13825
الفقه الاسلامي - العبادات التعاملية - الربا - الدرس 09-15 : مقدمة عن فلسفة المال للإمام الغزالي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-09-07
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمــد لله رب العالميـن والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم:
ما منا واحد إلا ويتعامل بالنقد يشتري به ويبيع به، وقد يغيب عن ذهنه حقيقة هذا النقد، هذا المال: الليرة، ماذا يعني النقد ؟
قد لا تصدقون أن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فهم حقيقة النقد، قبل أن تأتي النظريات الحديثة في تعريف النقد ودوره في الحياة الاقتصادية، فهناك نص للإمام الغزالي في الإحياء يُعد من أندر النصوص في تعريف النقد وفلسفة النقد ودور النقد في الحياة الاقتصادية، من نعم الله تعالى أنه خلق الدراهم والدنانير وبها قوام الدنيا.
الله عز وجل ذكر في القرآن الكريم أن المال هو قوام الحياة، الشاب بالمال يتزوج ويشتري بيتـاً وأثاثاً، ينجب أولاداً ويربي أولاده ويأتي بالطعام والشراب، يعالج أولاده إذا مرضوا، المال قوام الحياة وكسب المال جزء من الدِين، طلب الحلال فريضة بعد الفريضة.
فيقول هذا الإمام الجليل: من نعم الله تعالى أنه خلق الدراهم والدنانير وبها قوام الدنـيا وهما شيئان لا منفعة في أعيانهما، إذا واحد كان جـائعاً جداً ومعه خمس مائة ليرة هل يستطيع أن يأكلها ؟ إذا كانت حالة برد شديد ومعه ألف ليرة هل يتغطى بها ؟ لا، وفي حال مرض شديد ومعه ألف ليرة هل يستخدمها كدواء ؟ ينقعها ويشرب ماءها.
النقطة الدقيقة جداً في المال أن المال لا يُنتفع به مباشرةً، من جعله سلعةً وقع في الربا، المال ثمن وليس شيئاً، ليس سلعة.
يروى من باب التقريب أن إنساناً كان يقطع فيافي الصحراء، على ناقة ثم نفذ طعامه وشرابه فأيقن بالموت وبعد أن أيقن بالموت وكادت نفسه تفيض من شدة الخوف، لمح عن بعد شجرةً فأشرق في نفسه نور من الأمل، هرع نحو الشجرة فشرب حتى ارتوى لكنه جائع جوعاً شديداً فإذا بكيس إلى جانب الشجرة سر به سروراً عظيماً وهو يتوهم أن فيه خبزاً ولكن يا للأسف فقد فتح الكيس فلم يجد فيه إلا لآلئ فصاح قائلاً: واأسفاه هذه لآلئ.
إنسان مقطوع في الصحراء، جاء من الكويت إلى الشام قبل أن يكون الطريق معبداً وفي الطريق صحراوي ضل الطريق وبقي يبحث عن الطريق ساعات وساعات إلى أن نفذ الماء الذي معه فوجد ميتاً هو وزوجته وأولاده وقد (هبج) إن صح التعبير وجهه بأظافره من ألم العذاب وكـان معه مئات ألوف الليرات في السيارة.
مائة ألف ليرة لا تغني عن كأس ماء، قيل يا أمير المؤمنين: بكم تشتري هذه الكأس من الماء إذا منع عنك ؟ قـال: بنصف ملكي، قال: فإذا شربته ومنع إخراجه، قال: بنصف ملكي الآخر، قال السائل: كل ملكك يساوي كأس ماء تشربها وتخرجها فاتق الله.
الإمام الغزالي يقول: هما شيئان الدراهم والدنانير، لا منفعة في أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة وأنا لا أبالغ إن قلت قد يحتاج أحدكم إلى مليون حاجة، قد يلزمه زر، قد يلزمه إبرة قد يلزمه أن يعالج ابنه، قد يلزمه أن يشتري ثقّابة ليضع الأوراق في الإضبارة، قد يلزمه أن يأكل، قد يلزمه أن يتعلم، قد يلزمه أن يسافر و إذا كان عنده مركبة فأكثر من أربعة مائة ألف قطـعة في السيارة وكل قطعة لها اسم، وكلها معرضة للتلف والتبديل.
يقول الإمام الغزالي: الإنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه، يحتاج إلى مسكة من أجل الجبن، يريد محلباً وحبة بركة، أحياناً يحتاج إلى عصفر وإلى ملح ليمون ويحتاج إلى خل أحياناً.
انظر البيت كم حاجة فيه، يحتاج إلى قدح للشراب وقدح للشاي وفنجان قهــوة، إلى أوانٍ وأدوات وإلى مبيد للصراصير أحياناً، يحتاج إلى أدوية منعشة وإلى أدوية مسكنة، إذا أردت أن تعد الحاجات التي أنت في حاجة إليها ولا أبالغ تفوق المليون حاجة ولكن نحن لا نشعر بها، نشتريها تباعاً.
قال قد يعجز عما يحتاج ويملك ما يستغني عنه، هنا المشكلة، معك حاجات لا تحتاجها وأنت بحاجة إلى حاجات تلزمك، ما هو العمل ؟ كمن يملك الزعفران وهو محتاج إلى جَملٍ يركبه، طبعاً النص قديم، ولكن نبدل هذا النص.
مثلاً: شخص زرع حبة البركة وعنده ثمانية أطنان أو عشرين طناً وهو يحتاج إلى دراجة وثياب، حاجات معينة ولابد منها.
كمن يملك الزعفران وهو محتاج إلى جمل يركبه وكمن يملك الجمل وربما يستغني عنه ويحتاج إلى زعفران فلابد من معاوضة.
أصل المال أن كل إنسان عنده نوع من الحاجات، فائض عن حاجته، ويحتاج إلى حاجات كثيرة هو في أشد الحاجة إليها، كيف نتبادل مع بعضنا بعضاً ؟ ولا بد في مقدار العوض من تقدير، هل معقول أن نعطيه أوقية زعفران بجمل، إذا كان شخص يلزمه مادة غذائية وعنده خمسة أطنان من قمح هل يعطي قنطار القمح بكيلو جبن، ليس معقولاً. فما هو الطريق؟
قالوا: إذاً لا يبدّل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران. ولا مناسبة بين الزعفران والجمل.
أي كم أوقية من البن تساوي سيارة، لا يتناسبان إطلاقاً، لو لا وجود المال لتعقدت الأمور، هل بالوزن يمكن أن نشتري بن ونبيع البن بوزن الجمل، هل ذلك ممكن ؟ لا حل لهذه القضية.
قالوا: وكـذا كمن يشتري داراً بثياب، أو دقيقاً بحمار لا يوجد تناسب بين الأشياء، فلا يدري كم الجمل يساوي من الزعفران،عندئذ تستحيل المعاملات بين الناس. فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط يحكم بينها بحكمٍ عدل، فيُعرف كلُ واحد برتبته ومنزلـته حتى إذا تقررت المنازل وترتبت الرتب عُلم بعد ذلك المساوي من غير المساوي فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين متوسطين.
هذه ثمنها خمسين ليرة وهذه ثمنها خمس مائة ليرة، دخل عنصر ثالث وهو المال لو أنت بحاجة إلى كأس وعندك هذه المسجلة هل من المعقول أن تدفعها مقابل هذا الكأس ؟ عندما أقول لك هذه ثمنها مائة ليرة، وهذه خمسون ليرة، عشر كؤوس تساوي مسجلة، فالمال هو الذي يقوم الأشياء كلها، أريد أن أشغّل إنساناً عندي ماذا أعطيه ؟ لو أعطيته الدقيق هو بحاجة إلى ثياب أما أنا فأقول له: أنت تعمل في اليوم بخمس مائة ليرة وأنت بهذه الخمس مائة تشتري ما تشاء.
ما هو النقد ؟ هو تعبير عن الجهد البشري، أو تعبير عن السلعة، وكلٌّ يقوم بالمال رأى بالنقد.
قال: وخلق الله الدراهم والدنانير حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما، الحقيقة كلمة المال لا تعني النقد، المال شيء ينتفع به مباشرةً الجمل مال، الطائر مال، الماء مال إذا كنت تستخرجه من أعماق الأرض، الطعام مال، السجاد مال، الثريا مال، الطاولة مال، كل شيء تنتفع به مال.
أما النقد: كل شيء يُقَيمُ به المال هو النقد، والنقد له فلسفة عميقة جداً، وسيط تقيم به كل الأشياء وإذا قُيمتْ صار من السهل أن تتبادل السلع والمنافع والخبرات والخدمات، لا يمكن أن نتبادل السلع والخدمات والخبرات إلا عن طريق الوسيط الذي هو المال.
شخص راتبه فرضاً عشرة آلاف ليرة، يلزم ابنه درس رياضيات والدرس مثلاً قيمته بخمسمائة ليرة في الساعة، يدفع خمسمائة مقابل الدرس، هل من المعقول أن يدفع جهده كله مقابل الدرس مستحيل، إذاً عندنا وسيط بين كل السلع وبين كل الأموال وبين كل الخدمات.
يقال مثلاً: هذا الجمل يساوي مائة دينار وهذا القدر من الزعفران يساوي مائة فهما من حيث إنهما متساويان بشيء واحد إذاً هما متساويان وهذا المال مقوِّم لذلك حينما يلد المال المال وقعنا في مخالفة كبيرة الأعمال تلد المال، أما المال لا يلد المال إذا ولد المال المال نقلناه من ثمن إلى سلعة وهنا الحرمة.
إذا أودعنا المال في المصرف وأخذنا فائدة معنى المال ولد المال، معنى ذلك حولناه إلى سلعة، نحن ينبغي أن نجعل المال يُكتسب على الأعمال طبعاً، الموضوع يحتاج إلى تفصيل كبير، حينما يقتصر كسب المال على الأعمال ترخص الأسعار وتنعدم البطالة ويعمـــل الجميع وينخفض مستوى المعيشة، وحينما تلد الأعمال المال تعمر الأرض وتذهب الرذائل وتختفي الجرائم.
أما حينما يلد المـال المال تتجمع هذه الأموال في أيدٍ قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، دخلنا في متاهة الجرائم والسرقات والدعارة.
باحثة اجتماعية كتبت تقريراً عن دراستها، زارت كل سجون النساء، فاكتشفت حقيقةً مرة أن تسعين بالمائة من النساء اللواتي يعملن بالدعارة يعملن عن حاجة إلى المال لا عن فساد خلقي، وعشرة بالمائة فاسدات بطبعهن، معنى هذا مسؤولية المجتمع، حينما يلد المال المال تتجمع هذه الأموال في أيدٍ قليلة وبعض الناس يقيم حفل عرس بستين مليوناً أو بستين ألفاً والشباب عندئذٍ لا يستطيعون الزواج ولا يحظى أحدهم بغرفة في أطراف المدينة، يعني وقع الخلل فمن أين يأتي؟
يأتي الخلل من سوء توزيع الثروة، لأن هذه الكتلة النقدية يجب أن تكون متداولة بين الناس، فالكتلة النقدية إذا كانت في أيدي الجميع فنحن بخير ونحن في بحبوحة والمسلم الصادق ولو أن الأسعار تدَنّت وقلَّ ربح التاجر لكان الناس جميعاً تنعموا وجميعاً أكلوا.
شخص ضمن محصول مشمش فرضاً والسعر بثلاث ليرات فأكل جميع الناس هذه الفاكهة ولم يبق: أحد من الناس إلا وأكل من هذه الفاكهة حتى شبع، فالمسلم الصادق لو قلّ ربحه يشعر أن المسلمين انتعشوا، دائماً المؤمن إذا الله عز وجل أرخص الأسعار فرح، والمحتكر إذا أرخصها الله حزن يقول لك: تبهدل سعرها، دعه يتبهدل والناس تأكل.
لذلك أهل الكفر والعياذ بالله تكون المحاصيل جيدة جداً فيتلفون مئات الأطنان من البن حفاظاً على السعر.
وفي أمريكا عندما أسعار الحمضيـــات انخفضت فمحصول سنة بكامله وضعوه في أماكن شاسعة وتركوه يتلف للحفاظ على سعره المرتفع، صار الزنوج الفقراء يدخلون من تحت الأسوار ليأكلوا البرتقال مجاناً و في العام التالي سمموه لئلا يأكله أحد، وحوش. وأكبر عمل وحشي قرأت عنه قبل سنوات أنه تم إطلاق النار على عشرين مليون رأس غنم في أستراليا أعدمت بالرصاص ودفنت تحت الأرض وشعوب بأكملها تموت من الجوع والشيء بالشيء يذكر يا أيها الأخوة لا بد من أن أعلق على ما سمعتم في هذين اليومين، أقول لكم:
في مؤتمر صحفي بُثّ على عشر محطات فضائية استمع إلى هذا المؤتمر سبعمائة مليون إنسان تقول امرأة أنا زنيت في اليوم الفلاني مع فلان وفي اليوم الفلاني مع فلان، وذكرت سبع حالات خيانة، والعالم كله يبكي من أجلها عند وفاتها منذ أيام وقد سار في جنازتها سبعة ملايين.
ماهذا العالم الذي نعيشه ؟ وهؤلاء الذين اغتصبوا في البوسنة والهرسك خمسة وثلاثين ألف امرأة اغتصبوهن في البوسنة و ما بكي أحد. هذه المقابر الجماعية التي اكتشفت في البوسنة والهرسك ما بكى من أجلها أحد، هؤلاء الخمس مائة ألف طفل ماتوا في العراق جوعاً بسبب الحصار الاقتصادي ما بكى من أجلهم أحد، هؤلاء المليون إنسان ماتوا في هذه الحروب التي تجري في هذه الدول المتخلفة ما بكى من أجلهم أحد.
من أجل هذه المرأة الفاسقة، عندما ماتت الدنيا قامت ولم تقعــد، وأحد الأثرياء العرب يشتري سيارتها بمليون دولار، لأنها من رائحتها.
هذا عصرنا لا بد أن نكفـر بالكفر، لا بد من أن تحتقر الكفر والفجور. والطريـــق إلى الله لا يكون سالكاً إذا عظّمت هؤلاء الكاذبين، يكذبون ويدجلون ويغيرون الحقائق ويقيسون بمقياسين.
المال إذا ولد المال ماذا حصل ؟ تجمعت هذه الأموال في أيدٍ قليلة وحرمت منها الكثرة الكثيرة فكان الزنا وبيوت الدعارة والجرائم والقتل لأن المال قوام الحياة.
سيدنا عمر رضي الله عنه أول سؤال كان يطرحه على ولاته، كيف الأسعار عندكم ؟ قال يوماً لأحد ولاته ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب، قال: أقطع يده، قال له إذاً، إذا جاءني من رعيتك جائع أوعاطل فسأقطع يدك، يعني ما دمنا تحدثنا عن هذه التي ماتت قبل يومين ومشى في جنازتها سبعة ملايين والعالم كله يبكي من أجلها فإني أذكركم بتصريح قرأته بأم عيني في جريدة تتحدث عن وزير الصحة البريطاني يحمل دكتوراه في العلوم الإنسانية عقد مؤتمراً صحفياً وقال أنا شاذ جنسياً نحن في أي عصر ؟ والله هذه الدول التي يسمونها دول العالم الثالث فيها بقية حياء وفيها بقية خجل وبقية رحمة وفيها بقية قيم. يجب أن نعتز بإسلامنا ونعتز بديننا وأن نعتـــز بعلاقاتنا الاجتماعية وأن نعتز بما بقي من حب للخير والفضيلة، أولئك وحوش في أثواب بشر.
الآن لا ينبغي أن يكون لأحدٍ غرضٌ في عين المال، عين النقد هو لا ينتفع به مباشرةً، ينتفع به بالوساطة، به تشتري الطعام، به تشتري المدفأة به تشتري سريراً، به تشتري مركبة، هل يمكن أن ننتفع به مباشرةً ؟ لا، من جعله سلعةً ولم يجعله ثمناً يعني كسب المال الحرام، المال إذا ولد المال كان الربا، والشيء الثابت قولاً واحداً أنه إذا فشا الربا ارتفعت الأسعار وفشت البطالة وتفاوت الناس في دخلهم وربنا عز وجل قال:

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾

(سورة الحشر )

ما هي الحالة الصحية الرائعة ؟ أن يأكل كل الناس وأن يسكن كل الناس في بيوت، وأن يعالج كل الناس بالأدوية الجيدة وأن يعيش كل الناس في بحبوحة، هذه هي الحالة الصحية الجيدة.
سيدنا عمر جاءه رسول من أذربيجان معه هدية ثمينة: طعام حلوى، أكل منها قطعة واحدة، وقال للرسول: هـل يأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام، قال: لا هذا طعام الخاصة، أخرج اللقمة من فمه وقال: حرام على بطن عمر أن يذوق طعاماً لا يشبع منه المسلمون، ووبخ الوالي وقال: كيف يعنيك أمر الناس إن لم تأكل مما يأكلون ؟
ومرة عندما ترك أكل اللحم شهرين متتابعين فاشتهى اللحم فخاطب بطنه وقال له: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبــع منه صبية المسلمين.
دعي إلى طعام وضع له على طبق، أطيب ما في الجزور قال: بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها وأكل الناس كراديسها.
لذلك قالوا: من ملك المال ملك كل شيء، هو الوسيط وهو الأداة للتقويم أداة العدل في التبادل، إذا فقدت النقود لجأ الناس للمقايضــة. أحياناً تجد بالجريدة بيت يعرض مقابل بيت فلا ترتاح لعل هذا البيت لا يساوي هذا البيت، مقايضة بيت ببيت نظراً لشح المال وعندنا مشـكلة أن المال قليل والسـلع كثيرة جداً فتجد مائة عرض بالجريدة للمقايضة مباشرة، والمقايضة ماذا تفعل ؟ هذا البيت لا يساوي هذا المحل، أما لو قومنا البيت بالمال و قومنا المحل بالمال صار هناك موازنة، إذا ملك شخص قماشاً فهل هو إذا ملك القماش ملك كل شيء ؟ لا ملك القماش فقط، أما لو باع القماش بالمال و صار معه رصيد ضخم فالآن ملك كل شيء، يقول لك البضاعة مجمدة أما لو باعها بالنقد فالإنسان حر بالنقد، يشتري طعاماً، يشتري ثياباً، يشتري منزلاً، يشتري مركبة، يسافر، يتاجر، يؤسس عملاً، هذا كله كلام الإمام الغزالي قبل أن تظهر النظريات الاقتصادية و قبل أن تظهر قيمة النقد و فلسفة النقد قال:
من ملك المال ملك كل شيء، لا كمن ملك ثوباً فإنه لم يملك إلا الثوب، فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب لأن غرضه دابة لا ثوب، فشخص معه قماش فقط و لزمه طعام فجاء لصاحب الطعام قال له أنا عندي قماش وأريد طعاماً، فيقول أنا أريد دابة لا قماشاً، فمع السلامة، أما مادام معه نقد فإنه يشتري به الطعام بكل حرية.
قال: المال كالمرآة ليس لها لون لكنها تحكي كل شيء، أي شيء تضعه أمامها يرتسم فيها.
النقد ينبغي ألا يكون غرضاً في ذاته، حتى إن الإنسان إذا كسب المال بنية استعماله في الخير فله أجر، أما حينما يكنز المال للمال عطل وظيفته، و لنأتِ بمثل بسيط: إذا أحضــرنا مائة مليار ليرة، من فئة الخمسمائة، و شكلنا منها نصباً تذكارياً في ساحة عامة ثم طليناها بمادة عازلة و جعلناها بشكل تمثال جميل أو مجسم جمالي جميل فهذه المائة مليار ليرة ماذا فعلنا بها عطلناها، فالمال وظيفته الوحيدة أن يكون متداولاً لذلك الذي يكنز الذهب و الفضة ماذا يفعل ؟ يعطل قيمتها، يعطل الدور الذي أراده الله لها، لذلك نتساءل: لم فرض الله تعالى الزكاة ؟ لئلا يخزن الناس المال، لأنك إن خزنت المال و أنت كمسلم تؤدي فالزكاة كل عام الزكاة تأكل المال كله ، فلئلا يؤكل المال تستثمره فالزكاة لها حكمة سلبية: أنك إن لم تستثمر مالك تأكله الزكاة و قد ورد هذا عن رسول الله

((عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ قَالَ اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ ))

لأنك لو خزنتها و دفعت زكاة مالهم كل عام بعد حين تنفذ هذه الأموال إذ أن الزكاة تأكلها.
قال العلماء إن كل من عمل عملاً لا يليق بالحكمة التي خلق الله المال من أجلها فقد كفر نعمة الله تعالى، وبشكل عام البخيل الذي يكنز المال يعيش فقيراً ليموت غنياً، شخص وجدوه ميتاً من أربعة أيام، ثلاثة و نصف مليون ومليون ومليون كله مكردس وهو لا ينفق شيئاً منها، كنز المـال مخالفة لحكمة المـال، أكمل شيء، وهذا الشيء الناس بعيدون عنه جداً أنك تجد إنساناً كبيراً في السن لا يقوى على أن يعمل إطلاقاً معه مال، تجد شاباً كتلة حياة ونشاط وحيوية ولا يملك من المال شيئاً، فلو كان هناك أمانة وثقة واستقامة وخوف من الله لما وجدت عندنا مشكلة إطلاقاً لأن لدينا أموالاً ولدينا مشاريع أعمال، ذاك شـاب متوقد حيوية ونشاطاً ليس معه مال وهناك إنسان معه مال ولا إمكانية عنده ليشغله، فلو دفع هذا المال لهذا الشاب لتكاملا وهذا أشرف طريق لاستثمار المال المضاربة، لكن حينما أساء الناس ولوج هذا الباب المشروع قَوّوا مركز المصارف، وعندما أخذ الناس الأموال ليستثمروها فأكلوها أضعفوا ثقة الناس بهذا الباب المشروع. والنبي عليه الصلاة والسلام كان أول مضارب في الإسلام
اتّجر بمال خديجة. فمنها المال و منه الجهد والربح بينهما إذاً أول مضارب هو النبي عليه الصلاة و السلام، فالطريق الأكمل لاستثمار المال أن يشترك اثنان: واحد بماله و الآخر بجهده و أن يتقاسما الربح و الخسارة و انتهى الأمر لكن هذ1 الطريق أساء الناس استخدامه فكفر الناس بهذه الطريقة، فصار الاستثمار الربوي هو الأفضل عند الناس وهذه مشكلة كبيرة جداً.
والمهم الآن أن نفهم معنى هذه الآية الكريمة:

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)﴾

(سورة التوبة)

طبعاً بالمناسبة ؛ المـال الذي تُؤدّى زكاته ليـس بكنز، مهما كثر والمال الذي لا تؤدى زكاته هو كنز مهما قلّ.
المال خلق ليحل مشكلات الناس، خلق لخدمة الإنسان فإذا كنت أنت في خدمته وقد انقلبت المفاهيم ؛ قال تعالى:

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)﴾

(سورة الجاثية )

كل الكون مسخر للإنسان يجرى في الخليج سباق للهجن للعمال يضعون طفلاً صغيراً على ظهر الجمل لأنه خفيف الوزن ويعدو، لكن هذه الحركة المستمرة للجمل وعمود الطفل الفقري لا يزال طرياً يسبب له العدو تشوهات في عموده الفقري، وكثـيراً ما يقـع هذا الطفل من على الجمل فيموت، في هذه الحالة من المسخر للآخر ؟ الطفل مسخر للجمل، أما الأصل أن يسخر الجمل للإنسان، الآية عُكست، هذا إنسان فهل يعقل أن نضحي به من أجل سباق ؟ هل يعـقل أن نشوه عموده الفقري من أجل سباق ؟ يجب أن نعلم من هو المسخر للآخر، كل مافي الكون مسخر للإنسان والإنسان مكرم وهو المخلوق الأول.
فقال: كل من استعمل المال كسلعة وخالف فيه حكمة الله عز وجل فقد كفر نعمة المال وقد يحرمه الله من نعمة المال، فالمال إما أن تكون في خدمته وهذا هو شقاء الإنسان وإما أن يكون في خدمتك.
الحقيقة في سلم المال خط أحمر، دون هذا الخط هو في خدمتك بعد هذا الخط أنت في خدمته قد تضيع دنياك وتضيع آخرتك من أجل إدارة هذه الأموال وفي النهاية ليس لك من مالك إلا ما انتفعت به، يعني هذا الثوب الذي لبسته وهذا الطعام الذي أكلته وهذا السرير الذي نمت عليه، هذا هو المال الذي انتفعت به وما سوى ذلك تحاسب عليه من دون أن تنتفع به، هنا الفرق بين الكسب والرزق، الرزق ما انتفعت به، أما الكسب فما كان في خزانتك، و هناك شيء من الواقعية، شخص يملك خمسين ليرة و شخص معه خمسون مليوناً أرادا أن يأكلا فسعة معدة كل واحد منهما واحدة فهذا تشبعه لقيمات و هذا تشبعه لقيمات إذاً ما قيمة هذا المال الفائض ؟ محاسب عليه، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت.
الإمام الغزالي قال: من طلب النقد لغير ما وضع له فقد ظلم نفسه.
أيها الأخوة الكرام أنا ذكرت هذا الموضوع تمهيداً لموضوع دقيق في أحكام الربا وأرجو الله تعالى أن أحسن اختيار موضوعات درس الأحد من الموضوعات التي تشتد الحاجة إليها، لا أحد من الحاضرين إلا يبيع ويشتري شاء أم أبى.
يجب أن تفهم ما حكمة المال، هو قوام الحياة فالذي يبخل به يظلم نفسه، والذي ينفقه جزافاً يظلم نفسه وإنفاق المال سفهاً يعد من السفاهة لذلك فالسفيه يحجر عليه، ينبغي أن تعلم أن المتقين هم كما قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67)﴾

(سورة الفرقان )

يعني جزء من دينك أن تعلم كيف تنفق المال، يروى أن سيدنا رسول الله جاءه فقير فأرسله إلى بعض أصحابه دخل عليه أرضاً فيها بقية حبات قمح فرآه يجمع هذه الحبات، فما سأله ودار بخلده أن هذا الذي يجمع حبات القمح بخيل فانصرف عنه، جاء النبي الكريم وقال له رأيته يفعل كذا وكذا قال له: عد واسأله، فسأله فأعطاه قطيعاً من الإبل، قال له: عجبت لك تجمع الحب وتعطي هذا العطاء، قال له: يا أخي نجمع هكذا لننفق هكذا.
المؤمن عجيب أمره، سمعت من يومين قصة صدقوني كاد قلبي يدمى لها رجل دعي إلى وليمة في دول الخليج، و الداعي إنسان عظيم جداً وغني كبير أقسم ناقل الخبر بالله أن أكثر من عشرين رجل يحملون المنسف عليه جمل وفوق الجمل خروف، أقسم بالله أن رائحة السمن تشم على بعد أكثر من خمسين متراً كم واحداً المدعوون ؟ عشرة أشخاص، هذا المنسف يطعم ألف رجل، أكل الضيوف شيئاً لا يذكر فلما جاء وقت غسل اليدين غسلوا أيديهم فوق هذا المنسف فقال واحد من المدعوين: يا سيدي، بأدب جم أليس هناك من يأكل هذا الطعام، قال: لا يجوز أن يأكل منه أحد بعدي، هذا يلقى بالقمامة قال لي: والله بأم عيني رأيت ما سمعت، أنا مدعو وليست قضية خبر سمعناه، بل شاهد عيان.
أين

(( يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود))

أين هي: والله المؤمن يحرص على حبة رز، حبة رز واحدة لا يدعها في الصحن، كل شيء له حل، أنا مـرة دعيت إلى عقد قران وأنا أذكر هذا مادحاً لا ذامّاً، رجل من كبار الأغنياء دعا ألف شخص، دفع ثمن العشاء مليون ليرة، كل شخص ألف ليرة، سوف تقول إسراف، وأنا حضرت الدعوة فوجدت أنه لم يؤكل عُشر الطعام، سألت ثاني يوم ماذا فعل بالطعام، قال: أكله طلاب أحد المياتم لمدة اثني عشر يوماً وضع في برادات في علب فاخرة و أكل الأيتام منه طيلة اثني عشر يوماً، والذي أقام هذا الحفل قدم مليون ليرة للفقراء لتزويج الشباب.
لا نستطيع أن نتكلم، مادام ولا حبة رز ذهبت ضياعاً، كله انتهى إلى بطون جائعة والرجل غني أحب أن يكون الحفل فاخراً، ولكنه مهيئ فريق عمل، فبعد أن انتهى الطعام كله وضع بأكياس وعلب كرتون وحمل إلى البرادات، ميتم أكل اثني عشر يوماً من هذا الطعام.

((يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود))

وإذا نقضوا عهد الله وعهد رسوله سلط عليهم عدواً يأخذ ما في أيديهم وقد حصل هذا، دول غنية جداً أصبحت الآن فقيرة جداً، قال لي أخ: كان المواطن من هذه الدول لا يعمل إطلاقاً ويحتقر العمل ولا بعشرة آلاف ريال، الآن يعمل بألف وخمس مائة فقط، لا يوجد طعام، حينما يلقون بالطعام في القمامة فهذا هو الجزء، سلط عليهم من يأخذ ما في أيديهم.
وإن شاء الله في الدرس القادم حديثنا عن موضوع ربوي مهم جداً، عن ربا النسيئة وربا الفضل، أي عن ربا القرض وربا البيع والموضوع حساس جداً ومهم جداً وجعلت هذه المقدمة للإمام الغزالي عن فلسفة المال وعن قيمة المال تمهيداً لهذين الدرسين.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS