44026
خطبة الجمعة - الخطبة 0406 : خ1 - سلسلة الأخلاق10 ( ذكرى المولد1 - معية النبوة ) ، خ2 - التعاون والمودة والنصيحة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-08-28
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما جرت به المقادير، إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مخاطبة الله البشر من خلال النبي :

أيها الأخوة الأكارم... بمناسبة قدوم ذكرى المولد النبوي الشريف، لابد من سلسلة خطبٍ حول هذا الموضوع العظيم.
أيها الأخوة الأكارم... الله جل جلاله خَلَقَ الإنسان في أحسن تقويم، وكرَّمه أعظم تكريم، منحه نِعمة العقل، سخَّر له الكون، فطره فطرةً عالية، تفضَّل عليه بمنهجٍ من السماء؛ دستور قويم، وحبل متين، وصراط مستقيم، كلَّفه نفسه ليزكيها، ويسمو بها، ويرقى بها فيسعد بها إلى أبد الآبدين، لكن الإنسان قد يغفل عن مهمَّته، وقد ينسى رسالته، وقد تزله الشهوات، وقد ينساق في طريق الانحرافات، فلا بدَّ من تذكير، هذه قصَّة النبوة لابد من أن يذكر الله عباده، ولأن الله يستحيل أن يخاطب خلقه جميعاً لعدم أهليَّتهم، لابد مِن أن يخاطب البشر من خلال نبيٍ مُصطفى الله يخاطب البشر من خلال نبيه المرسل رحمة للعالمين
فالنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي اصطفاه رحمةً للعالمين.
أيها الأخوة الأكارم... في حياتنا إنسانٌ واحد ينبغي أن نتَّبعه في كلِّ شيء، لماذا؟ لأنه رسول الله، لأن الله تولَّى تكميله، لأن الله عَصمه، لأن الله أوحى إليه، لأن الله أمرنا أن نُتابعه، أمرنا أن نتَّبع سُنَّته، أمرنا أن نأخذ ما أعطانا وأن ننتهي عما عنه نهانا، لأنه المعصوم الذي لا يخطئ لا في قولٍ ولا في فعل، لأنه المُشَرِّع، كل كلمةٍ يقولها، وكل فعلٍ يفعله، وكل سكوت يسكته تشريعٌ لنا، ففي حياتنا إنسان واحد كلامه هو الدليل، وما سوى هذا الإنسان فأيّ كلامٍ من قِبَلِهِ يحتاج إلى دليل، هذا الإنسان الذي جعله الله رسولاً، وجعله نبياً، أوحى إليه وعصمه، وأمرنا أن نتبعه هو النبي صلى الله عليه وسلم، محمد بن عبد الله، الذي نحتفل في الأيام القادمة بذكرى مولده.

النبي مسدد رشيد من الله تكفل الوحي بإعطائه الحق الصرف :

أيها الأخوة الأكارم... اخترت لكم في هذه الخُطبة آيةً من آيات القرآن الكريم، من سورة الفَتح، بل هي آخر آيات سورة الفتح، وهي قوله تعالى:

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوح
قد يتَّجه الذِهن إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام عَبْقَرِيّ، الجواب:

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

قد يتجه الذهن إلى النبي عليه الصلاة والسلام مُصلحٌ اجتماعيّ..

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

لو أن كل ذكيٍ يمكن أن يكون نبياً، ولو أن مصلحٍ يمكن أن يصبح رسولاً، لاختلط الحابل بالنابل، هذا الإنسان اصطفاه الله، وأوحى إليه، وجعل كلامه عن وحيٍ، حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4]

فلئلا تتجه بنا الأفكار إلى أنه يتمتَّع بذكاءٍ خارق و هو كذلك، لئلا تتجه بنا الأفكار إلى أنه عبقريٌ مِن عباقرة العالم وهو كذلك، لكنه رسول الله، لا تنسوا أيها الأخوة أن النبي عليه الصلاة والسلام هو رسول الله، لأن العبقريَّ يصيب ويخطئ، لأن المصلح يُفْلِحُ ولا يفلح، لكن هذا النبي الكريم مسددٌ رشيدٌ من الله عز وجل، الوحي تكفل بإعطائه الحقَّ الصِرف، جاء بالقرآن..

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾

[ سورة فصلت : 42]

الحكمة من جعل النبي أمياً :

دققوا أيها الأخوة، في وصف الله له:

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

جعل الله كلام رسول الله كله تشريعاً ووحياً وصدقاً
وينبغي أن نتمسَّك بهذا الوَصف، إذا قلنا: رسول الله إذاً لا ينطق عن الهوى، إذا قلنا: رسول الله إذاً لا يخطئ، إذا قلنا: رسول الله إذاً هو معصوم، إذا قلنا: رسول الله إذاً هو المُعَلِّم الأول، إذا قلنا: رسول الله إذاً ينبغي أن نأخذ ما أمرنا به، لقوله تعالى:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

لذلك ما يقال من أن الراهب بحيرة علَّمه حينما كان شاباً، أو صبياً، ولئلا يقال إنه أخذ عن زيد أو عن عُبيد، جعله الله أُمِّياً، ليقطع صلته بثقافة الأرض، وليجعل كلامه كلَّه من وحي السماء، لئلا تختلط ثقافات الأرض بوحي السماء جعله أمياً، وأمّية النبي من كماله، الأمية فينا نَقْص، لكن الأمية في النبي كمال، لأنه قطعه عن ثقافات الأرض كلها، وجعل كلامه كله تشريعاً، وحقاً، ووحياً، وصدقاً.

المؤمن مع النبي في كل شيء :

أيها الأخوة الأكارم... في الآية الكريمة التي هي في أواخر سورة الفتح لفت نظري:

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

فراجعت الآيات التي أشارت إلى معيَّة النبي. أيها الأخوة الأكارم... الله جل جلاله يقول:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

[ سورة هود: 112 ]

إذاً إنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾

[ سورة المزمل: 20]

فاستقم كما أمرت ومن تاب معك
إذاً كان أصحاب النبي مع النبي؛ مع النبي في عباداته، مع النبي في استقامته، مع النبيّ في بصيرته.

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

مع النبي في الأمور الجامعة.

﴿ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾

[ سورة النور: 62]

إذاً شيءٌ عظيم أن تكون مع النبي، إن فاتك أن تكون معه قلباً وقالّباً، إن فاتك أن تكون مع حقيقته، ومع جسده الطاهر، فلا أقل من أن تكون مع روحه، من أن تكون مع سُنَّته، من أن تكون مع تشريعه، من أن تكون في عِداد أمته؛ أمة الاستجابة لا أمة التبليغ.

البشارات التي بشر الله بها المؤمنين :

أيها الأخوة الأكارم... من البشارات التي بشَّر الله بها المؤمنين الذين هُم مع الأنبياء والمرسلين:

﴿ نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ﴾

[ سورة هود: 58]

﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ﴾

[ سورة التحريم: 8]

الله يبشر كل من كانوا مع الأنبياء بأن لهم الفوز والنجاة
دققوا في الآيات التي يبشر الله بها كل الذين كانوا مع الأنبياء بأن لهم الفوز، بأن لهم النجاة، بأن لهم الحِفظ، بأن لهم التوفيق.

﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ﴾

[ سورة التحريم: 8]

لا يخزيهم..

﴿ نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ﴾

[ سورة هود: 58]

﴿ نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَه﴾

[ سورة هود: 66]

كل نبيٍ دعا قومه، والتف حوله أناسٌ صدقوا دعوته، بل إن الله عز وجل يقول:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾

[ سورة المائدة: 12]

إذا كنتم مع النبي فإني معكم، وإذا كان الله معك فمن عليك؟

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَنا﴾

[ سورة المائدة: 12]

وإذا كان الله معك كنت من الفائزين، وكنت من الفالحين، وكنت من الموفَّقين، وكنتم من السُعداء في الدارين.

المؤمنون أشداء على الكفار لا تشفياً و لكن هداية و صلاحاً :

أيها الأخوة الأكارم...

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

المؤمنون رحماء فيما بينهم
لماذا ؟ لماذا هم أشِدَّاء على الكفار؟ مما أتاهم الله من علمٍ وبصيرة، مما أودع في قلوبهم مِن رحمة، لأن الأب الرحيم الطَبيب، الذي يجمع بين قلب الأب وعقل الطبيب، يغار على ابنه أن يسيء إلى جسده، يغار على ابنه أن يرضي نفسه، يغار على ابنه أن يُتْلِف أعضاءه، لذلك غيرة المؤمنين التي هي فرعٌ من فروع الرحمة التي أودعت في قلوبهم، وعلم المؤمنين الذي هو ثمرةٌ من ثمار إيمانهم، لأن الله ما اتخذ ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه، علمهم، ورحمتهم، جعلهم يغارون على الكفار، يشتدون عليهم لا تشفياً ولكن هدايةً وصلاحاً.
فلذلك ربنا عز وجل وصف المؤمنين، هؤلاء المؤمنون لا يسمحون لعقيدةٍ زائغةٍ أن تنتشر، يردّون عليها، لا يسمحون لانحرافٍ أن يستشري، يقفون في وجهه، لا يسمحون بباطلٍ أن يفشو، يقفون في وجهه، هم نَصَحَة، ينصحون هؤلاء الذين تاهت بهم السُبل، ينصحون هؤلاء، يعظون هؤلاء، يرشدون هؤلاء، يشتدون على هؤلاء لا من أجل أن يشفوا صدورهم، هم فوق ذلك..

﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

والدليل:

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

إذا رأيت أحدا غارقا في المعاصي فانصحه
أما إذا رأيت قريباً لك غارقاً في المعاصي، وأثنيت عليه، وجاملته، وبالغت في الثناء عليه وهو غارقٌ في المعاصي، ماذا فعلت أنت؟ غششته، زدته ضلالاً، أوهمته أنه على حق، إن لم نتناصح، إن لم نأمر بالمعروف، إن لم ننه عن المُنكر، إن لم نكن قوّامين لله، إن لم نكن شهداء للحق، فما قيمة إيماننا ؟ لذلك قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا ﴾

[ سورة الأنعام: 131 ]

لم يقل " وأهلها صالحون" لأنه فرقٌ كبير بين أن يكون أهلها صالحين، وبين أن يكون أهلها مصلحين، إذا كانوا صالحين أيْ لأنفسهم، هؤلاء قد يُهلكهم الله عز وجل، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الفريضة السادِسة في الإسلام.
فيا أيها الأخوة الأكارم... وصفٌ رائع ؛ شديدٌ على أهل الكفر، يناقشهم، يبيِّن لهم الدليل، يعطيهم الحُجَّة، يقدِّم لهم الإثبات، لا ينساق معهم، لا ينجرف مع تيَّاراتهم، لا يقيم علاقةً حميمةً معهم، لا يثني عليهم، لا يمدحهم، إن الله ليغضب إذا مُدِحَ الفاسق.

﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

مودة المؤمن لأهل التقى و العفاف و جرأته و بيانه للمنحرف :

أما فيما بينهم ففي غاية الرحمة، في غاية المودَّة، في غاية اللين. قيل لسيدنا عمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين إن الناس هابوا شدتك فبكى، فقال: " لقد بعث الله محمداً رسولاً ونبياً، فآمن معه من آمن، وكفر من كفر، كان أبو بكرٍ رضي الله عنه وأنتم تعلمون حلمه وأَناته، كان يده اليمنى، وكنت أنا سيفه المَسلول، فكان يُغمدني إذا شاء، وتوفي عني وهو عني راضٍ وأنا به أسعد، أما اليوم فاعلموا أن تلك الشدة قد أُضْعِفَت، وإنما أنا لكم أضع خَدِّي على الأرض ليطأه أهل العفاف والطُهر "، أيْ أن سيدنا عمر كان شديداً في موطن الشدة، ليناً في موطن اللين، أما هذه الشخصية المهزوزة ؛ ليِّن مع الجميع، مع الفُسَّاق، مع الفُجَّار، مع الكفار، مع المنحرفين، مع أعداء الدين، مع الذين يروّجون الأباطيل، مع أهل البِدَع، لينٌ معهم، هذه شخصيةٌ مهزوزة، وهذا الذي ينسحب من المجتمع ولا يتعامل معه تعاملاً إيجابياً، وهذه أيضاً مهزوزة..

﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

لك أن تكون قاسياً مع الجميع، وهذه ليست بطولة، ولك أن تكون ليناً ذائباً مع الجميع وهذه ليست بطولة، ولكن البطولة أن تكون كما وصف الله عز وجل:

﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

مودَّتك ليست لكل الناس، لأهل التقى والعفاف، إخلاصك، حبك، لمَن كان مؤمناً مستقيماً، وأما نَصيحتك، وأما بيانك، وأما جُرأتك، وأما أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر فهذه للمنحرفين.

﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

هذه الصفة الأولى.

وصف حال أهل الآخرة :

هؤلاء الذين مع رسول الله يستحقون عطاء الدنيا والآخرة:

﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

أهل الاخرة تراهم ركعا سجدا أما أهل الدنيا تراهم غارقين بالمتع
قال ابن كثير: وصف الله المؤمنين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم أجمعين، بأنهم كثيرو العبادة، كثيرو العمل، أيْ رهبانٌ في الليل، فُرسانٌ في النهار، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.
يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل؟ رآه في وسط الليل يُناجي ربه، رسول عامله على أذربيجان، وصل المدينة في منتصف الليل، فكَرِه أن يطرق باب أمير المؤمنين، توجَّه إلى المسجد فرأى رجلاً يصلي، ويقول: - يا رب هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها؟ - قال: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر، قال: يا سبحان الله، يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل؟!! قال: إن نمت ليلي كله أضعت نفس أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيَّتي.

﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 29 ]

وصف حال أهل الدنيا :

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ ﴾

[ سورة الإنسان: 27 ]

أهل الدنيا..

﴿ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 27 ]

يحبون العاجلة ؛ يحبون الدنيا، يحبون بيوتها، يحبون مركباتها، يحبون مزارعها، يحبون المُتع، المباهج، الشهوات..

﴿ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 27 ]

هذا كلام خالق الكون.

المؤمنون متفوقون في عملهم و كثيرو العبادة و العمل :

﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾

[ سورة الفتح: 29]

الفضل ؛ يسعون في أعمالهم، نَشِطون في أعمالهم، متفوقون في اختصاصاتهم، يقدِّمون شيئاً للمجتمع ثميناً، أمسك النبي يد عبد الله بن مسعود فرآها خَشِنَة، فقال: إن هذه اليد يحبها الله ورسوله :

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

المؤمن متفوق في عمله وكثير العبادة والعمل
أيْ في أعمالهم متفوِّقون، يقدِّمون أشياء ثمينة، ليسوا عالةً على المجتمع، ليسوا كلاً على الآخرين، يدهم عليا، قال له: خذ نصف مالي. قال له: " بارك الله في مالك، دلني على السوق ". دلني عليه، فصار من أغنى الصحابة، هذا عبد الرحمن بن عوف، آخاه النبي مع سعد بن الربيع، فقال له سعد: " هذان بستانان اختر أحدها، وهذان داران اختر أحدهما ". فقال له عبد الرحمن بن عوف وكان في أعلى درجات العِفَّة، الصحابي الأنصاري الذي كان أخاه كان في أعلى درجات الكرم، والصحابي المهاجر كان في أعلى درجات العفة، جميلٌ جداً أن يقف كل طرف أكمل موقف، الأنصاري ضحَّى بنصف ما يملك لله، والمُهاجر كان في أعلى درجات العفة قال له: " بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق " عفةٌ من جهة، وكرمٌ من جهة.

﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾

[ سورة الفتح: 29]

الفضل؛ أعمالهم، أرزاقهم، مِهَنُهُم، حِرَفُهم، اختصاصاتهم، هذا الذي يدرس الجامعة لينفع أمَّته، هذا في عبادة، هذا الذي يتعلَّم حرفةً لينفع بها المسلمين، وليؤسس بيتاً إسلامياً هذا في عبادة، اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، " إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني " سيدنا عمر، لا بد من أن يكون لك اختصاص؛ حِرفة، مِهنة تتفوق بها، تظهر للناس أن المسلم هو مثلٌ أعلى في الناس، متفوقٌ في اختصاصه، متفوقٌ في دينه، عنصرٌ نافع، إيجابي، مُنْفَتِح، ينفع الأمة.
هذا كلام المُفَسِّر ابن كثير: كثيرو العبادة، كثيرو العمل، عملهم بين كسب أرزاقهم، وبين كسب مرضاة ربهم، لهم أعمال صالحة لوجه الله تعالى، يدعون إلى الله، يُعينون الأرملة والمسكين، يربّون اليتيم، يتعهّدون الفقراء، يعالجون المرضى، يغيثون المستغيثين، يبتغون فضلاً من الله ورضوانا.

انطباع المشاعر النفسية على صفحة الوجه :

﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود ﴾

[ سورة الفتح: 29]

انطباع المشاعر النفسية على صفحة وجه المؤمن
السجود في هذه الآية بمعنى الاتصال بالله، " الوجه " كما قال بعض المفسرين حقيقة الإنسان، وذات الإنسان، نفسه مرتسمةٌ على صفحة وجهه، إنك تقرأ في وجه فلانٍ الحُب، وتقرأ في وجه فلانٍ السُخرية، وتقرأ في وجه فلانٍ الإنكار، وتقرأ في وجه فلان الخَوف. الخوف، والغضب، والحب، والرَيْبُ، والشَكُّ، والإنكار، والتصديق، والتسليم، والتحفظ، والحقد، والضغينة، والحسد، كل هذه المشاعر النفسية لحكمةٍ أرادها الله تنطبع على صفحة الوجه..

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

[ سورة القيامة: 22-23]

لذلك وجه المؤمن متأَلِّق، تألُّقه بسبب اتصاله بالله، بسبب طهره، بسبب براءته، بسبب حبِّه للناس، بسبب حبِّه الخير لهم، بسبب سلامة طويَّته، هذه الأسباب مجتمعةً تجعل من وجهه وجهاً متألِّقاً منيراً، اتقوا فراسة المؤمن.

الخشوع و التواضع من سمات المؤمن :

إذاً:

﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود ﴾

[ سورة الفتح: 29]

الخشوع و التواضع من سمات المؤمن
أيها الأخوة الأكارم... قال بعض العلماء: من كثرة صلاته بالليل حسن وجهه في النهار.
وقال بعضهم: إن للحسنة نوراً في القلب، وضياءً في الوجه، وسَعَةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وما أَسَرَّ أحدٌ سريرةً إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه - ما أسر أحدٌ سريرةً وهذا قانون، الصيغة صياغة قانون، هناك حصر، ما أسر أحدٌ سريرةً إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، الحب يظهر، والبغض يظهر، والحسد يظهر، والحقد يظهر، والخبث يظهر، والمكر يظهر، والطيبُ يظهر، والبراءة تظهر - وما أسر أحدٌ سريرةً إلا ألبسه الله رداءها - رداؤها إنها ترتسم على صفحة الوجه - إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لو أن رجلاً يعمل في صخرة صمَّاء ليس لها باب ولا كوَّة لخرج عمله للناس كائناً ما كان ))

[ من الدر المنثور عن أبي سعيد الخدري ]

﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود ﴾

[ سورة الفتح: 29]

بعضهم قال: سيماههم في وجوههم ؛ السمت الحسن.

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

[ سورة الفرقان: 63]

الأديان السماوية أساسها واحد وهو توحيد الله
سمتهم حسن، تبسُّمُهُم حسن، كلامهم حسن، حركتهم حسنة، متواضعون، خاشعون، يتحرَّكون حركةً ترضي الله عز وجل.
وقال بعضهم: الخشوع والتواضع هو الذي عناه الله تعالى في قوله:

﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

أيها الأخوة الأكارم...

﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

أيْ وحدة الأديان ؛ دين الله الذي أنزله على السيّد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، والذي أنزله على سيدنا موسى مِن أصلٍ واحد، ومن مِشْكاةٍ واحدة، ومن طبيعةٍ واحدة، ولكن الذي بدَّل وغيَّر هو الذي حرف هذين الدينين عن منبعهما الأصيل.

صورة رائعة صورها البيان الإلهي للمؤمن :

أيها الأخوة الأكارم... الآن هناك صورةٌ رائعةٌ صوَّرها البيان الإلهي للمؤمنين، قال:

﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

صورةٌ رائعةٌ صوَّرها البيان الإلهي للمؤمنين
من أوجه التفاسير لهذه الآية أن بعض النباتات ينبت لها فسائل، وأوضح مثل على ذلك شجرة الزيتون، إذا نمت هذه الشجرة، نبت لها على جوانبها فسائل، شُجَيْرات، وهذا شأن النبي عليه الصلاة والسلام، النبيّ هو الشجرة المُباركة، وأما أصحابه فهم فسائل حولها، شجيرات، والزمن لصالح هذا المجتمع..

﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

و الشطأ هو السُنبل والنبات..

﴿ فَآَزَرَهُ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

واختلف المفسِّرون من الذي يؤازر الآخر ؛ أصحاب النبي آزروا النبي أم أن النبي آزر أصحابه؟ العجيب أن كلا المعنيين وارد في التفاسير، النبي عليه الصلاة والسلام يتلو عليهم آياتهم ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، إذاً آزرهم، قَوَّى عودهم، مَكَّن إيمانهم، حمَّلهم تجربةً فريدة، أعطاهم زَخْماً روحياً، نبّههم إلى خطئهم، دفعهم، فالنبي هو الذي آزر شطأه.
أصحاب النبي آزروه فصار قويا وعلت همته
وأصحاب النبي آمنوا به، وعزروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، إذاً قووا النبي، آووه، ونصروه، وآمنوا به، ودافعوا عنه، ونشروا دعوته، وكانوا رُسلاً له.
إذاً لابد من هذا التفاعُل بين من يعلم وبين من يتعلم، المُعَلِّم يُخْلِص، ويقدِّم كل ما عنده، ويتفقَّد، ويسأل، ويُلفت النَظر، ويحذِّر، ويبشِّر، وينذر، ويبيَّن، ويوضح، ويتقرب ممن يعلمه، يأخذ بيده، يتواضع له، يكرمه إلى أن يقوى عوده، والمتعلِّم يعاون، ويساعد، ويؤكِّد، إذاً لابد من هذا التعاون..

﴿ كَزَرْعٍ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

هو النبي عليه الصلاة والسلام.

﴿ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

أصحاب النبي عليهم رضوان الله..

﴿ فَآَزَرَهُ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

إما أنه آزرهم أو أنهم آزروه..

﴿ فَاسْتَغْلَظَ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

صار عوده قويّاً، صار إيمانه راسخاً، صارت رؤيته واضحة، صارت همَّته عالية..

﴿ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

النبي ما ترك صحابياً إلا قواه و وجَهه و نصحه :

لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه الكرام يُصَّلون الفجر، ابتسم حتى رئيت نواجذه، قال:

((علماء حكماء كادوا أن يبلغوا بفقههم أن يكونوا أنبياء ))

[ من الدر المنثور في التفسير بالمأثور]

النبي ما ترك صحابياً إلا قواه ووجَهه ونصحه
لذلك إذا تعبت على إنسان، رَبَّيت إنساناً، وَجَّهته، أعنته، بيَّنت له، سهِرت معه، عاونته، خدمته إلى أن استغلظ ؛ صار متيناً في إيمانه، قوياً في حبه للحق، محسناً للآخرين، واستوى على سوقه، فأعجبك منظره، أعجبك إيمانه، النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا رأى صحابياً قد تفوَّق يقول:

(( والله يا معاذ إني لأحبك ))

[ من الدر المنثور: عن أبي مسلم ]

و يقول لسعد:

(( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))

[ أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب ]

دخل عليه سعد يقول:

(( هذا خالي فليُرِني امْرؤ خَالَهُ ))

[ أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله ]

(( أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ))

[ أخرجه ابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]

(( خالد بن الوليد سيف من سيوف الله ))

[ أخرجه الحاكم عن أنس بن مالك ]

ما ترك صحابياً..

(( لو كَانَ نبيٌّ بعدي لكَانَ عُمَر بنُ الخَطَّابِ ))

[ أخرجه الترمذي عن عقبة بن عامر]

وقال: "أبو بكر ما ساءني قط أعطاني ماله وزوجني ابنته فاعرفوا له ذلك".
وقال:

(( سدوا كل خوخةٍ في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر ))

[ من الدر المنثور عن ابن عباس ]

أيها الأخوة الأكارم... هو قوَّاهم، ورفع معنوياتهم، ونصحهم، ووجَّههم، صحابيٌ قال لسيدنا بلال: يا بن السوداء. فقال عليه الصلاة والسلام لهذا الصحابي:

(( إنك امرؤٌ فيك جاهلية ))

[ متفق عليه عن الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ]

كان ينصحهم، كان يوقفهم عن الحدود، ربَّاهم، ما هذا الأدب؟ قال:

(( أدَّبني ربي فأحسن تأديبي ))

[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

من كان مع النبي كان الله معه :

أيها الأخوة الأكارم...

﴿ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

ما علاقتنا نحن والحديث كله عن النبي وأصحابه ونحن في ذكرى المولد؟ علاقتنا ما بقي من الآية، دققوا فيما بقي منها:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الفتح: 29]

منكم أيها المؤمنون، في أي عصر، في أي مصر، في أي زمان، في أي مكان.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

إذا كنت مع الرسول في سنته فابشر إن الله معك
أيْ إن كنتم على شاكلتهم، إن كنتم على خطتهم، إن كنتم على منهجهم، إن كنتم على تعاونهم، على تحاببهم، على مودَّتهم، على ما وصف النبي؛ جسدٍ واحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. " المؤمنون للمؤمنين نصحةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون غششةٌ متحاسدون ولو اقتربت منازلهم ".

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾

[ سورة الفتح: 29]

يا أيها الأخوة المؤمنون... مِحْوَر هذه الخطبة: هل أنت مع رسول؟ إن فاتتك معيَّته الجسدية فلا ينبغي أن تفوتك معيته النفسية، هل أنت معه في سنته ؟ هل أنت معه في تشريعه؟ هل أنت معه في أخلاقه؟ هل أنت معه في آدابه ؟ هل أنت معه كزوج؟ هل أنت معه كأب؟ هل أنت معه كداعية ؟ هل أنت معه كعابدٍ لله عز وجل؟ إذا كنت معه فأبشر فإن الله معك، والآية صريحة:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

[ سورة المائدة : 12 ]

أيها الأخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُقِ العظيم، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

المحبة و التعاون بين المسلمين تكسبهم رضا الله عز وجل :

أيها الأخوة الأكارم... تطبيقاً لهذه الخطبة ينبغي أن نُقيم المجتمع الإسلامي في حياتنا على مستوى أسرة وعلى مستوى مجتمع مؤمن؛ المحبة والتعاون بين المسلمين تكسبهم رضا الله
التعاون، المودَّة، النصيحة، أن تأخذ بيد الآخرين، القوي عليه أن يأخذ بيد الضعيف، الغَنِيّ عليه أن يأخذ بيد الفقير، الصحيح عليه أن يأخذ بيد المَريض، القويُّ في عمله عليه أن يأخذ بيد الضعيف في عمله، القوي في مكانته عليه أن يأخذ بيد الضعيف.
أيها الأخوة الأكارم... إذا كنا كما وصف الله عز وجل متعاونين، متحابين، نُعين من يُعيننا، نؤازر من يعلِّمنا، والذي يعلمنا يتواضع لنا، ويكرمنا، ويعطينا من أثمن شيءٍ يملِكه، ونحن نعينه على تطبيق هذه التعليمات والتوجيهات، فإن الله سبحانه وتعالى يرضى عنا، لابد من أن نقيم مجتمعاً إسلامياً مُصَغَّراً، لابد من أن يكون الإسلام واقعاً نعيشه، واقع نعيشه جميعاً، لا نقطف ثمار الإسلام إلا إذا طبَّقناه على أنفسنا.

الدعاء :

اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز مَن عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك. اللهم إنا نعوذ بك من عُضال الداء وشماتة الأعداء
اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم إنا نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين. اللهمَّ إنَّا نعوذ بك من الذل إلا لك، ومن الخوف إلا منك، من الفقر إلا إليك. يا رب العالمين. اللهم اكتب الصحة والسلامة لكل المسافرين المسلمين، اللهم أغننا بطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك. اللهمَّ استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخيا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنه على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS