42829
ندوات اذاعية - إذاعة الشرق - الاسرة - الحلقة 4 : بِرّ الوالدين.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-02-11
بسم الله الرحمن الرحيم

 لقاءات مع العلماء الأجلاء حول الأسرة في الإسلام في الواجبات والحقوق وأدبيات التعامل.
 بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.
 أيها الإخوة المستمعون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يسرنا أن نجدد اللقاء بفضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق لنتابع وإيّاه سلسلة لقاءاتِنا ضمن برنامج الأسرة في الإسلام، حديثنا اليوم عن بِرّ الوالدين وعواقب العقوق في القولِ والعمل وقطعِ الأرحام التي لا توصل إلاّ بِهما وذلك إنطلاقاً من قوله تبارك وتعالى في سورة الإسراء:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23)﴾

(سورة الإسراء)

 فضيلة الشيخ.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
 المذيع:
 بِرّ الوالدين هل هو تكليّف ديني، فهل بينه وبين الطبع توافق أو تعارض ؟
 فضيلة الشيخ:
 بسم الله الرحمن الرحيم، كمقدمة توضّح فِكرة التكليف، ليسَ في الأديان السماوية كُلِها أمرٌ واحدٌ بتناول الطعام وتوعّدٌ لمن لا يأكل لأنَّ هذا تحصيلُ حاصل، فقد رُكِّبَ في طبع الإنسان وفي أصلِ تصميمه دافعٌ إلى الطعام وحاجةٌ إليه، يتمثّل هذا بالشعور بالجوع ذلك الشعور الذي لا يُقاوم، كذلك ليس في الدين الإسلامي أمرٌ برعاية الأبناء لأنَّ هذا مُركّبٌ في طبع الآباء والأمهات فالأمر به تحصيلُ حاصل، لكنَّ بِرّ الأبناء للآباء تكليفٌ لأنه ليس مُركّباً في الطبع، ولأنه تكليفٌ فإنَّ صاحبه يُثاب عليه في الدنيا توفيقاً ونجاحاً وفي الآخرة سعادةً وخلوداً، ويُفهم من كلمة تكليف أنهُ ذو كُلفة:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

(سورة النازعات)

 الإنسان لا يرقى إلاّ إذا خالَفَ هواه، ربما كان طبعه يدعوه إلى النوم لكنَّ التكليف يأمرهُ أن يُصلي الفجر، ربما كان طبعه يدعوه إلى الحديث عن عورات الناس لكنَّ التكليف يأمره أن يحفظ لسانه من أن يخوض في عورات الناس.
 فالتكليف كما يتضحُ مخالِفٌ للطبع، إذاً به نرقى إلى الله عزّ وجل.
 المذيع:
 وهل بِرُّ الوالدين أمرٌ مخالفٌ للطبع ؟
 فضيلة الشيخ:
 طبعاً.. الشاب حينما يتزوج فمصلحته مع زوجته وأصدقاؤه على شاكلته وفي عقليته، أمّا قد يكون أباه من الجيل القديم مثلاً يشعر أنهُ عِبءٌ عليه، لذلك جاء الأمر الإلهي برعاية الآباء والأمهات.
 المذيع:
 وبصورة بليغة في البيان والتعبير " وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا".
 فضيلة الشيخ:
 طبعاً... فهذا التكليف من الأهمية بحيث اقترن بعبادة الله عزّ وجل.. يعني شيئ معروف أنَّ العطف يقتضي التوافق والمشاركة لا يُعقل أن يقول أحدُنا اشتريت بيتاً وملعقةً لابُدَّ من التوافق فحينما يأتي متعاطفان لابد من إنسجامٍ وتوافقٍ بينهما، فالله سبحانه وتعالى رفعَ الأمرَ بِبِرِّ الوالدين إلى مستوى الأمرِ بعبادته، قال تعالى:

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

 ومن هذا القبيل:

﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ(14)﴾

(سورة لقمان)

 بل إنَّ الله ينتظر من عبده أن يذكره كما يذكر أباه:

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ(200)﴾

(سورة البقرة)

 معنى ذلك أنَّ للأب مكانةً كبيرةً كبيرةً عِندَ المُسلم لأنهُ سببُ الوجود:

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾

(سورة الإنسان)

 يقول علماء اللغة: " إنَّ كلمة قضى هُنا في هذه الآية ليست قضاء حُكمٍ بل هي قضاء أمر، يعني أمرَ ربكم ألا تعبدوا إلا إيّاه وبالوالدين إحساناً ".

((قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عبد الله قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))

(رواه البخاري)

 فبِرُّ الوالدين من خلال هذا الحديث الشريف هو أعظم الأعمال بعد الصلاة التي هي عماد الدين وعِصام اليقين.
 نقطةٌ ثانية في الآية دقيقةٌ جداً قال تعالى:

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

 فِعلُ أحسَنَ في اللغة يتعدّى بـ " إلى "، لو فتحنا معاجم اللغة لوجدنا فعل أحسَنَ يتعدّى بـ " إلى"، تقول أحسنت إليه، إلاّ أنَّ هذا الفِعل في هذهِ الآية يتعدّى بالباء " وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " يعني أحسِنوا بالوالدين أي اتقوا ربكم بإحسانِكم للوالدين.
 العلماء قالوا: " هذهِ الباء تُفيد الإلصاق " وقد أستُنبِطَ من هذهِ الباء التي تعدّى بها فعل أحسَنَ أنَّ الإحسان إلى الوالدين لا يُقبل إلاّ شخصيّاً وبالذّات إكراماً لهما، أمّا اتصال هاتفي.. رسالة... عن طريق السائق... أرسل لأبي هذه الحاجة.... هذا ليسَ إحساناً كما أراده الله عزّ وجل، ينبغي أن يكون الإحسان إلى الوالدين إحساناً شخصيّاً مباشِراً لا عن طريق الوساطة، لأنَّ الباء كما قُلت قبل قليل تُفيد الإلصاق، تقول مثلاً أمسكتُ بيده يعني ألصقتُ يدي بيده فهُنا جاءت الباء لِتُشير إلى هذا المعنى الدقيق.
 الأب أحياناً لا يعنيه الطعام ولا الشراب، يعنيه وجود ابنه إلى جانبه وهُنا جاءت الآية الكريمة، ثُمَّ يقول الله عزّ وجل:

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا ﴾

 الأخ زياد لو نظرنا إلى كلمة " عِنْدَكَ "، " إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ " فبعد أن كان الابن في صِغَره وضعفهِ عِندَ أبيه مكاناً ونفقةً ورعايةً، الآن صارَ الأبُ عِندَ ابنه مكاناً ونفقةً ورعايةً، وقد يُصبح الأب عِبئاً على الابن فيستثقل وجوده ويُدهنُ تبرُّمَهُ ويضجرُ منه، قال تعالى

﴿ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا ﴾

 ما كلمة أُف ؟ هي اسم فعل مضارع تُفيد معنى التضجّر، والحقيقة ليست كلمة إنها زفيرٌ مسموع، يعني لو أنَّ في اللغة كلمةً أقلَّ من أُف لقالَها الله عزّ وجل، لكنَّ العلماء حملوا على أُف كُلَّ موقفٍ، وكُلَّ نظرةٍ، وكُلَّ حركةٍ، وكُلَّ تصرُّفِ يُساويها في الإساءة، فلو أُغلِقَ الباب بِعُنفٍ هذهِ كأُف، من شدَّ نظره إلى أبيه.. شدَّ نظرهُ إليه، هذهِ كأُف، من أشارَ إشارةً بيده تبرّماً هذهِ كأُف......
 إذاً: كُلَّ تصرّفٍ أو كُلَّ حركةٍ أو سكنةٍ أو نظرةٍ أو موقفٍ حتى لو كان إشارةً تُساوي كلمة أُف هي محرّمةٌ بِنصِّ هذهِ الآية الكريمة " فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا " أمّا " وَلا تَنْهَرْهُمَا " من النهرِ أي الزجرِ والغِلظة، أمّا قولُه تعالى " وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا " قال بعض المفسرين: " القول الكريم الذي ينبغي أن يقوله الابن لأبيه كقول العبد المُذنب لسيّده الفظِّ الغريب " كيفَ أنَّ العبدَ المذنب أمام سيده القوي يتذلل له وينتقي أجملَ الكلمات، القول الكريم الذي أُمِرنا أن نقوله لوالدينا كهذا القول الذي يقطِر رِقّةً ولُطفاً وأدباً وما شاكَلَ ذلك، أمّا معنى قوله تعالى:

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (24)﴾

(سورة الإسراء)

 روينا في كتاب ابن السني، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه:

((أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم رأى رجلاً معه غلام، فقال للغلام: مَنْ هَذَا؟ قال: أبي، قال: فَلا تَمْشِ أمامَهُ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ، وَلا تَجْلِسْ قَبْلَهُ، وَلا تَدْعُهُ باسْمِهِ))

 قلت: معنى لا تَسْتَسِبَّ له: أي لا تفعل فعلاً يتعرّض فيه لأن يسبّك أبوك زجراً لك وتأديباً على فعلك القبيح.
 لكن قد يقول قائل لو أنَّ شاباً مسلماً أو مؤمناً ولم يرى والده على ما ينبغي، الجواب دقيق جداً: لا يختصُّ بِرُّ الوالدين بأن يكونا مسلمين.

((قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ ))

(في صحيح البخاري)

 ويروي بعضُ المفسرين أنَّ هذه مناسبة نزول تِلكَ الآية:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8)﴾

(سورة الممتحنة )

 يعني أدِ الذي عليك واطلب من الله الذي لك.
 في شيئ دقيق جداً سُئِلَ عليه الصلاة والسلام: من أعظم الناسِ حقاً على الرجلِ ؟.. على الإطلاق.. قال: أمه، فلمّا سُئِل من أعظم الناسِ حقاً على المرأة ؟ قال: زوجُها.. يعني في حياة الرجل أعظم إنسان هي أمُهُ، وفي حياة المرأة أعظم إنسان هو زوجُها.

(( قَالَ سَمِعْتُ عبد الله بْنَ عَمْرٍو رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ أَحَيٌّ وَالِدَاكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ))

(رواه مسلم)

 يعني.. بمثابة الجهاد في سبيل الله " فيهما فجاهد "، يعني كأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام رَفَعَ بِرَّ الوالدين إلى مرتبة الجِهاد.
 المذيع:
 هل يُعتبر من عقوق الوالدين وعقوق الأُم إذا تَرَكَ المُسلم حقَّ زوجتهِ ليُلبي حقَّ أُمِهِ عليه ؟
 فضيلة الشيخ:
 لا يجوز إلا أن يُعطي كُلَّ ذي حقٍ حقه، لا تُبنى طاعةٌ على معصية، لا تُحلُّ مُشكِلة بمُشكِلة، المؤمن يُعطي كُلَّ ذي حقٍ حقه، للمرأةِ حقُها وللأُمِ حقُها، والبطولة أن يُعطي كلَّ ذي حقٍ حقهُ لا أن يُعطي حقَّ أُمهِ على حسابِ زوجتهِ، ولا حقَّ زوجتهِ على حِسابِ أُمهِ.
 هُناكَ قِصةٌ طريفة: تخاصمَ رجلٌ مع امرأته على ولدٍ لَهُما أيُهُما أحقُ بحضانته، فقالت المرأة للقاضي: أنا أحقُ بِهِ لأنني حملته تِسعةَ أشهر ثمَّ وضعتهُ ثم أرضعتهُ إلى أن ترعرع بين أحضاني كما ترى، فقال الرجلُ: أيها القاضي حملته قبلَ أن تحمِلَهُ ووضعتهُ قبلَ أن تضعَهُ فإن كان لها بعضَ الحقِ فيه فليَّ الحقُ كلُهُ أو جُلّهُ، فقالَ القاضي: أجيبي أيتها المرأة، قالت المرأة: لَئِن حَمَلَهُ خِفّاَ فقد حملتُهُ ثِقَلاً، ولَئِن وضعهُ شهوةً فقد وضعتُهُ كُرهاً، فقال القاضي ادفع إلى المرأة غلامها ودعني من سجعِك.
 المذيع:
 فلها الحقُ في حضانته.. طبعاً..
 فضيلة الشيخ:
 رجل من الأنصار جاء للنبي صلى الله عليه وسلم... أنتم أشرتم في مقدمة هذا الحديث إلى نوعٍ من البِر بعد وفاة الأُمِ والأب وهي صِلة الأرحام...

((عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ بَدْرِيًّا وَكَانَ مَوْلَاهُمْ قَالَ قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا أَبَرُّهُمَا بِهِ قَالَ نَعَمْ خِصَالٌ أَرْبَعَةٌ الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا رَحِمَ لَكَ إِلا مِنْ قِبَلِهِمَا فَهُوَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ بِرِّهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا ))

 هذا الحديث يحتاج إلى بعض الشرح:
 المُراد من الصلاة عليهما الدعاء لهما بالرحمة، وقد أمرَ الله بهذا فقال:

﴿ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾

 وكان عليه الصلاة والسلام في آخر كُلِّ صلاة يقول ربي اغفر لي ولوالدي ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً، وفي صحيح مسلم:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

(رواه مسلم)

 والولد الصالح هُنا أي المؤمن الذي عَرَفَ الله وإستقامَ على أمرهِ ودعا لوالديه، فدعاء الولد لأبيه بعدَ موتهِ إستمرارٌ لعملهِ الصالح بشرطِ أن يُربيَّ الأبُ إبنه تربيةً إيمانيةً تُرضي الله عزّ وجل.
 شيئٌ آخر... قال بعض التابعين: من دعا لوالديه في اليومِ خمسَ مرات فقد أدّى حقهُما في الدعاء.
 إذاً: من بَرِّ الوالدين بعدَ موتِهِما الدعاءُ لهُما عَقِبَ كُلِّ صلاة، وقيلَ الصلاة عليهما صلاة الجنازة.. هذا بعض الأقوال.. وقد وردَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ كُلُّ أُوقِيَّةٍ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَنَّى هَذَا فَيُقَالُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ ))

 يعني.. الولد الصالح إستمرار لعمل الإنسان.
 " وأعظم كسبِ الرجلِ ولدُهُ ".. يعني طريقٌ إلى الجنة، طريقٌ إلى الرٌقيّ المستمر، شيئٌ آخر في الحديث " وإنفاذٌ عهدِهِما " إنفاذُ العهدِ المُرادُ منهُ إنجازُهُ والوفاءُ بِهِ مادامَ من الأمورِ التي تُرضي الله، أمّا إذا أوصيّا ببعضِ المخالفاتِ والبِدَع فإنَّ وصيتهُما لا تنفُذ لأنهُ لا طاعةً لمخلوقٍ في معصية الخالق، بل إنَّ الإبنَ الذي لا يُنفِذُ وصيةَ والِدِهِ المخالِفةَ للشرع لهُ عِندَ اللهِ أجر ويكون قد أنقذَ أباهُ من عذابٍ شديد.
 وأمّا عن صِلة الرَحِم: فإنَّ الرَحِمَ تُنادي وتقول: اللهم صِلّ من وصلني وإقطع من قطعني فيقول الله عزّ وجل: أنا الرحمن الرحيم شققت الرَحِمَ من إسمي فمن وَصَلَها وصلتُه ومن قَطَعَها قطعتُه، وقد وَرَدَ في الأثر أنهُ إذا ماتت الأُم قالَ الله عزّ وجل عبدي ماتت التي كُنا نُكرِمُكَ لأجلِها فإعمل صالِحاً تُكرِمُكَ لأجلِك، أي أنَّ جزءاً من إكرامِ اللهِ للعبدِ من أجلِ أُمهِ فإذا ماتت تولّى الله محاسبتهُ حِساباً دقيقاً.
 أُريد أن أذكرَ هذا الحديث الشريف الأخير الذي يُعزِزُ معاني بِرُّ الوالدين: يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَيُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

(رواه الإمام أحمد في مسنده)

 المذيع:
 ربنا اغفر لي ولوالديَّ يوم يقوم الحِساب، نسأل الله عزّ وجل من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أشكرُ جزيل الشُكر فضيلة الشيخ مُحمد راتب النابُلسي الأستاذ المُحاضر في كُلية التربية في جامعة دمشق على هذه المساهمة والحديث عن بِرِّ الوالدين في حياتِهِما وبعدَ وفاتِهِما.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS