59079
التربية الإسلامية -علم القلوب - الدرس ( 05 - 54) : ذكر الله ( فاذكروني أذكركم ).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-02-14
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أي نشاط يقرب الإنسان من الله عز وجل فهو ذكر له :

إن قرأت القرآن فأنت ذاكر
أيها الأخوة: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((ألا أنبئكم بخير أعمالكم -خير اسم تفضيل- وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إعطاء الذهب والورق, وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم, ويضربوا أعناقكم, قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله عز وجل))

[أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي الدرداء]

أيها الأخوة, ذكر الله كلمة شاملة واسعة؛ إن قرأت القرآن فأنت ذاكر لله, وإن استغفرت الله فأنت ذاكر لله, وإن سبحته فأنت ذاكر له, وإن حمدته فأنت ذاكر له, وإن كبرته فأنت ذاكر له, وإن وحدته فأنت ذاكر له, وإن دعوته فأنت ذاكر له, وإن قرأت سنة نبيه فأنت ذاكر له, وإن تلوت على الناس سير الصحابة الكرام فأنت ذاكر له, فأي نشاط يقربك من الله عز وجل فهو ذكر له.

((ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إعطاء الذهب والورق, وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم, ويضربوا أعناقكم, قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله عز وجل))

[أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي الدرداء]

علة إقامة الصلاة أن تذكر الله عز وجل :

الآية الكريمة:

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[سورة العنكبوت الآية:45]

قال بعض العلماء: ذكر الله أكبر شيء في الصلاة؛ لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

[سورة طه الآية:14]

إذاً علة إقامة الصلاة أن تذكر الله, وهناك آية أخرى:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾

[سورة البقرة الآية:152]

بعض العلماء قال:

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[سورة العنكبوت الآية:45]

بعضهم قال: ذكر الله لك أيها المؤمن أكبر من ذكرك له؛ بمعنى أنك إذا ذكرته استعنت به, أما إذا ذكرك فأعطاك كل شيء.
ورد في الأثر:

((أنا جليس من ذكرني, وحيث ما التمسني عبدي وجدني))

والمؤمن إذا أكثر من ذكر الله برئ من النفاق؛ لأن المنافقين وصفوا بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً.

بطولة الإنسان أن يقيم علاقة طيبة مع الله تعالى :

إن ذكرت الله على وجه الأرض ذكرك في باطن الأرض
هناك أقوال لبعض العلماء حول الذكر, قالوا في قوله تعالى:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾

[سورة البقرة الآية:152]

اذكروني على وجه الأرض أذكركم في بطن الأرض.
أي أنت في الدنيا, يمكن أن تأنس بالناس؛ بزوجتك, بأولادك, بأقربائك, بمن حولك, ولك مكانة اجتماعية, عندك طلاقة لسان, الناس حولك متحلقون؛ إن ذكرت الله وأنت على وجه الأرض, ذكرك الله وأنت في بطن الأرض؛ في بيت الوحشة, في بيت الدود, في بيت الظلمة, إن ذكرته وأنت على وجه الأرض ذكرك وأنت في بطن الأرض؛ وأنت في أمس الحاجة إلى الله, وأنت تحت الأرض.
البطولة أن تقيم علاقة طيبة مع الله
لذلك في بعض الأدعية: "اللهم استرنا فوق الأرض, وارحمنا تحت الأرض, ويوم العرض".
وبعضهم قال: "إذا وضع الميت في قبره, وانصرف عنه المشيِّعون من أهله, وتركوه وحيداً في لحده, يقول الله عز وجل: عبدي رجعوا وتركوك, وفي التراب دفنوك, ولو بقوا معك ما نفعوك, ولم يبق لك إلا أنا, وأنا الحي الذي لا أموت".
أحياناً الموظف يُنحى مديره العام, هو قلق جداً, من الذي سيأتي بعده؟ لو جاءته معلومة: فلان سيعين مكانه, يسعى لإقامة علاقات طيبة مع هذا الذي سيأتي ضماناً للمستقبل, فنحن سنؤول إلى القبر جميعاً, ولا يوجد في القبر إلا الله عز وجل.
فالبطولة أن تقيم علاقة طيبة مع الله, الآن حتى إذا كنا تحت الأرض رحمنا الله عز وجل, وقال بعضهم: اذكروني عند المعصية أذكركم يوم القيامة عند رؤية النار.

لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله لأن عبد الله حر :

المعاصي متاحة لكل إنسان, إذا كان الذي يمنعك عن المعصية خوف الله عز وجل فإن ذكرت قلت: معاذ الله! إني أخاف الله رب العالمين, يذكرك الله يوم القيامة عند رؤية النار.
لو إنسان رأى مثلاً امرأة فاشتهاها, فقال: معاذ الله! إني أخاف الله رب العالمين, ذكره الله يوم القيامة عند رؤية النار, كلما أغرته معصية فقال: معاذ الله! إني أخاف الله رب العالمين, ذكره الله يوم القيامة عند رؤية النار.
فالإنسان إذا كبرت سنه, وانحنى ظهره, وضعف بصره, وشاب شعره، يقول الله له: عبدي استح مني, فأنا أستحي منك.
إذا ذكرت الله ذكرك الله, إذا خفت من الله أمنك الله, إذا رجوت الله لباك الله عز وجل.
ورد في بعض الكتب: أن عبدي أنا لك فأنت لمن؟ وأنا معك فأنت مع من؟.
قد تجد أحياناً:

((إني والإنس والجن في نبأ عظيم؛ أخلق ويعبد غيري, وأرزق ويشكر سواي))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

أي أنا لك فأنت لمن؟ وأنا معك فأنت مع من؟.
تحتقر نفسك حين تعظم شخصا من دون الله
هناك معنى دقيق أحياناً يمكن أن تعبر عنه بلغة دارجة أنت لا يليق بك أن تكون لغير الله, وإذا كنت لغير الله فقد احتقرت نفسك, أنت المخلوق الأول, أنت لله؛ فإذا قدرت أن تكون لغير الله, أن تكون ملحقاً مع إنسان, من أتباع إنسان تعبده من دون الله, تعظمه من دون الله , فأنت قد احتقرت نفسك؛ لأنه قد تعرض عن شيء احتقاراً له, أما إذا أعرضت عن الله فأنت احتقرت نفسك:

﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾

[سورة البقرة الآية:130]

إن تعرض عن بيت لا يعجبك احتقاراً له, إن تعرض عن عمل لا يكفيك دخله احتقاراً له, إن تعرض عن فتاة لا تروق لك, لم تعجبك لتتزوج منها، هذه الحالات تحتقرها، أما إذا أعرضت عن الله, فأنت قد سفهت نفسك, احتقرتها؛ لأنك لله, أنت لله, فإذا كنت لعبد الله فأنت من الخاسرين.
لا يليق بك أن تكون لغير الله, تجده حراً؛ إذا كنت لله فأنت حر, إذا كنت لله فأنت عزيز, وإذا كنت لله فأنت مطمئن, إذا كنت لله فأنت واثق من المستقبل, إما إذا كنت لعبد الله, عبد الله لو فرضنا غاب عن الساحة, انتهيت أنت معه؛ إذا ربطت مصيرك بإنسان فأنت عبد لهذا الإنسان, أما إذا ربطت مصيرك بالواحد الديان, فأنت مع الله دائماً.

ذكر الله عز وجل من علامات الإيمان :

لذلك المؤمن فوق الأحداث الطارئة, هناك إنسان يربط نفسه بحدث معين, بجماعة معينة؛ فهذا قيمته مرتبطة مع هذه الجماعة, أو مع هذا الشخص, أو مع هذا الحدث, ولا يليق بك أن تكون لغير الله, وحينما تكون لغير الله تحتقر نفسك, ولا تعرف قيمتها.
معظم الناس مشركون شركاً خفياً, أي هو يعبد جهة من دون الله, يؤلهها, يخلص لها؛ يمحضها حبه, يمحضها جهده, يمحضها حنجرته, هو لها.
عبدي أنا لك فأنت لمن؟ وأنا معك فأنت مع من؟.
وقيل: "اذكروني بنسيان غيري أذكركم, وأكشف الحجب عن وجهي, حتى تنظروا إلى نوري".
أي الله عز وجل هو المنحة التي لاتوصف, فإذا قبلت منحة إنسان, ونسيت الواحد الديان, فأنت مع الخاسرين.
كما قلت قبل قليل: إذا أكثرت من ذكر الله برئت من النفاق.
وسبحان الله! ذكر الله يجمع وذكر الدنيا يفرق.
ذكر الدنيا يفرق وذكر الله يجمع
الآن: بجلسة مثلاً تحدثوا عن الدنيا؛ هذا تاجر, هذا صانع, هذا عنده معمل, تجد أن الكآبة قد عمت, لأن إنساناً ليس له هذا النشاط أصبح خارج الاهتمام, أما إذا ذكرت الله, يجتمع الكل حولك, فإن ذكرت الدنيا تفرقوا عنك.

(( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ و مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً))

[ أبو داود عن أبي هريرة]

عود نفسك أينما جلست أن تذكر الله, تجد أن المجلس قد ارتقى, عمت الفرحة, تألقت الوجوه, وعود نفسك كلما سمعت شيئاً مهماً, حاول أن تحفظه؛ لأن الإنسان في النهاية ذاكرة.
الذي يريد أن يتكلم؛ سمع تفسير آية, تفسير حديث, قصة أعجبته حفظها, أو كتبها, أو كتب ملخصها, أينما جلس, لو ذكر تفسير آية ارتقى المجلس.
الآن هناك آلاف اللقاءات, ملايين اللقاءات، كلها عن الدنيا, كلام فارغ؛ وغيبة, ونميمة, وتباه، وتفاخر، تجد الجلسة فيها مقت, ليس فيها سرور, يخرجون محطمين؛ هذا افتخر على هذا, وهذا استعلى على هذا, وهذا أظهر ما عنده من متاع الدنيا, فكسر قلوب الآخرين, يخرجون محطمين, أما إذا ذكروا الله فيخرجون جميعاً مجبورين.

من عرف الله أكثر من ذكره :

يا أيها الأخوة, ذكر الله عز وجل من علامات الإيمان, وكلما عرفته أكثرت من ذكره، والله عز وجل قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب الآية:41]

﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾

[سورة الأحزاب الآية:42]

﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾

[سورة الأحزاب الآية:43]

﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾

[سورة الأحزاب الآية:44]

أفضل الذكرِ الذكر الخفي :

قلت لكم كما قال عليه الصلاة والسلام:

((بلِّغُوا عني ولو آية))

[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

حوار الإنسان الداخلي هو ذكر لله
أي حاول أن تبلغ عن رسول الله شيئاً؛ ولو آية, ولو حديث, ولو حكم فقهي, بلغ, إذا بلغت حققت الدعوة التي هي فرض عين على كل إنسان.
سيدنا زكريا:

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾

[سورة مريم الآية:3]

وبعضهم قال: أفضل الذكرِ الذكر الخفي.
الآن: إذا كان الإنسان يمشي في الطريق وحده, هناك حوار ذاتي, هذا شيء معروف, لو ركب سيارة لحلب لوحده, بباص عام, ماذا يفعل في الطريق لوحده؟ طول الطريق يحدث نفسه, حتى الخواطر حوار.
فعلى الإنسان أن يكون حواره الداخلي ذكراً لله، أي إذا رأى آية يقول: سبحان الله! إذا ذكر آية يقول: الحمد لله, أو سبحان الله والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر.
و الإنسان إذا قرأ أذكار النبي -عليه الصلاة والسلام-, وحاول أن يقلده بها, الدعاء ذكر, وكل حركة من حركات الإنسان فيها دعاء.

ذكر الله أكبر عبادة وأوسع عبادة :

عليكم بذكر الله فإنه شفاء
على كلٍّ؛ ذكر الله أكبر ما في الصلاة, وذكر الله أكبر عبادة, وأوسع عبادة, وأشمل عبادة, لأنه يدور معك حيثما درت, أينما تحركت؛ إذا أويت إلى فراشك هناك دعاء خاص قبل أن تنام, إذا استيقظت من فراشك هناك دعاء خاص, إن خرجت من البيت هناك دعاء خاص, إن دخلت هناك دعاء خاص, إن ارتديت ثياباً جديدة هناك دعاء خاص, إن جلست إلى الطعام هناك دعاء خاص, إن قمت عن الطعام هناك دعاء خاص, إن دخلت إلى بيت الخلاء هناك دعاء خاص, إن خرجت منه هناك دعاء خاص, الدعاء اتصال مستمر, هذا هو ذكر الله.
إنسان أقدم على شيء, على عمل يقول: يا رب أعني. يا رب إني تبرأت من حولي وقوتي, والتجأت إلى حولك وقوتك, يا ذا القوة المتين.
أيها الأخوة, عليكم بذكر الله فإنه شفاء.


والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS