10882
موضوعات متنوعة - مقدمات كتب : أسماء الله الحسنى (مقدمة).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-08
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيد المرسلين ، سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين .
 و بعد ... فلهذا الكتاب الذي تم دفعه إلى الطباعة بتوفيق الله ، و عونه ...قصة !
 فلقد تمنى عليّ بعض الإخوة الكرام قبل عشر سنين أن ألقي درساً أسبوعياً في جامع العثمان بدمشق ، فاستجبت لرغبتهم ، لكنني وقعت في حيرة من حيث اختيار موضوع هذا الدرس ، و بعد التأمل و البحث وجدت أن أخطر شيء في الدين العقيدة ، لأنها إن صحت صح العمل ، و إن فسدت فسد العمل .
 فهناك أناس فسدت عقيدتهم ، ففسدت أخلاقهم ، مرقوا من الدين ، كما يمرق السهم من الرمية ، تحقر صلاتك مع صلاتهم ، و عبادتك مع عبادتهم .
 و هناك أناس لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله يوم القيامة هباء منثوراً ، إنهم يصلون كما نصلي و يقومون كما نقوم ، لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ، إنهم لم يخلصوا دينهم لله ، فالعمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً و صواباً ؛ خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، و صواباً ما وافق السنة .
 فتوجهت إلى موضوع العقيدة ...و تيقنت أن أخطر موضوعات العقيدة هو الإيمان بالله ، فهو أصل كل الأصول ، و مرجع كل الفروع ، و لعل من أبرز موضوعات الإيمان بالله ، هو شرح أسمائه الحسنى ، و صفاته الفضلى ، ذلك أن الإنسان إذا اكتفى بأن يؤمن بأن الله خالق الأكوان ، من دون أن يطلب المزيد عن أسمائه و صفاته ، و من دون أن يخضع لأمره، و يحتكم لشرعه ؛ مثل هذا الإنسان لا يختلف كثيراً عن إيمان الذين اتخذوا من دون الله أولياء ، ثم قالوا :

﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

[ سورة الزمر : الآية 3 ]

 لقد رغبت أن يكون شرح الأسماء الحسنى ـ فضلاً عما كتبه العلماء الأجلاء في مؤلفاتهم عن أسماء الله الحسنى ـ أن يكون الشرح بطريقة تعتمد على آيات الله في الآفاق ، و آيات الله في النفس الإنسانية ، و تعتمد على أفعال الله الدالة علة وحدانيته و كماله ، أي أنني رغبت أن تكون آيات الله الكونية، و التكوينية ، و القرآنية التي هي مظهر لأسمائه الحسنى ، و صفاته الفضلى ، مصدراً أساسياً للشرح ، و لا أدري مبلغ ما وفقت فيه من التعريف بالله رب العالمين من خلال هذه الطريقة ، و لكن الذي أدريه أنني ما ادخرت وسعاً في تقريب هذه الأسماء من عقول الناس ، و قلوبهم فلعلها تكون سبباً في معرفة الله المعرفة الحقة ، التي تنجي من شقاء الدنيا و عذاب الآخرة ، و تسعد الإنسان في دنياه و أخراه .
 و بعد أن تم شرح الأسماء الحسنى في درس أسبوعي في عدد من السنوات على وجه التقريب، و لاقت قبولاً حسناً في الأوساط الدينية ، و أذيعت مرات عديدة في عدد من الإذاعات الدينية ، في مجموعة من البلاد الإسلامية .
 ثم تمنى عليّ إخوة آخرون أن تفرغ هذه الأشرطة على شكل نصوص تجمع في كتاب ؛ ذلك أن للشريط دوراً في الدعوة إلى الله شديد الأثر ، و أن للكتاب دوراً آخر طويل الأمد ، عندها ولدت فكرة هذا الكتاب ، إذن لم يكن هذا الكتاب تأليفاً ، و التأليف له قواعده الصارمة، و إنما كان تفريغاً لتسجيلات لدروس عامة ألقيت في مسجد ، و الدرس العام له خصائصه التي تعين على نجاحه ، ذلك لأن المتحدث في الدرس العام يواجه أعماراً مختلفة ، و ثقافات متعددة ، و نماذج بشرية متباينة ؛ فلابد من تبسيط الفكرة ، و عرضها بأسلوب جذاب ، و لابد من دعمها بأمثلة من واقع الحياة ، و بقصص من صميم المجتمع ، لأن الله جل جلاله أمرنا أن نتفكر في خلقه ، و هذه آياته الكونية ، و أن ننظر في أفعاله و هي آياته التكوينية ، و أن نتدبر في كتابه و هي آياته القرآنية ، ثم إن الدين يفسر الحياة بظواهرها الطبيعية ، و الحيوية ، و النفسية ، و الاجتماعية ، و الفردية ، و الجماعية ، و يعطي لسمو الإنسان و انحطاطه تفسيراً ، و لتماسك المجتمع و تفككه تعليلاً ، ثم إنه يوجه الإنسان و هو المخلوق الأول إلى معالم طريق الحياة المثلى التي خلق من أجلها ، و التي تليق بإنسانيته ، و التي فيها حياة قلبه و روحه ، و ليس القصد من هذه الدروس التي ألقيت في جامع العثمان بدمشق تقرير حقائق ( أكاديمية ) فحسب ؛ بقدر ما كان القصد تعريف النفس بربها ، و حملها على طاعته ، كي تسعد بقربه في الدنيا و الآخرة ، فالعبادة طاعة طوعية ، تسبقها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، فالإنسان من جبلته ، أنه إذا عرف الآمر ، ثم عرف الأمر ، تفانى في طاعة الآمر ، أما إذا عرف الأمر ، و لم يعرف الآمر ، تفنن في التفلت من أمره ، و هذه مشكلة العالم الإسلامي الأولى ، معرفة الأمر و ضعف في معرفة الآمر ، فتعزيز معرفة الآمر ، من خلال معرفة أسمائه الحسنى و صفاته الفضلى ، هو الهدف الأول من هذا المؤلف.
 ولابد من أن أشكر في نهاية المطاف ، كل الإخوة الكرام الذين ساهموا بشكل أو بآخر في إخراج هذا الكتاب إلى حيز الوجود ، و أخص بالشكر الذين صمموا برامج الحاسوب التي أفرغت فيها النصوص ، و الذين أفرغوا الشريط على الكمبيوتر ، و الذين راجعوا النصوص مع الشريط ، و الذين دققوا النصوص لغوياً ، و الذين نفذوا التصحيح على الأصل ، ثم الذين نضدوا نصوص الكتاب ، و أخرجوه على الشكل الفني الذي هو عليه ، و الذين راجعوا النصوص مراجعة أخيرة ، و الذين نفذوا طباعته ، و القائمين على الدار التي نشرته ، و على رأسهم صاحب الدار ، سواء منهم من أخذ أجرة أو ابتغى أجراً ، إلى كل هؤلاء الذين ساهموا في إخراج هذه الموسوعة إلى حيز التداول ، ممن أعرفهم و ممن لا أعرفهم ، و ما ضرهم أني لا أعرف بعضهم إذا كان الله يعرفهم ، إنهم فريق عمل دعوي ، إنهم جميعاً مشمولون بقوله تعالى :

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

[ سورة فصلت : الآية 33]

 و أرجو الله أن أكون واحداً منهم ، و أُشهدُ الله أنه لن ينالني من هذا الكتاب أي نفع مادي ، ما دمت حياً ، راجياً أن أكون من يبتغي وجه الله بعمله ، فلعل الله يقبلنا جميعاً ، و يرحمنا جميعاً .
 و أنا أدعو الإخوة القراء ...أن يقدموا لي أثمن هدية ... و هي ملاحظاتهم القيمة ، و نقدهم الموضوعي البناء ، فما من أحد أصغر من أن يَنقُد ، و ما من أحد أكبر من أن يُنقَد ، إلا صاحب القبة الخضراء ، الذي عصمه الله عز وجل ، و سيدنا عمر يقول أحب ما أهدى إلي أصحابي عيوبي ، و ليس الذي يقبل النصيحة بأقل أجراً من الذي يسديها تقرباً إلى الله ، فالدين النصيحة .
 ثم إني أدعو الله جل و علا أن يجزي عنا سيدنا محمداً صلى الله عليه و سلم الذي أرسله الله رحمة للعالمين ، بشيراً و نذيراً خير ما جزى نبياً عن أمته ، و أن يجزي صحابته الكرام ، و أهل بيته الأخيار ، و الطيبين الطاهرين ، الهادين المهديين ، أمناء دعوته ، و قادة ألويته ما هم أهله ، و أن يجزي الله و الدنيا ، و مشايخنا ، و من علمنا ، و من له حق علينا ، خير الجزاء .
 و في الختام أعوذ بك يا رب أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني ، و أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك ، و أعوذ بك من فتنة القول كما أعوذ بك من فتنة العمل ، و أعوذ بك أن أتكلف ما لا أحسن ، كما أعوذ بك من العجب فيما أحسن .
الدكتور محمد راتب النابلسي

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع