22745
الفقه الاسلامي - الأخلاق الاسلامية - الغيبة - الدرس 5-6 :علاج الغيبة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-01-07
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

حقيقة الإيمان تتمَثَّل في أن من سمع حديثاً عن رسول الله فهو من عِنْد الله :

أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الغيبة، وقد وَصَلنا إلى فَصْل جديد من فُصول هذا الموضوع، ألا وهو عِلاج الغيبة.
أيها الأخوة، قبل أن نمْضي في الحديث عن عِلاج الغيبة، ينْبغي أن تعْلموا عِلْم اليقين أنَّ حقيقة إيمانك تتمَثَّل في أنَّك إذا سَمِعْتَ حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في الصحاح أو مُتَّفق عليه فَيَنبغي أنْ تعْلم عِلْم يقين أنَّ هذا من عِنْد الله، وأنَّهُ وَحْيٌ يوحى، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول فيما ثبت عن أبي هريرة:

((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ))

[البخاري عن أبي هريرة]

أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وحي من الله عز وجل
العِرْض مَوْطِن المَدْح والذَمِّ في الإنسان، وقَوْله: فلْيَسْتَحِلَّها أيْ يعْتَذِر، أو يُؤَدي الحقّ، وهذا الحديث وَرَد في الصحاح وهو مُتَّفَقٌ عليه، فحينما تعْتَقِدُ اعْتِقاداً جازِماً كاعْتِقادِكَ بِوُجودِك أنَّ أخاك إن كان لهُ حَقٌّ عندك من مال أو عِرْض إنْ لم تسْتَحِلَّهُ في الدنيا منه بِمُسامَحَة أو أداءٍ فَسَوْفَ يأخُذ من حَسَناتِك يوْم القِيامة، فإن لم تكن لك حَسَنات طَرَح من سيِّئاته، هذا كلامُ النبي عليه الصلاة والسلام، تَصَوَّر شَخْصاً أراد أن يبْني بيْتاً، فاشْتَرى أرْضاً وبَقِيَ في مُعامَلَة الرُّخْصَة سنة، ثمَّ حَفَر الأساس وأنشأ الهَيْكل في سنة ونِصْف، ثمَّ بنى الجُدران وكسا وأنْهاهُ خِلال ثلاث سنوات، تَصَوَّر حال هذا الإنسان إذا جاءهُ رَجُلٌ قَويّ وأخَذ منه البيْتَ كامِلاً! شيءٌ لا يُحْتَمَل، فأنت في الدنيا تفْعل الحَسنات، وتأتي المَسْجد مع أذان الفَجْر، وتُنْفِق من مالك، وتتَعلَّمُ القرآن وتُعَلِّمُه، وتأمرُ بالمَعروف وتنْهى عن المنكر، ثمّ يأتي إنسان تتَحَدَّث عنك بالغيبة فيأخذ كُلَّ هذه الحَسنات هنيئاً مريئاً، هل هذا يُحْتَمل؟! لا، كلام النبي عليه الصلاة والسلام حقّ، ودائِماً وأبداً أُذَكِّركم بِقَول سيِّدنا سعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "ثلاثَةٌ أنا فِيهِنّ رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحِدٌ من الناس، ما سَمِعْتُ حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا علِمْتُ أنَّهُ حقٌّ من الله تعالى"، عامَّةُ المسلمين ورُواد المساجد وإخواننا الحاضِرون، القَتْل فيهم مُسْتحيل وكذا الزنا والخَمْر، ولكن غير المُسْتحيل الغيبة، فهذه هي المنطقة التي يُمْكن أن يقعَ بها الإنسان.
نِعْمَةٌ كُبْرى أنَّ المؤمن المستقيم بعيدٌ كلّ البعْد عن سَفْك الدماء، أو شرب الخمْر، أو الزنا، إلا أنَّهُ قريبٌ كلَّ القرب من الغيبة، فواكِه بعد السَّهرات فلان فعَل وذاك ترك، وهذا يطعنُ بعِلْمه وأخلاقه وإيمانه! لذلك أيها الأخوة هذا الحديث المُتَّفق عليه، وإذا قلنا متَّفق عليه فَهُوَ من أعْلى درجات الحديث على الإطلاق، وحديث رسول الله على الإطْلاق وَحْيٌ يوحى، غير مَتْلو، والوَحْيُ وَحْيان: وَحْيٌ مَتْلو ووحْيٌ غير مَتْلُوٍّ وهو الحديث الصحيح، وهل تُصَدِّقون أنَّ الذي يَرُدَّ حَرْفاً من كلام الله يكْفر، كما أنَّ الذي يَرُدّ حديثاً صحيحاً متواتِراً يكْفر.

على الإنسان أن يؤدي ما عليه من دَين :

إذاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ))

[البخاري عن أبي هريرة]

على الإنسان أن يؤدي دينه
فإنْ أَخَذْتَ منه مئة ألْف ولم تُؤَدِّها له فهِيَ مظْلَمة، وقد ذَكَرتُ لكم أنَّ النبي صلى الله عليه وسَلَّم هَمَّ لِيُصَلِيَ على أحد أصْحابه المَوْتى فسأل أَعَلَيْهِ دَيْن؟ فقالوا: نعم عليه دِرْهمان، فقال عليه الصلاة والسلام: صَلوا على صاحِبِكم، فقام ابن مسعود وقال: يا رسول الله عليَّ دَيْنُه، حينها صلَّى عليه النبي عليه الصلاة والسلام وتَتِمَّةُ هذه القصَّة أنَّهُ في اليوم التالي سأل النبي ابن مسْعود أدَفَعْتَ الدَّيْن؟! قال: لا، وفي اليوم الثالث: سأل النبي عليه الصلاة والسلام ابن مسْعود أدَفَعْتَ الدَّيْن؟ فقال: لا، سأل النبي عليه الصلاة والسلام ابن مسْعود أدَفَعْتَ الدَّيْن؟ قال: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن ابْتَرَد جِلْدُه، فاسْتَنْبَط العلماء أنَّ المَيِّت الذي يُضْمَنُ دَيْنُه، لا ينْجو من العذاب بِضَمان الدَّيْن بل بِأداء الدَّيْن، فالإنسان يُقَدِّم المال والبيتْ أما أنْ يُقَدِّمَ حياته فلا أعْتَقِد أنَّ هناك عطاءً على الإطْلاق مثله، والجود بالنَّفْس أقْصى غاية الجود، أحدهم مات شَهيداً فقالوا: يا رسول الله أَيُغْفَرُ للشَّهيدِ كُلُّ الذَّنْب؟ قال: نعم، فجاء جِبْريل فقال: يا محمَّد إلا الدَّيْن! فَطَلَبَ أصْحابهُ وقال: يُغْفَرُ للشَّهيد كُلُّ ذَنْب إلا الدَّيْن.

حقوق الله مَبْنِيَّةٌ على المُسامَحَة و حُقوق العِباد مَبْنِيَّةٌ على المُشاحَحَة :

أيها الأخوة، هناك وَهْمٌ خطير بين عامَّة المُسْلمين وهو أنَّ الإنسان إذا أدَّى الحجّ سَقَطَت عنه الذنوب، وعاد كَيَوْمَ وَلَدتْهُ أُمُّه، فهذا الكلام صحيح وغير صحيح! من ضبط لسانه رأى الطريق إلى الله سالك
صحيح فيما بينك وبين الله لكِنَّ حقوق العباد لا تسْقط لا بالحج، ولا بالعمْرة، ولا بالشهادة في سبيل الله، حقوق العباد تسْقط بالأداء أو المُسامَحَة، ولا تنْسى أبداً أنَّ حقوق الله مَبْنِيَّةٌ على المُسامَحَة، بينما حُقوق العِباد مَبْنِيَّةٌ على المُشاحَحَة، والله سبحانه وتعالى لا يقْبل نافِلَةً ما لم تُؤَدّ الفريضة!

(( ترْكُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ))

[ ورد في الأثر ]

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

(( ...، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ؟ ))

[مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

هذه مُقَدِّمَة، أيها الأخوة، هذا الحديث أساسي، حديث يُعَدُّ أصْلاً في موضوع الغيبة، حاول أن تضْبط لِسانك أُسبوعاً، فترى أن الطريق إلى الله سالك، في أيِّ لَحْظَةٍ تريدُ أن تُصَلي قَلْبُكَ سَيُقْبِلُ على الله، فالكبائر نظيفٌ منها، والحديث عنها مَضْيَعة للوقت، أنا أمام أخوة في المَسْجد؛ الحديث عن القَتْل والزنا وشرب الخَمْر ليس وارِداً عند رُواد المساجد إطلاقاً، لكنَّ الذي يرِد هو ضَبْط اللِّسان.

معالجة الغيبة :

أيها الأخوة الكرام، كيف تُعالج الغيبة؟! قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، وهو من أبْرع من عالج هذا الموضوع، يُعَدُّ إحْياء علوم الدِّين أوَّل كتاب في عِلْم النَّفْس الإسلامي، وهذا الإمام له جَوْلات في حقيقة النَّفْس وطبيعَتِها، وفي أحْوالها وسُمُوِّها ومعالجَتِها، فهذا الفَصْل مَأخوذ من كُتب الإمام الغزالي، يقول: إنّ مساوئ الأخلاق تُعالج بالعِلْم والعمَل، تتعَلَّم ثمَّ تتَدَرَّب، وبالمناسبة يمكن للإنسان ألا يحْضر مجالس العلم ويكون مُتَلَبِّساً بِألْف مَعْصِيَة ومَعْصِيَة، ويقول لك: أنا لم أفْعَل شيئاً، هناك بعض الأمْراض لا مُؤَشِّرَ لها؛ منها الضَّغْط، ويمكن أن يكون الضَّغْط الأعظم ثمان وعِشرين، النِّظامي اثنا عَشَر، ثمَّ لا تشْعر بِشَيء، اثنان وعشرون معناها خَثرة بالدِّماغ، أو فقْد بَصَر، أو انْسِياخ بالشِّبَكِيَّة، فارتفاع الضّغط خطير جداً، ومع ذلك لا يكون له مُؤَشِّر، فإذا كان ضغط الإنسان مرتفعاً كَيْف يُعالجه إن لم يعْلم به؟‍ يحْتاج إلى مِقْياس ضَغْط، وكذا مَجْلس العِلم، في الحقيقة مِقْياس الضَّغْط تعْرِفُ به إن كنت مُسْتقيماً أو منْحَرفاً، وهل مالك حلال أو حرام؟ وعملك مُسْتقيم أو غير مُسْتقيم؟ مُحْسِن أو مُسيء؟ الشيء المُدْهِش أنك تجد الناس يرْتَكِبون الكبائر، يأكلون أموالهم بالباطل، وينغَمِسون في المَلذات المُحَرَّمَة، ويُصَلون! ويقول لك: ماذا فَعَلْت؟! كُلُّ الناس هكذا، فَمَجالِسُ العِلْم مُهِمَّتُها تعْريفُك بالنَّفْس، أين أنت من الدِّين؟ أنت مع المُسْتقيمين أو المُقَصِّرين أو مع المُقْتَصِدين أو السابِقين أو مع الظالمين لأنْفسِهم لا سَمَح الله، أين أنت؟! إن مساوئ الأخلاق تعالج بالعلم والعمل
لذلك العلماء قالوا: أوَّل مَرْحلة في حَلِّ المُشْكلة أن تعْلمَ أنَّها مُشْكِلَة، أحياناً بعض الأوْرام مُعالَجَتُها سَهْلة جداً، إلا أنّ الإنسان لا يعْلم أنَّها وَرَم حتى تَصِل للذرْوة، الآن كم وَصلنا في دروس الغيبة أظنّ خمْسة دروس، وكلها أحاديث، فالإنسان إذا عَلِمَ أنَّهُ سَوْف يتَكَلَّم بالغيبة أو سَيَسْمَعُها و يَقِف هذه بُطولة، ليس من يقْطع الطرق بطلاً إنما من يتَّق الله البَطَل، أحد الساسة الغَرْبيِّين الكِبار الذين ربِحوا الحرْب العالمِيَّة قال كلمة دقيقة جداً: مَلَكْنا العالم - وكانوا يقولون لا تغيب عن هذه المَمْلَكة الشَّمْس - ولم نمْلِك أنْفسنا، أما المُسْلم فقد مَلَك نفْسَه، فالذي يمْلكُ نفْسَهُ هو البَطَل ليس من يقْطع الطرق بطلاً إنما من يتَّق الله البَطَل.
مجالس العلم مهمتها أن تعرفنا على النفس
نحن الآن نأخذ رُخَص الغيبة، إذْ هناك غيبة واجِبَة، لكِنَّني لا أحبّ أن أتَوَسَّع بها لكي لا يُساء اسْتِخْدامها، ونحن الآن نبْقى في معالم الغيبة الواضِحة، فحينما تغْتاب زَيْداً يجب أن تعْلم عِلْمَ يقين أنَّ زَيْداً سيأخذ حَسَناتك، وإن لم تكن لك حَسَنات سَيَطْرحُ عليك سيِّئاته! وفي الأحاديث الشريفة الصحيحة حديث آخر لا يقِلّ عن هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام:

((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

مُشْكلة المُسْلمين أنَّ إسْلامَهَم شعائِري وليس تعامُلياً :

مُشْكلة المُسْلمين أنَّ إسْلامَهَم شعائِري وليس تعامُلياً! فَهُوَ يُصلي ويصوم ويحجّ ويدفع الزكاة وما سِوى ذلك فهو في بَحْبوحَة، يغْتاب، وفي دَخْلِهِ شُبْهة، واخْتِلاط، واحْتِفالات، ونُزهات، وفي بَيْعِهم وشِرائِهم، وتجِدُهُ يُصلي في أوَّل صَفّ، وتعْلمون ما للصَفِّ الأوَّل من فضيلة، قال عليه الصلاة والسلام:

((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))

[ مالك عن أبي هريرة]

الإسلام دين تعامل
أما في المَطْعم فتجده يبيعُ الخَمْر، مَطْعَم خمْس نُجوم، فإذا قلنا له حرام قال: لا أُبالي، فإذا كان كذلك فلا معْنى لِصَلاته في الصَفِّ الأوّل! وهذا صاحِب مَسْبح مُخْتلط، وأقامَ صاحِبُه مَوْلِداً، ودعا بعض المُتَكَلِّمين وأثْنَوا عليه وعلى فَضْله وتَقْواه وعلى صلاحِهِ والمَسْبح مُخْتَلَط، وأحْياناً يُدْعى الناس إلى عُرْس في بعْض الفنادق، ويُوَزَّع الخَمْر، ويؤتى بالراقِصات، وعلى بِطاقة الدَّعْوى الطَّيِّبون للطَّيِّبات!!! فهذا التناقض المُريع، وهذه المُفارقة الحادَّة، وهذا المجْتمع الإسلامي، إذاً بَقِيَ الدِّين شعائر فقط! عِبادات جَوْفاء لا تُقَدِّم ولا تؤَخِّر، قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

[ سورة مريم: 59]

ما أضاعوا أداءَها بل أضاعوا خُشوعَها، والاسْتِقامة قبْلها، كما لا يخْفى عليكم أنَّ المُسْلمين لَقوا هذا الغَيّ.
فإذا سألك إنْسان وقال لك: أحبُّ أن أُزَوِّجَ فلاناً أُخْتي، وأنت تعرف عنه الكَذِب والانحراف، ولا يُصلي، فهذا موضوع ثان، إذْ يجب عليك أن تقول له: إياك أن تُزَوِّجَهُ أُخْتَك فَهُوَ لا يُصَلي ويكْذب ونصاب! وإنسانٌ ينْشر فِكْراً فاسِداً ومُبْتَدِعاً، فإذا سألوك لا تقل: كُلُّ الناس خير وبَرَكَة، هذا كلام دَجَل، قُلْ له: فلان مُنْحَرِفُ العقيدَة ويعْتقِدُ كذا وكذا، فهذه ليْسَت غيبة إطْلاقاً، وفي الدَّرْس القادم إن شاء الله نأتي عليها، أما الإنسان الذي يُصلي وصائِم وكانت عقيدَتُه صحيحة، وكان صاحِب غلَط واسْتَحى به، ويغْلب عليه الحياء والتَّسَتُّر، ولا أحدَ سألك عنه، فهذا لا يجوز لك أن تطْعن به، وهنا المُشْكِلة!

تُعالج الغيبة بيقين الإنسان أنَّ حسناته ستتلاشى يوم القِيامة :

أيها الأخوة الكرام، إنَّ مساوئ الأخْلاق تُعالج بالعِلْم والعَمَل، ولدينا عِلاج عامّ وعندنا عِلاج خاص، وفي الدَّرْس الماضي ذَكرْتُ بواعِث الغيبة، فَنحن لدينا عِلاج عامّ أوَّلاً وبعد ذلك عِلاج لِكُلِّ باعِث من بواعِث الغيبة تعالج الغيبة بيقينك أن حسناتك يوم القيامة تذهب لمن تستغيبهم
لكن أكْبر عِلاج أن تَخْسَر حَسناتك كُلَّها يوم القِيامة، لك في المَسْجد عَشْر سنوات، وتدْفع زكاة مالِك، وتغضُّ بَصَرَك، وزَوْجَتُك مُحَجَّبة، ودَخْلك حلال، هذه كُلُّها حسنات، فَهَل يُعْقَل أن تُضَيِّعها كُلَّها من أجل سَهْرة تتسَلى فيها بالغيبة؟! قال أحدهم للحَسَن البَصْري: قد اغْتَبْتني، فقال له الحَسن: ومن أنت حتى أغْتابك فأُحَكِّمَكَ في حسناتي يوم القِيامة، لو كُنتُ مُغْتاباً أحداً لاغْتَبْتُ والِدَيّ، أما إذا أخذوا حَسَناتي فهذه قَضِيَّة داخِلِيَّة، طبْعاً إذا لم يكن له حَسنات فَهَذه مُشْكِلة أخرى، فَفَوْق هذه المُشْكلة تأتي لك مُشْكِلة أخْرى، هذه أهَمّ نقْطة بالدَّرْس؛ تُعالج الغيبة بِيَقينِكَ أنَّ حسناتك تتلاشى يوم القِيامة فَكُلُّ من اغْتَبْتهُ يأخذ من حَسناتك، فإن لم تكن لك حسنات يطْرح عليك من سيِّئاته، وتذكروا مَثَلَ البيت الذي أعَدَّ له صاحبه ثلاث سنوات ونِصْف من شِراء الأرض إلى اسْتثمار الرخْصة إلى حفْر الأساس إلى بناء الهَيْكل إلى كِسْوة البيت وإلى تزْيينِه، ثمَّ يأتي إنسان ويأخذه منك عُنْوَةً، بعض البلاد كانت الإقامات فيها صَعْبَة ومَرَّةً صَدَرَ قانون؛ كُلُّ إنسان يمْلِك مَحَلاً يَجب أن يُسجِّله على مُواطن من هذه الدَّوْلة، فأحدهم انْتَقى إنساناً صالِحاً، وسَجَّل باسمِه المَحَلّ، وفي الغَد ذهب فإذا به يجد أنَّ المفتاح تَغَيَّر، وقال له المُسَجَّل باسمه: ليس لديْك شيءٌ عندنا، أربعون أو خمْسون مليون ذَهَبَتْ في ثانِيَة، فهذا يُمْكن أن تُصيبَهُ جَلْطَة، وكذا يوم القيامة تَبحث عن الحَسنات أين هي؟ فلا تَجِدُ شيئاً! لأنَّك كنت مُغْتاباً، ولم تترك واحِداً إلا اغْتَبْتَه.

من ذمَّ خَلْق آدَميٍّ فكأنّما يذُمّ خالِقَهُ :

الحديث الصحيح الآخر، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))

[الديلمي في مسن الفردوس عن أنس تصحيح السيوطي: حسن‏ ]

من ذم خَلق الإنسان فكأنما يذم الخالق
شَرُّ الناس من لَم يكن صالحاً ثمّ يقَعُ في الصالحين، هل أنت كامل؟ الآن نبدأ الكلام على من ذَمَّ خَلْق إنسان، قال عنه: قصير، إذاً هل هو الذي خلق نفْسه؟! العلماء قالوا: من ذَمَّ خَلْقَ آدَمِيٍّ فكأنَّما يذُمّ خالِقَهُ، قال أحدهم لِرَجل: يا قبيح الوَجْه، فقال هذا الرَّجل: ما كان خَلْق وَجْهي إلَيَّ فأُحسِّنَهُ! فأشَدُّ شيء أن تَذُمّ إنساناً بِخَلْقِه، السيِّدَة عائِشَة الطاهرة والمطَهَّرة، والذي كان النبي صلى الله عليه وسلَّم يُحِبُّها، وبنت الصِّديق تكَلَّمَت عن ضرّتها فقالت: قصيرة، فقال عليه الصلاة والسلام: "يا عائِشَة لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بِمِياه البَحْر لَمَزَجَتْه!" مياه البحْر تجْري فيها الأنهار، أو تجْري فيها المياه السَّوْداء من كبْرى المُدن، خمسون كيلومتراً خطاً أسود بالبحْر، ومع ذلك البحْر طاهِرٌ ماؤُه في الفقه، فَكُلُّ المُدن الساحِلِيَّة أين تصبُ مياهها؟! في البَحْر، ومع ذلك فهو لا ينْجس أما كلِمَةُ قصيرة فقد قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: "يا عائِشَة! لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بمياه البحْر لأفْسَدَتْهُ!" فهذا السَّبَب الإجْمالي، ولدينا فيه حديث أساسي إنْ اعْتَقَدْتَهُ تماماً حافِظ على حَسَناتِك، وإياك أن تُطْرح عليك سيِّئات غيرك.

الفرق بين النصح و الغيبة :

أما إن كانت هناك ضرورة ورُخْصة فهذا موضوع ثان، فأحْياناً تكون شائِعَة بين الناس، جاء لإنسان خاطب، فيقول لك: هل تعْطيه ابْنَتَك؟ فتقول: نعم، وتقول: كُلُّ الناس خير وبركة! وحاله شرْب الخَمْر وسارق ومُشاغِب، تدّعي أنك لا تحِبّ أن تغْتاب أحداً! الغيبة لتنقذ أخاك واجبة
فهنا لا بدّ من الغيبة، ولا بدّ من إنْقاذ أخيك من الضرر، وإلا أنت آثِم، فالمَصْلحة تقْضي ذلك، ولا تخْشى، وكل هذا في حُدود ضَيِّقَة جداً، فإذا جاءَك من يسْألك عن زَيْد أنَّه خطب أُخْتهُ، وهذا عن عُبيد أن يشاركه في عمله وأنت تعْلم أنَّهُ سارق، حينئذٍ لا تقل: كُلُّ الناس أحْسن منّي، أما إذا قلت: فلان سارق فاحْذر منه فأنت هنا ناصِح ولسْتَ مغْتاباً، إلا أنّ هذا الموضوع ضَيِّق فقد لا تحْتاجه بالشَّهْر إلا مرَّة، وربما بالسَّنة! أما الذي حاله الغيبة في السَّهرات والنزْهات؛ من فلان إلى فلان، سبحان الله الإنسان إذا طلب العِلْم تكون له حقائِق وأفْكار ومعْلومات وأحاديث شريفة وتفْسير آيات ومواقف صحابة تجده يمْلأ بها فراغَهُ، تجده يتكَلَّم عن أسْماء الله الحُسْنى، وعن صفاته، وآياته، وعظمته، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وعن مواقف الصحابة، وسيرتهم، و الأحْكام الفقْهِيَّة.

الإكثار من ذكر الله عز وجل :

قال تعالى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 3 ]

على المسلم أن يكثر من ذكر الله
التواصي بالحق أحد أرْكان النجاة، فأنت إذا سمِعْتَ آية، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))

[ البخاري عن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

أتمنى على كُلّ أخٍ أن يحمل دَفْتراً صغيراً، يكْتب فيه مثلاً خطب الجمعة، أو باقي الدروس، فإن دُعِيَ للغداء، و تكلم هذا الحديث وهذه الآية، يكون قد جَعَل من نفْسه داعِيَة، أما الكلام الفارغ فهو لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، فالاسْتعانة بِدَفْتر كهذا يُعينك على طاعة الله، والمجْلس الخالي من الغيبة ذِكْرٌ لله، ما ذكرني عبْدي في مَجْلس إلا ذكرته في مَجْلس خير منه، يُثنى عليك أعلى ثناء، ويكون اسمك في أعلى مَجْلس، ويتكلَّم الناس في شمائِلك وحالك عادي جداً، فعلى الإنسان أن يُكثِر من ذِكْر الله، قال تعالى:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾

[ سورة البقرة: 152 ]

في بعض البلاد هناك لَوْحات: لا تنْسى ذِكْر الله، هذا شيءٌ جميل، ذِكْر الله شِفاء للقلب، قال تعالى:

﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد: 28]

بواعث الغيبة :

1 ـ تشفي الغيظ :

"وقال: إنَّ القلوب لتصْدأ، قيل: وما صدؤها يا رسول الله؟ قال: ذكر الله " أوَّل باعِث للغيبة هو الغَضَب، فَغَضَبُك من زَيْدٍ، تريدُ أن تشْفِيَ غليلك منه بِأن تغْتابهُ، فعَنْ سَهْلِ ابْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إذا غضب الإنسان عليه أن يكظم غيظه

((مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ ))

[ الترمذي عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ ]

فإذا تَكَلَّمَ عليك امْرؤٌ أشياء قبيحَة وأنت تعْلم عنه أموراً قبيحَة جداً، ثمَّ سَكَتَّ عند ذِكْره فهذه بُطولة، قال:

((مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ ))

[ الترمذي عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ ]

وفي بعض الأحاديث القدْسِيَّة: "ابن آدم اُذكرني حين تَغْضب أذْكرك حين أغْضَبك"، إذا غَضِبَ الله كان الأمر عظيماً، سُئِل تَيْمورلنك: من أنت؟ فقال: أنا غَضْبَ الربّ! لماذا سُمِّيَ بُرْج الروس؟ خمسون ألف رأسٍ قُطِعَت وجُمِعَت ومُثِّلَت كَبُرْج!! هذه هي سبب التَّسْمِيَّة، فإذا غَضِبَ الإنسان فَعَلْيه أن يكْظِمَ غَيْظه، حتى إذا غَضِبَ الله من الخلائق نَجاه.

2 ـ مُوافقة الأقْران :

الباعث الثاني مُوافَقَة الأقْران ومُجاراتهم، فهل رِضاءُ أقْرانك ومُداراتِهم أغْلى عليك من إرْضاء الله عز وجل؟ فإذا اغْتاب المرْء مُدَّعِياً أنّ الجميع يغْتاب فهذه اسمها مُجاراة الأقران، فهل يُعْقل أن يكون حياؤك من حولك أشدّ من حيائِك من الله؟! وإرْضاء من حوْلك أكبر من إرضاء الله؟! إذاً أنت لسْت مؤمناً.

3 ـ البدء بِمَن له عَلَيْك حقّ :

أما تنْزيهُ النَّفْس بِنِسْبة الخيانة إلى الغيْر، فأحياناً يرْفع المرْء أمْر الغيبة عن نفسه على أنْقاض الآخرين، فَمَثلاً على مُسْتوى طبيب تزوره يقول لك: أيُّهم وَصَفَ لك هذا الدواء؟ يبْني مكانته على أنْقاض زُمَلائِه، وهكذا إن كان مُحامِياً، أو تاجِراً، تجده يقول لك: من قال لك هذه أصْلِيَّة؟ لا تبرر أخطاءك بقولك فلان فعلها قبلي
هو الذي قال لك هذه أصْلِيَّة، لقد غَشَّك! فهو بِهذا عَرَّضَ نفْسه لِسَخَطِ الله ، أنت عَلَوْتَ بِنَظَر السُّذج إلا أنَّك سقطْت من نظر الله، فهذا هو الباعث الثالث، الباعث الأوَّل إمْضاء الغضب، والثاني مُوافقة الأقْران و الله أحقّ أن تسْتحي منه وأن تُرْضِيَهُ، والثالث: أن ترْفع نفْسك على أنْقاض الآخرين، ولأَن تسْقط من عَيْن الله أهْون من أن تسْقط من السماء إلى الأرض، قال تعالى:

﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

[ سورة الكهف: 105]

وقال تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[ سورة المطففين: 15]

لهم صغارٌ عند الله، أحْياناً تُوَجَّه إليك تُهْمة، فتقول: فلان وفلان قد فعلها! فهل إذا فعل فلان من الناس شيئاً تتَّبِعُه؟ اِتِّساع رُقْعة المَعْصِيَة هل ينْفي كوْنها معْصِيَة؟! أكثر النساء الآن تقول لك: هكذا الموضة! فإذا كان أكثر النساء يرْتدينَ ثِياباً فاضِحَة، وساروا فيها بالطرقات، هل ينْفي كوْنها معْصِيَة؟ مهما اتَّسَعتْ رُقْعتها تَظَلّ كذلك، وهل هؤلاء قُدْوة ومُشَرِّعون؟ تجده ساقطاً وعاصياً، فَهُوَ حتى يُدافع عن نفْسه يقول: فلان فعل هكذا! وتقول له: هذه العلاقة رَبَويَّة، يقول لك: فلان يُصلي بِأوَّل صف ويفعل هذا! يذْكر قوائِم بِأسْماء العُصاة فَهُوَ اغْتابَهم ولا يشْعر بِحالهِ.

4 ـ أن يُنْسَب للإنسان شيء زوراً وافْتِراءً :

أحْياناً يُباهي الإنسان بِحالهِ عن طريق المُوازنة، أنا فعلْت وفلان لم يفْعل، وأنا عملتُ وفلان لم يعْمل، يقول أحد الأدباء كلمة:

رقصت الفضيلة تيــها ً بفضلها فانكشفت عورتها
***

من تواضع لله رفعه
عندما تقول: أنا فعلْتُ والناس مُقَصِّرون وضائِعون، وأنا لسْتُ غافِلاً، ولسْتُ ضائِعاً، فعندما تحْكم على الناس وكأنَّك وَصِيّ عليهم، وتبرئ نفْسَك، فهذا عَيْنُ النَّقْص، مدَحوا سيّدنا الصديق فماذا قال؟ قال قَوْلاً يأخذ بالألْباب: اللهمّ أنت أعْلم بِنَفْسي منِّي، وأنا أعلم بِنَفْسي منهم، اللَّهم اجْعلني خيراً مما يقولون، واغْفر لي ما لا يعْلمون، ولا تؤاخِذْني بما يقولون، هذا كلامه رضي الله عنه، فلانٌ من الناس قال لك: أنت جيِّد فَقُل: اللهمّ اجْعلني عند حسْن ظَنِّك وهذا فضْل الله، تواضَع:

فانْظر إلى الأكحال وهي حِجارة لانتْ فصار مَقَرُّها في الأعْيُنِ
***

الكُحْل حَجَر مطْحون، أينْ يَضَعوه؟! بالعُيون، لأنَّهُ لَيِّن، قال أحدهم للآخر: ما تفْسير هذه الآية: فحكى له تفْسيراً رائِعاً سَمِعَهُ، فقال زِدْني فقال له: هذا فوق مُسْتواك فظاظات ورُعونات وكِبْر لا يُحْتَمَل.

5 ـ الحسد :

أما الذي يَغْتابُ بِدافِعِ الحَسَد فقد وَقَع في مَعْصِيَتَيْن؛ مَعْصِيَة الغيبة ومَعْصِيَة الحسد وهي مُرَكَّبَة، يقولون: معه قَرْحَة وجَلْطة! فأدْوِيَة القَرْحة تضرّ القلب، وأدْوِيَة الجَلْطة تضرّ المَعِدَة، غيبة على حسد:

قل لِمَن بات لي حاسِداً أَتَدْري على مَن أسأْتَ الأدب؟
أسأْتَ على الله في فِعْله إذْ لم تَرْضَ لِما وَهَــــب
***

هناك كلمات يتداولها العامَّة وهي كُفْر، يقولون: الله يُطْعم من لا أسنان له، فهذا معْناه أنَّ الله تعالى ليْس حكيماً، أحدهم له زَوْجة تَوَفَّتْ وكان لها أخْت أكبر منها باثنتي عشرة سنة، فقال أحدهم: لو أنَّهُ أخذ تِلْك! فالإنسان الذي يَعْترِض على قضاء الله عز وجل وقَدَرِه جاهِل لا يعْرف شيئاً، كُلُّ شيءٍ وقع أراده الله، وكُلُّ شيء أراده الله وقع، وإرادة الله عز وجل مُتَعَلِّقَة بالحِكْمة المُطْلقة، وحِكْمَتُه المُطْلقة مُتَعَلِّقَة بالخير المُطْلق، أحد المرات كنت راكباً بسيارة عامَّة كان مكْتوباً فيها:

ملك الملوك إذا وهب فلا تسألَنَّ عن السَّبب
***

فقلتُ هذا غلط، والصواب:

ملك الملوك إذا وهب قُمْ فَاسْألَنَّ عن السَّـبب
الله يُعْطي مـن يشاء فَقِـفْ على حَـدِّ الأَدَب
***

كل شيء وقع أراده الله
فالذي أعْطاهُ يُعْطيك، كُلُّكم من آدم، وآدم من تُراب، والله ذو الفضْل العظيم، إذا كانت هناك وظيفة وأخذها إنسان انتهى الأمر، هذا عند البشر أما عند خالق البشر ففضْلُهُ واسِع، يمكن أن يكون كُلَّ واحِدٍ منكم من أكبر المؤمنين، فالله موجود، وإله الصحابة هو إلهنا، وكُلُّ عَصْر فيه أبواب الخير والعمل الصالح والدَّعْوة، فالله تعالى فضْله واسِع، وأحياناً تجد من له ضَعْف في عقْله وأكثر شيء المُعَلِّمين إن كان الطالب ضعيفاً تجد المُعَلِّم يتكلَّم معه كلمات قبيحة جداً، يُحَطِّمُه لِعِشْرين سنة قادِمَة ليس العار أن تجهل وإنما العار أن تبقى جاهلاً
والله هناك أطفال مساكين مَحْدودو التَّفْكير، من بين خمسين طالباً تجد المُعَلِّم يُوَبِّخُه ويُقَبِّحُه، فإذا بهذا الطِّفْل يبْقى خمساً وعشرين سنة مُعَقَّداً بالعِلْم، أما المُعَلِّم الحكيم والمؤمن الرحيم إن وجد طالباً ضعيفاً بالرياضيات يُعْطيهِ سؤالاً سهْلاً جداً يُجيبُ عنه: فيقول: بارك الله بك، أنت جَيِّد، ويَرْقى به دَرَجَة درجة، فلو فرضْنا أنَّك أب وسألك ابنك سؤالاً سخيفاً وكان أمام إخْوته، فَضَحِكْت من هذا السؤال وأمْضَيْتَ السَّهْرة بالتَّهَكم فهل تعرف أنَّ ابنك هذا لن يسْألك ولا سؤالاً بِحَياتك، قَطَعْتَ العلاقة العِلْمِيَّة بينك وبينه، إنْ كُنْتَ مُرَبِّياً فِعْلاً مهما كان السؤال سَخيفاً تُجيبُ عنه باهْتِمام، يا بُنيّ ليس العارُ أن تجْهل إنما العار أن تبْقى جاهِلاً، فَكُلُّنا وُلِدْنا على الجَهْل، وليس العار أن تخطئ إنما العار أن تبْقى مُخْطِئاً، شَجِّع الناس لِسُؤالك ولا تسْخر منهم، ولا تُحَطِّم الجاهل، ولا تُصَغِّرْه أمام الناس، فقد قال النبي: "لا تُحَمِّروا الوُجوه"، أحياناً تسأل فلاناً سؤالاً فَيَرْتَبك، والمَوْقف أن تُجيبَ عنه مُباشَرَةً أنت حتى لا تُرْبِكْهُ، أرَدْتَ أن تُخْزِيَهُ أمام الناس فَخَزيتَ أمام الله.

6 ـ الغضب :

أما إن ادَّعَيْتَ أنَّك غَضِبْتَ، واغْتَبْتَ زَيْداً أو عُبَيْداً، فما عند الله لا يُنال بِمَعْصِيَّتِه، والله لا يُتَقَرَّب إليه بالمَعْصِيَة، إنما بالطاعة، يمكن أن تنْصَحَهُ أمام الملأ فلا يجوز هذا، إذا أرَدْتَ النُّصْح لله المسلم يتقرب من الله عز وجل بطاعته
فلْيَكن على انْفِراد أما في العَلَن فهو فضيحة، وبالمناسبة قالوا: إن كان أحدهم حديثَ عهْدٍ بالإسلام، فَهُوَ لا يعْرف المئات من القضايا المُحَرَّمَة، فالواجب مع هذا الشَّخْص عدم مُضايَقَتِه إنما الاتِّساع معه، ويُسْتعمل معه أسلوب التَدَرُّج وإلا حَطَّمْتَه، قال أحدهم: أسْلم خمْسَةٌ من المُراهِقين فأخذهم مُباشَرَةً عند المُطَهِّر كي يخْتَتِنوا!! فهذا ما وَجد في الإسلام إلا التَّطْهير.
قال: إنّ الغضب لله تعالى لا يُجيزُ لك أن تغْتاب أحداً، وأحْياناً التَّعَجُّب كأن تعْجب كيف فعل فُلانٌ كذا؟!! كذلك هذا التعجُّب يوقِع في المَعْصِيَة فلولا هذا التعجّب لما كانت هذه المَعْصِيَة، هذه معالجة بواعث الغيبة، أما أكبر ما يمْنعُك من الغيبة أن توقِن أنّ الذي سَتَغْتابُه سيَأخذ جميعَ حسناتك، إما أن تُطْرح عليك السيِّئات أو تؤخذ منك الحسنات إذا اغْتَبْت المؤمنين، أما غَيبةُ الفاجر فهذا موضوع ثان، فالذي يتَحَدَّث عن نفْسه بِكُلّ ما فعل من المعاصي فهذا موضوع ثان، وفي الدَّرْس القادم نتحَدَّث عن هذا الصِّنْف.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS