10882
العقيدة الإسلامية - موضوعات مختلفة - الدرس ( 05) : الإسلام
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-10-15
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإسلام :

أيها الأخوة الكرام، لازلنا في الحديث الشريف الذي تلوته على مسامعكم مرتين في درسين سابقين وسأعيده مرةً ثالثة لتكونوا في صورة الحديث:

((عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإحْسَانِ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ. ))

[ مسلم عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]

فيما أذكر تحدثنا في الدرس الأول عن مرتبة الإحسان، وفي الدرس الماضي تحدثنا عن الإيمان، واليوم الحديث عن الإسلام، وهذا الحديث له أهمية كبيرة، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في آخر سورة الحجرات قال تعالى:

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 14 ]

معنى هذا أنه يوجد إسلام، وإيمان، وإحسان، وأنتهز هذه المناسبة لأبين لكم أن تحديد المصطلحات جزء من العلم، فالمؤمن الصادق يعرف ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ ما النفاق؟ ما الشرك؟ ما الكفر؟ ما الفجور؟ ما المعصية؟ ما الفسق؟ هذه المصطلحات ما التقوى؟

الشرك الخفي :

أيها الأخوة، لا بد أن تكون هذه المصطلحات التي يكثر ورودها في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بد من أن تكون هذه المصطلحات واضحةً وضوحاً جلياً في ذهنك، لأنه كما قلت قبل قليل تحديد المصطلحات الإسلامية جزء من عقيدة المسلم، أي مثلاً لو أن إنساناً توهم أن الشرك أن تعبد بوذا مثلاً، يكون غارقاً في الشرك الخفي الذي يحجبه عن الله عز وجل وهو لا يدري، أما إذا علم أن هناك شركاً جلياً وشركاً خفياً، الشرك الخفي خطير جداً هو في المؤدى كالشرك الجلي لكن مبطن.

((عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً))

[ أحمد عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ]

تعظيم شعائر الله
أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله، الشرك الخفي خطير جداً.
الكفر، ترك الصلاة كفر لكن هذا كفر دون كفر، مطل الغني ظلم ولكن هذا ظلم دون ظلم، لو إنسان فعل شيئاً، هذا الشيء الذي يتناقض مع الكتاب والسنة يدخله في الكفر العملي، يوجد عندنا كفر اعتقادي هذا أخطر شيء، الكفر الاعتقادي هو الذي يخرج من الملة، ويوجد كفر قولي، وكفر عملي، لو أن إنساناً أمسك كتاب الله ووضعه بقسوة على الطاولة، هذا كفر عملي، قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾

[ سورة الحج: 32 ]

كفر اعتقادي، كفر قولي، كفر عملي، الذي يخرج من الملة، الكفر الاعتقادي الذي يكفر اعتقاداً يجب أن يعيد إسلامه، مثلاً من ترك الصلاة إنكاراً لفرضيتها كفر كفراً اعتقادياً، لأنك إذا تركت أي فرض، أو أي واجب، أو أي حديث متواتر فقد كفرت، إن أنكرت علم الله فقد كفرت، إن أنكرت حرفاً في كتاب الله فقد كفرت، إن أنكرت اعتقاداً فقد كفرت.

معرفة مصطلحات الإسلام جزء من الدين :

قال بعض العلماء: ليس كل من وقع في الكفر وقع عليه الكفر، شيء جميل، إنسان عن غير قصد، عن غير علم ينطق بكلمات هي في الحقيقة كفر، هذا الأعرابي الذي قال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي من شدة فرحه حينما رأى ناقته، وقد عثر على ما يبلغه مأمنه، هو وقع في الكفر، هل وقع عليه الكفر؟ لا، يوجد أشياء دقيقة جداً.
حتى أن العلماء يؤكدون أنه لا يجوز أن تكفر بالتعيين، التعيين أي من الكبائر أن تقول: فلان كافر، إلا أن يقول بلسانه وأمام الملأ كلاماً هو في عرف الشرع كفر بواح، إذا قال بلسانه وسمعته أنت بأذنك وقال أمام الملأ كلاماً يتناقض مع أصول الدين، هذا اسمه كفر بواح. أما ما يفعله بعض الجماعات الإسلامية في تكفير الناس جزافاً، بلا تأني، بلا سبب، بلا دليل، بلا تروي، فهذا التكفير من الكبائر:

((من قال: هلك الناس، فهو أهلكهم.))

[مسلم عن أبي هريرة]

((إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا.))

[مسلم عَنْ ابْنِ عُمَرَ]

((أَيُّمَا رَجُلٍ كَفَّرَ رَجُلاً فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلا فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ.))

[أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

كما قلت قبل قليل، معرفة مصطلحات الإسلام جزء من الدين، ما معنى الكفر بمعناه الاعتقادي، ما الكفر العملي، ما الكفر القولي؟ ما الكفر بمعناه الموسع؟ ما الكفر بمعناه الضيق؟ وكذلك الشرك وكذلك الإلحاد، وكذلك الفسق، وكذلك الفجور، وكذلك المعصية، وكذلك الإسلام، وكذلك الإحسان، وكذلك الإيمان.
إن شاء الله تعالى من حين إلى آخر يجب أن نقف ملياً عند بعض المصطلحات الدينية، في الدرس الماضي فيما أذكر سقت لكم أحاديث شريفة كثيرة في تعريف الإيمان، وقلت في حينه: إن هذه الأحاديث لها مهمتان؛ هي مقياس وهدف في وقت واحد تقيس بها إيمانك فإن انطبقت هذه الصفات عليك فهذه نعمة من الله، وإن لم تنطبق انقلب هذا الوصف إلى هدف ينبغي أن تسعى إليه، صار هذا الوصف النبوي مقياساً وهدفاً في وقت واحد، المؤمن الصادق لا ينام ملء جفونه وهو لا يدري أمؤمن هو أم غير مؤمن؟ هناك قلق مقدس، هناك قلق أساسه أن الإنسان لشدة خوفه من الله، ولشدة تعلقه بالله، ولشدة إصراره على الفوز بمرضاة الله يسأل نفسه دائماً هذا السؤال: هل أنا على ما يرضي الله؟ فالقلق الذي يساور المؤمن بشأن إيمانه وشأن مرتبته عند الله هذا قلق مقدس، وكان أصحاب النبي رضوان الله تعالى عليهم يقلقون على إيمانهم أشد القلق بل إن بعض التابعين كان يقول: التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحد إلا وهو يظن نفسه منافقاً، ولا يرضى عن نفسه إلا إبليس.

مواقف رائعة عن سيدنا عمر رضي الله عنه :

سيدنا عمر عملاق الإسلام قال: لو أن الله أنزل كلاماً أنه معذب واحداً من خلقه لخفت أن أكون أنا، ولو أنه أنزل كلاماً أنه راحم واحداً من خلقه لرجوت أن أكون أنا، فسيدنا عمر بين الخوف والرجاء، ومرة قال: ليت أم عمر لم تلد عمر ليتها كانت عقيم، ويوم حرس قافلة وبكى طفل صغير وتوجه إلى أمه وقال: أرضعيه فأرضعته، ثم بكى ثانية فقال: أرضعيه فأرضعته، ثم قال لها ثالثة: أرضعيه يا أمة السوء، قالت له: وما شأنك بنا، إنني أفطمه، قال: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يعطيني العطاء إلا بعد الفطام، تروي كتب السيرة أنه ضرب جبهته وقال: ويحك يا ابن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين؟ عدّ نفسه قاتلاً، إن هذا الطفل حرمه الرضاعة من أمه من أجل أن تأخذ أمه تعويضه. أيضاً تروي كتب السيرة أنه دخل إلى المسجد ليصلي بأصحابه، ما استطاع أحد أن يفهم قراءته من شدة بكائه، كان يقول: يا رب هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها.
خشية الله
عندما جاءه رسول من أذربيجان كره أن يطرق بابه ليلاً، توجه إلى المسجد فإذا في المسجد رجل يصلي ويبكي قال رسول أذربيجان: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر، قال: يا سبحان الله أنت أمير المؤمنين، أنا كرهت أن أطرق بابك ليلاً، وأنت هنا تصلي، يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل؟ قال: إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، النتيجة صلى الفجر مع أصحابه وأخذ ضيفه إلى بيته، يا أم كلثوم ماذا عندكِ طعام لضيفنا، وخيره أتحب أن تأكل عندي أم عند فقراء المسلمين؟ لا يوجد نسبة ماذا يفعل عند فقراء المسلمين هو عند خليفة المسلمين، فإذا في بيت هذا الخليفة الراشد خبز وملح فقط، وفقراء المسلمين يأكلون اللحم، قال: يا أم كلثوم هاتي ما عندك من طعام، قدمت له خبزاً وملحاً، أكل وشرب وحمد الله على ما أطعمه وسقاه ، ثم قال له: ما الذي جاء بك إلينا، أنت جئتنا من أذربيجان وأذربيجان مع الاتحاد السوفيتي سابقاً هي كانت تابعة لسيدنا عمر، قال: معي هدية أرسلها لك عاملك على أذربيجان، قال له: ما هذه الهدية؟ قال: حلوى، فتح العلبة وذاق أول قطعة فقال: يا هذا، هل يأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام، قال: لا إنه طعام الخاصة، أخرجها من فمه وكتب كتاباً لعامله في أذربيجان يوبخه ويقول: كيف يعنيك أمر المسلمين إن لم تأكل مما يأكلون، وقال: حرام على بطن عمر أن يذوق طعاماً لا يطعمه فقراء المسلمين، وقال: خذ هذه الهدية وأطعمها لفقراء المسلمين في المسجد النبوي.
ومرة حرم نفسه اللحم أشهراً طويلة فقرقر بطنه، فقال: يا بطن قرقر أو لا تقرقر فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمون، ومع ذلك قال: ليت أم عمر لم تلد عمر ليتها كانت عقيماً.
رأى جمالاً سماناً قال: لمن هذه الجمال، قالوا: هي لعبد الله ابنك، قال: آتوني به، فلما جاؤوه به رأى أباه غاضباً، قال له: لمن هذه الإبل؟ قال: هي لي اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى المرعى لتسمن فماذا فعلت؟ أين المعصية؟ أين المخالفة؟ فقال له أبوه عمر: فيقول الناس: ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا ابن أمير المؤمنين، هل تعرف لماذا سمينة؟ لأنك ابني، فقال له: بع هذه الإبل وخذ رأسمالك ورد الباقي لبيت مال المسلمين.
لذلك هو من الخلفاء الذين يشهد لهم التاريخ بالعدالة والرحمة، عندما سيدنا الصديق ولاه أمر المسلمين بعضهم لامه، أنت وليت علينا رجلاً شديداً، فقال: أتخوفونني بالله، والله لو سألني ربي يوم القيامة لمَ وليت عمر لأقولن له: يا رب وليت عليهم أرحمهم، وهذا علمي به، انظروا الأدب مع الله، فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب.

المسلم الحقيقي :

إذا أنت شهدت شهادة قل هذا علمي به فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب، أحياناً تسأل عن خاطب، لا تتورط وتقول لا يوجد مثله، تقي، نقي، شاب كالملائكة فإن بدل وغير.

أحبب حبيبك هـوناً مـا عسى أن يكون بغيضك يوماً ما
وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حـبيبك يوماً ما
* * *

نعود إلى محور الدرس خرجنا طويلاً، أيها الأخوة يجب أن نعلم حقيقة مصطلحات الإسلام، طبعاً المصطلحات كثيرة ومحور الدرس اليوم عن الإسلام، من هو المسلم؟ هو الذي خضع بأعضائه وجوارحه إلى منهج الله عز وجل، هناك منهج تفصيلي، هناك منهج عنوانه افعل ولا تفعل، فكل فعل أمرك الله أن تفعله إذا فعلته، وكل فعل نهاك الله عن أن تفعله إذا لم تفعله فأنت مسلم، ما دخلنا بالإيمان، الإيمان موضوع آخر.
الإيمان تصديق، الإيمان اتصال بالله، الإيمان إقبال على الله، الآن نحن بالإسلام، صليت الخمس، صمت رمضان، حججت البيت، أديت زكاة مالك، غضضت بصرك، لم تكذب، لم تغتب، لم تدلس، ائتمرت بما أمر وانتهيت عما عنه نهى وزجر، أنت مسلم، فهذا الذي يرتكب الكبائر ويزعم أنه مسلم أين هو من الإسلام؟ هذا الذي لا يبالي أكان دخله حراماً أم حلالاً ويزعم أنه مسلم؟ هذا الذي لا يبالي بأي علاقة مع النساء أكانت مشروعةً أو غير مشروعة ماذا نسميه؟ الذي انصاع إلى أوامر الدين انصياعاً كلياً بأعضائه وجوارحه، وأدى العبادات، وطبق المعاملات، ونفذ الأوامر التفصيلية بقدها و قديدها، بكل ما فيها، هذا عند الله مسلم، والإيمان أعلى والإحسان أعلى. فلذلك:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْماً بَارِزاً لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإيمَانُ؟ قَالَ: الإيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإسْلامُ؟ قَالَ: الإسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً وَتُقِيمَ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

أن تنصاع إليه، أن تخضع لحكمه.

الإسلام انصياع واستقامة :

قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً ﴾

[ سورة الأحزاب: 36 ]

الإسلام انصياع، من أجل أن تصل إلى أولى مراتب هذا الدين العظيم ينبغي أن تستقيم، لذلك بعضهم يقول: سامحهم الله، الاستقامة نهاية المطاف، والحقيقة الاستقامة بداية المطاف، لن تكون مسلماً لا أقول مؤمناً، أقول محسناً لا، لن تكون مسلماً إلا إذا انصعت لأمر الله كلياً؛ جوارحك وحواسك وأعضاؤك، وأديت الأمر، وانتهيت عن النهي.

((..قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإسْلامُ؟ قَالَ: الإسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً..))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

أيضاً أيها الأخوة حتى لا نتوهم أن الشرك أن يعبد الإنسان صنماً لا، حينما تقتبس منهجاً غير منهج الله، وحينما تطبق قاعدةً ليست في كتاب الله، وحينما تخضع لتقليد يتعارض مع كتاب الله، وحينما تسلك عادةً لا ترضي الله، وحينما تأتمر بالمجتمع وتخاف على سمعتك وأنت في معصية، وحينما ترى ضغط الناس عليك شديداً فتفعل شيئاً ترضيهم به هذا شرك، عبدت غير الله.

فضل الصلاة في الكتاب والسنة :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((...الإسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً وَتُقِيمَ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ﴾

[ سورة النساء: 103 ]

((عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزَلَهُمُ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لا يُحْشَرُوا وَلا يُعْشَرُوا وَلا يُجَبَّوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَكُمْ أَنْ لا تُحْشَرُوا وَلا تُعْشَرُوا وَلا خَيْرَ فِي دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ))

[ أحمد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ]

((الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين.))

[رواه الطبراني عن معاذ]

﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

[ سورة العلق: 19]

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 14 ]

الصلاة عماد الدين
ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، الصلاة عقل، لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل، الصلاة معراج المؤمن، الصلاة طهور.

((عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأنِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالصَّلاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))

[ مسلم عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأشْعَرِيِّ ]

((... وَتُقِيمَ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإحْسَانُ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ، قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

كلّ عمل ظاهر قولي أو بدني هو إسلام وكل شيء قلبي هو إيمان :

ذكرت هذا قبل قليل، أيها الأخوة، الإسلام الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم، فسره بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل، الإسلام يلفظ، رجل صلى الصلاة إسلام، ذهب إلى الحج، أدى زكاة ماله عداً ونقداً، كل عمل ظاهر قولي أو بدني هو إسلام، وكل شيء قلبي هو إيمان.
الإسلام الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم، فسره بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل وأول ذلك شهادة أن لا إله إلا الله، هذه الشهادة هذه شعار الإسلام، هذه كلمة التوحيد إذا أمكن أن يضغط الدين كله بعباداته، وبعقيدته، وبمعاملاته، وبأخلاقه، وبأدبه، وبجهاده، إذا أردنا أن نضغط الدين كله في كلمتين فهو أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله. لكن كما تعلمنا في الجامعة الكلمات أحياناً لكثرة تداولها تفقد شيئاً من معناها نحن بحاجة ماسة إلى أن نعيد لهذه الكلمات رونقها، وعمقها، ومضمونها الخطير، إلهنا ربنا جل جلاله يقول:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 19 ]

صدقوني أيها الأخوة أنه أعلى علم على الإطلاق أن تعلم أنه لا إله إلا الله، ولأنك إذا علمت أنه لا إله إلا الله انتهت كل المشكلات، كل الخلق لا يعدلون شيئاً.

فليتك تحلو والـحياة مـريرة وليتك ترضى والأنـام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عـامر وبيني وبين الـعالمين خـراب
وليت شرابي من ودادك سائغ وشربي من ماء الفرات سراب
* * *

التوحيد :

التوحيد
التوحيد أن لا ترى مع الله أحد، التوحيد أن ترى يد الله فوق أيديهم، التوحيد أن ترى يد الله تعمل في الخفاء، التوحيد أن تفسر كل شيء أمامك تفسيراً توحيدياً هذا فعل الله، أن لا تشهد غير الله، أن لا ترى مع الله أحداً، أن لا تطلب على عملك شاهداً غير الله، أن لا ترجو جزاءً غير جزاء الله، التوحيد أن تنقطع حاجتك من الخلق وأن تتعلق بالحق.
اللهم لا تجعل حوائجنا إلا إليك، التوحيد أن لا ترى رافعاً إلا الله، ولا خافضاً إلا الله، ولا معزاً ولا مذلاً إلا الله، ولا معطياً ولا مانعاً، ولا قابضاً ولا باسطاً، ولا ممداً ولا مانعاً، ولا مسعداً ولا مشقياً، ولا مضحكاً ولا مبكياً، أبسط مثل أحياناً أخ يرمي نكتة، يضحكون الأخوان، لماذا ضحكوا؟ لأن الله عز وجل سمح لهم أن يضحكوا، ولو أن الإنسان بلغه خبر سيء على صحته لو ألقيت على مسامعه أطرف طرفة لا يضحك أبداً، فلما ربنا عز وجل يسمح لك أن تضحك معنى هذا أنه عافى لك بدنك، وبيتك منتظم، لست جائعاً، عندك شيء يغطي مصروفك، سمعتك طيبة لا أحد يذمك. عندما ربنا عز وجل يحفظ إنسان يضحك، فالتوحيد أن لا ترى مع الله أحداً، هذه شهادة أن لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، من الذي ينبغي أن يعبد هو الذي خلق، هو الذي يحيي، هو الذي يميت، هو الذي يعز، هو الذي يذل، هو الذي يرفع، هو الذي يخفض، هو الذي يشفي، هو الذي يضحك، هو الذي يبكي، هذا الذي يُعبَد، الذي يسمعك في أي مكان، أين نادى سيدنا يونس؟ قال تعالى:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87 ]

أحياناً الإنسان يكون في مكان لا يستطيع أن يتصل بأحد، كل أصدقائه الله منعهم على أن ينجدوه، لا يوجد إلا واحد هو الواحد الديان يسمعك بأي مكان.
لذلك المؤمن يدعو الله وحده لأربع أسباب، أول سبب لأن الله موجود وقريب، وسميع، ومحب، وودود، قدير، لهذه الصفات الإنسان يدعو الله عز وجل، لذلك النبي قال: شهادة أن لا إله إلا الله.

على الإنسان ألا يدلي بحجة إلا إذا كانت قاطعةً ومفحمةً :

أخواننا الكرام، ما في إنسان ينكر أن الله خلق السموات والأرض، لأن أحداً من الخلق لا يستطيع أن يدعي ذلك، من الذي يستطيع أن يقول الشمس أنا جعلتها تشرق؟ قال:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 258 ]

هو بحسب جهله توهم أنه يقتل إنساناً أو يعفو عنه، إن عفا عنه أبقاه حياً، وإن أمر بقتله يقتل، فسيدنا إبراهيم علمنا طريقة في المناقشة رائعة، إذا كان معك حجة غير واضحة تماماً، دخل عليها مداخلة ضعفت قيمتها دعها وائتِ بحجة لا ردّ عليها، لم يتابع معه، قال من ربك، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 258 ]

لا تدلي بحجة إلا إذا كانت قاطعةً، قاطعةً ومفحمةً، أما الحجة التي يمكن أن يداخلها مداخلة ابتعد عنها، لأنها تحتاج إلى إدراك عميق.

أعدى أعداء الإسلام هو الجهل بالإسلام :

أخوانا الكرام، الإسلام طاعة والإيمان معرفة واتصال بالله، لا يوجد معرفة من دون جهد ولا من دون وقت، لا يوجد إنسان يأخذ دكتوراه وهو نائم، ولا أثناء دوامه الكامل في المعمل، لا بد من التفرغ، لا بد من أن تقتطع من وقتك وقتاً لمعرفة الله، أحياناً يقول لك: هناك وقت ضائع ووقت مستثمر، الوقت الذي تحضر به مجلس علم هذا استثمار للوقت لا تضييع له.
مرة قال لي أحدهم وهذه قصة قديمة جداً عام أربعة وسبعين، بعد أن ألقيت خطبة انتحى بي أحد الأخوة ناحية المسجد وصار يبكي وقال لي: إن زوجتي تخونني كل يوم من عامين وعندي منها خمسة أولاد ولا أدري أيهم من الحرام، وأنا رجل منعم، قلت: مع من؟ قال: مع جار لنا، قلت: وكيف تعرف هذا الجار على زوجتك؟ قال: كان مرةً عندنا يزورني فطلبت من زوجتي أن تحضر معنا لأنها كأخته، قلت له وقتها: لو حضرت مجلس علم واحد وعرفت حكم الشرع في الاختلاط لما فعلت ذلك، جهلك جر لك هذه المصيبة.
لذلك أيها الأخوة: الإسلام له أعداء كثيرون، أعداء أقوياء، قال تعالى:

﴿ َقَدْ مَكَرُوا مَكْرَُهمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

لكن هذا دين الله عز وجل يصمد أمام أكبر المؤامرات، ليس هذا قصدي الإسلام له أعداء كثيرون، أعداؤه أقوياء جداً وأذكياء جداً ويخططون ليلاً ونهاراً وتسمعون الأخبار في مكان في العالم، الإسلام يُحارَب، أنا أعتقد أن أعدى أعداء الإسلام هو الجهل بالإسلام، كل واحد منا لو عرف هذا الدين على حقيقته لكان أكبر نصير له ولانصاع إلى أمره ونهيه.
من منا واحد كان يمشي بحقل يتنزه يرى لوحة انتبه ممنوع التجاوز حقل ألغام، إذا مواطن رأى هذه اللوحة في مكان، هل يشعر بحقد على من وضع هذه اللوحة، أم يشعر بامتنان؟ صدقوني يمتلئ قلبه امتناناً لأن هذه اللوحة هي ضمان لسلامته وليست حداً لحريته.

التمسك بالدين أساسه العلم :

أحكام الدين ضمان السلامة
إذا رأيت على عمود كهرباء ذي توتر عال مكتوب: ممنوع اللمس، ممنوع الاقتراب، توتر عالي خطر الموت، هل تشعر أن وزارة الكهرباء التي وضعت هذه اللوحة أرادت أن تقيد حريتك؟ لا، أرادت ضمانة سلامتك، أنت حينما تفهم أحكام الدين ضمان لسلامتك ينتهي الأمر، أنت فقيه حينما تفهم حقائق الدين، مرة ضربت مثلاً رجل يركب شاحنة ويحمل خمسة أطنان، لا يوجد إنسان، وعلى الطريق يوجد جسر ومكتوب عليه الحمولة القصوى ثلاثة طن، فهو إن قال: هل يراني أحد؟ هل يوجد شرطة؟ لا أحد يخالفني؟ لا الموضوع أعمق من ذلك لا أحد يخالفك الجسر نفسه يعاقبك، تقع السيارة في النهر، فإذا فهمت الدين بهذا الشكل لا تخالفه، أما إذا فهمته قيود وأنت تحب الحرية، هذا فهم سقيم وضعيف جداً.
فيا أيها الأخوة الأكارم: كلما تعمق علمك يزداد تمسكك، التمسك بالدين أساسه العلم، عليك أن تتعلم والإنسان يحب ذاته، لا يوجد إنسان لا يحب ذاته، ترى إنساناً ساكناً في بيت مرتب، فرش لطيف، مكتبات مع الجدران، شرفات، يقول له الطبيب: تحتاج إلى بيت أرضي، ثاني يوم يضعه في مكتب عقاري مع أنه كلفه الكثير، يقول: صحتي أهم، هل هذا الكلم صحيح؟ الإنسان يحب ذاته، أنت إذا علمت أن الدين من أجل مصلحتك تحب الدين، لو تعلم أنه لا يوجد أمر إلا لصالحك، لضمان سلامتك، لضمان سعادتك، لا يوجد أمر إلا من أجل أن تسعد في الدنيا والآخرة، تتمسك لا تمسك الخائف بل تمسك المحب، وشتان بين العبيد والتجار والأحرار.
امرأة عاشقة لله عز وجل رابعة العدوية قالت: ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك، ولكنني عرفت أنك أهل للعبادة فعبدتك، العبيد يعبدونه خوفاً، والتجار طمعاً، والأحرار عرفوا الله فأطاعوه.
نحن نحتاج إلى مزيد من العلم، العلم من لوازمه العمل، لأن العلم زائد حبك لذاتك ينقلب إلى عمل، إذا رجل عرف أن الطعام من دون ملح لا يأكل، ولكن قال له الطبيب: الملح يرفع الضغط والضغط يسبب خثرة دماغية أي شلل، فيأكل الطعام بلا ملح، ويقول صحتي أهم من المذاق، الإنسان في أمور الدنيا يوازن موازنة صحيحة، يختار الأفضل، حبذا لو أجريت هذه المحاكمة الطيبة في أمور الآخرة. هذه الأوامر قال: بعضها مالي كالزكاة، بعضها بدني كالصلاة، بعضها مالي بدني كالحج، الحج عبادة مخصوصة بوقت معين وبزمان معين وعبادة بدنية ومالية وشعائرية.

الفرق بين المداراة والمداهنة :

النقطة الثالثة يتوهم المسلمون أن الدين عبارة عن صوم وصلاة وحج وزكاة من قال لك ذلك؟ كل أمر في كتاب الله، وكل أمر في سنة نبيه يقتضي الوجوب، أنت أمام عشرين إلى ثلاثين ألف أمر هذا هو الدين، الدين منهج كامل يبدأ من استيقاظك، من اغتسالك، من صلاتك، من خروجك من البيت، من معاملتك مع زوجتك، مع الأولاد، البيع، يوجد ثلاثمئة حديث في البيوع هذه كلها أوامر، يوجد ألف طريق لكسب المال الحرام، هذه كلها نواهٍ، يوجد تدليس، كذب، تلقي الركبان، بيع المحاقلة، يوجد أنواع من البيوع كلها غلط وكلها نهى النبي عنها.
أنت كمسلم منهجك ليس خمسة بنود، كنت أقول لكم دائماً عندما قال النبي الكريم: بني الإسلام على خمس، النبي فصيح وقد علمونا في الجامعة أن أفصح كلام بعد كلام الله كلام رسول الله، قال: أوتيت مجامع الكلم، قال: أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، يفهم أن النبي مدح نفسه وذم نفسه، لكن أسلوبه في البلاغة هو تأكيد المدح بما يشبه الذم هذا أسلوب بلاغي، تقول فلان كريم لكنه شجاع. ويوجد تأكيد الذم بما يشبه المدح، فلان لئيم إلا أنه جبان، ذاك أسلوب تأكيد الذم بما يشبه المدح، أما أسلوب تأكيد المدح بما يشبه الذم:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
* * *

النبي كان فصيحاً جداً، قال: أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، وقريش أفصح قبائل العرب، كانت كلماته صلى الله عليه وسلم كالدر المنظوم، كان كلامه فصلاً لا هزراً ولا نذراً، يوجد إيجاز مخل تسحب الكلام منه سحب، ويوجد إطناب ممل، والبلاغة بين الإيجاز المخل والإطناب الممل، فالنبي عليه الصلاة والسلام كلامه أفصح كلام بعد كلام الله، وعلماء الحديث يستنبطون إشارات دقيقة جداً، مثلاً: النبي قال: بعثت بمداراة الناس، لماذا ما قال بعثت لمداراة الناس؟ فرق كبير بين بمداراة الناس ولمداراة الناس، إذا قال: بعثت لمداراتهم أصبحت المداراة هدفاً، فصار هناك نفاق، أما قال: بعثت بمداراة أي أنا أستعين على هدايتهم بمداراتهم هذه الباء السببية.
العلماء قالوا: المداراة شيء والمداهنة شيء آخر، المداراة بذل الدنيا من أجل الدين تبذل من صحتك، من مالك، من وقتك، حتى تستميل قلب أخيك، أما المداهنة تبذل من دينك من أجل إرضاء الناس، فالمداهنة خطيرة جداً، أما المداراة رفيعة جداً.

في الدين حقائق يجب أن تعلم بالضرورة وكل من غفل عنها أو جهلها يدفع الثمن باهظاً:

(( بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ. ))

[ متفق عليه عن ابن عمر ]

أركان الإسلام
معنى هذا الإسلام بناء شاهق، بناء متماسك، وبناء عظيم، هو غير هذه الخمسة، هذه الخمسة دعائم الإسلام بني عليها وهو شيء آخر، هو صدق، أمانة، استقامة، فلذلك ليس لنا حق أن نتوهم أن الإسلام خمسة أوامر، الإسلام آلاف الأوامر، وطلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، يجب أن تكون فقيهاً وعندنا قاعدة العلماء قالوها: هناك علم يجب أن يُعلَم بالضرورة، ليس لنا خيار أبداً.
أنت كسائق سيارة لست مكلفاً أن تعرف من أي خليطة صنع محرك السيارة، لا يلزمك، ولا ينبغي أن تعرف كيف صنعت هذه السيارة؟ ولا من أي مادة صنعت مكابحها؟ لا، لكن يجب أن تعرف كيف توقفها وكيف تحركها؟ وكيف تنعطف بها يمنةً ويسرةً؟ وكيف تتصرف عند الخطر؟ هذه حقائق يجب أن تعلم وإلا تهلك نفسك بهذه السيارة.
نحن في الدين يوجد حقائق يجب أن تعلم بالضرورة، وكل إنسان غفل عنها أو جهلها يدفع الثمن باهظاً، مثل الذي قال لي: إن امرأتي تخونني لأنه جهل حقائق الدين، إنسان سافر إلى مصر ترك زوجته مع أخويه في البيت، وقع الذي وقع، جاهل.

((عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ، قَالَ: الْحَمْوُ الموت))

[متفق عليه عن عقبة بن عامر]

كثير من القصص أسمعها، وأنا عندي قاعدة، ابحث عن المعصية وراء كل مشكلة معصية، تقع مشكلات سببها مخالفة لمنهج الله في كسب المال، علاقة مع النساء، أنت عندما تطبق الشرع أنت في حصن حصين.

من أكمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلماً حقاً :

عندنا حكم أخير، إن من أكمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلماً حقاً، ومن أقر بالشهادتين صار مسلماً حكماً.
أحدهم لبس بذلة خضراء وحمل محفظة وتوجه نحو مدرسة هذا طالب، قد يكون لا يدرس، أما عند الناس حكماً طالب، طبعاً والده لا يكلفه بعمل لأن عنده مدرسة، هذا عند الناس محسوب أنه طالب، متفرغ لأنه طالب، غير مطالب بالإنفاق على أهله لأنه طالب، ولكن يا ترى هل هذا طالب؟ قد يكون كاره العلم، فكل إنسان أقر بلسانه بالشهادتين هو حكماً مسلم، ونحن كما قال العلماء من السلف الصالح: لا نكفر أهل القبلة، كل إنسان أقر بالشهادتين واتجه نحو القبلة لا نكفره، لكن هذا يدخل في أوسع دائرة من دوائر الإسلام، هذه الدائرة تضيق شيئاً فشيئاً، أنا كنت أضرب مثلاً: تقول إنسان هذه الكلمة تغطي خمسة آلاف مليون، قل إنسان مسلم الدائرة ضاقت لمليار، إلى الخمس، قل إنسان مسلم عربي، ضاقت إلى مئة وخمسين مليوناً، اكتب عربي مثقف، ضاقت إلى عشرين مليوناً، اكتب إنسان مسلم عربي مثقف طبيب، تصبح مليوناً، اكتب طبيب قلب، تهبط، جرّاح، تهبط، في دمشق، اثنين، كلما تضيف صفة تضيق الدائرة، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 2-11 ]

كلما الله عز وجل أضاف صفة تضيق الدائرة، فهذا الذي خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين هذه صفاتهم.

للإسلام صفات ظاهرة وصفات باطنة :

أردت من هذا الدرس أن نقف جلياً على حقيقة الإسلام، من الأحاديث الشريفة التي تشير إلى حقيقة الإسلام قول النبي صلى الله عليه وسلم:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ ))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمرو]

طبعاً أي سلمت سمعة المسلمين من لسانه ويده، فكل إنسان يسيء إلى غير مسلم يتهم الإسلام بالإساءة، أما إذا أسأت إلى أخ تتهم أنت بالإساءة، أما إذا أسأت لغير المسلم، فالإنسان إذا عامل غير المسلمين ينبغي أن يحتاط كثيراً لأن أي إساءة لهم هي اتهام للإسلام بأكمله.

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الإسْلامِ خَيْرٌ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمرو]

وإن للإسلام ضوءاً ومناراً كمنار الطريق، الإسلام له روحانية وله هيكل يوجد أعمال ظاهرة، أعمال مادية، أعمال ترصد، ويوجد روحانية هي سر الإسلام، الإسلام بلا حب جثة هامدة، الإسلام بلا خوف من الله، بلا اندفاع إلى طاعة الله عز وجل، يوجد صفات ظاهرة، ويوجد صفات باطنة.

((الإسلام ثمانية أسهم، الإسلام سهم أي إعلان الشهادتين، والصلاة سهم، الزكاة سهم، والجهاد سهم، وصوم رمضان سهم، ولعل السهم الثامن هو الحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سهم، وخاب من لا سهم له))

[صحيح الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه]

(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))

[ أخرجه الترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

هذا من حسن الإسلام أيضاً، أيها الأخوة في هذه الدروس الثلاثة تحدثنا عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان، الإحسان أعلى هذه المراتب والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وجزاء المحسنين في التعبير الدقيق أنهم يوم القيامة يرون وجه الله تعالى، لأنهم عبدوه كأنهم يرونه، فجزاء هذا الذي عبده كأنه يراه أن يراه حقيقةً.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS