضيت أنت بهذا السعر المرتفع مقابل أنه أقرضك مائة ألف إلى عام هذا نوع من الربا الخفي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
2 ـ لا شرطان في بيع ما معنى شرطان في بيع ؟ العلماء فسروا هذا القول للنبي الكريم تفاسير عديدة، أن يقول بعتك بكذا نقداً وبكذا نسيئة شرطان في بيع، نقداً بهذا السعر وتقسيطاً بهذا السعر، هكذا فسر بعض العلماء قول النبي الكريم

((وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ))

بعتك هذه السلعة على أن تبيعني هذه السلعة بالسعر الفلاني ربط بيعاً ببيع، كل بيع مشروط بشرط هو فاسد، باع بيعة بسعر مرتفع على أن يشتري مني هذا بسعر معين.
وبعضهم فسر هذا النص

((وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ))

بأن النبي عليه الصلاة والسلام يحرم الحيل الربوية فإذا قال الإنسان لصاحبه: خذ هذه السلعة بعشرة نقداً وآخذها منك بعشرين نسيئةً هذا بيع العينة وهذا شائع في البلاد الإسلامية، إنسان يضع سجادة يبيعها بيعاً شرعياً، يبيعها نسيئة بخمسة آلاف، يقول لك الشاري اشتريتها بخمسة آلاف ثم يقول لك بعد قليل: أتشتريها مني نقداً تقول له: نعـم بأربعـة آلاف فيعطيه أربعة آلاف ويسجل عليه خمسة آلاف، يعني أقرضه الأربعة آلاف بخمسة آلاف، أما هو بالظاهر باعه سجادة أو باعه صندوقاً أو باعه سلعة معينة، بيع العينة ذريعة إلى الربا.
النبي عليه السلام حينما قال:

(( لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ))

أيّ قرض مشروط ببيع أو شراء بسعر غير طبيعي فهو ذريعة إلى الربا.
والذريعة الثانية:
نهى النبي عن شرطين في بيع أول معنى للشرطين أن هذه السلعة تبيعها نقداً بكذا ونسيئة بكذا، الزيادة مقابل الأجل هذا أول تفسير، ثاني تفسير أبيعك هذا الشيء على أن تبيعني ذاك الشيء.
التفسير الثالث:
أن تبيع نسيئة وأن تشتري نقداً بثمن أقل وهو بيع العينة وهذه الحيل الربوية نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الحيل أحياناً أن يقدم إنسان لإنسان قرضاً ليستكمل به ثمن بيت، بيت بخمسة ملايين قدم له مليوناً يقول له اكتب لي خمس البيت، وأعطني أجرة. أما أن يشرط عليه أن هذا المليون يجب يعطيه مليوناً بعد عام، فإذا اشترط عليه أن يؤدى بعد عام مليوناً بالتمام والكمال فالأجرة ربا، أما إذا دفع مليون خمس البيت وسجل باسمه وأعطاه أجرة ولكن بعد عام صار تنظيم على البيت فأصبحت قيمته بما فيها قيمة مليون القرض أصبحت مئتي ألف، فإذا كنت مستعداً أن القرض أو خمس البيت أن يرتفع أو أن ينخفض فالأجرة حلال و أنت لك خمس البيت سواء ارتفعت الأسعار أو انخفضت، صعوداً أو هبوطاً حتى لو احترق، أنت اشترطت ضمان المليون أعطني أجرة عليه كل شهر لأني أملك في بيتك خمس هذه ذريعة إلى الربا.
والآن أكثر استثمار المال عند التجار بأن يكون الربح ثابتاً من دون حسابات أعطيك على الألف كذا، الظاهر استثمار والباطن ربا، لا يوجد جرد ولا حساب أرباح ولا خسائر ولا تعرف شيئاً عن المحل، أعطاه مائة ألف بربحٍ ثابت في الاستثمار فهو ربا، طبعاً ؛ أنا أعلم أنكم أجمعون تعلمون الربا الصريح، أنا أدخل في متاهات الربا الخفي الذي ينطلي على كثير من الناس، ترى شخصاً صالحاً صائماً مصلياً من رواد المساجد ويقول لك: فلان جيد وضعت معه مالاً ويعطيني أرباحاً جيدة، لكن لا يحب أن يدخلنا في الحسابات بل يعطينا أرباحاً ثابتة وهذا أريح لنا، أكلت الربا وأنت لا تدري، قرض عادي ما هو الفرق بين هذه الحالة وبين أن تضع مبلغاً في مصرف وأن تأخذ مبلغاً شهرياً فالحالة هي هي، لماذا الاستثمار حلال ؟ لأنه فيه ربح وخسارة، أعتقد أن هذا الحديث أصل في العلاقات الربوية:

((لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ))

3 ـ ما تفسيرها: ولا ربح ما لم تضمن ؟ النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن تباع السلعة حيث تُبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، مثـلاً: تاجر استورد شاياً، بناً، قماشاً، باع البضاعة وهي في عرض البحر، فلو صار أمر قاهر، لو منع من استلامها، أو لو أن البضاعة صودرت، أو لو غرقت الباخرة فلا يحل أن تبيع شيئاً ما لم تكن ضامناً تسليمه، أنت حينما تبيع ما لا تملك فإنك لا تضمن تسليمه لذلك نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
ما الذي يحصل الآن ؟ يحصل ما يسمى بالمضاربات كيف كان البيت سابقاً قبل عشر سنوات، البيت يباع خمسين مرة من إنسان إلى إنسان إلى إنسان والبيت لازال على العظم ولا أحد اشتراه ونوى أن يسكنه فعلاً لكن يتاجر بالعقارات، الأسعار صعدت إلى مستوى غير معقول حتى قيل أن أغلى بيت في العالم في سوريا، هذه مضاربات وليست تجارة، فالبيت يجب أن يباع لمن يسكنه والمركبة لمن يركبها والأرض لمن يزرعها، أما أن تكون سلعة للمضاربات فلا يصح، ترى مائة طن بن لازالـت في البرازيل باع المائة طن لواحد والواحد لواحد بالفاكسات فهذا صار قماراً، مادام التاجر لم يحزها إلى رحله ولم يستقدمها إلى مستودعاته ولم تكن في ضمانة تمكنه من أن يسلمها للشارين فهذا بيع غير صحيح.
لا يجوز لمن اشترى سلعة أن يبيعها قبل أن يستلمها بصورة شرعية، تدخل بها السلعة في ضمان المشتري، ولعلكم استمعتم إلى قصص كثيرة جداً عن تجار باعوا على المساطر، ولم يتمكنوا من تسليم البضاعة ثم دخلوا مع خصومهم بدعاوى وخصومات ومشكلات لا نهاية لها.
ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب مخالفة شرعية، لا تبع ما ليس عندك، لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى

((وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ))

4 ـ تحريم بيع ما ليس عندك: قال أحد العلماء: وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك فمطابق لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس هو على ثقة، بل قد يحصل عليه أو لا يحصل، فيكون له غرراً كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء، يا ترى يسلم أم لا يسلم البضاعة ؟ وصلت أم لم تصل ؟ هذه كلها متاهات نهى عنها الشارع الحكيم.
وقال بعض العلماء: وحينما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عنده، إنما نهى عنه لكونه غير مضمون عنده ولا ثابت في ذمته ولا في يده، فالمبيع لا بد أن يكون ثابتاً في يده وذمة المشتري، وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما.
أيها الأخوة:
هذا الموضوع دقيق وحساس و أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون واضحاً عندكم لأن كسب المال أكبر جزء من الدِّين: إن صح كسبك وصح إنفاقك فقد نجوت من المال الحرام، لأن الإنسان يوم القيامة يسأل كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:

((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ وَضَعَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ))

أما عن المال فيسأل سؤالين من أين اكتسبه ؟ وفيم أنفقه ؟ وهذا سؤال خطير والمسلمون حينما يكون دخلهم حلالاً وإنفاقهم حلالاً يعيشون في بحبوحة وسلام وعافية.

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾

(سورة النحل )

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

(سورة الفرقان )

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾

(سورة الذاريات)

وكلمة حق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً، وحينما تترك شيئاً لوجه الله يعوضك الله خيراً منه في دينك ودنياك.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS