8680
الفقه الإسلامي - العبادات الشعائرية - الصلاة - الدرس 24 : سجود التلاوة 1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-12-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

سجود التلاوة :

 أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في أبحاث الفقه إلى سجود التلاوة وسببه التلاوة، من إضافته إلى سببه، التلاوة على التالي والسامع في الصحيح، يجب سجود السـهو على التالي أي تالي القرآن إذا مرّ بسجدة أو السامع على الصحيح، وهو واجب على التراخي إن لم تكن في الصلاة، مادمت تقرأ القرآن خارج الصلاة واجب على التراخي، يوجد ظروف لا يناسب أن تسجد كأن تقرأ القرآن في سيارة عامة وأنت مسافر مرّ معك سجدة، فصعب عليك أثناء وجودك في السيارة العامة أن تسجد أمام الناس، وجوب هذه السجدة على التراخي في غير الصلاة، وكره تأخيرها تنزيهاً، تأخير السجود مكروه تنزيهاً لا تحريماً، والكراهة نوعان كراهة تنزيهية و كراهة تحريمية، ويجب على من تلا آية فيها سجدة أن يسجد للسهو، فلو تلوت آية السجدة وحدها عليك أن تسجد للسهو، وبعضهم قال: مع كلمة قبلها وكلمة بعدها أي كلمة السجدة، ولله يسجد، إن تلوت كلمة قبلها وكلمةً بعدها وجبت عليك سجدة التلاوة، وآياتها أربع عشرة آية في الأعراف، و الرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، والسجدة، وصاد، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، والعلق، هذه هي السور التي فيها مواضع لسجود التلاوة، ويجب السجود على من سمع وإن لم يقصد السمع، أخوك في البيت يقرأ القرآن وأنت تعمل عملاً يجب على من استمع آية السجدة وإن لم يقصد سماع القرآن الكريم إلا الحائض والنفساء فليس عليها سجود التلاوة.
 ولهذا السجود أحكام نأخذها في درس قادم لأنها طويلة وكثيرة، ونفسح المجال للفصل المختار من إحياء علوم الدين الذي يتعلق بآداب الطعام والشراب، وبعدها تأتي آداب أخرى مذكورة في هذا الكتاب.

* * *

آداب الضيافة :

 أنهينا في الدرس الماضي آداب تقديم الطعام وها نحن أولاء اليوم ننتقل إلى آداب الضيافة، وآداب الضيافة ستة آداب، الدعوة أولاً، والإجابة ثانياً، والحضور ثالثاً، يوجد فرق بين الإجابة والحضور فالإجابة قبول الدعوة، أما الحضور فتنفيذها، ثم تقديم الطعام، ثم الأكل ثم الانصراف، قال صلى الله عليه وسلم:

(( لا تكلفوا للضيف فتبغضوه، ومن أبغض الضيف فقد أبغض الله سبحانه وتعالى ومن أبغض الله أبغضه الله ))

[أخرجه أبو بكر ابن لال في مكارم الأخلاق من حديث سلمان]

 إذا تكلفت للضيف يصبح وجود هذا الضيف عليك ثقيلاً، إن كرهت الضيف كما جاء في الحديث الشريف أبغضت الله عز وجل، ومن أبغض الله أبغضه الله، وقـال صلى الله عليه وسلم:

(( لا خير فيمن لا يضيف))

[ أحمد عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]

الكرم والشجاعة من صفات المؤمن الثابتة :

 من صفات المؤمن الثابتة الكرم والشجاعة، وأظن أن البخل والجبن لا يجتمعان بمؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام تعوذ بالله من البخل والجبن، والهم والحزن، وغلبة الدين وقهر الرجال.
 وكان إبراهيم الخليل صلوات الله عليه إذا أراد أن يأكل خرج ميلاً أو ميلين يلتمس من يتغذى معه، وكان يسمى أبا الضيفان، ولو دققت في الأمر ترى أن الإنسان الكريم سبحانه وتعالى يغدق عليه من خيراته، فإذا أكرمت الضيف على حساب الله سبحانه وتعالى لا على حسابك أحياناً تكون أنت مندوب شركة ويأتي مدير الشركة أحياناً وتدعوه إلى طعام نفيس، وتطلب وتعرف الدفع كله على حساب الشركة وأنت مندوبها، فتكرم كرماً منقطع النظير، والحقيقة هذا مثل ينطبق على المؤمن لأن عنده يقيناً أن هذا المال الذي ينفقه على الضيف هو مال الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى متكفل أن يعوضه عليه فكأنما يضيف أخوانه المؤمنين على حساب الله سبحانه وتعالى.
 قصة قلتها لكم كثيراً، يوجد بيت عربي قديم فيه ليمونة تحمل خمسمئة ليمونة في الموسم، أهل الحي كلهم تعودوا على هذه الليمونة عندهم صحن سلطة نقصهم ليمون يقرعون الباب لو سمحتم ليمونة، يعطونهم من عشرين إلى ثلاثين سنة وهذه الليمونة تحمل ما يحتاجه أهل الحي كلهم، هذه المرأة الكبيرة توفيت وعندها كنة شابة حمقاء بخيلة فلما طرق الباب من أجل ليمونة نهرتهم وطردتهم فما كان من هذه الليمونة إلا أن يبست في العام التالي.

من أكرم الناس فعلى حساب الله عز وجل :

 يجب أن تعتقد أنك إذا أكرمت الناس فعلى حساب الله، أنفق بلالاً ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً، عبدي أَنفق أُنفق عليك، سيدنا عبد الرحمن بن عوف قال له بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: نخشى أن يؤخرك كثرة مالك عن اللحاق برسول الله، فقال رضي الله عنه: والله لأدخلن الجنة خبباً - أي هرولةً - وماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيأتيني الله ألفاً في المساء، والله ما حرمت مالي محتاجاً ولا مسكيناً، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 وهناك أخ له محل في بعض أسواق دمشق، و في أحد الأيام قالت له أخته: أريد ألفي ليرة منك، وأخته غير متزوجة ساكنة عنده، وطعامها وشرابها وكسوتها وكل حاجاتها عليه، ما قنع صار معه صراع أيعطيها أم يقول لها لا أملك هذا المبلغ؟ تغلب حبه للخير ولم يرد أن يردها فأعطاها الألفين، قال لي: منذ سنة ذهبت إلى السوق الساعة العاشرة فجاءه رجل من قطر عربي يود أن يشتري حاجة ليست عنده قال له: دلني على معملها فأخذه بيده إلى معملها، وهذا الرجل التاجر اشترى كمية كبيرة بسبعين ألف ليرة تقريباً ظهراً فجاء صاحب المعمل في طريق ذهابه إلى الغداء وأعطاه ألفي ليرة مكافأةً له على أنه دلّ الزبون لعنده، قال لي: في اليوم نفسه دفعتها صباحاً فأخذتها الظهر، طبعاً مثل هذه القصة يوجد آلاف القصص، لكن ربنا أحياناً يعلمك أن تكون كريماً، طبعاً الله كريم، ولكن إذا أنفقت يمكن أن يعطيك التعويض سريعاً، فالرجل ضعيف الإيمان يأتيه التعويض سريعاً حتى يوقن أن هذه النفقة قد عوضها الله له أضعافاً كثيرة.

تعريف الإيمان :

 وسئل عليه الصلاة والسلام ما الإيمان؟ قال: إطعام الطعام، وقال صلى الله عليه وسلم في الكفارات: إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، وسئل عن الحج المبرور قال:

((حَجٌّ مَبْرُورٌ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةَ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ قَالَ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السلامِ ))

[ أحمد عَنْ جَابِرٍ]

 وقال أنس رضي الله عنه: كل بيت لا يدخله ضيف لا تدخله الملائكة، وهذه الأحاديث والآثار كلها في الحث على بذل الطعام للضيف.

آداب الدعوة :

1 ـ ينبغي للداعي أن يعمد بدعوته إلى الأتقياء دون الفساق :

 أما الدعوة فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته إلى الأتقياء دون الفساق وهذا أول أدب، و أكثر الولائم يدعى إليها وجهاء المجتمع بيت فلان، بيت فلان الأغنياء المترفون الذين لا يصلون، وهذه الولائم لا يراد بها وجه الله تعالى، و ليست داخلةً في هذا الموضوع إطلاقاً، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]

 وبلغني أن بعض الأمراء أحياناً يقيمون بعض الولائم، الوليمة لأمير ثانٍ يقدم له مثلاً جمل صغير هذا غالي الثمن وله مذاق طيب لا يجرؤ أحد أن يأكل بعد الأمير لقمة، قال: لأن هذا إهانة للأمير، بل يأخذ هذا الطعام النفيس الذي يكفي ألف إنسان ويلقى في القمامة، وهكذا العرف عندهم، أي عرف هذا؟ أن يصنع طعام يكفي ألف إنسان ليأكله إنسان واحد وعلى الضفة الأخرى من البحر أناس يموتون جوعاً، أي عرف هذا؟ وأي تقليد؟ وأي سنة؟ هذه الولائم التي تقام من أجل المباهاة ما أنزل الله بها من سلطان، وليست داخلةً في كل هذا الكلام.
 يجب أن يعمد الداعي إلى الأتقياء دون الفساق، قال صلى الله عليه وسلم لرجل ضاف عنده:

((عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ ))

[ أحمد عَنْ أَنَسٍ]

 وسام كبير أن يأكل طعامك الأبرار، أما إذا أكل طعامك الفساق الفجار الكفار المعرضون فهذا وصمة عار في حقك، وفي دعائه صلى الله عليه وسلم: "لا تأكل إلا طعام تَقيٍ ولا يأكل طعامك إلا تَقيٌ"، وشر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء.

2 ـ عدم إهمال الأقارب في الضيافة :

 وهنا يوجد أدب من الآداب يجب ألا يهمل أقاربه في ضيافته، فإنسان دعا أصدقاءه وله صهر، وهذا الصهر قد يعتب عليه، فالأقربون أولى بالدعوة، وهناك أناس يلوذون بك هؤلاء يجب أن تدعوهم، ولذلك ينبغي ألا يهمل أقاربه في ضيافته، فإن إهمالهم قطع رحم، وكذلك يراعى الترتيب في أصدقائه ومعارفه الأكبر فالأكبر، الأقدم فالأقدم، ولابد من قاعدة لكي لا يعتب عليك الباقون، ومن دون قاعدة مشكلة، دعوت أخواتك البنات جميعاً، دعوت أخوانك بحسب قاعدة معينة، أخوانك في الحرفة، جيرانك في الحي، أولاد العم جميعاً، الأخوة لابد من قاعدة تراعي فيها هؤلاء.

3 ـ ألا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب أخوانه :

 ينبغي ألا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب أخوانه، والتسنن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام الطعام، وإدخال السرور على قلوب المؤمنين.

4 ـ ألا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة :

 ويجب ألا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة، إذ يوجد ظروف قاهرة، فإنسان يجوز أن يكون محله بعيداً جداً، فإذا دعوته و أراد تلبية الدعوة يتكلف أن يأخذ سيارة خاصة بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً فقد لا يملك هذا المبلغ، وإذا إنسان في دعوته مشقة كبيرة ينبغي ألا تدعوه.

5 ـ عدم دعوة من يتأذى الحاضرون من كلامه :

 وإذا حضر أو أن لك ابن عم أو أخ ملحد ودعوت أخوانك المؤمنين فإذا دعوته - له عندي عزيمة ادعه بالجملة- تؤذي الحاضرين، فهذا إنسان منكر، وإذا قال أحدهم كلمة بالدين يرد عليهم، وإن سكت يكهرب الجو كله، وإن كان أخاك، و إذا إنسان دعوته إلى وليمة يتأذى الحاضرون من كلامه، ومن تعليقاته أحياناً، ومن عدم مبالاته، من قواعد الدين أن تدعو الإخوان المؤمنين، دعوت أخاك النسبي فيجب ألا يدعى هذا معهم.

6 ـ ينبغي ألا تدعو إلا من تحب إجابته :

 قال سفيان: "من دعا أحداً إلى طعام..."، فالآن يوجد أدب أخير وينبغي ألا يدعو إلا من يحب إجابته، أحياناً إنسان يدعو شخصاً ويقول: إن شاء الله لا يأتي، إما أن تدعوه أو لا تدعه، أن تدعوه وأنت تتمنى ألا يحضر فهذا مخالف للسنة، قال سفيان: "من دعا أحداً إلى طعام وهو يكره منه الإجابة فعليه خطيئة، فإن أجاب المدعو فعليه خطيئتان"، إذاً لا يوجد نفاق، ولا مواقف معلنة ومواقف حقيقية، ولا يوجد مجاملات، ولا يوجد ازدواجية في المواقف، إما أن تحبه فتدعوه، وإن كنت لا تحبه لا تدعه، أما أن تدعوه وتتمنى ألا يحضر فإذا حضر خيب ظنك.
 وإطعام التقي إعانةً له على الطاعة، وإطعام الفاسق تقويةً له على الفسق، قال رجل خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب الأمراء فهل أخاف أن أكون من أعوانهم؟ قال: لا أنت منهم لا من أعوانهم، أما الذي يبيعك الخيط والإبرة فهو من أعوانهم.
فإذا دعوت الفاسق أعنته على فسقه وفجوره.

إجابة الطعام سنة مؤكدة :

 أما إجابة الطعام فهي سنة مؤكدة، وقد قيل بوجوبها في بعض المواقع، فبعضهم يقول: الإجابة واجب كالفرض، وبعضهم يقول: إنها سنة، قال صلى الله عليه وسلم:

((لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فليس لك عليه شيء، قدم لك ذراعاً فيه قليل من اللحم، فتقول: شكراً له وهذه من آداب النبي عليه الصلاة والسلام، أما أن تحتقر ما يقدم لك فهذا إثم كبير، وهذا كبر، وهذا استعلاء شيطاني.
 وأحياناً رجل يقدم لك برتقالة صغيرة لا يوجد عنده غيرها، تقول له: شكراً، بارك الله فيك، ألم يستحِ أن يقدمها لك؟ لا لم يستحِ أحب أن يكرمك، فإن الحرمان أقل منه، برتقالة واحدة، لا يوجد عنده غيرها هذه كلها مصطلحات جاهلية.

آداب إجابة الدعوة إلى الطعام :

1 ـ ألا يميز الغني بالإجابة عن الفقير :

 الآن آداب إجابة الدعوة إلى الطعام، الأول: ألا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه، تدعى أحياناً إلى كتاب،مستوى راقٍ جداً، وتعرف أن القطعة غالية وسوف يقدمونها لك من فوق المئة ليرة، الطعام الذي سوف يقدمونه لك ثمين، تركض فوراً وتلغي جميع مواعيدك، أما دعيت إلى كتاب فقط فيه وملبس والله تعذرني عندي مواعيد، فهذا هو التكبر بعينه، فإذا كنت مؤمناً تلبي جميع الدعوات، أتختار الغني وتقول للفقير اعذرني مشغول لا يوجد عندي وقت!! أتمنى أن آتي ولكن عندي موعد مهم جداً، والله يعرف إذا كان عندك موعد مهم جداً أم لا، وقد تكون نيتك انسحاباً من الدعوة أو كبراً فهذا ليس من أخلاق المؤمن في شيء.

النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين :

 وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد، ودعوة المسكين، فامرأة ضعيفة مسنة استوقفته في الطريق فوقف طويلاً يكلمها في حاجتها، قال عدي بن حاتم: والله ما هذا بأمر ملك، ما هذا التواضع؟ أنت مدير دائرة يوجد عندك مستخدم، قال لك: يا سيدي هل تشرفنا إلى البيت؟ تقول له: نعم، تجبر خاطره، ويمكن أن تهديه إلى الله، ومن أنت؟ قد يكون هذا عند الله أفضل منك، لا تعرف قد يكون له عمل طاهر مستقيم، أنت مدير عام وهو مستخدم، قال تعالى:

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾

[سورة الواقعة: 1-3]

 ويمكن في الآخرة أن تكون مستخدماً وهو مدير عام، لا تعرف، فعلى الإنسان ألا يتكبر، وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين.
 ومرّ الحسن بن علي بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق وقد نشروا كسراً على الأرض - خبزاً يابساً - في الرمل وهم يأكلون، فمر عليهم الحسن وسلم عليهم فقالوا له: هلم إلى الغداء يا بن بنت رسول الله؟ قال: نعم إن الله لا يحب المستكبرين فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل، ثم سلم عليهم وركب فقال: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم ودعاهم فوعدهم بوقت معلوم فحضروا وقدم لهم فاخر الطعام.
 أحد العلماء الكبار في الشام قبل أربعين سنة كان يدعو الأمراء كبراء البلد الوجهاء، من لهم الحول والطول، ويضع لهم كشكة، وأولاده يخجلون ما هذا الطعام؟ يقول لهم: هذا الطعام يحبونه لا يأكلونه أبداً، والفقراء يدعوهم ويضع لهم لحماً، إذا دعا الكبراء يضع لهم طعاماً متواضعاً جداً حتى يذوقوا طعام الفقراء، إذاً دعا الأغنياء ليؤدبهم ويعلمهم أن هذا طعام الفقراء.
 والله ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم، فكان هذا العالم إذا دعا الكبراء والأمراء من أجل أن يؤدبهم وأن يذيقهم طعام الفقراء، وإذا دعا الفقراء أذاقهم أطيب الطعام وكان يقول: هؤلاء يحبون هذا الطعام لأنهم لا يأكلونه، وهؤلاء يحبون هذا الطعام لأنهم لا يأكلونه، فإذا دعوت شخصاً إلى طعام يأكله كثيراً ما فعلت شيئاً.

من دعاه إنسان فاجر فاسق فلا يجبه :

 أما قول القائل إنما وضعت يدي في قصعته فقد ذلت له رقبتي، هذا القول محمول على أن إنساناً متكبراً دعاك، فإذا دعاك إنسان متكبر فاسق فاجر تعلل ولا تجبه، لأنك إذا وضعت يدك في قصعته ذلت له رقبتك وأنت عزيز النفس، أنت للمؤمن ذليل أذل من شاتك أما للكافر فعزيز عليه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
 والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحضر طعام من دعاه إن كان هذا في علمه أنه يدخل على قلبه السرور.

من ظنّ أن الداعي يستثقل الإطعام وفعل ذلك مباهاةً فليس من السنة إجابته :

 بالمناسبة إذا إنسان دعاك إلى الطعام ولم يفرح بهذه الدعوة فإياك أن تجيبه، وقبل قليل نهي عن أن إنساناً يدعو إنساناً ويتمنى ألا يحضر، أما إذا دعيت إلى طعام وتعلم أن الداعي قد دعاك متحرجاً أي أنت من مستوى فلان وفلان، وفلان دعاك لكي لا تعتب عليه وهو يتمنى ألا تحضر فإياك أن تحضر، ومن ظن أن الداعي يستثقل الإطعام وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفاً فليس من السنة إجابته، بل الأولى التعلل أي الاعتذار، وقد قال بعض الصوفية: لا تجب إلى دعوة من يرى أنك أكلت رزقك، وأنه سلم إليك وديعةً كانت عنده، ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه، إذا إنسان يرى في إجابتك الدعوة فضلاً عليه، ويرى أن هذا الطعام وديعة مودعة أمانة عنده، ويرى أنك إذا أكلت من طعامه فقد أكلت رزقك، قال: هذا يجاب وما سوى ذلك لا يجاب، وقال بعضهم: آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة، فأحياناً تأكل طعاماً حراماً فهناك تبعة ومسؤولية، فإذا إنسان بيده أموال أيتام وأكل وذهب ليسافر حتى يتاجر لهم وأكل أفخر الطعام ما ترك شيئاً ما أكله ويقول: هذا مصروف على الشركة، فأي مصروف هذا؟ هكذا المصروف في هذا البذخ؟ فلو كان من مالك فهل تأكل هذا الطعام؟ هذا الطعام فيه تـبعة ومسؤولية كبيرة، فقال هذا الرجل: آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة.
 فعلمت أنه عقوبة، الترفع عن طعام المحب، وأحياناً شخص يغيب ويحضر لك عشاء، ويكون قد كلف نفسه فتقول له: ما بنفسي، كل هذا التعب أفلا تأكل؟ فهذا سوء أدب، إذا إنسان محب قدم لك طعاماً وامتنعت فأنت آثم.

2 ـ لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة لبعد المسافة أو لفقر الداعي :

 الآن يوجد أدب آخر قال: لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة لبعد المسافة، كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه، أي ليس له جاه عظيم فهو من عامة الناس، بل كل مسافة يمكن احتمالها بالعادة لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة إليها، قيل في بعض الكتب: سر ميلاً وعد مريضاً، وسر ميلين وشيع جنازة، وسر ثلاثة أميال وأجب دعوة فقير، وسر أربعة أميال وزر أخاً في الله، والحديث الشريف:

(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 الغميم من أطراف المدينة مكان بعيد جداً، لو دعي إلى كراع بالغميم قال: لأجبت.

3 ـ ألا يمتنع عن تلبية الدعوة لكونه صائماً بل يحضر :

 والآن الأدب الثالث ألا يمتنع عن تلبية الدعوة لكونه صائماً بل يحضر فإن كان يسر أخاه بإفطاره فليفطر، وهل يوجد أبلغ من ذلك؟ أنت صائم صيام نفل، ودعاك أخوك إلى الغداء والمكان بعيد، فعليك أن تلبي الدعوة، وأن تفطر في ذلك اليوم إكراماً له، وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في الصوم، وأفضل الأجر الذي يكتب بإفطاره عند أخيه ليسره أعظم من الأجر الذي يكتب له بصيامه، وقد قال عليه الصلاة والسلام لمن امتنع بعذر الصوم: تكلف لك أخوك وتقول: إني صائم؟ وقالها مغضباً.
 وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار"، فالإفطار عبادة بهذه النية، صائم صيام النفل وهناك أخوان طيبون دعوك إلى طعام يسرون أن تأكل معهم، قال: الإفطار بهذه النية عبادة، وأن تقطع صومك فهذا عبادة وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم.

4 ـ أن يمتنع من الإجابة لو كان الطعام طعام شبهةٍ أو كان الداعي ظالماً :

 الأدب الرابع: أن يمتنع من الإجابة لو كان الطعام طعام شبهةٍ، أو البساط المفروش من غير حلال، أو كان يقام في موضع منكر من فرش ديباج، أو إناء فضة، أو تصوير حيوان على سقف أو حائط، أو سماع شيء من المزامير والملاهي، أو التشاغل بنوع من اللهو، والعزف، والهزل، واللعب، واستماع الغيبة، والنميمة، والزور، والبهتان، والكذب، وشبه ذلك، أي كل دعوة فيها كذب، وبهتان، وزور، ونميمة، وغيبة، ولعب، وهزل، وعزف، وملاهٍ...
فتلبية الدعوة ليست مباحةً، و الأولى أن ترفض هذه الدعوة، وكذلك إذا كان الداعي ظالماً، أو مبتدعاً، أو فاسقاً، أو شريراً، أو متكلفاً طلباً للمباهاة والفخر، وهذا أيضاً من آداب إجابة الدعوة.

5 ـ ألا يقصد المجيب للدعوة بالإجابة قضاء شهوة البطن :

 الأدب الخامس: ألا يقصد المجيب للدعوة بالإجابة قضاء شهوة البطن، فإذا رجل قال: إنه أخ محب وطعامه طيب فلأذهب وآكل عنده فهذه لا تجوز، فهنا عامل من أبواب الدنيا، بل بحسن نيته، صار إجابة هذه الدعوة أحد عوامل الدخول في أبواب الدنيا، والدخول في أبواب الدنيا مكروه، فما النية؟ إكرام أخيه بإجابة الدعوة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَنْ عَطِيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيَّ يَقُولُ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ قَالَ فَنَامَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ وَعَقَلَ قَلْبِي قَالَ فَقِيلَ لِي سَيِّدٌ بَنَى دَارًا فَصَنَعَ مَأْدُبَةً وَأَرْسَلَ دَاعِيًا فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَطْعَمْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ قَالَ فَاللَّهُ السَّيِّدُ وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي وَالدَّارُ الإِسلامُ وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ))

[الدارمي عَنْ عَطِيَّةَ]

 ومن أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم الله سبحانه وتعالى، ومن سرّ مؤمناً فقد سره الله.

(( عن مُعَاذٌ فَقَالَ عُبَادَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ بِمَكَانِهِمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ ))

[ أحمد عن مُعَاذٌ]

6 ـ الإنسان المؤمن ينوي بإجابته الدعوة صيانة نفسه عن أن يساء به الظن :

 فالآن أحياناً تدعى إلى وليمة إذا امتنعت يفسر هذا بالبخل، فالإنسان المؤمن ينوي بإجابته الدعوة صيانة نفسه عن أن يساء به الظن، وأغلب الظن أن البخيل لا يجيب الدعوة، أي وقع تحت عبء الرد، فإذا لم يجب الدعوة فلا شيء عليه لكن مثل هذا العمل قد يساء به الظن، فيظن أن هذا الذي رفض الدعوة بخيل لا يحب أن يدعو الناس إلى طعامه، وقد يطلق اللسان فيه، وفي عرضه، فهذه ست نيات تلحق إجابة الولائم فكيف إذا اجتمعت كلها في المؤمن، فهذه الآداب الست يجب أن تجتمع في المؤمن حتى يكون عمله كله لله سبحانه وتعالى.
 كان بعض السلف يقول: أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام والشراب، اقتداءً برسول الله وفي مثل هذا قال عليه الصلاة والسلام:

((عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ مسلم عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ]

 لكن النية الطيبة لا تعد نيةً طيبة إلا في المباحات، أما في المعاصي فالنية لا قيمة لها أبداً، وينوي أن يسرهم بشرب الخمر وهذه مرفوضة، فالنية الطيبة في المباحات فقط، أما إذا في معصية فهذه النية لا قيمة لها إطلاقاً.

* * *

شمائل النبي عليه الصلاة والسلام :

1 ـ صبره على أذى المشركين و تحمله للشدائد :

 والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، كان صابراً على أذى المشركين، ومتحملاً للشدائد في سبيل الله:

(( عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلالٍ قَالَ أبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلالٌ إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُهُ تَحْتَ إِبْطِهِ ))

[ابن ماجة عَنْ أَنَسٍ ]

 أي ما أوذي أحد مثلما أوذي عليه الصلاة والسلام، وأحياناً يقول إنسان لآخر: لا أريد لك أن تذهب إلى هذا المكان أنصحك، فيترك الجامع نهائياً، فالذي قالها لك إنسان ليس موحداً لله عز وجل، ولا يعرف أن الأمر كله بيد الله، من كلمة واحدة حرم نفسه مجالس العلم، والنبي الكريم خاف بالله أليس لك به أسوة حسنة؟

((...لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ... ))

[ابن ماجة عَنْ أَنَسٍ ]

 وحينما دعا قومه للإسلام قال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، أو أنت رسول، وقال آخر: والله لا أكلمك بعد في مجلسك هذا كلمة واحدة لأن كنت رسولاً، لأنت أعظم شرفاً من أن أكلمك، استهزاءً أيضاً، وقال آخر: أيعجز الله أن يرسل غيرك، هذا ما ردّ به كفار قريش عليه، ولذلك في الطائف قال: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، و هواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن غضباناً، أو إن لم تكن ساخطاً، أو إن لم يكن بك سخط، أو إن لم يكن بك غضب - هذه كل الروايات - علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو أن يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
 هذا سيد الأنبياء، وسيد العالمين كان مستضعفاً، فإذا الإنسان كان مستضعفاً فله برسول الله أسوة حسنة وما بيده شيء.

2 ـ عدله :

 أما عدله فكان صلى الله عليه وسلم أعدل خلق الله تعالى في حقوق الله تعالى، وفي حقوق عباد الله تعالى، قواماً بالقسط، منتصراً للحق مع القوي أو الضعيف، والغني أو الفقير، والكبير أو الصغير، والرجل أو المرأة، ومع الحر أو العبد.

((عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ وقَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[مسلم عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ]

 فالسيدة عائشة كانت وسيطة بين الرسول عليه الصلاة والسلام وبين النساء، قال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً ثُمَّ قَالَ أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ: أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 كان عادلاً، إذا كان هناك رجل مظلوم فدعه يتكلم فإن لصاحب الحق مقالاً وقال عليه الصلاة والسلام:

((....إنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 وقال عليه الصلاة والسلام: والله إني لأمين في السماء وأمين في الأرض، ومرة أعرابي فظ قال له:

((عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: اعْدِلْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْه يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ الْقِدْحُ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَتَدَرْدَرُ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَ ))

[ البخاري عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ]

3 ـ رحمته بالأهل والعيال :

 وسوف ننتقل في درس قادم إن شاء الله إلى رحمته بالعيال، ورحمته بالصبيان، ورحمته بالمؤمنين، ومن رحمته بالأهل والعيال ما رواه أحمد:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ قَالَ عَمْرٌو فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ ))

[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ ))

[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]

 ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله، ولذلك مرة سيدنا عمر عين والياً لولاية وكان في حضنه ابنه يقبله فأنكر هذا الوالي عليه هذا التقبيل، فقال له: أعطني هذا الكتاب كتاب التعيين ومزقه وقال: إن لم ترحم أهلك هل ترحم الناس؟ يعني كان صلى الله عليه وسلم يُعلّم أصحابه الرحمة، وقال: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، كان يصغي الإناء للهرة، كان يقول:

(( عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا وَلا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ))

[ مسلم عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما ]

 والنبي الكريم وصف رجلاً كان عطشاً عطشاً شديداً نزل بئراً فشرب فلما خرج:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلأ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا قَالَ فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 أطعمت حيواناً، سقيت هرة، أنقذت فراشة، أنقذت نملة، أنقذت عصفوراً من يد طفل عابث، اشتريته منه وأطلقته، هذا لك أجر كبير لا يعلمه إلا الله.

((... قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ قَالَ عَمْرٌو فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ ))

[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 فرجل له ابن في حي الميدان ويسكن في المهاجرين، ولا يوجد سيارات مشى مع أصدقائه من الميدان إلى المهاجرين قبّله ورجع، ماذا بقلبه من الرحمة؟ لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي ...))

[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]

من لم يكن عنده رحمة متناهية فليس مؤمناً :

 إن لم يكن عندك رحمة متناهية لأولادك، ولأهلك، ولوالدتك، ولأخيك، ولأختك فلست مؤمناً، وإن صليت وصمت وزعمت أنك مسلم، و هذا الإسلام الصوم والصلاة والحج والزكاة مظاهر ولكن الحقيقة هذا الكمال الإنساني الذي يصل إليه الإنسان عن طريق الصلاة، فصلاة من دون رحمة هذه ليست صلاة، ولكن الصلاة طريق الرحمة، و الصلاة الصحيحة طريق الرحمة، والنبي الكريم كان يقول: "أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهم لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً"، ومرة غضبت السيدة عائشة فقال صلى الله عليه وسلم: " غَضِبَتْ أمُّكم غَضِبَتْ أمُّكم".
 انظر الكمال النبوي، أي إذا أحدكم زوجته غضبت فلا يغضب معها إذ يجن الاثنان معاً، إذا هو غضب فهي تسكت، وإذا غضبت يسكت هو، فإبريق بلور و إسفنجة تصادما لا يحصل شيء، أما إبريقا بلور تصادما فلن يبقى شيء، وأفضل شيء إسفنجة وإسفنجة، لكن إذا غضب مرة الزوج تسكت الزوجة، وإذا غضبت هي يسكت الزوج، هكذا علمنا صلى الله عليه اترك وامش، بعد ساعة هرب الشيطان فلا يوجد شيء.

((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي ...))

[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS