46877
خطبة الجمعة - الخطبة 0405 : خ1 - صلة الرحم ، خ2 - الصلاة تمنع كثير الأمراض.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-08-21
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ، ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

صلة الرّحم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في موضوع أخلاق المؤمن ، ولا زلنا في السمة السامية الأساسية من سماته ألا وهي حب الرحمة ، فالرحمة أيها الأخوة كما قلت في خطبة سابقة سمة أساسية جداً من سمات المؤمن ، وتتبدى بصور شتى من صورها بر الوالدين ، ومن صورها صلة الرحم ، فالإسلام أيها الأخوة أوصى بصلة الرحم ، ونهى نهياً شديداً عن قطعها ، بل إن من مبادئ الإسلام تمتين العلاقة بين الأقارب ، لأن الإسلام يهدف إلى أن يعيش الإنسان فطرته ، ومن فطرة المسلم أن يكون اجتماعياً ، يتعاون مع الآخرين تعاوناً إيجابياً .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ من هم رحم الإنسان ؟ في أدق التفاسير ، وأدق التعاريف كل أقربائه ، من جهة أبيه وأمه ، هؤلاء هم رحم الإنسان .
 وماذا تعني صلة الرحم ؟ من صلة الرحم أن تزورهم ، وأن تتفقد أحوالهم ، وأن تكرمهم ، وأن تقدم لهم الهدايا في المناسبات ، وأن تتصدق على فقيرهم ، وأن تتعهد مرضاهم ، وأن تشاركهم في مسراتهم ، وأن تشاركهم في أحزانهم ، وأن تقدمهم على غيرهم فيما تعطي ، صلة الرحم تعني أن تزورهم ، وأن تتفقد أحوالهم المعيشية ، والاجتماعية ، وأن تكرمهم ، وأن تقدم لهم الهدايا في المناسبات ، وأن تتصدق على فقيرهم ، وأن تتعهد مرضاهم ، وأن تشاركهم في المسرات ، وفي الأحزان ، وأن تقدمهم على غيرهم في الأعطيات ، تجسيداً للقاعدة : الأقربون أولى بالمعروف .

صلة الرحم من موجبات دخول الجنة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ وقطيعة الرحم تعني هجرانهم ، والإعراض عن زيارتهم ، وعدم مشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم ، والله سبحانه وتعالى وصف المؤمنين بأنهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل ، ووصف الذين استحقوا لعنته واستحقوا سوء الدار بأنهم :

﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾

[ سورة البقرة : 27 ]

 فالذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل هم المؤمنون ، والذين استحقوا لعنة الله ، وسوء الدار هم الذين :

﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾

 بل إن صلة الرحم من موجبات دخول الجنة ، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري أن رجلاً قال : يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :

(( تعبد الله ، ولا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصل الرحم ))

[ متفق عليه عن أبي أيوب الأنصاري]

 طبعاً نحن نخاطب المؤمنين ، المؤمن يعرف الله ، ويعبده ، ويصلي ، ويزكي ، ونقول لهذا المؤمن : وعليك أن تصل الرحم ، أما هذا الذي يصل رحمه من دون أن يعرف الله، من دون أن يعبده فهذا سلوك اجتماعي ، يقطف ثماره في الدنيا ، لكن إذا خاطبنا المؤمنين بالله عز وجل الذين عرفوا الله ، وعبدوه ، وأقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، هؤلاء معنيون بهذه الآيات ، لأن الكفار كقاعدة يخاطبون بأصول الدين ، بينما المؤمنون يخاطبون بفروع الدين .
 وروى البخاري ومسلم عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنها أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( الرحم معلقة بالعرش ، تقول : من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله))

[ متفق عليه عن عائشة]

 كل أسرة فيها أقارب فقراء ، أغنياء ، مرضى ، أصحاء ، ضعاف ، أقوياء ، متفوقون في الدنيا ، مغمورون في الدنيا ، فإذا وصل الأقوياء الضعفاء ، والأغنياء الفقراء ، والأصحاء المرضى ، وصلوهم ، وواسوهم ، وأكرموهم ، وطيبوا خاطرهم ، إن هذه الأسرة تغدو متماسكة ، بل إن من صلة الرحم أيها الأخوة أن تدل أقرباءك على الله عز وجل ، ولن تستطيع أن تدلهم على الله إلا بالإحسان إليهم ، ومن الإحسان إليهم أن تزورهم ، وأن تتفقد أحوالهم ، وأن تقدم لهم ما يواسيهم في مناسبتهم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول :

((الرحم شجنة من الرحمن ، قال الله : من وصلك وصلته ، ومن قطعك قطعته))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 وفي الحديث القدسي :

(( أنا الله ، وأنا الرحمن خلقت الرحم ، وشققت لها من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها بتته ؛ أي قطعته ))

[ أبو داود و الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف]

 وقد ندهش أيها الأخوة أن قاطع الرحم محروم من دخول الجنة إما حرمة مؤقتة ، أو أبدية ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم :

((لا يدخل الجنة قاطع))

[ متفق عليه عن جبير بن مطعم]

 وقد فسر شراح الحديث قاطع الرحم القاطع لمَا أمر الله به أن يوصل :

((لا يدخل الجنة قاطع))

[ متفق عليه عن جبير بن مطعم]

واصل الرحمة هو من إذا قطعت رحمه وصلها :

 أما إذا أردنا أن ندخل في لب الموضوع ، وأن نتعرف إلى طبيعة صلة الرحم فبادئ ذي بدء أيها الأخوة النبي عليه الصلاة والسلام يقرر أنه ليس الواصل - واصل الرحم -هو الذي يعامل أرحامه بالمثل ، وهذا من طبيعة الناس اليوم ، إن زارني أزوره ، إن وصلني أصله ، إن أهداني أهدي إليه ، إن اتصل بي وعزاني أعزيه ، إن واساني أواسيه ، هذا المنطق منطق المعاملة بالمثل النبي عليه الصلاة والسلام رفضه في موضوع صلة الرحم ، فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول :

((ليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها))

[البخاري عن عبد الله بن عمر بن العاص]

 يدعم هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((أمرني ربي بتسع ؛ خشية الله بالسر والعلانية ، كلمة العدل في الغضب والرضى، القصد في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني))

[القرطبي في تفسيره عن أبي هريرة]

 لن تكون واصل الرحم إلا إذا وصلت من قطعك ، أن أصل من قطعني ، وأن أعفو عمن ظلمني ، وأن أعطي من حرمني ، وأن يكون صمتي فكراً ، ونطقي ذكراً ، ونظري عبرةً ، النبي عليه الصلاة والسلام بالتعريف الدقيق يقول : ليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل إذا قطعت رحمه وصلها , وشكا رجل إلى النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطيعة قرابة له : ‏

((يا رَسُول اللَّهِ إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني ، وأحسن إليهم ويسيئون إلي ، وأحلم عنهم ويجهلون علي . فقال : لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ، ولا يزال معك من اللَّه ظهير عليهم ما دمت على ذلك ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 أي الإنسان هو الإنسان في كل مكان وزمان ، وهذا نموذج متكرر ، أصلهم ويقطعوني ، وأحسن إليهم ويسيئون إلي ، وأحلم عنهم ويجهلون علي ، فقال عليه الصلاة والسلام - دققوا أيها الأخوة كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا - : لئن كنت كما قلت- إياك أن تفتي فتوى مطلقة - لئن كنت كما قلت أي إذا كان كلامك مطابقاً للواقع ، أنا أفتي لك على حسب كلامك ، فإن لم يكن كلامك مطابقاً للواقع ففتواي لا تنصرف إلى حالتك ، وأي سائل يسأل ، وأي مجيب يجيب ، يجب أن يقيد إجابته بهذه الكلمة - لئن كنت كما تقول - إن كان وصفك مطابقاً للواقع ، هذه الفتوى لهذا الوصف ، والفتوى على قدر الوصف ، لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ، المل ؛ الرماد الحار ، أي كأنهم يسفون رماداً حاراً يحرق أفواههم، لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ، ولا يزال معك من اللَّه ظهير عليهم ما دمت على ذلك‏ . أي المؤمن الذي يصل رحمه ويقطعونه ، يحسن إليهم ويسيئون إليه ، يحلم عنهم ويجهلون عليه ، هذا نموذج موجود في كل زمن ، لئن كنت كما قلت فلهم من الله عقاب شديد ، ولك من الله ظهير أي معين ، ودائماً وأبداً الله مع المظلوم ، في الزواج ، في الشراكة ، في القرابة ، الله مع المظلوم .

(( اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ ))

[ متفق عليه عن عبد الله بن عباس ]

(( ‏اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا‏ ))

[‏تصحيح السيوطي عن أنس]

 وللباطل جولة ، ولا يستقر إلا الحق ، والأمور لابد من أن تنكشف والله هو الحق ، لأنه سيحق الحق ، وسيظهره في وقت قريب أو بعيد .

التكافل الاجتماعي :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :

(( إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم ، فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، فقال الله عز وجل : نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأن أقطع من قطعك ، قالت : بلى ، قال : كذلك لك ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 أقرباؤك من لهم غيرك ؟ أقرباؤك الفقراء ، أقرباؤك الضعاف ، أقرباؤك المحتاجون من لهم غيرك ؟ النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى ، وبهذه التوجيهات يجعل الأسر متماسكة ، لأن الأسرة الصغيرة هي أصغر لبنة في المجتمع ، أما الأسرة الكبيرة فإذا تفقد غنيهم فقيرهم ، وقويهم ضعيفهم ، وصحيحهم مريضهم ، صار هناك ما يسمى بالتكافل الاجتماعي ، على مستوى أسرة ، فالإنسان قبل أن يبحث عن عمل صالح يقدمه للغريب عليه أن يتفقد أحوال أقربائه الأدنين والأبعدين . ثم قال الله عز وجل :

﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 22-23]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من لطائف الشريعة الغراء أن الإنسان إذا تصدق على قريبه تحسب له هذه الصدقة مرتين ، مرةً كصدقة ، ومرةً كصلة . فقد روى الترمذي بإسناد حسن عن سلمان بن عامر عن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أن الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة ))

[‏الترمذي بإسناد حسن عن سلمان بن عامر ‏]

صلة الرحم تبسط الرزق و تطيل العمر :

 مرّ بنا قبل أسابيع أن البغي والعقوق يعجل لصاحبهما في الدنيا العقاب ، على هذه الشاكلة صلة الرحم لها مكافآت في الدنيا قبل الآخرة ، لها مكافآت في الدنيا مع أن حقك في الآخرة محفوظ ، مكافآت صلة الرحم في الدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام : بسط الرزق وإطالة العمر ، لذلك روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول :

((من أحب أن يبسط له في رزقه ، وينسأ له في أثره - أي في أجله - فليصل رحمه))

[‏مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ‏ عن أنس بن مالك]

 بسط الرزق وإطالة العمر ، أما إطالة العمر فلها توجيهات وجهها العلماء ، العمر أتفه ما فيه مدته الزمنية ، لكن أخطر ما فيه غناه بالأعمال الصالحة ، تماماً لو فتح الإنسان متجره ساعة وربح ألفاً ، ولو فتحه عشر ساعات وربح مئة ليرة ، ما قيمة الدوام أمام الأرباح ؟ فقيمة العمر لا بمدته الزمنية بل بفحواه ، بغناه بالأعمال الصالحة ، لذلك الذين تركوا آثاراً في البشرية ما عاشوا أعماراً طويلة ، عاشوا أعماراً متوسطة ، بل عاشوا أعماراً قصيرة لكن أعمارهم كانت مفعمة بالأعمال الصالحة ، فمن أحب أن يبسط رزقه أو أن يزيد أجله فليصل رحمه .
 وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أنه كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخيلٍ - أغنى صحابي بالنخيل - وكان أحب أمواله إليه بيرحاء - بستان تجاه المسجد النبوي ، اسمه بيرحاء- وكانت مقابلةً للمسجد ، وكان رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يدخلها ويشرب من مائها الطيب ، فلما نزلت الآية : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا رسول الله إن الله تعالى يقول : ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب مالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله تعالى ، وأرجو ذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ، ‏ فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : بخ بخ ! ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين منك فقال : أفعل يا رَسُول اللَّهِ ، فقسم الحديقة بين أقاربه وبني عمه ))

[‏مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ‏ عن أنس بن مالك]

من تصدقت من مالها على زوجها الفقير فلها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة :

 وروى البخاري ومسلم عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود قالت : قال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن ))

[‏مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ‏]

  فرجعت إلى عبد الله ‏فقلت : إنك رجلٌ خفيف ذات اليد - أي دخلك قليل - وإن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أمرنا بالصدقة ، فأتِه فاسأله فإن كان ذلك يجزي عني - أي إن أعطيتك زكاة مالي أو صدقة من مالي - وإلا صرفتها إلى غيرك ، فقال عبد الله : بل أنت ائتيه ، ذهبت زينب إلى رسول الله ، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله قالت : حاجتي حاجتها - أي سؤالي كسؤالها - فخرج علينا بلال فقلنا له : ائتي رسول الله فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانه أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ؟ ولا تخبره من نحن ، فدخل بلال على رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله فقال عليه الصلاة والسلام من هما ؟ ويبدو أن هذا السؤال له علاقة بالفتوى فإذا عرفت من هو المستفتي ؟ ما وضعه ؟ ما مستوى إيمانه ؟ ما مستوى حاجته ؟ فقال : من هما؟ قال : امرأة من الأنصار وزينب ، قال النبي الكريم أي الزيانب ؟ قال بلال : امرأة عبد الله ، قال عليه الصلاة والسلام : قل لهما : لهما أجران ، أجر القرابة وأجر الصدقة ، واستنبط العلماء أن المرأة الموسرة بإمكانها أن تعطي زكاة مالها لزوجها لأنه أقرب الناس إليها .
 وروى البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري أن رجلاً قال : يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ‏؟ قال :

((تعبد اللَّه لا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصل الرحم‏ ))

[‏مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ‏ عن أبي أيوب الأنصاري ]

 وصلة الرحم بعد معرفة الله وعبادته من أفضل الأعمال التي تقرب إلى الله تعالى.

صلة الرحم واجبة على كل مسلم :

 الآن من الأحكام الشرعية في هذا الموضوع أن صلة الرحم واجبة ولو كان ذوا الرحم غير مسلمين ، هذا هو الدين الحنيف ، ولكن يجب أن تبنى على قواعد الشرع ، أي دع خيراً عليه الشر يربو ، درء المفاسد مقدم على جلب المنافع ، إذا كان في هذه الصلة ضياعاً لدينك لا ، دينك أولى ، أما إذا استطعت أن تصل الرحم من دون أن تضحي بدينك ، أو ببعض منه فالأولى أن تصل هذه الرحم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((وأنذر عشيرتك الأقربين ، عندئذٍ دعا النبي عليه الصلاة والسلام قريشاً فاجتمعوا وقال : يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم ، يا بني عبد المطلب ، يا فاطمة ، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً ، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها))

[‏مسلم عن أبي هريرة]

 أي من كان له رحم فليصلها ، وهذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام .
 مرةً ثانية أيها الأخوة : يجب أن تعرف الخير والشر ، ويجب أن تعرف الشرين ، وأن تفرق بينهما ، وأن تختار أخفهما ، فدع خيراً عليه الشر يربو ، درء المفاسد مقدم على جلب المنافع ، إذا ضمنت سلامة دينك دون أن تضيع شيئاً منه يجب أن تصل رحمك ، وفي حالات خاصة سلامة الدين أولى .
أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أعظم عملٍ في صلة الرحم هداية من يلوذون بك :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ تتميماً للموضوع الأول أرقى أنواع الصلة من كان له أقارب ، أرقى أنواع الصلة أن يدلهم على الله ، لذلك حينما قال الله عز وجل :

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 214]

 أي أقرباؤك أولى بالهداية من الآخرين ، فلذلك إذا نور لإنسان قلبه ، وهداه رشده ، وألهمه الخير ، وتعرف إلى الله عز وجل ، واصطلح معه ، أعظم عملٍ يفعله مع أقربائه فضلاً عن زيارتهم ، وعن تفقد أحوالهم ، وعن إكرامهم ، وعن تقديم الهدايا لهم ، وعن التصدق على فقيرهم ، وعن مواساتهم في أفراحهم وأحزانهم ، وعن تلبية دعواتهم ، فضلاً عن كل ذلك إن أعظم صلة رحم يفعلها الإنسان مع أقربائه أن يدلهم على الله ، من كان له أخوات ، من كان له إخوان ، أقارب ، أبناء عم ، أبناء عمة ، ليقيم معهم جلسة من حين للآخر ، أو جلسة دورية يحدثهم عن الله عز وجل ، يفسر لهم بعض آيات القرآن التي سمعها ، إذا فعل ذلك ، وقربهم إليه ، ودلهم على الله ، وأنقذهم من الضلال ، ومن الضياع ، ومن الشقاء والتشتت ، فإذا فعل ذلك فهذا النوع من الصلة ، يعد أعظم صلة رحم يفعلها المؤمن في حياته ، فلذلك الأقربون أولى بالمعروف بعلمك ، وبتوجيهاتك ، وبعنايتك ، وبنصحك ، وبإرشادك ، وهكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام .
 وقد يلفت النظر أن رجلاً مؤمناً بعد أن اصطلح مع الله ، وتعرف إليه ، أقنع أخاه بطاعة الله ، ثم أقنع أولاد أخيه بطاعة الله عز وجل ، أي حينما يمتلئ الإناء لابد من أن يفيض على غيره ، وهكذا المؤمن ، أقرب الناس إليك أقرباؤك ، والقريب لا ينفتح قلبه لك إلا بالإحسان، إذاً الزيارة والتفقد وتقديم الهدايا والمعاونة والإكرام ، وكل هذه الأعمال تفتح قلب القريب قبل أن يفتح لك عقله ، فإذا فتحت قلبه فتح لك عقله ، وعندئذٍ تستطيع أن تفعل أعظم عملٍ في صلة الرحم وهو هداية من يلوذون بك .

علاقة الصلاة بصحة الجسد :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الموضوع العلمي في هذه الخطبة بحث دقيقٌ دقيق ، وشيقٌ شيق عن علاقة الصلاة بصحة الجسد ، لا مجال لبسطه من على هذا المنبر ، ولكن أقتطف لكم من هذا البحث الدقيق بعض الملاحظات ، قال : الصلاة ترفع كفاءة القلب والدورة الدموية ، طبعاً فضلاً عن أنها عبادة ، وفضلاً عن الحديث عن خشوعها ، وعن فرضيتها ، نتحدث عن الصلاة من زاوية ضيقة جداً ألا وهي علاقتها بصحة البدن ، قيل : يندر بين المصلين أن تجد أشخاصاً يعانون من أمراض في العمود الفقري ، طبيعة الركوع والسجود والقيام هي صحة للعمود الفقري ، فلذلك أمراض العمود الفقري تندر بين المصلين ، ويندر بين المصلين التهابات المفاصل بجميع أنواعها ، ويندر بين المصلين مرض القرص ، ويندر بين المصلين حصول الدوالي وجلطات الأوردة العميقة ، ويندر بين المصلين الاحتقان الدموي في الحوض الذي يسبب البواسير والنزفات الرحمية ، ويندر بين المصلين ضيق الصدر الذي هو بسبب تراكم غاز ثاني أكسيد الكربون في الرئتين ، فالزفير القسري الذي يحدثه الركوع والسجود ينشط الرئتين وينشط القلب مع الرئتين ، ويندر بين المصلين التيه والخرف الشيخي لأن السجود من شانه أن يروي الدماغ بالدم ، والتيه والخرف الشيخي في بعض أسبابه نقص في تروية أوعية المخ ، لذلك السجود يجعل الدم ينصب على أوعية الرأس بشكل قسري بفعل الجاذبية ، لذلك التيه والخرف الشيخي يندر بين المصلين . وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إشارة موجزة رائعة قال :

((يا بلال أقم الصلاة وأرحنا بها))

[ أخرجه أبو داود كتاب الأدب ]

 ومن يدري لعل الراحة في الصلاة الراحة نفسية وجسمية في وقت واحد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ أمر الله عز وجل أعظم بكثير من أن يفسر بعلة واحدة ، أو بحكمة واحدة ، أوامر الله عز وجل حكمها وعللها لا تعد ولا تحصى .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS