4056
محاضرات وندوات خارجية - سوريا - المحاضرة 48 : أرمناز - الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2004-10-08
بسم الله الرحمن الرحيم

 بسم الله الرحمن الرحيم وصلاة الله وسلامه على المصطفى، إخوتي الحضور علينا أن نعلم أن تقدم العلم... بدأ لجهاد في سبيل خير الإنسان وخير البشرية واستمرت ميادين المعركة الثقافية التي لا تعد ولا تحصى بل تشمل المجتمع كله والأساليب التي يتخذها العدو أيضاً لا تعد ولا تحصى، وما نراه اليوم على الساحة العالمية والإسلامية إنما هو عجز ثقافي أمام قوة وعدالة الإسلام، أيها الإخوة، ما من شك أن القرآن الكريم قد ملك على سلفنا الصالح واستكثر بعناية، فالحديث في وجوه إعجاز القرآن واجب شرعاً لذلك كانت محاضرتنا اليوم لأستاذنا الكبير الدكتور محمد راتب النابلسي بعنوان الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 وإنه لشرف لي أن أقدم محاضرنا اليوم وإنه لعزيز علي أن أصف ضيفنا بكلمات وأقف عندها، هو أكبر من كلمة يوصف بها ولا أقول هذا ثناء فأنا أعلم أن رجلاً أثنى على رجل عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال له ويلك قطعت عنق صاحبك قالها ثلاثة، فأهلاً ومرحباً بك في أرمناز.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد، أيها الإخوة الأحباب، لا يسعني إلا أن أشكركم من أعماق قلبي على هذه الدعوة الكريمة وعلى هذا الاهتمام البالغ والتكريم العالي المستوى والحضور الكبير أسأل الله جل جلاله أن أكون عند حسن ظنكم وأن أقدم لكم شيئاً ننتفع به جميعاً، أيها الإخوة الأحباب، الإنسان هو المخلوق الأول، الأول لقوله تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 72]

 هو المخلوق المكرم لقول الله عز وجل:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70) ﴾

[ سورة الإسراء: الآية 70]

 والإنسان هو المخلوق المكلف لقوله وتعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

[ سورة الذاريات: الآية 56]

 أيها الإخوة الأحباب، علة وجودنا في الأرض أن نعبد الله لا بالمفهوم الضيق الذي ألفه الناس ولكن بالمفهوم الواسع، والعبادة طاعة طوعية، لا تكون عبادة لو أنها قسرية والعبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، فمن أطاع الله ولم يحبه ما عبده ومن أحبه ولم يطعه ما عبده.

تعصي الإله و أنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال بديع
لو كان حبك صادقــاً لأطعته  إن المـحب لمن يحب يطيع
***

 ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه ومستحيل أيضاً أن تحبه ثم لا تطيعه، أيها الإخوة الأحباب، في هذا التعريف الدقيق، طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، فيه كليات ثلاث، فيه كلية معرفية وفيه كلية سلوكية وفيه كلية جمالية، فمن سار في الخطوط الثلاثة تفوق ومن اكتفى بواحدة تطرف، والخطر على الدين من أدعياء الدين ممن تتطرفوا.
 كلية يقينية، كلية معرفية، وكلية سلوكية، وكلية جمالية، الكلية السلوكية هي الأصل لا يمكن أن نقطف ثمرة من ثمار الدين إذا بقي إعجاباً سلبياً واعتقاداً فكرياً ما لم ينقلب إلى سلوك، ما لم ينقلب إلى التزام لا يمكن أن نقطف ثماره أيضاً المعرفية هي السبب، كيف تعبده إن لم تعرفه لا بد من أن تعرفه لو طلبتم مني أن أضغط الدين كله في كلمات ثلاث تعرفه فتطيعه فتسعد بقربه، إلا أن مفهوم الناس عن العبادة مفهوم مقزم عبادات شعائرية تؤدى أداءً شكلياً وانتماء تاريخي ليس انتماء حقيقي هذا يعمق الهوة بين شرائح المجتمع لكن لو فهمنا الدين أنه معرفة بالله أولاً ومعرفة بمنهجه ثانياً وتطبيق لهذا المنهج وإخلاص في التطبيق لكنا في حال غير هذا الحال.
 أيها الإخوة الأحباب، العبادة على مستويات، هناك عبادة الهوية أنت من ؟ أنت قوي عبادتك الأولى إحقاق الحق وإنصاف المظلوم، أنت غني عبادتك الأولى إنفاق المال وحل مشكلات الناس، أنت عالم عبادتك الأولى تعليم العلم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، أنت امرأة عبادتك الأولى رعاية الزوجة والأولاد هذه عبادة الهوية.
 ثم إن هناك عبادة ظرف عندك مريض العبادة الأولى رعاية المريض، عندك ضيف العبادة الأولى إكرام الضيف، ابنك في امتحان العبادة الأولى تهيئة الجو المناسب للدراسة.
 هناك عبادة الوقت فجراً العبادة الأولى أداء الصلاة وقراءة القرآن نهاراً العبادة الأولى العمل، أمسك النبي عليه الصلاة والسلام يد عبد الله بن مسعود فرآها خشنة من العمل رفعها وقال:

((هذه اليد يحبها الله ورسوله ))

 رأى شاباً يصلي في أثناء النهار في العمل قال له من يطعمك ؟ قال أخي، قال:

(( أخوك أعبد منك.))

 رأى عمر رضي الله عنه رجلاً يتعبد الله في وقت العمل ويقرأ القرآن، فقال إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به أفاتخذت قراءته عملاً ؟ دخل إلى قرية فرأى معظم الفعاليات فيها من غير المسلمين فعنفهم تعنيفاً شديداً ثم قال كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ؟ هذا الخليفة العملاق أدرك قبل ألف و أربعمئة عام أن المنتج قوي والمستهلك ضعيف، هذا الدين العظيم دين العمل ولكن فرغ في معظم العصور من مضمونه حتى غدا عبادات جوفاء وخلافات ومشاحنات وأخذ ورد أبعدنا عن جوهرنا.
 أيها الإخوة الأحباب، عالم كبير في أمريكا هداه الله إلى الإسلام وزار بريطانيا والتقى بالجالية الإسلامية ماذا قال ؟ قال أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اليوم اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين بشرط أن يحسن المسلمون فهم دينهم، أن يحسنوا تطبيقه، أن يحسنوا عرضه. هناك خلل في فهمه وخلل في تطبيقه وخلل في عرضه، إذا أحسنا فهمه أحسنا تطبيقه أحسنا عرضه كنا في حال غير هذا.
 جاءتني رسالة أيضاً في البريد الإلكتروني: أنا إمام مسجد في لندن نقلت إلى بلدة في ظاهر لندن، قصة ذات مدلول كبير جداً، هذه القصة مغزاها فيها وضع اليد على جراح المسلمين،
 إمام مسجد في لندن نقل إلى بلدة في ظاهر لندن، فاضطر أن يركب مركبة كل يوم ليؤدي الصلوات هناك والشيء اللطيف أنه يبدو أن السائق نفسه والمركبة نفسها حسب نظام المواصلات هناك فمرة صعد إلى المركبة أعطى السائق قطعة نقد كبيرة ردّ له السائق البقية عدها فإذا هي تزيد عشرين بنساً عما يستحق لأنه إمام مسجد ويخاف من الله وحقاني بالتعبير الدارج قال ينبغي أن أعيد المبلغ إلى السائق هذا ليس لي هذا كلام الملك، مع كل إنسان ملك وشيطان، ماذا قال له الشيطان ؟ قال له هذه شركة عملاقة ودخلها فلكي وأنت إنسان فقير والمبلغ زهيد لا يقدم ولا يؤخر وأنت في أمس الحاجة إليه هو هبة من الله لك، خاطرين متناقضين لكن لما وقف لينزل دون أن يشعر مدّ يده إلى جيبه وأعطى السائق العشرين بنساً قال هذه لك، السائق ابتسم، لماذا ابتسم ؟ قال له ألست أنت إمام هذا المسجد ؟ قال له بلى، قال حدثت نفسي قبل يومين أن آتيك في المسجد لأتعبد الله ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك. هذا الإمام وقع مغشي عليه ما توقع لو أبقى المبلغ معه ماذا فعل، فلما صحا من غفوته قال يا رب كدت أبيع الإسلام كله بعشرين سنتاً.
 لأن المسلمين اليوم يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل حجبوا الناس عن دينهم، لذلك قال تعالى:

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾

[ سورة الممتحنة: الآية 5]

 أي المسلم حينما يخطئ، حينما يؤدي تصريحاً كاذباً، حينما لا يتقن عمله، حينما لا ينجز وعده، حينما لا يأتي في الوقت المناسب يجعل الطرف الآخر يعتد بما هو عليه ويزدري المسلمين، لذلك كم من مسلم يحجب الناس عن دينه ؟ يجب أن نحسن فهمه وأن نحسن تطبيقه وأن نحسن عرضه، وأقسم بالله العظيم لو أن الصحابة الكريم فهموا هذا الدين كما نفهمه نحن ما خرج الإسلام من مكة، لأنه وصل إلى أطراف الدنيا كان فهمهم له غير هذا الفهم، وأقسم بالله أيضاً أن الجاليات الإسلامية في العالم لو طبقت هذا الدين تطبيقاً صحيحاً لكان موقف الغرب من الإسلام غير هذا الموقف، الذنب ذنبنا أسأنا فهمه وأسأنا تطبيقه وأسأنا عرضه للناس.
 أيها الإخوة، الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم والمكلف لأنه قبل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، بربكم من هو أكرم على الله المسخر أم المسخر له ؟ المسخر له، لذلك من عرف نفسه عرف ربه، حينما تعرف من أنت، أول مضامين الدعوة إلى الله أو أول مضامين الخطاب الديني أن تعرف من أنت ؟ أنت المخلوق الأول الذي سخر الله لك ما في الكون تسخير تعريف وتكريم.
 يا أيها الإخوة الكرام، لابد من أن نعرف الله، هناك علم بأمره هذا من اختصاص كليات الشريعة، وهناك علم بخلقه وهذا من اختصاص جامعات العالم، لكن العلم به شيء آخر، العلم به لا يحتاج إلى مدارسة بقدر ما يحتاج إلى مجاهدة، حينما تنضبط حينما تضبط لسانك وتضبط سمعك وتضبط بصرك وتضبط أعضاءك، تضبط دخلك وإنفاقك حينما تضبط أهلك وبيتك تكون مع الله، وإذا كان الإنسان مع الله من عليه ؟ وإذا كان الله عليه من معه ؟ ويا ربي ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك ؟

فلو شاـهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت مـن طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت مـن قربنا لك نسمة  لمت غريباً واشتاقاً لقربنــا
ولو لاح من أنوارنا لك لائــح  تركت جميع الكائنات لأجلــنا
***

 أيها الإخوة الكرام، أنت حينما تتصل بمخلوق أو بفاكهة أو بمنظر جميل فيه مسحة من جمال الله تشعر بنشوة لا تنسى، فكيف إذا اتصلت بأصل الجمال ؟ كيف إذا شعرت أن الله معك ؟ كيف إذا شعرت أنك بعين الله ؟ برعايته ؟ أيها الإخوة الكرام، في الإنسان نقاط ضعف ثلاث في نقطة أولى، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19)﴾

[ سورة المعارج: الآية 19]

 شديد الخوف:

﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)﴾

[ سورة المعارج: الآية 21]

 هذه نقطة ضعف في أصل كيانه لصالحه، قال تعالى:

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾

[ سورة النساء: الآية 28]

 لو خلقه قويا لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه خلقه ضعيفا ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره، نقاط الضعف الثلاثة أنه هلوع وأنه ضعيف وأنه عجول، هذه تدعوه إلى التدين والحاجة إلى التدين كالحاجة إلى الهواء في كل العصور والأمصار، لكن الإنسان أحياناً يخترع هو إلهه كالبقرة في الهند والشمس والقمر والحجر، إذا اخترع إلهاً لا يسعد به ويخترع طقوساً لا معنى لها تمتمات وحركات وإيماءات لكنك إذا عرفت الله تسعد به لأنه واجب الوجود لأنه الذات الكاملة لأنه صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، لكنك إذا تعرفت إلى الله كنت إنساناً آخر بين من يعرف الله و من لا يعرفه كما بين الحي والميت، فرق كبير.
 ومن أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة. ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات و الأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، و ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه و قطعت أسباب السماء بين يديه.
 عبادة الهوية وعبادة الظرف وعبادة الوقت، بقي عبادة العصر، فريق الطرف الآخر في الدنيا إذا أراد إفقارنا استخراج ثرواتنا واستثمارها وتهيئة فرص العمل وتهيئة كل سبل إصلاح الحياة الدنيا أول عبادة، وإذا كان الطرف الآخر يريد إضلالنا تعزيز المفهومات الدينية وتوضيحها والإتيان بالأدلة الدقيقة والرد على كل الشبهات أول عبادة، إن أراد إفقارنا كسب المال الحلال وحل مشكلات الناس أول عبادة، وكأن هناك سياسة عالمية هدفها إفقار الشعوب النامية وإذا أرادت إضلالنا تعزيز مبادئ الدين وتوضيح هذه القيم السامية وتوضيح المنهج السليم أول عبادة، وإذا أراد إفسادنا تحصين شبابنا وتحصين شاباتنا وتيسير سبل الزواج وتحصين الشباب والشابات وتهيئة مناشط نظيفة لأولادنا أول عبادة، وإذا أراد الطرف الآخر إذلالنا.
 يحضرني أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب جاء في عهده جبلة بن الأيهم مسلماً وهو ملك الغساسنة في أثناء طوافه حول الكعبة بدوي من فزارة داس طرف إزاره فانخلع إزاره من على كتفه وهو ملك وهذا أعرابي من دهماء الناس ومن عامتهم ضربه ضربة هشمت أنفه فقال سيدنا عمر أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟ قال جبلة: لست ممن ينكر أو يكتم شيئا، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي.
 في شاعر معاصر صاغ هذا الحوار شعراً:
 قال سيدنا عمر: لابد من إرضائه، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك فقال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين، هو سوقة وأنا صاحب تاج كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً ؟ كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزّ، أنا مرتدٌ إذا أكرهتني. فقال عمر: عالَم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 عبادة العصر إن أرادوا إفقارنا ينبغي أن نثمر ثرواتنا وأن نهيئ فرص العمل وأن نجمع المال لحل مشكلات الأمة، إن أرادوا إضلالنا ينبغي أن نعرف الناس بحقيقة هذا الدين العظيم، إن أرادوا إفسادنا ينبغي أن نحصن شبابنا وشاباتنا إن أرادوا إذلالنا ينبغي أن نضحي بالغالي والرخيص والنفس والنفيس.
 أيها الإخوة الأحباب، هذه مفهومات العبادة، عبادة الهوية عبادة الظرف عبادة الوقت عبادة العصر، قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

[ سورة الذاريات: الآية 56]

 أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل يقول:

﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

[ سورة الرحمن ]

 أيعقل أن يتعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟ هكذا الآية قال علماء التفسير هذا الترتيب ليس ترتيباً زمنياً بل هو ترتيب رتبي بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه. إذاً الإنسان بحاجة ماسة إلى منهج لأن العلم وحده هو الذي يعرف الإنسان بربه وبمنهج ربه، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، و إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، و إذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، و العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
 في عندنا شيء ثابت لا يختلف اثنان في الأرض عليه، هذا الكون شمس قمر ليل نهار، أطيار أسماك بحار أنهار معادن فلزات إنسان حيوان، ملايين وملايين الآيات بين أيدينا وكل آية تكفي لمعرفة الله، هذا الكون يشف عن إله موجود واحد كامل، ذات كاملة واجب الوجود أسماءه حسنى صفاته فضلى، هذا الكون يدل عليه لا يستطيع أن يختلف اثنان على وجه الأرض في هذه الحقيقة الثابتة، هناك مسلمة بالمنطق أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف أيعقل لهذا الإله العظيم أن يدع عباده من دون منهج قويم ؟ هل في الأرض أب يرى ابنه يقترب من المدفأة ليحرق نفسه يبقى ساكتاً ؟ مستحيل، شيء آخر أيعقل أن يكون في الأرض غني يموت من التخمة وفقير يموت من الجوع وقوي يهدم البيوت ويجرف المزارع ويردم الآبار ويتفنن في قتل الإنسان ولا يعبأ، وإنسان ضعيف يقتل يهدم بيته تجرف أرضه يقتل أبناءه، البارحة نزل صاروخ على عرس العروس والعريس في المستشفى هل هذه بؤرة مقاومة ؟ لذلك أيعقل أن تنتهي الدنيا هكذا بدون يوم آخر ؟ عند عامة علماء المسلمين الإيمان باليوم الآخر إيمان إخباري عند ابن القيم رحمه الله الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي لأنه لا يقبل عقل في الأرض أن تنتهي الدنيا من دون تسوية الحسابات في يوم يؤخذ للمظلوم من الظالم ولصاحب الأرض ممن احتلها وللمقتول ممن قهره وللفقير من الغني الذي ظلمه وابتز ماله لابد من يوم تسوى به الحسابات، أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل محقق جزئياً، الله عز وجل يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين ولكن الحساب الختامي ورصيد الحساب يوم القيامة، قال تعالى:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 185]

 لذلك يأتي على القاضي العدل ساعة يتمنى أن لو لم يقض بين اثنين في تمرة، عدل الله عز وجل شيء لا يصدق، مرة أحد يطوف حول الكعبة ويقول ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل، وراءه رجل صالح قال له يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله، قال له ذنبي عظيم، قال ما ذنبك ؟ قال كنت جندياً في قمع فتنة في العصر العباسي فلما قمعت أبيحت لنا المدينة دخلت أحد البيوت رأيت فيه رجلاً وامرأة وولدين فقتلت الرجل وقلت لامرأته أعطني ما عندك أعطتني كل ما عندها، أعطتني كل ما عندها فقتلت ولدها الأول فلما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة أعجبتني غالية جداً تأملتها فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً على الأرض:

إذا جارَ الأمير وحاجبـــاه  وقاضي الأرض أسرف في القضــاء
فـويـلٌ ثُمَّ ويـلٌ ثُـمَّ ويـلٌ  لقاضي الأرض مـن قاضي السمـاء
***

 يجب أن نؤمن أنه لابد من يوم تسوى فيه الحسابات، أصحاب الأخدود ماذا فعلوا ؟ لأنهم قالوا ربنا الله أحرقوا هم عند الله منتصرون انتصاراً مبدئياً، هؤلاء الذين يقتلون دفاعاً عن قيمهم وعن مبادئهم هؤلاء مع أنهم قتلوا عند الله منتصرون، لأنهم هم ماتوا على مبدأهم وماتوا على طهارتهم واستقامتهم، أيها الإخوة الكرام، الإنسان أمام منهج هذا المنهج ما الذي يؤكد مصداقيته ؟ الأديان الوضعية الوثنية ما فيها عبادات فيها طقوس حركات وسكنات وتمتمات لا معنى لها لكن في الإسلام عبادات ونحن مقبلون على عبادة الصيام وهي ثاني عبادة في الإسلام، الصلاة تشحنك إلى صلاة ثانية، وخطبة الجمعة تشحنك شحنة علمية روحية إلى الخطبة التالية، وأما رمضان فيشحنك شحنة مداها سنة إلى رمضان القادم، وأما الحج شحنة العمر، فنحن أمام شهر يمكن أن تسوى فيه حساباتنا مع الله، يمكن أن نفتح مع الله صفحة جديدة لأن الله عز وجل فيما أخبر عن النبي عليه الصلاة والسلام:

((الصوم لي وأنا أجزي به، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه.))

 ولكن على المرء ألا يكون كالناقة حبسها أهلها فلا تدري لا لما حبست ولا لما أطلقت، أحياناً ينزلق المسلمون ليظنوا أن هذا الشهر شهر اجتماعي حفلات ولقاءات وولائم يقصرون في أداء عباداتهم يتابعون المسلسلات حتى ساعة متأخرة من الليل لا يصلون الفجر في وقته هذا ليس صياماً هذا خروج عن الموضوع موقت بحكم المناسبة التي نحن مقبلون عليها.
 الآن المنهج الذي بين أيدينا هو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، الله عز وجل يقول:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

[ سورة التين: الآية 4]

 أيها الإخوة الكرام، المرأة حينما تولد ينزل مع الجنين المشيمة، يسميه العامة الخلاص ويسميه الأطباء المشيمة هذه المشيمة هي آية من آيات الله الدالة على عظمته، قرص من اللحم تجتمع فيها دورة دم الأم مع دورة دم الجنين، و الدمان من زمرتين مختلفتين و لو أعطينا إنساناً دماً من غير زمرته لمات فوراً، و دم الأم زمرة و دم الجنين زمرة و يجتمع الدمان في هذه المشيمة دون أن يختلطا لأن بينهما غشاء رقيق سمي الغشاء العاقل.
 هذا الغشاء يقوم بمهمات لا يستطيعها أطباء الأرض مجتمعين، ماذا يفعل ؟ يأخذ الأوكسجين من دم الأم يطرحه في دم الجنين، هذا الأوكسجين قام مقام جهاز التنفس.
 ثم يأخذ عوامل المناعة في دم الأم يطرحها في دم الجنين لئلا يصاب الجنين بأمراض أمه محصنة منها، فعوامل المناعة يأخذها الغشاء العاقل من دم الجنين و يطرحها في دم الأم.
 ثم إن الغشاء العاقل يأخذ السكر من دم الجنين و يطرحه في دم الأم مع الأنسولين يأخذه من دم الجنين و يطرحه في دم الأم، ثم يأخذ المكونات الغذائية، البروتينات، مواد دسمة، شحوم، أنزيمات، فيتامينات، معادن، أشباه معادن، كلها يأخذها بمعايير لا يستطيعها بنو البشر يعرف المعايير و ينفذها يطرحها في دم الجنين، ومن يصدق أن هذه النسب تتبدل كل ساعة بحسب نمو الجنين، إذاً هو جهاز هضم.
 ثم يأخذ من دم الجنين ثاني أكسيد الكربون الذي نتج من حرق السكر، يأخذه و يطرحه في دم الأم كي يطرح عبر رئتيها، ثم يأخذ حمض البول من دم الجنين الذي هم محصلة الاستقلاب يطرحه في دم الأم كي يطرح عبر كليتيها، غشاء يقوم بدور جهاز التنفس وجهاز الهضم والكبد والبنكرياس والتنفس ليس معقول، قال تعالى:

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

[ سورة لقمان: الآية 11]

 أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر، قال تعالى:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

[ سورة التين: الآية 4]

 أيها الإخوة الكرام، شيء بسيط جداً أنك إذا مشيت في الطريق ووصل إلى أذنك بوق السيارة دون أن تشعر تنحاز نحو اليمين لما لم تنحز نحو اليسار ؟ لأن في دماغ الإنسان جهاز بالغ التعقيد بالغ جداً، حينما يصدر صوت من الوراء عندك أذنان يصل هذا الصوت إذا كان من اليمين إلى الأذن اليمنى قبل اليسرى بفارق بواحد على ألف و ستمئة وعشرين جزء من الثانية، الجهاز بالدماغ يعطي أمرا عكسياً اذهب إلى اليسار لولا هذا لجهاز لو صدر بوق مركبة من ورائك لجئت أمامها ودهستك المركبة، قال تعالى:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

[ سورة التين: الآية 4]

 أنت حينما تقدم لك رائحة طيبة تقول هذه ياسمين هذه مسك هذه عنبر كيف عرفت ذلك ؟ عندنا عشرين مليون من الأعصاب الشمية، و أن كل نهاية عصب من هذه الأعصاب فيه سبعة أهداب، و أن هذه الأهداب مغمسة بمادة تتفاعل مع الرائحة فيتشكل من تفاعلها شكل هندسي، فكل رائحة لها شكل هندسي هو رمز لها، و الإنسان إذا شمّ عطراً معيناً يتشكل من هذا العطر مع نهايات العصب الشمي شكلاً هندسياً ينتقل إلى الدماغ، بالدماغ يوجد ذاكرة شمية هذه الذاكرة الشمية فيها عشرة آلاف بند، يعرض هذا الرمز على كل بنود هذه الذاكرة فحيثما تشابه الرمزان عرفت أنت أنها رائحة الياسمين و هذا يتم بثوان معدودة:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) ﴾

[ سورة التين ]

 أيها الإخوة الأحباب، قال تعالى:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

[ سورة الذاريات: الآية 21]

 في دماغ الإنسان في مئة وأربعين مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، القشرة الدماغية مؤلفة من أربع عشرة مليار خلية فيها المحاكمة فيها الذاكرة فيها الرؤية فيها الشم فيها البصر هذه الخلايا القشرية الدماغ عاجز عن فهم نفسه.
 في الشبكية العين مئة وثلاثين مليون عصية ومخروط لم تعرف وظيفتها بعد، الآن في آلات تصوير ديجتال يعني تتمايز بعدد النقاط بالبوصة الواحدة أعلى آلة وأغلى آلة ست ملايين في البوصة المربعة، وفي مليون وفي نصف مليون، العين الشبكية بحجم حبة العدس كم فيها ؟ مئة وثلاثين مليون من أجل تحقيق الرؤية الدقيقة، لو درجنا اللون الأخضر ثمانمئة ألف درجة اللون الواحد العين تفرق بين درجتين.
 في رأس الإنسان ثلاثمئة ألف شعرة في كل شعرة شريان و وريد و عصب و عضلة و غدة دهنية و غدة صبغية، كل شعرة، قال تعالى:

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

[ سورة لقمان: الآية 11]

 كل حرف أنطق به الآن تسهم في صنعه سبع عشرة عضلة، الكلمة خمسة حروف حوالي ثمانين عضلة الخطبة ساعة كم عضلة تحركت ؟ خلق الإنسان معجزة بين يديك أكبر آية دالة على عظمة الله عز وجل.
 قلب الإنسان يضخ ثمانية أمتار مكعبة في اليوم، قد تحتاج أنت في الشتاء إلى متر مكعب من المازوت، القلب كل يوم يضخ ثمانية أمتار مكعبة، قلب إنسان عاش ستين سنة يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم، أكبر مضخة عرفها الكون هذا القلب الذي لا يكل و لا يمل ولا يغفو ولا يسهو من خلق هذا القلب ؟ من خلق في الإنسان هذه العظام ؟ أيها الإخوة الأحباب، هل تصدقون أن الإنسان يتبدل كلياً كل خمس سنوات، كل خمس سنوات جلدك يتغير كله وعظامك تتغير كلها، لا يوجد شيء منك باق إلا شيئان الدماغ والقلب لو تبدل الدماغ تقول أنا كنت طبيباً كنت مهندساً تنسى كل معلوماتك لحكمة بالغة بالغة جعل الله الدماغ لا يتبدل كل الخبرات فيه، نحن في الذاكرة التي حجمها كحبة العدس فيها تقريباً سبعين مليار صورة، إذا إنسان عاش عمر متوسط ستين سبعين سنة فيها سبعين مليار صورة بحجم حبة العدس، والله أيها الإخوة الأحباب، يوجد بجسم الإنسان من الآيات ما تقشعر لها الأبدان هذا الإله يعصى؟ هذا الإله ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟
 شيء آخر كلكم يعلم أن كل جسم يتمدد بالحرارة من دون استثناء وأن كل جسم ينكمش بالبرودة أبداً، حديد نحاس رخام، حتى الرخام يجب أن يكون في رصفه فواصل تمدد وإلا ينكسر، أي جسم يخطر في بالك في الحرارة يتمدد وفي البرودة ينكمش والماء أحد هذه الأجسام فإذا سخنته تمدد وإذا برده انكمش إلا أن الماء يمتاز بخاصة لو لم تكن لما كنا في هذا المكان لا نحن ولا أي إنسان في الأرض ما هذه الخاصة ؟ هي أنك إذا بردته ينكمش، ينكمش إلى الدرجة زائد أربعة عند هذه الدرجة تنعكس الآية يتمدد، ضع في قارورة محكمة ضعها في الثلاجة تنكسر القارورة، هذا الماء إذا أراد أن يتمدد ما في قوة في الأرض تقف أمامه لذلك الآن أفضل طريقة لقلع الرخام حفر ثقوب وإملاؤها بالماء ثم تبريد هذا الماء تأخذ مكعب رخام بأبسط جهد، بهذه الخاصة بقيت الحياة كيف، لو أن كل ماء بردناه انكمش كثافته زادت فغاص في أعماق البحار بعد بعض الحقب تغدو البحار كلها متجمدة ويتوقف التبخر تتوقف الأمطار يموت النبات يموت الحيوان يموت الإنسان، لولا هذه الخاصة التي ينفرد فيها الماء لما كنا في هذه القاعة لا نحن ولا غيرنا هذا من آيات الله الدالة على عظمته.
 حينما اخترع الإنسان أجهزة قياس الأمطار، بالقطر عندنا أكثر من خمسمئة مقياس مطر فلو فرضنا جمعنا هذه الأمطار في عندنا كل سنة تهطال مطري لو جمعنا الأمطار في بلاد العالم على عشرين سنة سابقة في مفاجأة مذهلة أن التهطال المطري في الأرض لا يزيد ولا ينقص، لذلك هذا النبي الأمي قال في حديث قبل ألف و أربعمئة عام:

(( ما عام بأمطر من عام ))

 لكن هذه الكميات تتوزع من مكان إلى آخر في أحياناً جفاف بمنطقة وفي فيضانات بمنطقة، كيف عرف النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ما عام بأمطر من عام ؟ ))

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

[ سورة النجم ]

 أيها الإخوة الأحباب، أنا كنت في أريحا وركزت على الإعجاز العلمي في الكون وتمنى علي بعض الإخوة الكرام أن أركز على الإعجاز العلمي في السنة فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر بذبح الدابة من أوداجها فقط دون أن يقطع رأسها لماذا ؟ لا نعلم، يوجد أحاديث كثيرة ترشد إلى أن الدابة إن أردت ذبحها اذبحها من أوداجها فقط دون أن تقطع رأسها، لا في حياة النبي و لا بعد مئة عام و لا بعد ألف عام و لا بعد ألف و أربعمئة عام يوجد في الأرض كلها مركز علمي قادر على تفسير هذا التوجيه مع العلم أن توجيهات النبي ليست من عنده و لا من ثقافته و لا من خبرته و لا من ثقافة العصر إن هي إلا وحي يوحى.
 اكتشف أن الإنسان له قلب و القلب يحتاج إلى تنبيه كهربائي، و لأن القلب عضو نبيل و على حركته تتوقف الحياة لا يمكن أن يكون تحت رحمة الشبكة العامة الكهربائية كما لو أن هناك مستشفى جراحي و المريض مفتوح قلبه لا يمكن أن نكون تحت رحمة الشبكة العامة فلو انقطعت الكهرباء مات المريض، يوجد قلب كهربائي، إذاً لابد في كل مستشفى من مولدة خاصة، أن تكون مكتفية بكهربائها، القلب كذلك، القلب يوجد ثلاثة مراكز كهربائية، مركز أولي، ثاني، ثالث، يتلقى ضرباته من المركز الأول فلو تعطل تلقاها من المركز الثاني فلو تعطل تلقاها من المركز الثالث، إلا أن هذه المراكز الكهربائية في القلب لا تعطي إلا النبض النظامي، ثمانين نبضة فقط، الإنسان يصعد درجاً، يفر من عدو، يواجه وحشاً في الغابة، يحتاج إلى جهد عضلي كبير، و الجهد العضلي يحتاج إلى دم كثير و النبض النظامي لا يكفي، لذلك جهز الله الإنسان بآلية عجيبة أنك إذا رأيت لا سمح الله في بستان ثعبان كبير تنطبع على شبكية العين صورة الثعبان شكلاً لكنه إذا شحذ إلى الدماغ بالدماغ يوجد مفهومات للثعبان، هذه تلقاها الإنسان من تعليمه أو من خبرته أو من أسرته أو من بعض القصص أو من بعض المشاهدات، فيوجد بالدماغ مفهوم الثعبان، هذا المفهوم يكشف له أن هذا الذي أمامك ثعبان مخيف، قاتل، هذا ملك الجهاز العصبي الدماغ يدرك هذه الحقيقة في عندنا نظامين نظام عصبي ونظام هرموني، النظام العصبي رأسه الدماغ، الجهاز الهرموني رأسه الغدة النخامية، و الدماغ أوامره كهربائية، والنخامية أوامرها كيميائية هرمونات.
 الغدة النخامية ملكة الجهاز الهرموني تتلقى التماساً ليس أمراً لأنها ملكة أيضاً هي من ملك الجهاز العصبي أنه في خطر تصرفي هذه الملكة تحت يدها وزير داخلية الكظر تعطي أمراً للكظر أنه في خطر الكظر ماذا يفعل ؟ يرسل أمراً للقلب يرتفع النبض من ثمانين ضربة إلى مئة وثمانين ضربة فالخائف لو قست نبضه مئة و ستون، مئة وسبعون، مئة وثمانون لماذا؟ سيواجه الخطر يحتاج إلى دم استثنائي يحتاج إلى نبض هكذا حتى الدم يمشي بسرعة، الأمر الثاني يذهب إلى الرئتين ليزداد وجيب الرئتين حتى يتناسب في حركة الرئتين مع حركة القلب فالخائف يلهث، نبضه مئة وثمانين ويلهث.
هرمون ثالث يذهب إلى الأوعية الدموية المحيطة بالجلد تضيق لمعتها ليتوفر الدم من لون زهر لطيف إلى العضلات فالخائف يصفر لونه، يزداد نبض قلبه ويزداد وجيب رئتيه ويصفر لونه.
 يأتي أمر رابع من الكظر إلى الكبد ليطلق كمية سكر إضافية في الدم لو فحصنا دم خائف نرى سكره مرتفع جداً.
أمر خامس يأتي من الكظر إلى الكبد ليطلق الكبد هرمون التجلط لئلا يسيل دمه كله من ضربة واحدة الخائف دمه صار لزجاً، هذا يتم بثانية واحدة، دقق بأمر النبي عليه الصلاة والسلام لو ذبحت هذه الدابة وقطعت رأسها القلب مهمته بعد الذبح ما هي ؟ إخراج الدم في خمس ليترات دم والدم المادة السامة فيها الأمراض فيها الجراثيم فيها حمض البول فيها كل شيء أكبر بؤرة لنمو الجراثيم هي الدم والدم نجس، باعتبار قطعنا الرأس ما عندنا إلا الأمر النظامي ثمانين ضربة يخرج ربع الدم لو بقي الرأس يأتي أمر استثنائي من الدماغ إلى الكظر إلى القلب يرتفع النبض إلى مئة وثمانين نبضة يفرغ الدم كله، ترى الدابة لونها زهر إن ذبحتها ذبحاً شرعياً، معظم مسالخ أوربا يعلقون الدابة من أرجلها ويقطعون رأسها ترى اللحم أزرق كانز لا ينضج بسرعة أما النبي عليه الصلاة والسلام أمر أن تقطع الدابة من أوداجها فقط وأن يبقى رأسها لضمان الأمر الاستثنائي لرفع النبض إلى المئة والثمانين فالخروف حينما تذبحه يرتفع نبض قلبه إلى مئة وثمانين نبضة بالدقيقة يخرج الدم كله ولا يبقى شيئاً في أوعيته.
 أيها الإخوة الأحباب، هذا بعض ما في السنة من إعجاز علمي يبين عظمة هذا الدين، أسأل الله لي ولكم التوفيق والنجاح وأن تكون هذه الحقائق دليلاً على أحقية هذا الدين، هذا الدين أيها الإخوة الأحباب، دين الله وأنا أقول لكم لا تقلقوا على هذا الدين مع أن هناك حرباً عالمية ثالثة معلنة على الدين الإسلامي وأول دين ينمو في العالم هو الإسلام ولحكمة أرادها الله، لا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله ولكن اقلقوا ما إذا سمح الله لنا أو لم يسمح أن نكون من جنود هذا الدين هذه واحدة.
 وليس مشكلة أن يكون هناك أعداء لهذا الدين ولكن المشكلة الكبيرة أن ينفرد الباطل في الساحة لا بد من بقعة ضوء في عالم الظلام هذه البقعة تتنامى لذلك قال تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

[ سورة العصر ]

 أقسم الله بهذا المخلوق الأول الذي هو زمن أقسم له بمطلق الزمن أنك أيها الإنسان خاسر والعصر إن الإنسان لفي خسر جواب القسم يا رب كيف أنا خاسر ؟ لأن مضي الزمن يستهلكنِ، الإنسان أجمل تعريف وأدق تعريف للإمام الحسن البصري الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
 ما من يوم ينشق فجره إلا و ينادي يا بن آدم أنا خلق جديد و على عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
أيها الإخوة الأحباب، شيء آخر متى أنجو من الخسارة ؟ أنجو منها قال تعالى:

﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

[ سورة العصر: الآية 3]

 أنجو منها أنا حينما أطلب العلم دققوا وأعمل به وأدعو إليه وأصبر على طلبه والعمل به والدعوة إليه أنجو من الخسارة، قال تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

[ سورة العصر ]

 طلب مني أن أشرح قضية قوله تعالى:

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20)﴾

[ سورة الرحمن]

 أيها الإخوة الأحباب، هذه الآية حيرت العلماء، قال تعالى:

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

[ سورة الرحمن]

 أين البرزخ ؟ البحر الأحمر موصول بالبحر الأبيض والبحر الأحمر موصول بالبحر العربي والبحر المتوسط موصول بالمحيط الأطلسي والأسود موصول بالأبيض عند البوسفور، البحار متصلة أين هذا البرزخ ؟ حينما اخترعوا المركبات الفضائية رأوا خطوطاً بين كل بحرين ليس خطاً حقيقياً لكنه تمايز لونين، علماء البحار انطلقوا من هذه الصورة أن في عند باب المندب خط وعند خليج قناة السويس خط و البوسفور خط ومضيق جبل طارق خط وعند باناما خط بين البحرين، علماء البحار درسوا هذه الخاصة، صوروا في هذه المناطق رأوا أن كل بحر له مكوناته وله ملوحته وله كثافته ولا يمكن لمياه بحر أن تختلط بمياه بحر آخر، بعض العلماء جاء بقصاصات ورق كبيرة جداً طن وضعها عند باب المندب وصور لم تنتقل ولا قصاصة إلى البحر الثاني هذا البحث العلمي هو تفسير لقوله تعالى:

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

[ سورة الرحمن]

 أيها الإخوة الأحباب، في بالقرآن ألف و ثلاثمئة آية أنا عرضت كالمحلات التجارية البضاعة للعرض والأسعار في الداخل، يعني أنا عرضت لقطات من إعجاز القرآن والسنة في خلق الكون وخلق الإنسان أما الموضوع مطول جداً أنا قدمت للمركز الثقافي موسوعة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة هذا الكتاب في المكتبة موجود من أراد أن يرجع إليه فهو بين أيديكم ولي موقع في الإنترنت www.nabulse.com ممكن تأخذوا العنوان من المركز هذه الصفحة فيها تقريباً سبعين ثمانين ألف صفحة فيها التفسير وفيها الحديث وفيها الفقه والسيرة وفيها ألف موضوع علمي كهذا الموضوع في الإنترنت وفيها كل محاضراتي في كل بقاع العالم بأمريكا باستراليا بتركيا وفيها فتاوى وفيها إنكليزي وروادها في اليوم أثني عشر ألف إنسان في اليوم يعني في السنة أربع ملايين تقريباً هذه الصفحة بين أيديكم وفيها خطبة الجمعة ودرس التفسير العام ودرس العقيدة الخاص ثلاثة دروس تسمعونها بالصوت كل يوم ثلاثاء يكون ثلاثة دروس بالإنترنت، والذي عنده إنترنت يمكن أن يكون مع هذه الدعوة كل أسبوع والحمد لله رب العالمين.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS