16850
التربية الإسلامية -علم القلوب - الدرس ( 07 - 54) : الحكمة3 ( من معاني الحكمة ؛ الفراسة - الخشية - تفسير القرآن ).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-02-20
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

من يؤت الحكمَةَ فَقدْ أُوتِي خيراً كثِيراً :

أيها الأخوة الكرام: محور هذه الدروس قوله تعالى:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[سورة البقرة الآية:269]

والآية التي تقابلها:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[سورة النساء الآية:77]

من أوتي الدنيا بكل ما فيها؛ بمالها, بنسائها, بمراكزها, بمتعها, بمباهجها, بشهواتها:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[سورة النساء الآية:77]

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[سورة البقرة الآية:269]

من معاني الحكمة :

1 ـ الفراسة :

في درس سابق كان من معاني الحكمة: العقل, ومن معاني الحكمة: المعرفة بالقرآن, ومن معاني الحكمة: النبوة, واليوم من معاني الحكمة: الفراسة, الله عز وجل قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

[سورة الحديد الآية:28]

وقال الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى-: التقوى نور يقذفه الله في القلب.
وفي آية ثانية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾

[سورة الأنفال الآية:29]

الحكمة نور يقذف في قلب المؤمن فيستبصر طريقه
معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى يكافئ الطائعين, يكافىء المؤمنين، بنور يقذفه الله في قلوبهم؛ يرون به الخير خيراً, والشر شراً, الحق حقاً, والباطل باطلاً, الصالح صالحاً, والطالح طالحاً, هذه رؤية في القلب ليس لها ضابطاً, ضابطها: طاعة الله عز وجل, وهي غير ملزمة.
ترتاح لإنسان, لا ترتاح لإنسان؛ الذي ترتاح له يكون مؤمناً, وطيباً, وطاهراً, والذي لا ترتاح له يكون شريراً, بينما الأعمى قد يرتاح لشرير, وينقبض من خير, يرتاح لفاسد وينقبض من صالح, هذا أعمى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

[سورة طه الآية:124]

﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾

[سورة طه الآية:125]

﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾

[سورة طه الآية:126]

كنت أعمى في الدنيا, فالفراسة مكافأة من الله عز وجل.

المؤمن ينظر بنور الله و ينطق بتوفيقه :

سيدنا عثمان كان في مسجد رسول الله, دخل رجل فقال: أيعصي الله أحدكم ثم يأتي المسجد؟ فقالوا: أوحي بعد رسول الله؟ قال: لا, ولكنها فراسة صادقة.

((اتَّقُوا فِراسَةَ المؤمن فإِنه يَنظُرُ بنورِ اللّه))

[التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

وينطق بتوفيق الله لكن لا يوجد دليل؛ شعور بالانقباض, وشعور بالارتياح, وهذا من توفيق الله عز وجل.
حدثني أخ قال لي: أنا عندي معمل, ومصدر لبلد معين قال لي: في سنة من السنوات البضاعة عندي مكدسة, والطلب عليها شديد, لسبب لا أعلمه إطلاقاً, انقبض قلبي أن أصدر؛ البضاعة موجودة, ومكدسة في المستودعات, والطلب عليها شديد, ولا يوجد إنسان عنده ذرة عقل يمتنع عن بيع بضاعة مكدسة, والطلب عليها شديد, قال لي: لم أصدر, قال لي: في هذه السنة فرضت ضرائب تزيد عن ألف وخمسمئة مليون على المصدرين, قال لي: هناك أناس ما ربحوه في أربعين عاماً دفعوه في عام واحد كضرائب, قال لي: أنا دفعت لعمل طيب مليون ليرة.
هذا الذي حركه ليست المعلومات, وليست الوقائع, حركة انقباض. فالمؤمن عندما يكون قريباً من الله عز وجل, يلقي في قلبه نوراً, وهذا الشيء ثابت.
فبعضهم قال: هي الفراسة.

الفراسة هي الإصابة بالظنون ومعرفة ما لم يكن بما كان :

قيل لبعض العلماء: ما الفراسة؟ قال: الإصابة بالظنون, ومعرفة ما لم يكن بما كان.
هناك نوع من الفراسة أنت متأكد أن لله قوانين.
مرة أخ حدثني قال لي: لي عمة اغتصبت بيتاً؛ نحن والدي, ووالدتي, وأربعة عشر أخاً نسكن في البيت, والدي دفع نصفه بالتمام والكمال, لي عمة محامية غير متزوجة-عانس- شريكتنا في هذا البيت, فبأسلوب أو بآخر طردت والدي من البيت, البيت باسمها, ووالدي دافع نصف الثمن, قلت له: والله يا بني! هذا عمل خطير, إنسان دفع نصف ثمن البيت, ولأنها أخته لم يطلب وثيقة, لم يطلب تسجيله في التسجيل العقاري, تأتي أخته تأخذ البيت كله, قلت: والله! أمامها مطب كبير هي قوانين الله عز وجل, ما غاب أسبوعين أو ثلاثة, إلا قال: عمتي معها سرطان في الأمعاء, غاب شهراً قال لي: توفيت عمتي, خرجت من البيت, ألقيت كلمة في البيت نفسه في المزة, وأصبح أخوها الوريث الوحيد, رجع للبيت و هذا شيء بديهي!!
إنسان ارتكب ظلماً, شرد أسرة, وصاحب هذه الأسرة مالك حقيقي, مدفوع نصف ثمن البيت، انظر فعل الله عز وجل!!.
أحياناً تجد شاباً, لا يوجد معه مال, ولا مكانة, ولا بيت, ولا شيء, لكنه مستقيم, تقول: أنت لك مستقبل يا بني! فجأة تأتي الدنيا؛ يوفقه الله بعمل, بوظيفة, بتجارة، استنتج هذا من معرفة قوانين ربنا عز وجل؛ إذا إنسان ماله حرام, ينبغي أن تحذره, الله عز وجل قد يبطش بك, وإذا إنسان مستقيم, ولا يوجد معه شيء, ينبغي أن تبشره أن الله عز وجل سينصره.
فالفراسة بأحد وجوهها معرفة قوانين الله عز وجل.

الفراسة لا تُعطى إلا لأهل السبق والسياسة وأرباب العلم والحراسة :

من هو الهالك؟ أنت إذا بنيت بناء, ولم تترك فواصل تحدد؛ والبناء قائم, ورائع, ومتين, وقوي, يأتي عالم يقول لك: سيتصدع البناء, ما الذي عرفه؟ عنده قوانين منها أن المعادن تتمدد بالحرارة, الآن: الدنيا شتاء, أما في الحر فيتمدد البناء فيتصدع, تقول: يعلم الغيب, لا, لا يعلم الغيب, هذه معرفة بالقوانين أي:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾

[سورة البقرة الآية:276]

مليونير, ملياردير, لكن بعد ذلك أمامه مطب كبير, الله قال:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

[سورة البقرة الآية:276]

تجد شخصاً يتصدق, و هو فقير فيغنيه الله, أي إذا أردت أن تكون واقعياً, نوع من أنواع الفراسة أن تعرف القوانين الإلهية.
من كان عفيفا رزقه الله زوجة صالحة وهذا قانون إلهي
إنسان عفيف قبل الزواج, تبشره أنت لك زوجة صالحة, من قوانين ربنا الإنسان إذا عف قبل الزواج يعوضه بزوجة صالحة، تسره إن نظر إليها, إذا كان قبل الزواج منحرفاً, وذواقاً, وله تجارب, الله يعاقبه بزوجة تريه النجوم ظهراً؛ فهذه تقول: فراسة, قل: فراسة, تقول: معرفة قوانين, قل: معرفة قوانين, كله حسن الظن بالله, هذه كلها تقريباً قانون واحد.
وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:

((استح من الله كما تستحي من رجل صالح من قومك))

[ تفسير ابن كثير من حديث سعيد بن يزيد عن ابن عم له]

ولم يقل: كما تستحي من رجل فاسق.
فأراد النبي -عليه الصلاة والسلام- ألا يتخلق المؤمن بأخلاق الفاسق بحيث يمقته المؤمنون الصالحون.
إنسان يدعي الفراسة, ويكون خلقه سيئاً, هذه ليست حكمة المؤمن, الذي وهبه الله نوراً في قلبه يستخدم هذه الفراسة للخير.
قالوا: والفراسة لا تُعطى إلا لأهل السبق, والسياسة, وأرباب العلم, والحراسة.
وقيل: الفراسة هي الخشية.
في الدرس السابق الحكمة هي معرفة بالقرآن, والحكمة هي النبوة, والحكمة هي العقل, و الآن الحكمة هي الفراسة.

2 ـ الحكمة هي الخشية :

الحكمة هي الخشية
قيل: والحكمة هي الخشية لقوله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[سورة فاطر الآية:28]

فالعالم يخشى, الذي عنده حكمة يخشى الله.

بالمناسبة مستحيل ألف مرة أن يكون الكافر حكيماً, لو كان حكيماً قطف ثمار الدين دون أن يكون ديناً, هذا شيء يتناقض مع عدالة الله عز وجل, الله عز وجل جعل الحكمة عطاء للمؤمنين:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[سورة البقرة الآية:269]

أما الكافر فأعمى:

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُم﴾

[سورة محمد الآية:1]

الكافر لا بد من أن يرتكب حماقة, وهو في أعلى قمم الذكاء, الذكي غير العاقل, فالحكيم موصول بالله عز وجل, وفي قلبه نور, وفي قلبه توفيق إلهي, والحكيم أوتي فهماً من كتاب الله, أما غير الحكيم فينطلق من ذكاء, والإنسان قد يرديه عقله؛ ويفكر, ويفكر, ويفكر, ثم يرتكب حماقة, يدمر بها نفسه.
الأحمق عديم الحكمة يدمر نفسه
مرة سمعت عن تاجر من تجار الأقمشة عنده موظف, نشأ خلاف بينه وبين هذا الموظف فطرده, الموظف انتقم شر انتقام, بلغ الجمارك عن مستودع فيه بضاعة غير نظامية, الجمارك جاؤوا, وضبطوا المخالفة, - القصة قديمة-, كلفوه بستمئة ألف, كان سعر البيت ستة آلاف أو عشرين ألفاً أو ثلاثين ألفاً كلفوه بستمئة ألف, بساعة غضب شديد معه مسدس, أطلق عليه النار, حوكم ثلاثين سنة بالسجن, ستمئة ألف الله يعوضهم له, لكن ارتكب حماقة, قتله, فلما قتله حوكم, صار مجرماً, وعوقب ثلاثين سنة بالسجن؛ دمر حياته, دمر أسرته, اختفى من المجتمع, فقد حريته, فلو فرضنا أن الحادثة وقعت مع المؤمن نرى أن المؤمن لا يقتل, يراها من الله.
أنا مرة شاهدت إنساناً احترق محله, قال لي: والله احترق السوق بكامله, ومحلي آخر محل, احترق الساعة السابعة, والحريق بدأ في منتصف الليل, قال لي: والله لو شخص أخبرني لأعطيته على المكالمة مئة وخمسين ألفاً, -أيضاً القصة قديمة, قال لي: في الصندوق ثمانمئة ألف، و لكن من ثلاثين سنة و أنا أعمل في التجارة؛ هناك أخطاء, ومال حرام, فأحب الله أن يطهرني, وجدت منه كلاماً رائعاً؛ إنسان: رأى أمواله تحترق قال لي: لكن الله عز وجل له إرادة, وله حكمة, في الثلاثين سنة لي تقصيرات, أو مخالفات, أو آكل مالاً حراماً فأحب الله أن يطهرني, هذا مؤمن, فقد محله, لم يرتكب جريمة:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[سورة البقرة الآية:269]

لا تصدق إنساناً بعيداً عن الله عنده حكمة.

الحكمة من صفات المؤمن لأن الله يلهمه الصواب :

أحياناً تجد إنساناً دمر نفسه, على مستوى أفراد, وجماعات, تجد حروباً ممتدة خمس عشرة سنة, الآن جيراننا كل شيء مدمر حوالي ثلاثمئة ألف قتيل؛ الأبنية كلها مدمرة, الاقتصاد مدمر, موقف غير حكيم, وبالنهاية لم ينتصر أحد, لا يوجد منتصر, التركيبة هي هي, انظر الحمق!!.
بلد كان جنة المنطقة, يدمر تدميراً كاملاً لعمل أحمق! حروب تنشأ أحياناً من كلمة تدمر, أحياناً إنسان يدمر نفسه, يدمر تجارته, أحياناً بكلمة قاسية يتكلمها بلا حكمة مع شريكه, يدمر زواجه أحياناً يخسر زوجته لموقف أحمق.
لا تصدق إنساناً مقطوعاً عن الله عنده حكمة, عنده حمق, عنده رعونة, أما هذه الحكمة فمن صفات المؤمن, تجد الله عز وجل يلهمه الصواب.
أنت بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة العاشرة, وبعدم الحكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى, أنت بالحكمة تعيش بدخل محدود, وتسعد به, من دون حكمة تشقى بدخل غير محدود, أنت بالحكمة تسعد وأنت مريض, من دون حكمة تشقى وأنت صحيح.

من لم يخشَ الله فليس بعالم :

والله أنا بسنوات طويلة ما كنت منتبهاً لهذه الآية:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[سورة البقرة الآية:269]

إله في عليائه, يقول:

﴿خَيْراً كَثِيراً﴾

أحياناً عطاء الله لا يبدو صارخاً؛ شخص عادي لكن عنده حكمة, شخص عادي لكن عنده ذوق, عنده فهم, عنده خشية, عنده فهم لكتاب الله, عنده فهم لسنة رسول الله, قال: من لم يخش الله فليس بعالم:

كفى بالمرء علماً أن يخشى الله وكفى به جهـلاً أن يعصيه
***

فلأنك تطيع الله فأنت حكيم.
أنا أعرف أستاذ علم نفس, حسب ما سمعت, وحسب ما رأيت, كان أستاذنا, ومن ثم بنفس الكلية درست معه, له سمعة على مستوى الشرق الأوسط، يعد أحد أكبر علماء النفس, نحن كنا مئيتن واثنين وعشرين طالباً, لا يغيب طالباً, لا تحتاج أن تقرأ الكتاب بعد درسه, درسه لوحده فيه تنظيم, وأدلة, ووضوح, وطرافة, ودعابة, أي درسه قطعة فنية, جاء بعده أستاذ يوجد في درسه أربعة طلاب, فالأول تتعلم منه العلم دون أن تراجع الأمور في البيت؛ أمثلته صارخة, لغته فصيحة, عباراته فيها دعابة, فأنا معجب به إعجاباً كبيراً.
مرة في رمضان, دخل المستخدم يحمل فنجان قهوة أثناء الصيام, سبحان الله! لما رأيته مفطراً سقط من عيني؛ كل الذكاء, وكل الدقة, وكل الإحاطة, وكل القدرة على نقل الحقائق, وهو لا يطيع الله عز وجل, بعد ذلك لا يصوم!! لكن يرضي الناس كلها, لا يجعل أحداً ينفد منه, وجد إنساناً بلفة, وملتحياً, هذا دين, يتحدث عن الدين, وعن عظمة الدين, تجده رابطاً الناس كلها, وفي النهاية لا يصلي, ولا يصوم.
فالحكمة هذه من صفات المؤمنين.

أقوال في الخشية :

وقال بعضهم: "الخشية انقباض القلب تحت هيبة الرب".
وقال ابن عطاء السكندري: "الخشية أتم من الخوف؛ لأن الخوف صفة عموم المؤمنين, والخشية صفة العلماء الربانيين":

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[سورة فاطر الآية:28]

الخشية: "من ترك الحرمة في العبادة, وترك الحرمة في الإخبار عن الحق, وترك الحرمة في متابعة الرسول, وترك الحرمة في الأولياء" أي في عباداته, وفي دعوته, وفي متابعته للنبي -عليه الصلاة والسلام-, وفي ولائه لأهل الحق، هذه هي الحكمة.

3 ـ الحكمة هي الفقه في تفسير القرآن :

وقيل: الحكمة هي الفقه في تفسير القرآن.
قال ابن عباس: " ليس شيئاً في القرآن إلا وقد نزل في شيء, ولكن لا يعلمون وجوهه".
فكان سيدنا عمر يحتفل بابن عباس كثيراً, هو عملاق الإسلام, وهذا طفل, فالشيوخ من الصحابة تألموا كثيراً, فمرة عاتبوه, فسأل ابن عباس:ما تقول في قوله تعالى:سورة النصر نعوة النبي الكريم

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾

[سورة النصر الآية:1]

قال: هي نعوة النبي.
مرة قال النبي الكريم:

((إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وما عنده فاختار ما عند الله، فلم يلقها إلا أبو بكر قال : نحن نفديك بآبائنا وأمهاتنا))

فهم أبو بكر أن هذه نعوته أي اقترب أجل النبي.

((إن عبداً من عباد الله, خيره الله بين الدنيا وما عنده, فاختار ما عند الله))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والطبراني في المعجم الأوسط عن معاوية بن أبي سفيان]

والآية الكريمة:

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾

[سورة النصر الآية:1]

هذه نعوة النبي -عليه الصلاة والسلام-, العظماء ليس لهم حظوظ خاصة في الدنيا, فإذا أدى رسالته, انتهت حياته.
مثلاً إنسان عظيم سافر إلى بلد, عمل اجتماعاً مغلقاً, يرجع رأساً, امكث يومين أو ثلاثة بفندق, ليست واردة إطلاقاً, تنتهي المهمة الكبيرة فتنتهي الزيارة.
فالمؤمن صاحب رسالة, فإذا انتهت رسالته, والأصح النبي -عليه الصلاة والسلام- صاحب رسالة, فإذا انتهت رسالته انتهت حياته.
فقال: "ليس شيئاً في القرآن إلا وقد نزل في شيء, ولكن لا يعلمون وجوهه".

الإنسان البعيد عن الله يفهم القرآن فهماً مغلوطاً :

وقال سيدنا ابن عباس-رضي الله عنه-: "مسح النبي رأسي, ودعا لي بالحكمة, وقال: اللهم فقهه في الدين, وعلمه التأويل, واجعله إماماً للمتقين".
ودعا لي جبريل -عليه السلام- مرتين, وقال للنبي: "استوص به خيراً, فإنه من خير أمتك".
ابن عباس دعا النبي له: "اللهم علمه التأويل" أي: فهم القرآن.
شيء دقيق جداً، أحياناً آية تفهمها فهماً معكوساً فتبتعد عن الله كثيراً, هناك أمثلة:فألهمها فجورها وتقواها

﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

[سورة الشمس الآية:8]

إذا كان الإنسان بعيداً عن الله يفهمها فهماً جبرياً؛ أن الله عز وجل يخلق الفجور في إنسان, ويخلق التقوى في إنسان, أما إذا كان فهمه عميقاً؛ أن الله عز وجل جبل النفس جبلة راقية جداً, بحيث لو فجرت تعلم أنها فجرت, ولو أنها اتقت تعلم أنها اتقت, فرق كبير بين كمال في الخلق وبين كمال في الخير, وهي نفس الآية.
مرة قال لي شخص:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

[سورة الحج الآية:52]

فهم الآية: أن الشيطان يصل للنبي, ويلقي فيه وساوسه, إذاً ما ميزة النبي عن غير النبي؟ قلت له:

﴿ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

هو يتمنى أن يضله, هذا المعنى المستقيم مع مقام النبوة, أما الشيطان إذا وصل للنبي وألقى فيه وساوسه فلم يعد للنبي أي ميزة, لم يعد محصناً, كل كلامه خاطئ, إذا الشيطان وصل للنبي, ووسوس له, لعله ينطق بشيء من وسوسة الشيطان.
أحياناً هناك كلمة دقيقة جداً: أخي وإن زنا؟ وإن سرق؟ وإن زنا فعل ماض, بالماضي، ليس الآن يزني, الله قال:

﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾

[سورة الفرقان الآية:68]

نفى عنهم الزنا أصلاً, لكن إنسان كان له ماض, وتاب إلى الله؛ وإن زنا, وان سرق، بين أن تفهمها فعلاً ماضياً وبين أن تفهمها فعلاً مضارعاً!! الفرق كبير, المؤمن يحسن الظن بالله عز وجل.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS